الحمد لله المستحق لغاية المحامد نحمده على عظيم احسانه واكرامه لنا بشامل النعم التي تعمنا والتي أعظمها هي شرف الرسالة والتكليف والصلاة والسلام على أشرف الخلق عبدالله ورسوله المصطفى الأمين محمد بن عبدالله الهادي البشير النذير وعلى آل بيته الطيبين وعلى الصحب الميامين ومن اهتدى بهديهم الى يوم الدين
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق؛ وألحقتُ بذلك الادلة والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم جمعا بين النصوص او الترجيح بينها وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم ....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي

وإن عبد حبشي رأسه زبيبة


د. زياد حبوب أبو رجائي

بقلم: زياد أبو رجائي

استدل بالحديث على المنع من القيام على السلاطين وإن جاروا لأن القيام عليهم يفضى غالبا إلى أشد مما ينكر عليهم ، ووجه الدلالة منه أنه أمر بطاعة العبد الحبشي والإمامة العظمى إنما تكون بالاستحقاق في قريش فيكون غيرهم متغلبا ، فإذا أمر بطاعته استلزم النهي عن مخالفته والقيام عليه . ورده ابن الجوزي بأن المراد بالعامل هنا من يستعمله الإمام لا من يلي الإمامة العظمى ، وبأن المراد بالطاعة الطاعة فيما وافق الحق
وفيه استدلال على : الترغيب في الطاعة لأولي الأمر وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة
قال ابن حجر في الفتح : وقد عكسه بعضهم فاستدل به على جواز الإمامة في غير قريش ، وهو متعقب ، إذ لا تلازم بين الإجزاء والجواز ، والله أعلم .
وقال السندي : { ‏فالكلام في أمر الخليفة فأنه كيف يكون الخليفة عبدا حبشيا على أن المحل محل المبالغة في لزوم الطاعة ففرض الخليفة فيه عبدا حبشيا لإفادة المبالغة يحتمل. ‏قوله
( عضوا عليها بالنواجذ ) ‏: ‏بالذال المعجمة وهي الأضراس قيل أراد به الجد في لزوم السنة كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعا من أن ينتزع أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه ‏ }
وهذا زيد بن وهب – رحمه الله - وهو التابعي الكبير الكوفي أحد المخضرمين يروي قصته مع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، وقد سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر ، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره وإن أمره عثمان بالتنحي عن المدينة فإنما كان لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور في المسألة الخلافية بينه وبين معاوية رضي الله عنه حول تفسير الآية :{ الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله }
قال معاوية نزلت في أهل الكتاب فقال أبو ذر نزلت فينا وفيهم }
ثم كان اختيار أبي ذر الربذة ، وقد كان يغدو إليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي الأثر المسند إلى عبد الله بن الصامت لدليل وشاهد على الصحابي الذي ما خرج عن منهج صحابة رسول الله في فهمهم العميق لأمر النبي بالتمسك بالجماعة ، قال " دخلت مع أبي ذر على عثمان ، فحسر عن رأسه فقال : والله ما أنا منهم يعني الخوارج . فقال . إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة . فقال : لا حاجة لي في ذلك ، ائذن لي بالربذة . قال : نعم " . ورواه أبو داود الطيالسي من هذا الوجه دون آخره وقال بعد قوله ما أنا منهم " ولا أدركهم ، سيماهم التحليق ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت " وفي " طبقات ابن سعد " من وجه آخر " أن ناسا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذر وهو بالربذة : إن هذا الرجل فعل بك وفعل ، هل أنت ناصب لنا راية - يعني فنقاتله - فقال : لا ، لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب لسمعت وأطعت " .
وقال ابن رجب في شرحه لصحيح الباري: قيل : إن هذا باب ضرب المثل لطاعة الأمراء على كل حال ، كقوله : (( من بنى مسجدا ، ولو كمفحص قطاة )) ، مع أنه لا يكون المسجد كذلك ، فكذلك العبد الحبشي لا يكون إماما ؛ فإن الأئمة من قريش .
وقيل : بل المراد أن الأئمة من قريش إذا ولت عبدا حبشيا أطيع ، وقد روي ذلك من حديث علي مرفوعا وموقوفا : (( إن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا فاسمعوا له وأطيعوا )) . والمعنى :
أي صار أميرا أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته أو لو استولى عليكم عبد حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن .
وأن تأمر عليكم عبد وفي بعض الروايات عبد حبشي. قال بعض العلماء العبد لا يكون واليا ولكن ضرب به المثل على التقدير ، فقال الخطابي :{ يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا ، ولم يرد بذلك أن يكون الإمام عبدا حبشيا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الأئمة من قريش " وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح في الوجود كقوله صلى الله عليه وسلم : " من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجدا لشخص آدمي ، ونظائر هذا الكلام كثير. وقوله : وعضوا عليها بالنواجذ : "وقد يكون معناه أيضا الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه "}
ونقل ابن بطال في شرح البخاري عن المهلب: قوله - صلى الله عليه وسلم - : « اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى » لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد إلا إمام قرشى، لما تقدم أنه لا تجوز الإمامة إلا فى قريش، وإنما أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة فى العبيد.
وهذا الحديث تقيده الأحاديث الأخرى كقوله: إنما الطاعة في المعروف يعني الطاعة في طاعة الله، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق هذا الحديث مقيد بالأحاديث الأخرى، والطاعة يعني الطاعة في المعروف، وإن كان عبدا حبشيا، لو كان إمام المسلمين عبدا حبشيا يجب السمع له والطاعة في المعروف، ولا يجوز الخروج عليه.

