الْمَبْحَثُ : النَّوَازِلُ الطِّبِّيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ فِي الصِّيَامِ
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: مَا يَدْخُلُ الْجَوْفَ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْشَاقِ بَخَّاخُ الرَّبْوِ أُنْمُوذَجًا
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: حُكْمُ بَخَّاخِ الرَّبْوِ لِلصَّائِمِ
تَصَاغُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي
مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ الرَّذَاذِ الْمُنْدَفِعِ مِنْ بَخَّاخِ الرَّبْوِ لِلْمُضْطَرِّ نَهَارَ رَمَضَانَ؟ وَهَلْ يُلْحَقُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ مِنَ الْمَعْفُوَّاتِ، أَمْ بِالْمُفْطِرَاتِ لِكَوْنِهِ جِرْمًا مَقْصُودًا؟
تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الْإِفْطَارَ يَقَعُ بِإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ لِلْحَلْقِ، وَاخْتَلَفَ التَّخْرِيجُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ:
1. الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُفْطِرٌ؛ وَجْهُهُ أَنَّ الرَّذَاذَ لَهُ جِرْمٌ وَطَعْمٌ يَمُرُّ بِالْحَلْقِ، فَيُشْبِهُ الِاكْتِحَالَ نَهَارًا إِذَا هَبَطَ لِلْحَلْقِ.
2. الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَرْجَحُ: أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ؛ وَذَلِكَ لِقُوَّةِ شَبَهِهِ بِمَا اغْتَفَرَهُ الشَّارِعُ لِلْمَشَقَّةِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ.
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ مِنْ نَصِّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: اسْتَمْسَكَ هَذَا التَّرْجِيحُ بِمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَابِ مَا لَا يُفْطِرُ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَلَبَهُ قَيْءٌ أَوْ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارُ طَرِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ.. فَلَا قَضَاءَ.
• وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ الصَّائِمَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيمَا قَهَرَهُ وَسَبَقَ لِحَلْقِهِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَرِيضُ الرَّبْوِ عِنْدَ انْسِدَادِ الشُّعَبِ الْهَوَائِيَّةِ يَصِيرُ اسْتِعْمَالُهُ لِلْبَخَّاخِ حَالًا قَاهِرَةً لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ غُبَارِ الطَّرِيقِ لِلْمُسَافِرِ، وَغُبَارِ الدَّقِيقِ لِلْطَّحَّانِ.
الْأَقْيِسَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
1. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: قِيَاسُ بَخَّاخِ الرَّبْوِ عَلَى غُبَارِ الرَّحَى؛ فَكَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ فِطْرِ الطَّحَّانِ هِيَ الْمَشَقَّةُ وَالْعُسْرُ فِي مَنْعِ جُزَيْئَاتِ الدَّقِيقِ مِنْ دُخُولِ الْحَلْقِ حَالِ عَمَلِهِ، فَكَذَلِكَ مَرِيضُ الرَّبْوِ تَعْسُرُ عَلَيْهِ صِيَانَةُ حَلْقِهِ عَنْ رَذَاذٍ يَسْتَنْشِقُهُ لِيَبْقَى عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.
2. قِيَاسُ الْأَوْلَى: إِذَا عَفَا الْمَذْهَبُ عَنْ دُخَانِ الْحَطَبِ وَإِنْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَهُ لِأَنَّهُ لَا يُقَوِّي الدِّمَاغَ كَمَا قَرَّرَهُ الدَّسُوقِيُّ، فَالْبَخَّاخُ الدَّوَائِيُّ أَوْلَى بِالْعَفْوِ؛ لِانْتِفَاءِ التَّقْوِيَةِ وَالتَّرَفُّهِ فِيهِ، وَوُجُودِ الضَّرُورَةِ الطِّبِّيَّةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ.
