بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين
والحمد لله رب العالمين
لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نقسه
واصلي واسلم وابارك على سيدي رسول الله المعلم الاول والهادي الى الصراط المستقيم وعلى اله الطبيبن الطاهرين واصحابه الغر الميامبن رضي الله عنهم اجمعين وعنا بهم الى يوم الدين
ايها الاخوة الاحبة
اعلموا انه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
فالفقه سبب لهذا الخير العميم من الله
قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا
قال الامام مالك : الفقه في الدين
واعلموا أن (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ)
(وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق
وألحقتُ بذلك الادلة
والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم
ا وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم
....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي
اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي

بلع البلغم لا يفطر مطلقا

 وقفت انظار الشراح والحواشي بدءا بالشارح بهرام وتبعه الخرشي وتبعهم الدردير والدسوقي عند ظاهر ما رسمه الشيخ خليل في مختصره، حيث جعلوا مناط الفطر بابتلاع البلغم هو وصوله لحيز الفم المحدود بمخرج الحاء، فمتى ما امكن طرحه فابتلعه الصائم عمدا وجب عليه القضاء على المشهور عندهم. وهذا المسلك عند هؤلاء الاعلام جرى على ظاهر اللفظ، وقد نبه القباب الى ان من لم يقف على رخص المذهب في هذه المسألة تكلف في صومه اخراج البلغم مهما قدر، فلحقته بذلك مشقة شديدة لتكرر ذلك عليه، مما يدخل المكلف في ضيق الوسوسة وعنت التكليف بما يشق الاحتراز منه.

وعند سبري لامهات المصادر وتحقيق ما نقله المواق في تاجه، وجدت سعة بليغة عند ائمة المذهب المتقدمين؛ فقد قرر اللخمي انه لا شيء في البلغم اذا نزل الى الحلق وان كان الصائم قادرا على طرحه، كما نقل ابن يونس عن ابن حبيب ان من ابتلع نخامته من بين لهواته او بعد وصولها لطرف لسانه فلا شيء عليه وان كان قد اساء، لان النخامة ليست بطعام ولا شراب ومخرجها من الرأس. وهذا هو المسلك الذي وجهه الباجي بالحاقه بالريق لكونه معتادا في الفم لا مأخوذا من الارض، وهو عين ما رواه اصبغ عن ابن القاسم في عدم وجوب القضاء في ابتلاع النخامة عامدا، وقد رجحه عياض في قواعده والقباب وابن رشد الجد في بيانه وتحصيله.

وعليه، فقد اعتمد كتاب اقامة الدليل باب الصيام ج7 ما حققه الشيخ النفراوي في الفواكه الدواني والشيخ عليش في منحه تبعا لهؤلاء الفحول من المتقدمين، والارجح عندي ان ابتلاع البلغم لا يفسد الصوم، سواء وصل الى اللهوات او تجاوزها الى طرف اللسان وأمكن طرحه ام لا. وهذا هو المسلك الذي يجمع بين قوة الدليل ورعاية مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، اذ لا فرق جوهري بين الريق والبلغم في تعذر الصيانة وانتفاء مسمى الاكل والشرب شرعا وعرفا. فكان هذا هو القول الاصح في التحقيق تبعا لما تؤيده بطون الدواوين وسير سادة المذهب ومحققيه، وصلى الله على نبينا محمد x وعلى آله وصحبه.

قد تتبعت نص المدونة الكبرى في باب الصيام، فوجدت الإمام مالك x قد سئل عن النخامة والبلغم يكون في الفم، فأجاب بوضوح أنه لا يفسد ذلك صومه. ورأيت في كتابي إقامة الدليل أن هذا النص هو عمدة القول بالتيسير، إذ إن الإمام لم يشترط في المدونة وجوب الطرح أو القضاء إذا وصل البلغم إلى الفم، بل أطلق القول بصحة الصوم.

وقد روى سحنون عن ابن القاسم عن مالك هذا الإطلاق، وهو ما يعضد مذهبي في أن رطوبات الجسد لا تأخذ حكم الأجرام الخارجية. والأرجح عندي أن تقييد المتأخرين كبهرام والخرشي والدردير والدسوقي بوجوب القضاء عند إمكان الطرح هو زيادة على أصل ما في المدونة، بينما الأصح الذي يوافق أصول المذهب هو البقاء على أصل براءة الذمة وصحة الصوم، لأن ما تولد في الداخل لا يسمى أكلا ولا شربا بمجرد تردده في الحلق أو وصوله للفم.

الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

 تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ" وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ في الخَريدَةِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:

فَالوَاجِبُ العَقْلِيّ مَا لَمْ يَقْبَلِ ... الانْتِفَا فِي ذَاتِهِ فَابْتَهِلِ

ويَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِتَصَوُّرِ انْتِفَائِهِ أَوْ عَدَمِهِ، بَلْ يَجْزِمُ بِثُبُوتِهِ جَزْمًا لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الشَّيْءِ دُونَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ.

وَيُنَاظِرُهَا فِي مُتُونِ النَّظْمِ الْعَقَدِيَّةِ:

الْمُرْشِدُ الْمُعِينُ لِابْنِ عَاشِرٍ:

فَوَاجِبٌ لَا يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحال ... وَمَا أَبَى الثُّبُوتَ عَقْلاً المُحال

إِضَاءَةُ الدُّجُنَّةِ لِلْمَقَّرِيِّ:

فَوَاجِبٌ لَا يَنْتَفِي، وَمَا أَبَى ... ثُبُوتَهُ فَمُسْتَحِيلٌ لَقَبَا

وَقُلْتُ فِي نَظْمِ الْمَعَالِي:

فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا:

إِنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ يُبَيِّنُ تَبَايُنَ الْمَسَالِكِ فِي تَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ الْحُكْمِ؛ فَقَدْ جَحَدَ ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمَقَّرِيُّ الِانْتِفَاءَ عَنِ الْوَاجِبِ بِمَعْنَى "عَدَمِ الْقَبُولِ"، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ. أَمَّا مَا قَصَدْتُهُ فِي (نَظْمِ الْمَعَالِي) فَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ "النَّفْيِ" إِلَى "الْإِحَالَةِ"؛ إِذْ جَعَلْتُ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ النَّفْيِ هِيَ (الْإِحَالَةُ لِلذَّاتِ)، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوَاجِبُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي (الْمُرْشِدِ) وَ(الْإِضَاءَةِ).

كَمَا أَنَّ قَيْدَ (دُونَ اخْتِلَالِ) الَّذِي أَوْرَدْتُهُ، جَاءَ لِصِيَانَةِ مَفْهُومِ الْوُجُوبِ مِنْ تَوَهُّمِ طُرُوِّ التَّغَيُّرِ، بَيْنَمَا اقْتَصَرَ الْأَعْلَامُ عَلَى مُطْلَقِ نَفْيِ الِانْتِفَاءِ. وَفِي بَابِ الْمُمْتَنِعِ، لَمْ يَقِفْ تَعْرِيفِي عِنْدَ حُدُودِ "إِبَاءِ الثُّبُوتِ" كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَاشِرٍ، بَلْ أَرَدْتُ رَبْطَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَدْرَكِ التَّصَوُّرِيِّ بِقَوْلِي (يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ)؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا هُوِيَّةَ لَهُ تَتَحَقَّقُ فِي الذِّهْنِ فَضْلًا عَنِ الْخَارِجِ، وَهُوَ مَلْحَظٌ مَنْطِقِيٌّ يُقَوِّي تَعْرِيفَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْمَعْدُومِ الْمُمْتَنِعِ.

وَبِهَذَا تَمْتَازُ هَذِهِ (الْفَرِيدَةُ) بِأَنَّهَا لَمْ تَنْقُلِ التَّعَارِيفَ نَقْلًا، بَلْ مَحَّصَتْهَا مَحْصًا، وَقَابَلَتْ بَيْنَ أَلْفَاظِ النُّظَّارِ لِيَتَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ مَوَاضِعُ الْإِيجَازِ وَمَوَاضِعُ الْإِعْجَازِ فِي كُلِّ مَتْنٍ...


من كتاب  الفريدة في شرح الخريدو ص99-100




كتاب لماذا اخترت المنهح الأشعري

البراهين التي يستخدمها الأشاعرة لإثبات الحدوث

 تلخيص البراهين التي يستخدمها الأشاعرة لإثبات الحدوث (أي أن العالم له بداية وخالق):

١. برهان "الأعراض" (وهو العمدة)

الأشاعرة يقولون: نحن نرى في الأجسام صفات تتغير (حركة، سكون، ألوان، طعوم). هذه تسمى أعراضاً.

