جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

شرح قصيدة لذاتي بذاتي - 2

 قال الشيخ النابلسي : 
وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ
 أولًا: غريب الألفاظ
 الأكوان: جمع كون، والمراد بها جميع الموجودات المخلوقة، كالسموات والأرض والإنسان وسائر المخلوقات.
 مظاهر: جمع مَظْهَر، وهو محل الظهور والتجلِّي، أي ما يظهر فيه الشيء أو يُعرف به.
 ثانيًا: إعراب العجز
 الواو: للاستئناف.
 ما: نافية تعمل عمل ليس عند بعض النحاة، أو حرف نفي لا عمل له عند آخرين.
 هذه: اسم إشارة في محل رفع اسم (ما) أو مبتدأ.
 الأكوان: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة.
 إلا: أداة حصر.
 مظاهر: خبر (ما) أو خبر المبتدأ، مرفوع.
والأسلوب يفيد القصر، أي: ليس للأكوان وصفٌ معتبر هنا إلا أنها مظاهر.
 ثالثًا: المعنى اللغوي
المعنى اللغوي للجملة:
 ليست هذه المخلوقات إلا مواضع يظهر فيها أمرٌ آخر أو يدل عليها.
ولا يقتضي اللفظ بمجرده بيان ما الذي يظهر فيها؛ وإنما يتحدد ذلك بحسب اعتقاد القائل وسياق كلامه.
 رابعًا: تفسيره عند التصوف السني
يفسر كثير من أهل التصوف السني هذه العبارة على معنى صحيح إذا قُيِّدت بالضوابط الشرعية، فيقولون:
إن الأكوان مظاهر لأسماء الله وصفاته وآثار قدرته وحكمته، فهي تدل على الخالق وتشهد بعظمته، لا أنها ذاته ولا أنها جزء منه.
فالسماوات مثلًا مظهر لقدرته، والرزق مظهر لاسمه الرزاق، والرحمة بين الخلق مظهر لآثار اسمه الرحيم، والعدل مظهر لآثار اسمه العدل، وهكذا.
وهذا المعنى موافق لقوله تعالى:
 ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53].
وقوله:
 ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190].
فالمخلوقات آيات ودلالات على الله، وليست هي الله، ولا حالًّا فيها، ولا متحدًا بها.
 خامسًا: تفسيره عند أصحاب وحدة الوجود
أما عند أصحاب وحدة الوجود، فإن لفظ المظاهر يُحمل على معنى آخر، وهو أن الموجود الحقيقي واحد، وأن هذه الأكوان ليست إلا مظاهر أو تجليات لذلك الوجود الواحد.
وعلى هذا التفسير لا تكون الموجودات مجرد مخلوقات تدل على الله، بل تكون صورًا أو تعينات للوجود الإلهي عندهم، وإن اختلفت عباراتهم في صياغة ذلك.
ولذلك يفسرون قولهم: "الأكوان مظاهر" بأنها مظاهر للحق نفسه لا مجرد مظاهر لآثار أسمائه وصفاته.
 سادسًا: خطورة هذا الاعتقاد
إذا أُريد بالمظاهر المعنى الذي يقوله أصحاب وحدة الوجود، فإنه يفضي إلى لوازم خطيرة، منها:
 إلغاء الباينة بين الخالق والمخلوق.
 جعل الفرق بين الرب والعبد فرقًا في المظاهر لا في الحقيقة.
 إبطال حقيقة الخلق والإيجاد، إذ تصير الموجودات مجرد تجليات للوجود الواحد.
 معارضة النصوص الكثيرة الدالة على أن الله سبحانه خالقٌ والعالم مخلوق، وأنه سبحانه بائنٌ عن خلقه، ليس حالًّا فيهم ولا متحدًا بهم.

ولهذا أنكر جمهور علماء أهل السنة هذا الفهم، وعدّوه مخالفًا لأصل التوحيد الذي يقرر التمييز بين الخالق والمخلوق، مع الإيمان بأن المخلوقات كلها آيات دالة على ربها، وآثار لقدرته وحكمته، لا أنها ذاته أو تجليات لعين وجوده.