3. قِيَاسُ الشَّبَهِ: شَبَهُ الْبَخَّاخِ بِـ مَا بَقِيَ مِنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ؛ فَالْمَالِكِيَّةُ يَعْفُونَ عَنْ رُطُوبَةِ الْمَاءِ الَّتِي تَبْقَى فِي الْفَمِ بَعْدَ الْمَجِّ وَتَنْحَدِرُ لِلْجَوْفِ، وَجِرْمُ الْمَادَّةِ الدَّوَائِيَّةِ فِي الْبَخَّةِ الْوَاحِدَةِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ جِرْمِ تِلْكَ الرُّطُوبَةِ، فَأُلْحِقَ بِهَا لِلشَّبَهِ فِي قِلَّةِ الْجِرْمِ وَعُسْرِ الِانْفِكَاكِ.
4. قِيَاسُ الطَّرْدِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِـ تَحَقُّقِ الْوُصُولِ لِلْمَعِدَةِ، وَبَخَّاخُ الرَّبْوِ مُعْظَمُهُ هَوَاءٌ يَتَّجِهُ إِلَى الرِّئَتَيْنِ لَا إِلَى الْمَعِدَةِ، فَمَا دَامَ الْوُصُولُ لِلْمَعِدَةِ مَشْكُوكًا فِيهِ، طُرِدَ الْحُكْمُ عَلَى أَصْلِ صِحَّةِ الصَّوْمِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَقِينِيٌّ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَوْفِ.
5. قِيَاسُ الْعَكْسِ: لَمَّا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ حَرَّمَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِعِلَّةِ تَقْوِيَةِ الْبَدَنِ وَكَسْرِ الصَّوْمِ، عُكِسَ الْحُكْمُ فِيمَا لَا يُقَوِّي الْبَدَنَ وَلَا يُسَكِّنُ جُوعًا وَلَا عَطَشًا وَلَا يَلْتَذُّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُفْطِرًا.
إِبْطَالُ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ بِـ لُزُومِ الدَّوْرِ الْمُحَالِ
• وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالدَّوْرِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى مَرِيضِ الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ يُؤَدِّي إِلَى دَوْرٍ مُمْتَنِعٍ؛ إِذْ لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ قَضَاءَ الْأَيَّامِ الَّتِي اسْتَعْمَلَ فِيهَا الْبَخَّاخَ، لَطَالَبْنَاهُ بِقَضَائِهَا فِي أَيَّامٍ أُخْرَى، وَبِمَا أَنَّ مَرَضَهُ مُزْمِنٌ وَالنَّوْبَةَ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ فِي أَيَّامِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ سَيَضْطَرُّ لِاسْتِعْمَالِ الْبَخَّاخِ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ.
• الْبُطْلَانُ: لَمَّا كَانَ "تَسَلْسُلُ الْقَضَاءِ" يُؤَدِّي إِلَى سُقُوطِ الْفَرِيضَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَالَّذِي هُوَ مُحَالٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، بَطَلَ الْمُقَدَّمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ وَثَبَتَ النَّقِيضُ وَهُوَ صِحَّةُ الصَّوْمِ مَعَ اسْتِعْمَالِهِ، طَرْدًا لِقَاعِدَةِ: مَا أَدَّى إِلَى الْمُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ.
خَاتِمَةُ التَّحْقِيقِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِالْأَرْجَحِيَّةِ هُنَا يَنْسَجِمُ مَعَ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ، وَيَسْتَنِدُ إِلَى جَوْهَرِ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ فِي اغْتِفَارِ مَا غَلَبَ عَلَى الْحَلْقِ، وَبِذَلِكَ نُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَرِيضِ الرَّبْوِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ دَوَائِهِ.
