بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين
والحمد لله رب العالمين
لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نقسه
واصلي واسلم وابارك على سيدي رسول الله المعلم الاول والهادي الى الصراط المستقيم وعلى اله الطبيبن الطاهرين واصحابه الغر الميامبن رضي الله عنهم اجمعين وعنا بهم الى يوم الدين
ايها الاخوة الاحبة
اعلموا انه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
فالفقه سبب لهذا الخير العميم من الله
قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا
قال الامام مالك : الفقه في الدين
واعلموا أن (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ)
(وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق
وألحقتُ بذلك الادلة
والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم
ا وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم
....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي
اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي

وقت وجوب وأصناف زكاة الفطر

 أولا : تَحْرِيرُ مَنَاطِ وَقْتِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ بَيْنَ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَفَجْرِهِ

هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَمَسُّ "تَحْدِيدَ اللَّحْظَةِ الْفَارِقَةِ لِلذِّمَّةِ" وَ**"ارْتِبَاطَ الْحُكْمِ بِمَحَلِّهِ مِنَ الْأَحْيَاءِ"**! تُؤَصِّلُ لِمَبْدَأِ "مَتَى يَنْعَقِدُ خِطَابُ الْوُجُوبِ؟"؛ حَيْثُ نَظَرَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَ مِنْ رَمَضَانَ هُوَ السَّبَبُ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي "قِمَّةِ" هَذَا السَّبَبِ: هَلْ هِيَ غُرُوبُ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ، أَمْ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ؟ لِتَحْقِيقِ الِانْضِبَاطِ فِي مَنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ عِنْدَ تَبَدُّلِ الْأَحْوَالِ بَيْنَ مَوْتٍ وَوِلَادَةٍ، صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ مِنْ أَنْ تَجِبَ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا.

نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ خِلَافٌ)؛ يَعْنِي أَنَّ الْفُقَهَاءَ تَرَدَّدُوا فِي وَقْتِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُكَلَّفِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ. وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ مَاتَ بَيْنَ الْغُرُوبِ وَالْفَجْرِ، أَوْ وُلِدَ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَجِبُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَعَلَى الثَّانِي تَجِبُ عَنِ الْمَوْلُودِ.

أَوَّلًا: حَدُّ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ بَيَانُ مَنَاطِ "مِيقَاتِ انْعِقَادِ الْوُجُوبِ" لِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْأَشْخَاصِ فِي عُهْدَةِ الْمُكَلَّفِ.

ثَانِيًا: رَسْمُ الْمَسْأَلَةِ: صُورَتُهَا أَنْ يُولَدَ لِشَخْصٍ مَوْلُودٌ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ رَمَضَانَ بِسَاعَةٍ؛ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْغُرُوبِ لَا زَكَاةَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُوداً وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْفَجْرِ تَجِبُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْفَجْرَ وَهُوَ حَيٌّ.

ثَالِثًا: غَرِيبُ الْأَلْفَاظِ مَعْجَمِيًّا:

لَيْلَةِ الْعِيدِ: تَبْدَأُ شَرْعاً بِمُجَرَّدِ مَغِيبِ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمِ رَمَضَانَ.

بِفَجْرِهِ: أَيْ بِانْصِدَاعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ.

رَابِعًا: تَلْخِيصُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ:

قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ (الْمَشْهُورُ): أَنَّ الْوُجُوبَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ.

قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ الْوُجُوبَ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.

خَامِسًا: النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ فِيهَا: تَبْرُزُ فِي اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ (وَهَلْ...؟)؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُوَّةِ التَّعَادُلِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَأَنَّ كِلَيْهِمَا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ فِي مَعْنَى "الْفِطْرِ".

سَادِسًا: إِعْرَابُ الْعِبَارَةِ: (وَهَلْ): حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ لِلتَّرَدُّدِ. (بِأَوَّلِ): جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ (بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ يَقَعُ الْوُجُوبُ). (خِلَافٌ): مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

سَابِعًا: النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ فِيهَا: تَقْدِيمُ الشَّرْطَيْنِ (بِأَوَّلِ لَيْلَةِ...) (أَوْ بِفَجْرِهِ) عَلَى الْمُبْتَدَأِ (خِلَافٌ)؛ لِحَصْرِ ذِهْنِ الْمُتَعَلِّمِ فِي "مَحَلِّ النِّزَاعِ" الزَّمَانِيِّ قَبْلَ مَعْرِفَةِ وُجُودِ الْخِلَافِ.