شرح قصيدة لِذَاتِي بِذَاتِي - 1

  تمهيد
هذه القصيدة من أشهر القصائد الصوفية المنسوبة إلى الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (ت 1143هـ)، الفقيه الحنفي، والمفسر، والأديب، وأحد أبرز أعلام التصوف في القرن الثاني عشر الهجري. والمشهور أن هذه القصيدة لا يُعرف لها عنوان أصلي وضعه عبد الغني النابلسي نفسه، وإنما اشتهرت بين الناس والمحققين بمطلعها، فيقال:  قصيدة: لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرُ
والتصوف السني يسميها قصيدة في التوحيد. ، أما التصوف الوجودي  يزعم بتسميتها قصيدة في الحقيقة المحمدية أو التجليات
وقد عُرف النابلسي بسعة علمه وكثرة مؤلفاته، إلا أنه تأثر في كثير من تقريراته العقدية والذوقية بمدرسة محيي الدين ابن عربي، ولا سيما في مباحث التجليات ووحدة الوجود.
وتُعد هذه القصيدة من النصوص التي تكثر فيها المصطلحات الصوفية الدقيقة، كالتجلي، والمظاهر، والظهور، وغيرها من الألفاظ التي قد تُحمل على معانٍ صحيحة إذا فُسرت بما يوافق عقيدة أهل السنة، وقد تُحمل على معانٍ باطلة إذا فسرت على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود.
ولهذا كان من الواجب أن تُقرأ قراءةً علميةً ناقدة، لا قراءةً قائمة على التسليم بكل ألفاظها، ولا على ردها جميعًا دون تمييز.
وسيكون منهج هذا الشرح في كل بيت على النحو الآتي:
 ذكر البيت.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)، وهو حمل اللفظ - متى أمكن - على معنى يوافق أصول أهل السنة والجماعة.
 التفسير الوجودي، وهو بيان المعنى الذي يحمله عليه أصحاب وحدة الوجود، أو ما يدل عليه اصطلاحهم.
 بيان فساد التفسير الوجودي بالأدلة الشرعية وأقوال أئمة أهل السنة، مع التنبيه إلى ما في العبارة من إجمال أو إيهام.
ليس كل بيت في القصيدة يُحكم عليه بالخطأ، وإنما يُوزن كل بيت بميزان الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة الأشاعرة، 
وبذلك يتبين للقارئ مواضع الصواب والخطأ، ويظهر الفرق بين التصوف السني المبني على الكتاب والسنة، وبين المصطلحات الفلسفية التي دخلت على بعض المتأخرين من المنتسبين إلى التصوف.
 البيت الأول

 لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرٌ               وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ

لِذاتي : الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر على معنى: ظاهرٌ لذاتي
بذاتي : الجار والمجرور متعلقان أيضًا بـ ظاهر، والباء تحتمل السببية أو الملابسة، أي: ظاهر بذاتي لا بغيري.
لا لكم :  الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر، أي: لست ظاهرًا لكم
يجوز أن يتعلق الجاران معًا بـ ظاهر، وهو الأظهر، فيكون المعنى اللغوي:  أنا ظاهرٌ لذاتي، وبذاتي، لا بغيري، ولا لكم.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)
يمكن حمل هذا البيت  على أن الله تعالى ظاهر الدلالة على وجوده وكماله بما أظهره من آثار قدرته وآيات حكمته، لا أنه ظاهر بذاته في المخلوقات.
ومعنى قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ﴾ أي: مظاهر لآثار القدرة الإلهية، ومجالٍ لظهور آثار أسمائه الحسنى؛ فالخلق يدل على الخالق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾.
وعلى هذا التفسير يبقى الفرق محفوظًا بين الخالق والمخلوق؛ فالكون ليس إلا آيةً ودليلًا، وليس جزءًا من ذات الله ولا مظهرًا لذاته.
قال الإمام البيهقي : وهو أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها، بمعنى أنها لا تحلّه ولا يحلّها، ولا يمسّها ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة، تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسّة علواً كبيراً
تفسير التصوف الوجودي
أما على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود، فالبيت يُفهم على أن الأكوان ليست مجرد دلائل على الله، بل هي تجلّيات ومظاهر للوجود الإلهي نفسه، وأن الكثرة المشاهدة في العالم ليست إلا مظاهر للوجود الواحد، فلا يكون بين الخالق والمخلوق تغاير حقيقي، وإنما اختلاف في مراتب الظهور والتجلي.
وهذا هو الاصطلاح الذي شاع عند محيي الدين ابن عربي ومن تأثر به، حيث يُطلق لفظ المظاهر والتجليات بمعانٍ تتجاوز مجرد الدلالة إلى اعتبار الموجودات ظهورًا للحق.
 بيان فساد التفسير الوجودي
هذا الفهم باطل عند أهل السنة، ومنهم الأشاعرة؛ لأنه يصادم أصلًا من أعظم أصول العقيدة، وهو المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق.
فالله تعالى هو الخالق، والعالم كله مخلوق حادث، قال تعالى:
 ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فلو كانت الأكوان هي ظهور الذات الإلهية أو تجلياتها بالمعنى الوجودي، لانتفى الفرق الحقيقي بين الخالق والمخلوق، ولأصبح العالم في حقيقته هو عين الوجود الإلهي أو مظهرًا له، وهذا يناقض النصوص القطعية وإجماع أهل السنة.
ولهذا قرر الأشاعرة أن الله تعالى ليس حالًّا في خلقه، ولا الخلق حالون فيه، ولا ذاته متحدة بشيء من مخلوقاته، وأن ما في الكون إنما هو آثار صنعه ودلائل ربوبيته، لا ظهور ذاته ولا انكشافها في الموجودات.

تنبيه لك أيها السُّنّي : هذا البيت وحده يمكن أن يُحمل على معنى صحيح إذا فُسر بأن الأكوان مظاهر للقدرة والحكمة والآيات

تنبيه :
ليسَ الأصلُ في منهجِ أهلِ السنةِ أنْ كلَّ كلامٍ موهمٍ يجبُ أنْ يُؤوَّلَ مهما بلغَ.
فما يقومُ به الشيخُ د. سعيدُ فودةُ صحيحٌ، ولو كانَ كلامُ ابنِ عربي او الحلاج أو النابلسي قابلًا للتأويلِ؛ وكثيرٌ منه لا يندفعُ ظاهرُه إلا بتكلُّفٍ في التأويلِ بعيد. ولأنَّ إحسانَ الظنِّ لا يقتضي تصحيحَ كلِّ عبارةٍ، ولا إلزامَ الناسِ بتأويلِها.
فإذا كانتِ العبارةُ مخالفةً لظاهرِ الكتابِ والسنةِ، وتحتملُ معنًى باطلًا ظاهرًا، ولم يقمْ دليلٌ قويٌّ على إرادةِ معنًى صحيحٍ، فإنَّ الواجبَ ردُّ ظاهرِها، والتحذيرُ منها، ولا يُكلَّفُ الناسُ بالبحثِ عن مخارجَ بعيدةٍ.
لذا نحملُ المتكلمَ على أحسنِ المحاملِ ما أمكنَ، لكنْ لا نحملُ كلامَهُ على أحسنِ المحاملِ إذا كانَ في ذلكَ إقرارٌ لانتشارِ ألفاظٍ موهمةٍ، أو معانٍ تخالفُ العقيدةَ.
وقد أوَّلتُ صدرَ قصيدةِ «لِذاتي بذاتي» للشيخِ عبدِ الغنيِّ النابلسيِّ على وجهٍ يوافقُ عقيدةَ أهلِ السنةِ، لا لأنِّي أجزمُ بأنَّه مرادُ الناظمِ في مجموعِ القصيدةِ، وإنما لبيانِ أنَّ البيتَ الأولَ إذا أُفردَ عن سياقِه يحتملُ هذا الوجهَ. أمَّا إذا نُظرَ إلى القصيدةِ كلِّها، فإنَّ سياقَها يجعلُ هذا التأويلَ متكلَّفًا عندي، ويقوِّي احتمالَ المعاني التي نُسبت إلى مذهبِ ابنِ عربي الوجودي ، 
ولذلكَ لا أدعو إلى نشرِ القصيدةِ، بل أرى أنَّ فيها أبياتًا مشكلةً يجبُ التحذيرُ منها، كما يجبُ التحذيرُ من العباراتِ المشكلةِ في «الفصوصِ» و«الفتوحاتِ» إذا أفضتْ إلى نشرِ معانٍ تخالفُ ما استقرَّ عليه اعتقادُ أهلِ السنةِ.
فإحسانُ الظنِّ بالمتكلمِ شيءٌ، وتصحيحُ كلامِه أو إلزامُ الناسِ بتأويلِه شيءٌ آخرُ، والواجبُ حفظُ عقائدِ أهلِ السنةِ، مع العدلِ في الحكمِ على الأشخاصِ.
#زياد_حبوب_أبورجائي