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْنِيدُ أَدِلَّةِ الْقَوْلِ الآحَرِ
بَعْدَ تَقْرِيرِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْفِطْرِ، لَزِمَ تَنَاوُلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهِيَ تَدُورُ حَوْلَ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ نُورِدُهَا وَنَرُدُّ عَلَيْهَا وَفْقَ مَوَازِينِ التَّحْقِيقِ:
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِجِرْمِيَّةِ الرَّذَاذِ
• وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: قَالُوا إِنَّ الْبَخَّاخَ يَحْتَوِي عَلَى مَادَّةٍ كِيمْيَاوِيَّةٍ سَائِلَةٍ مُتَحَلِّلَةٍ، وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ يَقَعُ بِـ إِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ لِحَلْقٍ، وَالرَّذَاذُ جِرْمٌ يَقِينِيٌّ يُحَسُّ طَعْمُهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْعَفْوِ مَجَالٌ.
• الرَّدُّ وَالتَّفْنِيدُ: نُسَلِّمُ بِوُجُودِ الْجِرْمِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ جِرْمٍ وَصَلَ لِلْحَلْقِ يُفْطِرُ؛ بَدَلِيلِ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ جِرْمِ الدَّقِيقِ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِوُجُودِ الْجِرْمِ حَقِيقَةً، بَلْ بِمَنَاطِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ أَوْ تَعَمُّدِ إِيصَالِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَمَرِيضُ الرَّبْوِ مَقْهُورٌ عَلَى هَذَا الْجِرْمِ لِتَحْصِيلِ النَّفَسِ، فَصَارَ كَالطَّحَّانِ الْمَقْهُورِ عَلَى غُبَارِ دَقِيقِهِ، فَيُقَدَّمُ نَصُّ الْعَفْوِ عَلَى عُمُومِ مَنْعِ الْمُتَحَلِّلِ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: الْقِيَاسُ عَلَى الْبَخُورِ وَالدُّخَانِ
• وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: قَاسُوا الْبَخَّاخَ عَلَى بَخُورِ الطَّعَامِ وَالدُّخَانِ الْمَمْصُوصِ بِجَامِعِ الِاسْتِنْشَاقِ الْعَمْدِيِّ لِجِرْمٍ لَطِيفٍ يَصِلُ لِلْجَوْفِ.
• الرَّدُّ وَالتَّفْنِيدُ: هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
1. فَارِقُ الْعِلَّةِ: عِلَّةُ الْفِطْرِ فِي الْبَخُورِ وَالتِّبْغِ هِيَ التَّرَفُّهُ وَتَقْوِيَةُ الدِّمَاغِ كَمَا نَصَّ الدَّسُوقِيُّ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةٌ فِي الْبَخَّاخِ، بَلْ هُوَ دَوَاءٌ مُرٌّ لَا لَذَّةَ فِيهِ وَلَا تَقْوِيَةَ.
2. قِيَاسُ الْعَكْسِ: لَوْ طَرَدْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لَوَجَبَ أَنْ يَفْطَرَ الصَّائِمُ بِتَنَفُّسِ الْأُوكْسِجِينِ الصِّنَاعِيِّ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِنْشَاقِ لَيْسَ عِلَّةً مُطْلَقَةً لِلْفِطْرِ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ
• وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: قَالُوا إِنَّ ذِمَّةَ الصَّائِمِ مَشْغُولَةٌ بِالْيَقِينِ، وَالْفِطْرُ بِالْبَخَّاخِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ.
• الرَّدُّ وَالتَّفْنِيدُ: هَذَا الِاحْتِيَاطُ مُعَارَضٌ بِأَصْلَيْنِ مَالِكِيَّيْنِ:
1. قَاعِدَةُ الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ: فَالصَّوْمُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الْيَقِينُ إِلَّا بِدَلِيلٍ نَصِّيٍّ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هُنَا.