ثَامِنًا: النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: يَقُومُ عَلَى مَنَاطِ "تَحْقِيقِ مَعْنَى الْإِضَافَةِ"؛ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ مُضَافَةٌ لِلْفِطْرِ، فَهَلِ الْفِطْرُ هُوَ "الْإِبَاحَةُ" (الَّتِي تَقَعُ بِالْغُرُوبِ) أَمْ هُوَ "الْوُجُوبُ" (الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ مَحَلِّ الصَّوْمِ كُلِّهِ بِالْفَجْرِ)؟

تَاسِعًا: تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ:

مَقُولَةُ مَتَى: "الزَّمَانُ" (اللَّحْظَةُ الَّتِي يَنْعَقِدُ فِيهَا الْوُجُوبُ).

مَقُولَةُ الْإِضَافَةِ: نِسْبَةُ الزَّكَاةِ لِلشَّخْصِ (مَنْ هُوَ الْمَوْجُودُ لَحْظَةَ الْوُجُوبِ؟).

مَقُولَةُ الْكَيْفِ: "الْأَهْلِيَّةُ" (الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْقُدْرَةُ وَقْتَ الْوُجُوبِ).

عَاشِرًا: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ فِقْهِيًّا: تَكْمُنُ فِي "ضَبْطِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ"؛ فَبِالْغُرُوبِ نَعْرِفُ هَلْ تُخْرَجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أَمْ لَا، وَبِالْفَجْرِ نَعْرِفُ هَلْ نُلْزِمُ الْأَبَ بِزَكَاةِ الْمَوْلُودِ أَمْ لَا.

حَادِيَ عَشَرَ: تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ بِمَنَاطَاتِ الدَّلَالَاتِ وَالْمَفَاهِيمِ:

مَفْهُومُ الِاعْتِبَارِ: أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ تَتْبَعُ الْأَشْخَاصَ حَالَةَ وُجُودِهِمْ.

دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ: صِحَّةُ الزَّكَاةِ تَقْتَضِي تَعْيِينَ وَقْتِ انْصِبَابِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُكَلَّفِ.

ثَانِيَ عَشَرَ: تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا: الْمُقَدِّمَةُ أ: كُلُّ عِبَادَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِزَمَنٍ فَالْأَهْلِيَّةُ فِيهَا تُعْتَبَرُ لَحْظَةَ دُخُولِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. الْمُقَدِّمَةُ ب: زَمَنُ زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ. الِاسْتِنْتَاجُ: إِذًا؛ الِاخْتِلَافُ فِي لَحْظَةِ "الْفِطْرِ" يُؤَدِّي لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ.

ثَالِثَ عَشَرَ: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ وَمَحْمُولُهَا: الْمَوْضُوعُ: وَقْتُ تَعَلُّقِ خِطَابِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ. مَحْمُولُهَا: التَّرَدُّدُ بَيْنَ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَفَجْرِهِ.

رَابِعَ عَشَرَ: مِنْ خَصَائِصِ الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ فِيهَا: "دِقَّةُ التَّفْرِيعِ الزَّمَانِيِّ"؛ حَيْثُ حَصَرُوا الِاحْتِمَالَاتِ فِي خَمْسَةِ أَقْوَالٍ، مِمَّا يَعْكِسُ عُمْقَ النَّظَرِ فِي مَفْهُومِ "الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ" لِلْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ.

خَامِسَ عَشَرَ: أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ:

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ)؛ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْفِطْرَ يَقَعُ بِكَمَالِ الصَّوْمِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ بِمُقَابَلَةِ يَوْمِ الْعِيدِ.

الْمَعْنَى: قَوْلُهُ ﷺ: (أَغْنُوهُمْ عَنْ سُؤالِ هَذَا الْيَوْمِ)؛ فَالْيَوْمُ يَبْدَأُ مِنَ الْفَجْرِ، مِمَّا قَوَّى قَوْلَ الْأَبْهَرِيِّ.

الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ:

قَاعِدَةُ (الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ): وَالْعِلَّةُ هِيَ الْفِطْرُ.

قَاعِدَةُ (الِاحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ مَطْلُوبٌ): فَمَنِ احْتَاطَ لِلْغُرُوبِ فَقَدْ أَدَّى بِيَقِينٍ.

ثانياً : تَحْرِيرُ مَنَاطِ أَصْنَافِ الْمُخْرَجِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَأَثَرِ "أَغْلَبِ الْقُوتِ"

هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَمَسُّ "الِاسْتِيفَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَيْشِ" وَ**"تَحْقِيقَ مَقْصِدِ الْإِغْنَاءِ"**! تُؤَصِّلُ لِمَبْدَأِ "الْإِخْرَاجُ مِنْ طَعَامِ الْبَلَدِ"؛ حَيْثُ نَظَرَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِمَّا يَأْكُلُونَ عَادَةً، لَا مَا يُرْهِقُ الْمُزَكِّيَ بِتَحْصِيلِهِ، وَلَا مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْفَقِيرُ، لِتَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِمَادَّةِ الْحَيَاةِ الْأَسَاسِيَّةِ.

نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ... مِنْ مُعَشَّرٍ... أَوْ أَقِطٍ)؛ يَعْنِي أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تُخْرَجُ مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ أَهْلُ الْبَلَدِ فِي غِذَائِهِمُ الْغَالِبِ، وَهَذَا الْغَالِبُ مَحْصُورٌ فِي تِسْعَةِ أَصْنَافٍ (الْقَمْحِ، الشَّعِيرِ، السُّلْتِ، التَّمْرِ، الزَّبِيبِ، الْأُرْزِ، الدُّخْنِ، الذُّرَةِ، وَالْأَقِطِ). فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْقَوْمُ لَا يَقْتَاتُونَ إِلَّا ذَلِكَ الْغَيْرَ.

أَوَّلًا: حَدُّ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ تَعْيِينُ "الْمَادَّةِ الْعَيْنِيَّةِ" الَّتِي يُدْفَعُ مِنْهَا الصَّاعُ، وَتَحْرِيرُ مِعْيَارِ "الْغَلَبَةِ الِاقْتِيَاتِيَّةِ".

ثَانِيًا: رَسْمُ الْمَسْأَلَةِ: صُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ بَلَدٍ يَأْكُلُونَ الْقَمْحَ غَالِباً وَعِنْدَهُمْ تَمْرٌ قَلِيلٌ؛ فَيَجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنَ الْقَمْحِ رِعَايَةً لِغَالِبِ قُوتِهِمْ.

ثَالِثًا: غَرِيبُ الْأَلْفَاظِ مَعْجَمِيًّا:

مُعَشَّرٍ: مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْعُشْرِ (الْحُبُوبُ وَالثِّمَارُ السَّابِقَةُ).

أَقِطٍ: لَبَنٌ جَامِدٌ مَسْتَخْرَجٌ زُبْدُهُ (يُقْتَاتُ بِهِ فِي الْبَادِيَةِ).

رَابِعًا: تَلْخِيصُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ:

الْمَشْهُورُ: أَنَّ الْأَصْنَافَ تِسْعَةٌ فَقَطْ يُخْرَجُ مِنَ الْأَغْلَبِ مِنْهَا.

قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: زَادَ الْعَلَسَ عَلَيْهَا.

قَوْلُ أَشْهَبَ: حَصَرَهَا فِي سِتَّةٍ فَقَطْ وَأَسْقَطَ الدُّخْنَ وَالذُّرَةَ وَالْأُرْزَ.

خَامِسًا: النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ فِيهَا: تَبْرُزُ فِي اسْتِعْمَالِ (مِنْ أَغْلَبِ)؛ لِتَحْقِيقِ "الْمُوَافَقَةِ الْعُرْفِيَّةِ"، فَالشَّرِيعَةُ لَمْ تُلْزِمْ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ جَامِدٍ لِكُلِّ الْبَشَرِ، بَلْ رَبَطَتْهُ بِحَيَاةِ النَّاسِ.

سَادِسًا: إِعْرَابُ الْعِبَارَةِ: (مِنْ أَغْلَبِ): جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ مِنَ الصَّاعِ. (مِنْ مُعَشَّرٍ): بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ (مِنْ أَغْلَبِ).