المنطق: العرض لا يبقى زمانين (يوجد وينعدم)، فهو حادث يقيناً. وبما أن الأجسام لا تنفك عن هذه الأعراض (لا يوجد جسم بلا لون أو مكان)، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث.

٢. برهان "الجوهر الفرد" (أداة إثبات التناهي)

هنا يأتي دور صديقنا "الجوهر الفرد". الفائدة منه هي الرد على من يقول إن المادة قديمة وممتدة للأزل.

المنطق: إذا أثبتنا أن الجسم ينتهي إلى "جزيئات صغيرة" (جواهر فردة) متناهية العدد، فقد أثبتنا أن الجسم نفسه "متناهٍ" ومحدود. وكل ما هو محدود ومتناهٍ لا بد له من "مخصص" (خالق) حدده بهذا الحجم والعدد دون غيره، وهذا هو الحدوث.

٣. برهان "التركيب" (دليل الهيئة)

الأشاعرة يرون أن العالم "مركب" (أي أجزاء مجتمعة).

المنطق: كل مركب يحتاج إلى من "ركبه" وجمعه، لأن الأجزاء في ذاتها لا تقتضي الاجتماع بغيرها. فاحتياج الجسم إلى "جامع" يثبت أنه ليس قديماً بذاته، بل مفتقر لغيره، والمفتقر حادث.

٤. برهان "التخصيص" (الإمكان)

لماذا السماء زرقاء وليست خضراء؟ ولماذا الكوكب في هذا المدار وليس غيره؟

المنطق: بما أن العالم يجوز عقلاً أن يكون على "غير هذه الصورة"، فإن ترجيح هذه الصورة المعينة على غيرها يحتاج إلى "مرجح" مختار. هذا المرجح هو الخالق، وهذا الاختيار يثبت أن العالم فعلٌ فاعله "مريد"، وكل فعل لمريد هو فعل حادث له بداية.

زبدة الكلام 

الجوهر الفرد بالنسبة للأشاعرة ليس "عقيدة" تعبدية، بل هو "برغي" (مسمار) في ماكينة الاستدلال. إذا ثبت الجوهر الفرد، ثبت أن المادة ليست "بسيطة أزلية"، بل هي "مركبة حادثة".

لذلك، عندما اعترض الرازي أو الغزالي، لم يعترضوا على "الحدوث"، بل حاولوا البحث عن "مَسانِدٍ" أخرى لا تصطدم بهندسة إقليدس وفلسفة أرسطو، مثل الاعتماد الكلي على دليل "التخصيص" أو "الإمكان".

و"توقف الرازي في المسألة هو في الحقيقة نقد للدليل وليس للمدلول"، أي أنه يبحث عن "إقامة الدليل" الأمتن

كلام الغزالي في "التهافت" كان ضربة معلم، لانه لم يرد فقط اثبات نظرية، بل اراد كسر "غرور" الفلاسفة الذين ادعوا ان براهينهم هندسية قطعية.

خلاصة فكرة الغزالي 

1. منطق "الخردلة والجبل" عند الغزالي:

الغزالي يقول للفلاسفة: انتم تقولون ان المادة تنقسم الى ما لا نهاية. حسنا، هذا يعني ان الاجزاء داخل حبة الخردل "غير متناهية"، والاجزاء داخل الجبل "غير متناهية". وفي الرياضيات، "اللانهاية" لا تزيد على "اللانهاية". اذن انتم تقولون ان حبة الخردل تساوي الجبل في عدد الاجزاء!

هذا الاحراج المنطقي هو الذي جعل نظرية الجوهر الفرد تبدو "اكثر عقلانية" من خيال الفلاسفة، لانها تضع حدا للتقسيم.
اما الشيخ د. سعيد فودة فنظره أقوى في المسألة بتداخل العلم فيه

الشيخ سعيد فودة يرى ان الاشاعرة بسبقهم لقول "الجوهر الفرد" كانوا اقرب لروح العلم الحديث من ارسطو وفلاسفة اليونان. كيف؟

الكم (كوانتم): الفيزياء الحديثة اثبتت ان المادة والطاقة ليست "سيولة مستمرة"، بل هي "دفقات" او "كمات" محددة. وهذا جوهر فكرة المتكلمين عن "التناهي". بل العلم اليوم يتحدث عن "الكواركات" الجسيمات الاولية واجزاء لا يمكن تقسيمها الى ما هو اصغر منها من نفس جنسها. الشيخ سعيد يقول ان هذا "تحقيق" فيزيائي لما قاله المتكلمون "عقليا" قبل الف سنة.