2. قَاعِدَةُ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ: وَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَى مَرِيضِ الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ يُؤَدِّي إِلَى سَدِّ بَابِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا حَرَجٌ مَدْفُوعٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
الْأَقْيِسَةُ الْإِضَافِيَّةُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ:
1. قِيَاسُ الطَّرْدِ فِي مَنَاطِ الْمَنْفَذِ: أَنَّ الْمُخَالِفَ الَّذِي ضَيَّقَ فِي بَخَّاخِ الرَّبْوِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَعْفُو عَنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ الَّذِي سَبَقَ لِلْحَلْقِ. فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ رُطُوبَةِ مَاءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِلْوُضُوءِ وَرُطُوبَةِ دَوَاءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِلْعِلَاجِ؟ فَالطَّرْدُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفِطْرِ فِي كِلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلِوُجُودِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ فِي السَّبَبِ.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ الْمُعَارِضُ عِلَّةُ الِانْعِقَادِ: الْمُخَالِفُ يَقُولُ إِنَّ الرَّذَاذَ يَنْعَقِدُ فَيَصِيرُ جِرْمًا سَائِلًا، فَنَقُولُ لَهُ: إِنَّ الْبَلْغَمَ يَنْعَقِدُ جِرْمًا كَثِيفًا، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ عَدَمُ الْفِطْرِ بِهِ وَلَوْ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ لِلْمَشَقَّةِ، فَالْبَخَّاخُ الَّذِي هُوَ أَلْطَفُ مِنَ الْبَلْغَمِ وَأَخَفُّ جِرْمًا أَوْلَى بِالْعَفْوِ لِعَيْنِ عِلَّةِ الْمَشَقَّةِ.
3. قِيَاسُ الشَّبَهِ بِالطِّيبِ: شَبَهُ مَنْ شَمَّ طِيبًا قَوِيًّا فَوَجَدَ رِيحَهُ فِي حَلْقِهِ، فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يُفْطِرُونَ بِهِ لِأَنَّهُ رِيحٌ لَا جِسْمَ لَهُ، وَالْبَخَّاخُ فِيهِ جَانِبٌ غَازِيٌّ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الرَّائِحَةَ النَّافِذَةَ، وَمَا فِيهِ مِنْ جِرْمٍ لَا يَتَحَقَّقُ وُصُولُهُ لِلْمَعِدَةِ بَلْ يَنْشَفُ فِي الْمَسَالِكِ التَّنَفُّسِيَّةِ، فَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَحْرِيرُ مَنَاطَاتِ الْعَفْوِ الِاضْطِرَارُ، الْغَلَبَةُ، وَعُسْرُ الِاحْتِرَازِ
بَعْدَ تَفْنِيدِ شُبَهِ الْمُخَالِفِ، نَنْتَقِلُ إِلَى تَحْقِيقِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْمَالِكِيَّةُ أَحْكَامَ الْعَفْوِ، وَكَيْفَ تَنْطَبِقُ بِحَذَافِيرِهَا عَلَى نَازِلَةِ الْبَخَّاخِ:
أَوَّلًا: مَنَاطُ "الْغَلَبَةِ" وَعَلَاقَتُهُ بِالْقَصْدِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ الْغَلَبَةَ مَسْقَطَةٌ لِلْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَلَبَهُ قَيْءٌ، وَالْغَلَبَةُ هُنَا لَيْسَتْ فَقَطْ فِي الْفِعْلِ الِاضْطِرَارِيِّ لِلْبَدَنِ، بَلْ تَعُمُّ كُلَّ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الصَّائِمُ دَفْعَهُ عَنْ حَلْقِهِ.
• تَحْقِيقُ الدَّلِيلِ: مَرِيضُ الرَّبْوِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْبَخَّاخِ، يَكُونُ قَصْدُهُ إِيصَالَ الْهَوَاءِ لِلرِّئَةِ لَا إِيصَالَ الْجِرْمِ لِلْمَعِدَةِ، فَمَا يَنْحَدِرُ لِلْحَلْقِ هُوَ غَالِبٌ لِلْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ، فَالْفِعْلُ مَأْذُونٌ فِيهِ لِلْعِلَاجِ، وَالنَّتِيجَةُ وُصُولُ الْجِرْمِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، فَالْتَحَقَ بِـ "غَلَبَةِ الْقَيْءِ" الَّتِي لَا تُفْطِرُ.