وهذا دليل على أن الولاية تثبت لولي الأمر إذا غلب الناس بقوته وسيفه وجب السمع له والطاعة، ولو كان عبدا حبشيا، ولو لم تثبت ولايته بالاختيار؛ لأنه لو كانت الولاية بالاختيار لاختير القرشي، يقول النبي: الأئمة من قريش إذا توفرت فيهم الشروط، كما في الحديث الآخر: ما أقاموا الدين فإذا وجد من يقوم بالدين وكان الاختيار للمسلمين اختاروا القرشي، فإن لم يوجد من يقوم بالدين من القرشيين يختار من غيره، كما ثبتت الخلافة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بالاختيار، فالخلافة تثبت بالاختيار، كما ثبتت لأبي بكر، وبولاية العهد كما ثبتت لعمر بولاية العهد من أبي بكر، والأمر الثالث إذا ثبتت بالقوة، تثبت له إذا غلب الناس بقوته وسلطانه واستتب الأمر وجب السمع له والطاعة، وثبتت بالاختيار والاتفاق في عهد الخلفاء الراشدين، ومن عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم ما ثبتت بالاختيار والاتفاق. الدولة الأموية والعباسية وهذه كلها ثبتت بالقوة وبولاية العهد، فيجب السمع والطاعة لولاة الأمور ولو كان ولي الأمر عبدا حبشيا، وفي اللفظ الآخر حديث أبي ذر: أمرني خليلي بأن أسمع وأطيع -يعني ولي الأمر- وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف مقطوع الأنف والأذن، فالواجب السمع والطاعة لما في السمع والطاعة من استتباب الأمن، وأداء ما أوجب الله، وترك ما حرم الله.
أما الاختلاف يبقى فيه الشر، فيه الفوضى، وفيه الاضطراب، وفيه إراقة الدماء، وفيه اختلال الأمن، اختلال المعيشة، واختلال الاقتصاد، واختلال الدين، ويحصل فتن وشرور لا أول لها ولا آخر، فالواجب السمع والطاعة لولي الأمر بالمعروف؛ ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: والطاعة - يعني لولي الأمر - وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا هذا فيه علم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيحصل اختلاف، وقد وقع الاختلاف.
ثم قال: فعليكم بسنتي الزموا سنتي، الواجب لزوم السنة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي سنة الخلفاء الراشدين يؤخذ بها إذا لم يكن في المسألة نص، إذا لم يكن في المسألة نص وفيها سنة للخلفاء الراشدين يؤخذ بها، ما لم يخالف نصا.
وذكر صاحب فيض القدير :
(الأئمة من قريش) لفظ الأئمة جمع تكسير معرف باللام ومحله العموم على الصحيح وبه احتج الشيخان يوم السقيفة فقبله الصحب وأجمعوا عليه ولا حجة لمن منع اشتراط القرشية في خبر السمع والطاعة ولو عبد لحمله على من أمره الإمام على نحو سرية أو ناحية جمعا بين الأدلة قال السبكي وفيه شاهد للشافعي بالإمامة بل بانحصار الإمامة لأن الأئمة من قريش يدل بحصر المبتدأ على الخبر عليه ولا يعني بالإمامة إمامة الخلافة فحسب بل هي وإمامة العلم والدين (أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها) قال ابن الأثير : هذا على جهة الإخبار عنهم لا على طريق الحكم فيهم أي إذا صلح الناس وبروا وليهم الأخيار وإذا فسدوا وفجروا وليهم الأشرار وهو كحديثه الآخر كما تكونوا يولى عليكم قال ابن حجر : وقع مصداق ذلك لأن العرب كانت تعظم قريشا في الجاهلية بسكناها الحرم فلما بعدث المصطفى صلى الله عليه وسلم ودعى إلى الله توقف غالب العرب عن اتباعه وقالوا : ننظر ما يصنع قومه فلما فتح مكة وأسلمت قريش تبعوهم ودخلوا في دين الله أفواجا واستمرت الخلافة والإمارة فيهم وصارت الأبرار تبعا للأبرار والفجار تبعا للفجار (وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا) بجيم ودال مقطوع الأنف أغيره (فاسمعوا له وأطيعوا ما لم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه) ليضرب بالسيف ولا يرتد عن الإسلام ولا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق بحال.
(تنبيه) ذهب الجمهور إلى العمل بقضية هذا الحديث فشرطوا كون الإمام قرشيا وقيده طوائف ببعضهم فقالت طائفة وهم الشيعة : لا يجوز إلا من ولد علي.
وقالت طائفة : يختص بولد العباس وهو قول أبو مسلم الخراساني وأتباعه.
وقالت طائفة : لا يجوز إلا من ولد جعفر بن أبي طالب نقله ابن حزم.
وقالت أخرى : من ولد عبد المطلب.
وقال بعضهم : لا يجوز إلا من ولد أمية وبعضهم لا يجوز إلا من ولد عمر.
قال ابن حزم : ولا حجة لأحد من هؤلاء الفرق وقال الخوارج وطائفة من المعتزلة : يجوز كون الإمام غير قرشي وإنما الإمام لمن قام بالكتاب والسنة ولو أعجميا وبالغ ضرر ابن عمر فقال : تولية غير القرشي أولى لأنه أقل عشيرة فإذا عصى أمكن خلعه.
قال ابن الطيب : ولم يعرج على هذا القول بعد ثبوت خبر الأئمة من قريش وانعقد الإجماع على اعتباره قبل وقوع الخلاف قال ابن حجر : عمل بقول ضرار من قبل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطري ودام فتنتهم أكثر من عشرين سنة حتى أييدوا فكذا من تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج كابن الأشعث ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة وليس من قريش كبني عباد وغيرهم بالأندلس وكعبد المؤمن وذويه ببلاد المغرب كلها وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا ولم يقولوا بأقوالهم ولا تمذهبوا بمذاهبهم بل كانوا من أهل السنة داعين إليها وقال عياض : اشتراط كون الإمام قرشيا مذهب كافة العلماء وقد عدوها في مسائل الإجماع ولا اعتداد بقول الخوارج وبعض المعتزلة قال ابن حجر : ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر فقد أخرج أحمد عنه بسند رجاله ثقات أنه قال : إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فإن أدركني أجلي بعده استخلفت معاذ بن جبل ومعاذ أنصاري لا قرشي فيحتمل أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر أو رجع عمر (ك) في المناقب (هق عن علي) أمير المؤمنين قال الحاكم : صحيح وتعقبه الذهبي فقال : حديثه منكر وقال ابن حجر رحمه الله : حديث حسن لكن اختلف في رفعه ووقفه ورجح الدارقطني وقفه قال : وقد جمعت طرق خبر الأئمة من قريش في جزء ضخم عن نحو أربعين صحابيا فقول العلائي لم أجده ذهول قال التاج السبكي رحمه الله تعالى : ذكر في المجموع أن حديث الأئمة من قريش في الصحيحين ولعله أراد بالمعنى وإلا فالذي فيهما لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان قال ابن حجر : وفيهما الناس تبع لقريش.
(فعليكم) الزموا التمسك (بما عرفتم من سنتي) أي طريقتي وسيرتي القديمة بما أصلته لكم من الأحكام الاعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وتفسير السنة بما طلب طلبا غير لازم اصطلاح حادث قصد به تمييزها عن الفرض (وسنة) أي طريقة (الخلفاء الراشدين المهديين) والمراد بالخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم فإن ما عرف عن هؤلاء أو بعضهم أولى بالإتباع من بقية الصحب وهذا بالنظر لتلك الأزمنة وما قاربها أما اليوم فلا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في قضاء ولا إفتاء لا لنقص في مقام أحد من الصحب ولا لتفضيل أحد الأربعة على أولئك بل لعدم تدوين مذاهب الأولين وضبطها وإجماع شروطها (عضوا عليها بالنواجذ) أي عضوا عليها بجميع الفم كناية عن شدة التمسك ولزوم الإتباع لهم والنواجذ الأضراس والضواحك والأنياب أو غيرها (وعليكم بالطاعة) أي الزموها (وإن كان) الأمير عليكم من جهة الإمام (عبدا حبشيا) فاسمعوا له وأطيعوا (فإنما المؤمن كالجمل الأنف) أي المأنوف وهو الذي عقر أنفه فلم يمتنع على قائده والقياس مأنوف لأنه مفعول به فجاء هذا شاذا (حيثما قيد انقاد).
قال أبو بكر بن الطيب: أجمعت الأمة أنه يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته كفره بعد الإيمان، وتركه إقامة الصلاة والدعاء إليها، واختلفوا إذا كان فاسقًا ظالمًا غاصبًا للأموال؛ يضرب الأبشار ويتناول النفوس المحرمة ويضيع الحدود ويعطل الحقوق فقال كثير من الناس: يجب خلعه لذلك.
وقال الجمهور من الأمة وأهل الحديث: لا يخلع بهذه الأمور، ولا يجب الخروج عليه؛ بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته فيما يدعو إليه من معاصى الله، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : « اسمعوا، وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى » وأمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر، وروى أنه قال: أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك ما أقاموا الصلاة »