الممتنع ذاتيا والممتنع عرضيا

 قلت في نظم المعالي في أصول معتقد أهل السنة والجماعة:

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

الشرح:

(ذَاتِيًّا) فِي هَذَا السِّياقِ العَقَدِيِّ المَنْطِقِيِّ هُوَ بَيَانُ نَوْعِ الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ (الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ)؛ أَيِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ لِأَجْلِ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ، لَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهُ.

فَالْمُمْتَنِعُ قِسْمَانِ:

1. مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ (الذَّاتِيُّ): وَهُوَ مَا لَا يَتَصَوَّرُ الْعَقْلُ ثُبُوتَهُ أَصْلًا، كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ (كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي آنٍ وَاحِدٍ)؛ فَهَذَا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ وَالْعَقْلِ لِذَاتِهِ.

2. مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ (الْعَرَضِيُّ): وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِسَبَقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، كَإِيمَانِ أَبِي لَهَبٍ.

فبقولك :  (فَذَاتِيًّا) تُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا "الْمُمْتَنِعَ" الَّذِي "أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ" (أَيْ اسْتَحَالَ اسْتِقْرَارُهُ) هُوَ كَاذِبٌ بِمُقْتَضَى هُوِيَّتِهِ وَذَاتِهِ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ الْعَقْلُ لِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِبُطْلَانِهِ.

الْإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ:

(فَذَاتِيًّا): :  الْفَاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّعْقِيبِ (أَوْ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ).

ذَاتِيًّا: فِيهَا وَجْهَانِ إِعْرَابِيَّانِ سَدِيدَانِ: 

حَالٌ (مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ): مَنْصُوبَةٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهَا الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ فِي حَالِ كَوْنِهِ ذَاتِيًّا)، أَيْ مَنْسُوبًا إِلَى الذَّاتِ.

مَنْصُوبٌ عَلَى النَّزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ (بِذَاتِهِ)، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ انْتَصَبَ الِاسْمُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي نَظْمِ الْعُلُومِ.

مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَائِبٌ عَنِ الْمَصْدَرِ (لِبَيَانِ النَّوْعِ): وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ تَكْذِيبًا ذَاتِيًّا).

(فِي الْخَيَالِ):  جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ "يُكَذَّبُ".

فَائِدَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ:

اسْتِعْمَالُكَ لِـ "الْخَيَالِ" هُنَا بَدِيعٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الذَّاتِيَّ لَا تَقْبَلُ الْقُوَّةُ الْمُتَخَيِّلَةُ صُوَرَتَهُ حَتَّى كَوَهْمٍ مُسْتَقِرٍّ، فَالْخَيَالُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصُّوَرِ، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِ "مُمْتَنِعٍ" مَعَ "ثُبُوتٍ"، فَيَصِيرُ التَّكْذِيبُ فِيهِ "ذَاتِيًّا" جَبْرِيًّا.

وَهَذَا الْمِثَالُ التَّطْبِيقِيُّ الَّذِي يَفُكُّ عُقْدَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ "الذَّاتِيِّ" وَ"الْعَرَضِيِّ" لِيَتَّضِحَ قَصْدُ نََظْمِ المَعالي:

مِثَالُ: (الدَّائِرَةُ الْمُرَبَّعَةُ)هَذَا هُوَ عَيْنُ الْمُمْتَنِعِ الذَّاتِيِّ؛ فَإِذَا حَاوَلْتَ أَنْ تَتَصَوَّرَ فِي ذِهْنِكَ "دَائِرَةً" وَلَكِنَّ لَهَا "أَرْبَعَةَ زَوَايَا قَائِمَةٍ"، فَإِنَّ عَقْلَكَ سَيَتَوَقَّفُ.لِمَاذَا هُوَ ذَاتِيٌّ؟ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ "ذَاتِ" الدَّائِرَةِ وَ"ذَاتِ" الْمُرَبَّعِ؛ إِذْ هُمَا نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ.