عندما تتدهور أخلاق الصوفية

 عندما تتدهور أخلاق الصوفية (!!)
من أكثر ما هزَّ مشاعري ومن أكثر ما آلمني في هذا الجدل أن أرى بعض الناس يخاطب الشيخ الدكتور سعيد فودة - وفقه الله- بقوله: "يا سعيد "! 
حتى الأقران لم يفعلوها  يا فتى (!!)
أيُّ أدبٍ هذا؟! وهل هكذا تُخاطَب قامات العلم؟! ولو كان رجلًا من عامة المسلمين لاشتهجنَّا هذه الطريقة، فكيف إذا كان عالمًا أفنى عمره في التدريس والتأليف والمناظرة، وهو من قامات أهل السنة في هذا العصر، بشهادة الموافق والمخالف، وباعتراف خصومه قبل محبيه؟
فإن من أبجديات الأدب أن تقول: الشيخ سعيد فودة، أو الدكتور سعيد فودة، أو الشيخ الدكتور سعيد فودة. أما أن تُجرِّده من كل لقبٍ علمي وتخاطبه مخاطبة الندِّ أو من هو دونه، فلا أراه إلا صورةً من صور الاستخفاف وقلة التوقير، وهو خلق لا يليق بطالب علم، فضلًا عمن يتصدر للكلام في مسائل الشريعة.
لقد قال النبي ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». 
فتعظيم أهل العلم وتوقيرهم من أخلاق الإسلام، وليس من باب العصمة لهم أو منع نقدهم.
ولو كنت لا ترى الشيخ الدكتور سعيد فودة كبيرًا في العلم، أو لا توافقه في اجتهاداته، فهذا لا يسوغ لك أن تهبط بخطابك إلى هذا المستوى؛ فإن الرجل له منزلته العلمية المعروفة، واحترامه من احترام العلم نفسه. والخلاف العلمي لا يبيح إسقاط الأدب، ولا يحول العلماء إلى أنداد يُنادَون على سبيل الاستخفاف.
ثم جاء من شوَّه أصل القضية بقوله: «اعتراضي على أن يجعل اجتهاده ملزمًا للأمة». بل الواضح انهم من يريدون الشيخ ان يسكت او يقول بقولهم !!
وهذا قلبٌ لمحل النزاع؛ فإن الشيخ الدكتور سعيد فودة لم يقل يومًا: اقبلوا قولي لأنه قولي، وإنما يقرر ما يراه بالدليل، ثم يناقش الأدلة، ويطلب من مخالفه أن يناقشها. أو يسلموا للدليل لا لشخصه فمن رأى أن دليله ضعيفًا فليبين وجه ضعفه، ومن رأى أن استدلاله فاسدًا فليفنده، أما اختزال المسألة في شعار: «يريد أن يُلزم الأمة باجتهاده»، فليس جوابًا علميًا، بل هو هروب من مناقشة الحجة إلى التشنيع على صاحبها.
إن ميزان أهل العلم واضح: ناقش الدليل بالدليل، ولا تهدم هيبة العلماء بسوء الأدب، ولا تجعل الشعارات بديلًا عن البرهان.
والعجيب أن هؤلاء أنفسهم إذا وافقوا إمامًا من الأئمة رجحوا قوله وعدّوا مخالفه مخطئًا، ولا يرون ذلك إلزامًا للأمة، فإذا فعل غيرهم الشيء نفسه، واتبع ما أداه إليه الدليل، صاحوا: "يريد إلزام الأمة باجتهاده"!
إن ميزان أهل العلم لا يتغير: الدليل يُقابَل بالدليل، والحجة بالحجة، وأما سوء الأدب مع العلماء فلا يزيد صاحبه إلا سقوطًا، ولا يزيد العالم إلا رفعةً عند المنصفين.
#زياد_حبوب_ابورجائي
#مجالس_المذاهب