قال محمد بن جرير: فى حديث على وحديث ابن عمر البيان الواضح عن نهى الله على لسان رسوله عباده عن طاعة مخلوق فى معصية خالقه، سلطانًا كان الآمر بذلك، أو سوقة، أو والدًا، أو كائنًا من كان. فغير جائز لأحد أن يطيع أحدًا من الناس فى أمر قد صح عنده نهى الله عنه.
فإن ظن ظان أن فى قوله - صلى الله عليه وسلم - فى حديث أنس: « اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى » وفى قوله فى حديث ابن عباس: « من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر » حجة لمن أقدم على معصية الله بأمر سلطان أو غيره، وقال: قد وردت الأخبار بالسمع والطاعة لولاة الأمر فقد ظن خطئًا، وذلك أن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن تتضاد، ونهيه وأمره لا يجوز أن يتناقض أو يتعارض، وإنما الأخبار الواردة بالسمع والطاعة لهم ما لم يكن خلافًا لأمر الله وأمر رسوله، فإذا كان خلافًا لذلك فغير جائز لأحد أن يطيع أحدًا فى معصية الله ومعصية رسوله، وبنحو ذلك قال عامة السلف.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح شرح باب الصلاة : قَوْله : ( كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ) قِيلَ شَبَّهَهُ بِذَلِكَ لِصِغَرِ رَأْسه ، وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي الْحَبَشَة ، وَقِيلَ لِسَوَادِهِ ، وَقِيلَ لِقِصَرِ شَعْر َأْسه وَتَفَلْفُلِهِ } ، وقال في شرح باب السمع والطاعة للإمام : { واحدة الزبيب المأكول المعروف كائن من العنب إذا جف ، وإنما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود ، وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها }

وقال ابن رجب في فتح الباري : {وقد قيل : إن هذا باب ضرب المثل لطاعة الأمراء على كل حال ، كقوله : (( من بنى مسجدا ، ولو كمفحص قطاة )) ، مع أنه لا يكون المسجد كذلك ، فكذلك العبد الحبشي لا يكون إماما ؛ فإن الأئمة من قريش .وقيل : بل المراد أن الأئمة من قريش إذا ولت عبدا حبشيا أطيع ، وقد روي ذلك من حديث علي مرفوعا وموقوفا : (( إن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا فاسمعوا له وأطيعوا )) . }
وقال النووي في شرحه مسلم : { ( كأن رأسه زبيبة ) ومن هذه الصفات مجموعة فيه فهو في نهاية الخسة ، والعادة أن يكون ممتهنا في أرذل الأعمال ، فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى ، قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ، ولا يشق عليهم العصا ، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا ، فإن قيل : كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيا ؟ فالجواب من وجهين :
أحدهما أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه ، لا أن الخليفة يكون عبدا ،
والثاني : أن المراد لو قهر عبد مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ، ووجبت طاعته ، ولم يجز شق العصا عليه . والله أعلم . }
وقال صاحب فيض القدير: {والمراد اسمعوا ولو لحبشي سواء كان ذلك الحبشي مفتونا أو مبتدعا كما اقتضاه تبويب البخاري عليه بباب إمامة المفتون والمبتدع ، ثم زاد في المبالغة بوصف العبد بقوله (كأن رأسه زبيبة) بزاي مفتوحة حبة عنب سوداء : حالا أو صفة لعبد : أي مشبها رأسه بالزبيبة في السواد والحقارة وقباحة الصورة ، أو في الصغر ، يعني وإن كان صغير الجثة حتى كأن رأسه زبيبة ، وقد يضرب المثل بما لا يكاد يوجد تحقيرا لشأن الممثل ، والمراد وشعر رأسه مقطقط إشارة إلى بشاعة صورته ، وأجمعوا على عدم صحة تولية العبد الإمامة لكن لو تغلب عبد بالشوكة وجبت طاعته خوف الفتنة.
وفي رواية " مجدع الأطراف" : أي مقطوع الأعضاء ، والتشديد للتنكير ، ذكره ابن الأثير.
وهذا حث على السمع والطاعة للإمام ولو جائرا.وذلك لما يترتب عليه من اجتماع الكلمة وعز الإسلام وقمع العدو وإقامة الحدود وغير ذلك ، وفيه التسوية في وجوب الطاعة بين ما يشق على النفس وغيره ، وقد بين ذلك في رواية بقوله فيما أحب وكره }