كَيْفَ يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ؟ كَمَا قُلْتُ فِي النَظْمِ، الْخَيَالُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَرْسَمَ لَهَا "صُورَةً" مُسْتَقِرَّةً؛ فَكُلَّمَا رَسَمَهَا دَائِرَةً نَفَتِ التَّرْبِيعَ، وَكُلَّمَا رَسَمَهَا مُرَبَّعًا نَفَتِ التَّدْوِيرَ. فَهِيَ "مُكَذَّبَةٌ ذَاتِيًّا" قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ الْعَقْلُ فِي أَيِّ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.

بِالْمُقَابِلِ: مِثَالُ الْمُمْتَنِعِ الْعَرَضِيِّ (لِغَيْرِهِ) تَصَوَّرْ (طَيَرَانَ الْإِنْسَانِ بِجَنَاحَيْنِ)؛ هَذَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا.فِي الْخَيَالِ: يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ إِكْسَانًا يَطِيرُ (مِثْلَ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ )، فَالْخَيَالُ لَا يُكَذِّبُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِذَاتِهَا.لِمَاذَا امْتَنَعَ إِذًا؟ امْتَنَعَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ "قَانُونُ الْعَادَةِ" الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ لِفُلَانٍ أَنْ يَطِيرَ.

الْخُلَاصَةُ: فَطالِبُ العِلْمِ يقْصِدُ أَنَّ كُلَّ مَا يُحِيلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ (كَالشَّرِيكِ لِلَّهِ)، فَإِنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ لَيْسَ لِأَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ هُوَ "ذَاتِيٌّ" نَابِعٌ مِنْ بُطْلَانِ حَقِيقَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِدُ لَهُ مَكَانًا حَتَّى فِي "خَيَالِ" الْعَاقِلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْبَاطِلِ.

الانَ لِمَاذَا جَعَلْنَا "الشَّرِيكَ" مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا ؟
فَالْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ هُوَ مَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ مُجَرَّدًا، لَكِنَّ فِكْرَةَ "الشَّرِيكِ" لَا يَقْبَلُهَا الْعَقْلُ أَصْلًا بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ مَعْنَى "الْإِلَهِ" يَرُدُّهُ. بُرْهَانُ التَّمَانُعِ ومَفْهومُ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ
لَوْ فَرَضْنَا وُجُودَ إِلَهَيْنِ ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا أَوْ يَخْتَلِفَا:
فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ: لَوْ أَرَادَ1  تَحْرِيكَ جِسْمٍ، وَأَرَادَ 2 تَسْكِينَهُ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ -> مُحَالٌ ذَاتِيٌّ)
o إِمَّا أَنْ لَا يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (عَجْزُ الِاثْنَيْنِ -> نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْهُمَا)
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ: (فَالَّذِي نَفَذَ مُرَادُهُ هُوَ الْإِلَهُ، وَالْمَقْهُورُ لَيْسَ بِإِلَهٍ)
النَّتِيجَةُ: مَفْهُومُ "إِلَهٍ مَقْهُورٍ" هُوَ مَفْهُومٌ يَنْقُضُ نَفْسَهُ، مِثْلَ "أَعْزَبٌ مُتَزَوِّجٌ"؛ فَالِامْتِنَاعُ هُنَا نَابِعٌ مِنْ "ذَاتِ" مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ الْمُطْلَقَةَ.
٢. تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْوُجُودِ"
اللَّهُ تَعَالَى هُوَ "وَاجِبُ الْوُجُودِ" لِذَاتِهِ. وَمِنْ لَوَازِمِ وَاجِبِ الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ "غَنِيًّا عَنِ الْغَيْرِ" غِنًى مُطْلَقًا.
لَوْ وُجِدَ شَرِيكٌ، لَكَانَ الْإِلَهُ (مُفْتَقِرًا) لِهَذَا الشَّرِيكِ فِي تَعْيِينِ حُدُودِ تَصَرُّفِهِ، أَوْ كَانَ الْكَوْنُ مُوَزَّعًا بَيْنَهُمَا.
الِافْتِقَارُ يُنَاقِضُ "وُجُوبَ الْوُجُودِ"؛ فَإِذَا اجْتَمَعَ (وَاجِبُ وُجُودٍ) مَعَ (مُفْتَقِرٍ)، بَطَلَتْ حَقِيقَةُ الْأَوَّلِ.
________________________________________
٣. لِمَاذَا لَيْسَ عَرَضِيًّا؟
فالجَوبُ :  هُنَا نُفَرِّقُ بَيْن (التَّصَوُّرِ اللَّفْظِيّ)  و (َالتَّصَوُّرِ الْحَقِيقِيِّ)
أَنْتَ تَتَصَوَّرُ "شَخْصَيْنِ قَوِيَّيْنِ"، هَذَا مُمْكِنٌ لِأَنَّ قُوَّتَهُمَا مَحْدُودَةٌ.
لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَصَوَّرَ "إِرَادَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ" فِي آنٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
الْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ: هُوَ مَا لَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ لِذَاتِهِ (مِثْلَ دُخُولِ كَافِرٍ لِلْجَنَّةِ)، فَالْعَقْلُ لَا يَرَى تَنَاقُضًا فِي ذَاتِ "الْجَنَّةِ" أَوْ "الْكَافِرِ"، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ جَاءَ بِخِلَافِهِ.
أَمَّا الشَّرِيكُ، فَالْعَقْلُ يَمْنَعُهُ قَبْلَ وُرُودِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ "الْإِلَهَ" تَنْفِي مَعْنَى "الْمُزَاحَمَةِ".
فحِينَمَا قُلْتُ: "فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ"، قَصَدْتُ أَنَّ الْخَيَالَ إِذَا حَاوَلَ تَرْكِيبَ صُورَةِ (إِلَهٍ كَامِلٍ) مَعَ (وُجُودِ نِدٍّ لَهُ)، سَيَجِدُ أَنَّ كَمَالَ الْأَوَّلِ يَمْحُو وُجُودَ الثَّانِي، فَلَا تَسْتَقِرُّ الصُّورَةُ أَبَدًا، فَيَكُونُ التَّكْذِيبُ نَابِعًا مِنْ "ذَاتِ" الصُّورَةِ لَا مِنْ خَبَرٍ خَارِجِيٍّ.


نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ معتقد أهل السنة والجماعة

 



لزياد حبوب أبي رجائي المالكي 

 [مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1.    يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2.    يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3.    ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4.    بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5.    وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6.    يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7.    وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8.    فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9.    فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10.                      وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11.                      وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12.                      وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13.                      وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14.                      وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15.                      وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16.                      وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17.                      وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

 [فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18.                      فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19.                      وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20.                      وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21.                      وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22.                      قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

 [فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23.                      وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24.                      وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25.                      خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26.                      وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27.                      أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28.                      مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29.                      وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30.                      كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31.                      وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32.                      وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33.                      وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34.                      وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35.                      وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36.                      وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37.                      وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38.                      سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39.                      وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40.                      وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41.                      وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42.                      وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43.                      وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44.                      وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ]

45.                      وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46.                      عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47.                      وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48.                      وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49.                      تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50.                      وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51.                      وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52.                      وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53.                      وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54.                      فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55.                      فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

[الْخَاتِمَةُ]

56.                      وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57.                      وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58.                      وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59.                      وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60.                      عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي


عمان - المملكة الاردنية الهاشمية
في 22 شباط 2026م

 

 

وجوب معرفة الله تعالى

13. حُكْمُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانُ أَصَالَتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

أَشَارَ الشَّيْخُ  عبد الغني النابلسي لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:

ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضُ ... لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَغَيْرُهَا عَرَضْ

3. يَعْنِي: أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ شَرْعًا هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى (بِمَا يَجِبُ وَيَمْتَنِعُ وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ)، وَهَذَا الْوُجُوبُ عَيْنِيٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْخَالِقِ هِيَ الْأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْفُرُوعُ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ عُلُومٍ فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهَا.

النَّظْرَةُ الْأُصُولِيَّةُ: هِيَ مَسْأَلَةُ (أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ)؛ فَأُصُولِيًّا يَرَى الْأَشَاعِرَةُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَاجِبَةٌ "بِالشَّرْعِ" لَا بِالْعَقْلِ ابْتِدَاءً، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمَعْرِفَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْفَرْعِ تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الْأَصْلِ.