سَابِعًا: النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ فِيهَا: تَنْكِيرُ (قُوتٍ) وَتَعْرِيفُ (الْمُعَشَّرِ)؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ "مَاهِيَّةَ الطَّعَامِ" مُطْلَقَةٌ، لَكِنَّ "الْأَصْنَافَ الشَّرْعِيَّةَ" مَعْرُوفَةٌ وَمَحْصُورةٌ.

ثَامِنًا: النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: يَقُومُ عَلَى مَنَاطِ "مُوَاسَاةِ الْفَقِيرِ بِمَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ"؛ فَالْقُوتُ هُوَ مَا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، وَإِخْرَاجُهُ يُحَقِّقُ مَقْصِدَ الْحَدِيثِ فِي الْإِغْنَاءِ عَنِ الطَّلَبِ.

تَاسِعًا: تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ:

مَقُولَةُ الْجَوْهَرِ: أَعْيَانُ الْحُبُوبِ وَالْأَقِطِ.

مَقُولَةُ الْكَيْفِ: "الِاقْتِيَاتُ" (الصِّفَةُ الَّتِي جَعَلَتِ الْمَادَّةَ مَحَلّاً لِلزَّكَاةِ).

مَقُولَةُ الْكَمِّ: "صَاعٌ" (الْمِقْدَارُ الْمُحَدَّدُ).

عَاشِرًا: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ فِقْهِيًّا: تَكْمُنُ فِي "انْضِبَاطِ وِعَاءِ الزَّكَاةِ"؛ فَلَا يَصِحُّ إِخْرَاجُ مَا لَيْسَ بِقُوتٍ (كَالْفَوَاكِهِ) لِأَنَّهَا لَا تُحَقِّقُ الِادِّخَارَ وَسَدَّ الْخَلَّةِ الدَّائِمَ.

حَادِيَ عَشَرَ: تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ بِمَنَاطَاتِ الدَّلَالَاتِ وَالْمَفَاهِيمِ:

مَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ: (إِلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهُ)؛ يَدُلُّ عَلَى مَسِيرِ الشَّرْعِ مَعَ الضَّرُورَةِ إِذَا فُقِدَتِ الْأَصْنَافُ التِّسْعَةُ.

دَلَالَةُ النَّصِّ: تَحْدِيدُ الصَّاعِ يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ فِي الْمِقْدَارِ بِالزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ.

ثَانِيَ عَشَرَ: تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا: الْمُقَدِّمَةُ أ: زَكَاةُ الْفِطْرِ شُرِعَتْ لِإِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ عَنِ الطَّعَامِ يَوْمَ الْعِيدِ. الْمُقَدِّمَةُ ب: الْإِغْنَاءُ عَنِ الطَّعَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا يَقْتَاتُهُ النَّاسُ غَالِباً. الِاسْتِنْتَاجُ: إِذًا؛ تَعَيَّنَ الْإِخْرَاجُ مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ.

ثَالِثَ عَشَرَ: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ وَمَحْمُولُهَا: الْمَوْضُوعُ: جِنْسُ مَا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ. مَحْمُولُهَا: الْوُجُوبُ مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ الْمُحَدَّدِ شَرْعاً.

رَابِعَ عَشَرَ: مِنْ خَصَائِصِ الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ فِيهَا: "الْوَاقِعِيَّةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ"؛ حَيْثُ جَعَلُوا الْقَمْحَ هُوَ الْأَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفَقِيرِ، وَسَمَحُوا بِالْأَقِطِ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُرُونَةِ الْمَذْهَبِ.

خَمْسَ عَشَرَ: أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ:

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ).

الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ:

قَاعِدَةُ (الْمَعْرُوفُ عُرْفاً كَالْمَشْرُوطِ شَرْطاً): فَالْقُوتُ الْغَالِبُ صَارَ شَرْطاً فِي الْإِجْزَاءِ.

قَاعِدَةُ (الْجِنْسُ يَتْبَعُ النَّفْعَ): فَلَمَّا كَانَ النَّفْعُ فِي الْقُوتِ انْحَصَرَتِ الزَّكَاةُ فِيهِ.


من كتابي : 
إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - الجزء الثامن