وكان يحث على السمع والطاعة لولاة الأمور فيقول: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد في رواية: عبد حبشي يعني العادة أن الحبشة سود الألوان عبد حبشي كأن رأسه زبيبة عادتهم تتجعد شعور رءوسهم حتى كأنها زبيب، كأن رأسه زبيبة يقودكم بكتاب الله، وإن تأمر عليكم عبد هكذا، يحثهم على السمع والطاعة؛ وذلك لأن في العصيان وفي المخالفات وفي الخروج على الأئمة مفاسد كثيرة، يعرفها من تتبع التاريخ، ولو حصل منهم معاص قد تصل إلى الكفر في أول القرن الثالث، لما أن الخليفة المأمون قرب المعتزلة ودخلوا فيه أدخلهم كولاة، ولى بعضهم كقضاة، وكذلك وثق بهم كوزراء، قلبوا عقيدته، وزينوا له أن يمتحن العلماء؛ ليقولوا أن القرآن مخلوق، وحصل بذلك فِتن، فُتن كثير من الأئمة، وكذلك سجن الإمام أحمد، وعذب وجلد جلدا شديدا وغيره من الأئمة، وقتل أيضا بعضهم، لم يبح الإمام أحمد ولا غيره خلع الخليفة ولا قتاله، يقدر أن يقول: يا أيها الناس إن هذا قد كفر ولا ولاية له، فعليكم أن تقاتلوه. الإمام أحمد له مكانته وله شهرته. فلما أنه لم يرخص في الفتنة ولا في القتال ولا في الخروج دل ذلك على أنه يخشى من الفتن، ويخشى أن يستحر القتل في المسلمين؛ وذلك لأن الخلفاء بأيديهم القوة وبأيديهم الأموال وبأيديهم الذخائر، وأما الذين يخرجون عليهم يحاولون أن يفتكوا بهم فإنهم ضعاف ليس عندهم قوة ولا منعة، فلا يقدرون أن يقاتلوا دولة تملك الذخائر وتملك القوة، ولكن يخيل إليهم، ولو أجاز الخروج لأجازه الإمام أحمد أن يخرجوا على هذا الخليفة، الذي هو الخليفة المأمون العباسي، ولكن وكل أمرهم إلى الله، وصبر على العذاب الذي تولاه الخليفة المعتصم، وخففه ابنه الواثق، ثم ابنه المتوكل، ونصر الله بعد ذلك أهل السنة، وظهر الحق واستبان والحمد لله .

هكذا يعتبر كون الإمام الذي ينصب كخليفة قرشيا، هكذا اشترطوا؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا الأمر في قريش يعني: هذه الولاية وهذه الخلافة، إنها في قريش، فيشترطون كونه قرشيا، كان الأمر فيهم ومنهم السلاطين إلى عهد قريب السلطان الذي في العراق، كذلك لما انقطع في العراق كان قرشيا أيضا في المغرب وحاكم المغرب من قريش، وكذلك أيضا حاكم الأردن من قريش، ولكن لا يلزم أن يكونوا قادة للأمة جمعاء.

إنما يجب أن يكون لهم شيء من الولاية وإذا لم يصلحوا وتولى الأمر غيرهم فإن الأمر بيد من ولاه الله ويعتبر أن يكون رجلا فلا يجوز أن تولى امرأة لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرس ولوا عليهم ابنة ملكهم كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة المرأة ضعيفة الرأي ولو ظهر في هذه الأزمنة من يدعو إلى بروزها ومن يدعو إلى مشاركتها للرجال فإنها ناقصة الرأي