أوّلاً :  الْمَنَاطُ الْعَقَدِيُّ:

مَنَاطُ "وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ" هُوَ (التَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ)؛ وَشَرْطُهُ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ. وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ هُنَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَدَى الْمُكَلَّفِ "قُدْرَةٌ عَلَى النَّظَرِ" تُوصِلُهُ إِلَى الْيَقِينِ، لِأَنَّ الْمَنَاطَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظِ الْأَسْمَاءِ، بَلْ "انْعِقَادُ الْقَلْبِ" عَلَى الْحَقِيقَةِ عَنْ دَلِيلٍ.

ثانياً :  الْفُرُوقُ الْعَقَدِيَّةُ:

الْفَرْقُ بَيْنَ (الْمَعْرِفَةِ) وَ (الْعِلْمِ)؛ الْمَعْرِفَةُ هُنَا تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْإِدْرَاكُ الْجَازِمُ عَنْ دَلِيلٍ، وَقَدْ تُسَمَّى "عِلْمًا" إِذَا كَانَتْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ (الْأَصْلِ) وَ (الْعَرَضِ)؛ أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ (التَّوْحِيدُ)، وَالْعَرَضُ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ (فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ).

ثالثاً : الِاعْتِرَاض وَالْجَوَابُ:

الشُّبُهَةُ : إِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةً، وَالْمَعْرِفَةُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ لَا يُتَحَكَّمُ فِيهِ اِضْطِرَارًا، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ؟

الْجَوَابُ: الْوَاجِبُ ابْتِدَاءً هُوَ "النَّظْرُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ"، وَالنَّظْرُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، فَإِذَا نَظَرَ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي قَلْبِهِ (عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَقِبَ النَّظْرِ)، فَالْمُكَلَّفُ مُطَالَبٌ بِالْوَسِيلَةِ لِيَصِلَ إِلَى الْغَايَةِ.

7. الثَّمَرَةُ السُّلُوكِيَّةُ:

تُثْمِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقَامَ (الِاشْتِغَالِ بِالْأَهَمِّ)؛ فَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ "الْأَصْلُ"، يَجْعَلُ جُلَّ هَمِّهِ تَصْحِيحَ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، فَلَا يَكُونُ كَالْبَنَّاءِ الَّذِي يُزَيِّنُ السَّطْحَ وَالْقَوَاعِدُ هَشَّةٌ، وَسُلُوكِيًّا يُورِثُ ذَلِكَ تَعْظِيمَ اللَّهِ الَّذِي يَسْبِقُ كُلَّ طَاعَةٍ.

8. تَرْجَمَةُ الْكَلِمَاتِ مُعْجَمِيًّا:

مَعْرِفَةُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِحَقِيقَتِهِ.

تُفْتَرَضُ: تُوجَبُ وُجُوبًا قَطْعِيًّا.

أَصْلٌ: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ.

عَرَضٌ: مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ يَتْبَعُ غَيْرَهُ.

9. إِعْرَابُ الْبَيْتِ:

ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ.

مَعْرِفَةُ: مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ، وَهُوَ مُضَافٌ.

اللَّهِ: لَفْظُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ عَلَى التَّعْظِيمِ.

عَلَيْكَ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُفْتَرَضُ".

تُفْتَرَضُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ (هِيَ)، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.

لِأَنَّهَا: اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، (أَنَّ) حَرْفُ نَصْبٍ وَتَوْكِيدٍ، وَ(الْهَا) اسْمُهَا.

أَصْلٌ: خَبَرُ (أَنَّ) مَرْفُوعٌ.

وَغَيْرُهَا: الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ، (غَيْرُ) مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ.

عَرَضٌ: خَبَرُ (غَيْرُهَا) مَرْفُوعٌ.

10. النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ: بِنَاءُ "تُفْتَرَضُ" لِلْمَجْهُولِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ "الْفَارِضَ" هُوَ الشَّارِعُ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ هَذَا الْفَرْضَ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ قَهْرًا بِحُكْمِ الْعُبُودِيَّةِ.

11. النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ: "التَّذْيِيلُ" فِي قَوْلِهِ (لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَغَيْرُهَا عَرَضْ)؛ حَيْثُ جَاءَ بِجُمْلَةٍ تَعْلِيلِيَّةٍ تَجْرِي مَجْرَى الْمَثَلِ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِيجَازِ.

12. النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ: لَفْظُ "تُفْتَرَضُ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ بِمَعْنَى "تُوجَبُ"، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَالنَّاظِمُ هُنَا يَسْتَعْمِلُهَا بِمَعْنَى "الْإِلْزَامِ الْقَطْعِيِّ" الَّذِي يَكْفُرُ جَاحِدُهُ.

13. قَضِيَّتُهُ الْمَنْطِقِيّةِ : وُجُوبُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ لِأَصَالَتِهَا.

مَوْضُوعُهُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ.

محْمُولُهُ: كَوْنُهَا مَفْرُوضَةً وَأَصْلًا لِمَا سِوَاهَا.

أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ:

1. الْقُرْآنُ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).

o وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْعِلْمِ (الْمَعْرِفَةِ) قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَدَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْمَعْرِفَةِ.

2. السُّنَّةُ: حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).

o وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: تَقْدِيمُ الشَّهَادَةِ (الَّتِي هِيَ عُنْوَانُ الْمَعْرِفَةِ) عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا "الْأَصْلُ".

3. قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ : (مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ): وَبِمَا أَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ "الْمَعْبُودِ"، فَصَارَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةً.

أوّلاً :  قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ : (الْأَصْلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْفَرْعِ): فَالْمَعْرِفَةُ أَصْلٌ وَالْأَعْمَالُ فُرُوعٌ، وَتَقْدِيمُ الْأَصْلِ وَاجِبٌ رُتْبَةً وَزَمَانًا.

ثانياً :  قِيَاسُ (الْأَوْلَى): إِذَا كَانَ مَعْرِفَةُ "صَاحِبِ الْبَيْتِ" أَوْلَى مِنَ الِانْشِغَالِ بِزِينَةِ الْبَيْتِ لِتَصِحَّ الضِّيَافَةُ، فَمَعْرِفَةُ "خَالِقِ الْكَوْنِ" أَوْلَى وَأَوْجَبُ مِنَ الِانْشِغَالِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ ابْتِدَاءً.

ثالثاً : قِيَاسُ (الْعِلَّةِ): كَمَا أَنَّ "الْأَسَاسَ" هُوَ عِلَّةُ قِيَامِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَسَاسُ سَقَطَ الْبِنَاءُ، فَكَذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ هِيَ عِلَّةُ "قَبُولِ" الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ.

7. قِيَاسُ (الْمُسَاوِي): كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ "الْمَلِكِ" وَصِفَاتِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ دِيوَانِهِ لِيَتَأَدَّبَ مَعَهُ، فَمَعْرِفَةُ "مَلِكِ الْمُلُوكِ" وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ فِي دِينِهِ تَبَعًا لِنَفْسِ عِلَّةِ التَّعْظِيمِ.

8. قِيَاسُ (الشَّبَهِ): كَمَا أَنَّ "الشَّمْسَ" هِيَ أَصْلُ الضَّوْءِ وَالْقَمَرُ "عَرَضٌ" يَسْتَمِدُّ مِنْهَا، فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ شَمْسُ الْإِيمَانِ وَكُلُّ الطَّاعَاتِ تَبَعٌ لَهَا.

9. قِيَاسُ (الْجَلِيِّ): إِذَا كَانَ مِنَ "الْمُسْتَقْبَحِ" عَقْلًا وَشَرْعًا أَنْ تَخْدِمَ سَيِّدًا لَا تَعْرِفُهُ، فَمِنَ الْأَوْجَبِ وَالْأَجْلَى أَنْ تَعْرِفَ مَنْ تَعْبُدُهُ لِتَكُونَ الْعِبَادَةُ عَلَى بَصِيرَةٍ.

فائِدَةٌ : : أَنَّ الدَّرْدِيرَ جَعَلَ غَيْرَ الْمَعْرِفَةِ "عَرَضًا"؛ لِيُنَبِّهَ الطَّالِبَ إِلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْأَحْكَامَ مَهْمَا عَظُمَتْ فَهِيَ "عَرَضٌ" زَائِلٌ إِذَا لَمْ يَقُمْ عَلَى "جَوْهَرِ" التَّوْحِيدِ، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُقَالُ فِي تَرْتِيبِ الْعُلُومِ.

~~**~~


من شرحي على العقيدة