لا حجة معهم ولا دليل يدافعون عن ابن عربي

 لماذا لا نرى من أكثر المعترضين إلا التشويش والتهويل، ولا نرى ردًّا علميًا على أدلة الشيخ سعيد؟
الجواب واضح؛ لأن الرد العلمي يقتضي دليلًا، والدليل هو ما يفتقدونه. ولو كان لديهم نص واحد صريح من الكتاب أو السنة أو إجماع معتبر يشهد لتلك الأقوال، لسارعوا إلى إبرازه، لكنهم يكتفون بإثارة الضجيج، والطعن في الأشخاص، وصرف الأنظار عن أصل المسألة.
ثم إذا أُلزموا بالحجة قالوا: هذا فوق طور العقل! وكأن المطلوب من المسلم أن يعتقد ما يصادم العقل السليم الذي جعله الله طريقًا لفهم الوحي. نعم، قد تأتي الشريعة بما تحار فيه العقول، لكنها لا تأتي بما يحيله العقل الصريح. ولذلك امتلأ القرآن بالدعوة إلى التعقل والتفكر والتدبر: ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿لقوم يعقلون﴾، ﴿لقوم يتفكرون﴾.
أما ابن عربي، فله ما اختاره من الأقوال، وحسابه على الله تعالى، ولسنا نتولى الحكم على مصيره. لكن أقواله ليست وحيًا، ولا هي فوق النقد، ولا يجوز أن تُجعل معيارًا تُحمَل عليه الشريعة.
إنما الشريعة لها حراس من العلماء، يذبون عنها، ويميزون صحيح الأقوال من سقيمها. ولو تُرك كل أحد يقول في دين الله ما شاء، ثم مُنع الناس من مناقشته بحجة مكانته أو شهرته، لاختلط الحق بالباطل، والتبس الهدى بالضلال، ولما بقي للعلم ميزان ولا للشرع ضابط.
فإن كنتم ترون أن الشيخ سعيد قد أخطأ، فهاتوا الدليل، وناقشوا الحجة بالحجة. أما الصخب، والاتهامات، وتقديس الأشخاص، فلن تجعل الباطل حقًا، ولن تُسقط دليلًا واحدًا من أدلة الشيخ.

كون ابن عربي شخصيةً جدلية، لها مؤيدون ولها مخالفون، فهذا أمر لا ينازع فيه أحد، وليس هو محل النقاش أصلًا، ولا هو موضوع المنشور.
إنما الكلام في أمرين:
الأول: رفض رفع أي عالم -ومنهم ابن عربي- فوق النقد العلمي، بحيث يُستنكر مجرد مناقشة أقواله.
والثاني: رفض ما يصاحب ذلك من إساءة الأدب في الحوار والطعن في العلماء.
فمن رأى أن الشيخ سعيد أخطأ، فليأت بالحجة والدليل، وليناقش كلامه مناقشة علمية، فهذا هو سبيل أهل العلم.
أما تحويل النقاش إلى تجريح وسخرية وسوء أدب، فهذا لا يخدم الحقيقة، ولا يليق بطالب علم، فضلًا عن أن يكون مع شيخ جليل له مكانته العلمية، هو عند كثير من أهل السنة أحد أبرز رموزهم في هذا العصر.
فلتُقارع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، مع حفظ أدب الخلاف وتوقير أهل العلم، فهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسود.

ومن قال ان ابن عربي منزه عن الخطأ
ومن قال ان ابن عربي لا يخضع للمسائلة هل جعلتموه نبياً
قولك: *"شيخكم لا شغل له إلا ابن عربي"* ليس وصفًا دقيقًا للواقع، وإنما هو اختزال لا يغيّر من حقيقة المسألة شيئًا.
إنما يكثر الكلام على ابن عربي لكثرة ما وقع في كتبه من العبارات المخالفة التي استدعت بيانها والتحذير منها عند طائفة كبيرة من أهل العلم، فلا يُستغرب أن يكثر الرد عليه بقدر كثرة ما أثاره من إشكالات.
ثم إن ابن عربي نفسه لم يكن متابعًا للأشاعرة في كثير من المسائل، بل خالفهم في مواضع عديدة، بل واختار في بعض القضايا أقوالًا أقرب إلى المعتزلة، فكيف يُستنكر أصل الرد عليه؟! وهل صار مجرد الانتساب إلى التصوف مانعًا من مناقشة آرائه؟
ويبقى السؤال: هل قرأتَ **الفتوحات المكية** قراءةً متأنية؟ وهل وقفت على المواضع الكثيرة التي خالف فيها عقيدة أهل السنة، ومنهم الأشاعرة؟ هذا فضلًا عن كتبه الأخرى، وعلى رأسها **فصوص الحكم**، الذي اشتمل على عبارات طالما أنكرها كبار العلماء وحذروا منها.
فالرد على ابن عربي ليس لشخصه، وإنما هو ردٌّ على ما يُرى أنه مخالف للحق، والميزان في ذلك الدليل، لا الأسماء ولا المكانة.

شراء خضار أو فواكه مختلفة مجتمعة في كيس واحد

على مذهب المالكية، يجوز شراء خضار أو فواكه مختلفة مجتمعة في كيس واحد، ويكون الوزن للجميع بسعر واحد للكيلوغرام، إذا توفرت الشروط الآتية:
1. أن يكون سعر الكيلو موحدًا لجميع الأنواع، فلا يكون بعضها أغلى من بعض في العقد.
2. أن يكون المبيع معلومًا بالمشاهدة، بحيث يرى المشتري ما في الكيس، أو يكون الوصف كافيًا لرفع الجهالة.
3. أن يوزن الجميع عند البيع، فيكون الثمن معلومًا بناءً على الوزن.
4. ألا يكون في ذلك غش أو تدليس، كإخفاء الرديء تحت الجيد أو خلط الفاسد بالصالح.
ولا يضر كون الكيس يشتمل على أنواع متعددة؛ لأن الجميع يباع بيعًا واحدًا بثمن معلوم، والغرر منتفٍ غالبًا.
 التعليل عند المالكية
المقصود في البيع هو العلم بالمبيع والثمن، فإذا كان المبيع مشاهدًا، والوزن معلومًا، والثمن محددًا (مثل: دينار لكل كيلو من هذا الخليط)، صح البيع، ولا يشترط أن يفرد كل نوع ببيع مستقل.
أما لو كان:
 لكل نوع سعر مختلف، ثم بيع الجميع بسعر واحد دون معرفة مقدار كل نوع، فقد يفضي ذلك إلى الجهالة والنزاع، فلا يجوز بهذه الصورة إلا بعد تمييز كل نوع أو التراضي على بيع الجميع صفقة واحدة بقيمة معلومة لا تتعلق بسعر كل صنف على حدة.
فالجواب المختصر:
يجوز عند المالكية شراء خليط من الخضار أو الفواكه في كيس واحد إذا بيع الجميع بالوزن، وكان سعر الكيلو موحدًا، وكان المبيع معلومًا خاليًا من الغش والجهالة.
أما قول بعضهم هذه المعاملة لا تحلّ على قواعد مذهب المالكيّة؛ لوجود الجهالة حيث لا نعلم حين العقد الثمن التفصيلي لكلّ من البرتقال والتفاح، وذلك لجهالة وزن كلّ واحد منهما مع اختلافهما من ناحية القصد، ولو كانا معلومين على وجه الجملة؛ إذ إنّ البيع قد وقع على عقدين مع الجهل بالقدر المشترى لكلّ من السلعتين، فآل ذلك إلى الجهل بالثمن على جهة التفصيل لاختلاف وزنهما، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (رواه مسلم). وهذه المعاملة من قبيل الغرر المفسد للبيع.
هذا الكلام لا أراه موافقًا للمعتمد في المذهب المالكي على إطلاقه، بل فيه عدة ملاحظات:

1. قوله: "وقع البيع على عقدين" غير مسلم.

    فالواقع أن البيع صفقة واحدة على مجموع ما في الكيس، وليس عقدين مستقلين على البرتقال والتفاح.
    لو قال البائع: "بعتك هذا الكيس بما فيه، وزنُه خمسة كيلو، وسعر الكيلو دينار"، فقد وقع العقد على مبيع واحد مجموع.

2. قوله: "لا نعلم الثمن التفصيلي لكل من البرتقال والتفاح".

    لا يشترط في صحة البيع معرفة الثمن المنسوب إلى كل جزء من أجزاء المبيع إذا بيع الجميع صفقة واحدة.
    نظيره أن يبيع دارًا فيها غرف متعددة، أو قطيعًا من الغنم بثمن واحد، أو صبرة من الطعام تختلف حباتها جودةً ورداءةً، فلا يلزم معرفة ما يقابل كل جزء من الثمن.

3. الاستدلال بحديث النهي عن الغرر.

    هذا استدلال عام، لكن لا بد من إثبات وجود الغرر المؤثر.
    فإذا كان المشتري يرى محتويات الكيس، ويعلم أن الجميع يباع بسعر موحد، فأين الغرر المفسد؟ الجهالة المنهية عنها هي التي تفضي إلى المنازعة أو يكون المبيع مجهولًا، أما هنا فالمبيع والوزن والثمن معلومون.

4. اختلاف القصد بين البرتقال والتفاح.

    مجرد اختلاف الجنس أو القصد لا يمنع من بيعهما في صفقة واحدة.
    المالكية يجيزون بيع أشياء متعددة في عقد واحد إذا كانت معلومة، ولم يوجد مانع آخر.

 متى يكون الإشكال صحيحًا؟

لو كان: البرتقال سعره ديناران للكيلو.
 والتفاح ثلاثة دنانير للكيلو.
ثم وُزن الخليط كله وقيل: "ادفع بحسب أسعارها" دون معرفة وزن كل نوع، فهنا تظهر الجهالة في الثمن، لأن مقدار ما يستحقه كل نوع مجهول.
أما إذا كان سعر الكيلو واحدًا للجميع، فلا تظهر هذه الجهالة؛ لأن الثمن يحسب على الوزن الإجمالي فقط.
 الخلاصة
أرى أن العبارة التي نقلتها تحتاج إلى تقييد، ولا يصح إطلاقها على الصورة المذكورة في السؤال (إذا كان سعر الكيلو واحدًا). بل أقرب إلى قواعد المالكية أن يقال:

 إذا بيع خليط من الفواكه أو الخضار وكان الجميع بسعر واحد للكيلوغرام، وعُلم المبيع بالمشاهدة، وعُرف الوزن الإجمالي، فالظاهر صحة البيع؛ لأنه بيعٌ واحد على مجموع معلوم، ولا يضر عدم معرفة وزن كل نوع على انفراده، إذ لا يتوقف عليه معرفة الثمن.


تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.