ثَانِيًا: مَنَاطُ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ" وَشَبَهُهُ بِغُبَارِ الطَّرِيقِ
قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَا قَضَاءَ فِيهِ، وَمِنْهُ غُبَارُ الطَّرِيقِ وَالدَّقِيقِ.
• قِيَاسُ الْعِلَّةِ: الْعِلَّةُ فِي غُبَارِ الدَّقِيقِ هِيَ مُلَازَمَةُ الصَّانِعِ لَهُ مَعَ ضَرُورَةِ الْعَمَلِ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا مَوْجُودَةٌ فِي مَرِيضِ الرَّبْوِ الَّذِي تُلازِمُهُ "النَّوْبَةُ" مَعَ ضَرُورَةِ "الْبَقَاءِ"، بَلْ إِنَّ الِاحْتِرَازَ فِي حَقِّ مَرِيضِ الرَّبْوِ أَعْسَرُ؛ لِأَنَّ الطَّحَّانَ يُمْكِنُهُ وَضْعُ لِثَامٍ، أَمَّا مَرِيضُ الرَّبْوِ فَلَا يُمْكِنُهُ فَتْحُ شُعَبِهِ إِلَّا بِهَذَا الرَّذَاذِ، فَمَا دَامَ الشَّارِعُ قَدْ سَامَحَ فِي "غُبَارِ الدَّقيقِ" لِلْمَعِيشَةِ، فَسَمَاحُهُ فِي "رَذَاذِ الدَّوَاءِ" لِلْحَيَاةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
ثَالِثًا: مَنَاطُ "رَفْعِ الْمَشَقَّةِ" وَالْقِيَاسُ عَلَى الْبَلْغَمِ
نَصَّ الدَّسُوقِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبَلْغَمِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا.. لِلْمَشَقَّةِ.
• تَوْجِيهُ الِاسْتِدْلَالِ: إِذَا كَانَ الْبَلْغَمُ جِرْمًا كَثِيفًا نَابِعًا مِنَ الْبَدَنِ يُعْفَى عَنْهُ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي طَرْحِهِ، فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ فِي مَنْعِ مَرِيضِ الرَّبْوِ مِنَ التَّنَفُّسِ أَعْظَمُ، وَإِيجَابَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِمْرَارِ مَرَضِهِ طِيلَةَ الْعَامِ كَمَا فِي الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاطِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لِتُصَحِّحَ عِبَادَةَ الْمَكَلَّفِ لَا لِتُعْجِزَهُ، فَرَفْعُ الْمَشَقَّةِ هُنَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّحَّةِ.
رَابِعًا: مَنَاطُ "الِاضْطِرَارِ" وَالْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ
قَاعِدَةُ: الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَدْلًا، وَالصَّائِمُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّدَاوِي لِحِفْظِ النَّفْسِ.
• قِيَاسُ الطَّرْدِ: كَمَا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا، فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ غَلَبَةِ الْمَاءِ لَا يُفْطِرُ، فَكَذَلِكَ الْبَخَّاخُ مَأْذُونٌ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ، فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ رُطُوبَةٍ تَنْحَدِرُ لِلْحَلْقِ لَا تُفْطِرُ، طَرْدًا لِأَصْلِ الْعَفْوِ عَنْ لَوَازِمِ الْأَفْعَالِ الْمَأْذُونِ فِيهَا.
تَحْقِيقُ الِاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ الْمَنَاطَاتِ:
إِنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْمَنَاطَاتِ الْغَلَبَة، عُسْر الِاحْتِرَاز، الْمَشَقَّة، الِاضْطِرَار إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ -كَمَا فِي الْبَخَّاخِ- نَقَلَتِ الْحُكْمَ مِنَ "الْمَنْعِ" إِلَى "الْجَوَازِ وَالْعَفْوِ" بِيَقِينٍ، وَهُوَ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ تَقْرِيرَاتِ الدَّرْدِيرِ وَالدَّسُوقِيِّ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي رَاعَوْا فِيهَا حَالَةَ الصَّانِعِ وَالْمَرِيضِ.
الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَغْيِيرُ الْمُدْرَكِ الْفِقْهِيِّ وَتَقْرِيرُ الِاسْتِحْبَابِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ
إِنَّ النَّاظِرَ فِي مَسْأَلَةِ بَخَّاخِ الرَّبْوِ بِعَيْنِ الْأُصُولِيِّ، يَجِدُ أَنَّ تَعَارُضَ الْأَقْيِسَةِ بَيْنَ الْعَفْوِ عَنِ الْغُبَارِ وَمَنْعِ الْمُتَحَلِّلِ يُوجِبُ رُتْبَةً مِنَ الِاحْتِيَاطِ لَا تَصِلُ إِلَى إِبْطَالِ الْعِبَادَةِ بِيَقِينٍ، بَلْ تَقِفُ عِنْدَ رُتْبَةِ "الِاسْتِحْبَابِ" خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ الْمُعْتَبَرِ.
أَوَّلًا: تَحْقِيقُ مَنَاطِ الْخِلَافِ الْمُعْتَبَرِ الْقَابِلِيَّةُ لِلتَّصْدِيقِ: نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي "التَّوْضِيحِ" عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ: مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ، لَا مُجَرَّدَ قَابِلِيَّتِهِ لِلتَّصَوُّرِ فَقَطْ.
• تَنْزِيلُ الْقَاعِدَةِ: قَوْلُ مَنْ أَفْطَرَ بِالْبَخَّاخِ لَيْسَ قَوْلًا شَاذًّا لَا يُتَصَوَّرُ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ قَابِلٌ لِلتَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى مَنَاطِ "الْجِرْمِيَّةِ" وَ"الْمَنْفَذِ الْمَفْتُوحِ"، وَهُمَا أَصْلَانِ يَقِينِيَّانِ فِي الْمُفْطِرَاتِ. فَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمُخَالِفِ مَبْنِيًّا عَلَى تَصَوُّرٍ صَحِيحٍ لِلْمُفْطِرِ، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَا فِي بَابِ الْفَتْوَى بِالْبُطْلَانِ.
ثَانِيًا: الِانْتِقَالُ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ : مِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، وَهِيَ عِنْدَنَا أَنْ يُعْمَلَ بِدَلِيلِ الْمُخَالِفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
• وَجْهُ الِاسْتِحْبَابِ: لَمَّا تَعَارَضَ عِنْدَنَا دَلِيلُ الْعَفْوِ لِلْمَشَقَّةِ -وَهُوَ الْأَرْجَحُ- مَعَ دَلِيلِ الْفِطْرِ لِلْجِرْمِيَّةِ -وَهُوَ الْأَحْوَطُ-، كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ: "الصَّوْمَ صَحِيحٌ، وَيُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ".
• قِيَاسُ الْأَصْلِ: شَبَهُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ الدَّسُوقِيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْحُقْنَةِ بِالْمَائِعِ عَنِ الدُّبُرِ حَيْثُ نَقَلَ اسْتِحْبَابَ الْقَضَاءِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ. فَنَحْنُ هُنَا نَسْلُكُ هَذَا الْمَسْلَكَ التَّهْذِيبِيَّ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْعِبَادَةِ هَيْبَتَهَا بِالِاسْتِحْبَابِ وَيَرْفَعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْإِثْمَ وَالْحَرَجَ بِتَصْحِيحِ الْأَصْلِ.
قِيَاسُ نَدْبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْهَرِمِ وَالْمَرِيضِ الْمُزْمِنِ
نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي "الْمُخْتَصَرِ" عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْهَرِمِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَإِنَّمَا نُدِبَ لَهُمُ الْفِدْيَةُ أَوِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ. وَمِنْ هُنَا نُخَرِّجُ نَدْبَ الْقَضَاءِ لِمُسْتَعْمِلِ الْبَخَّاخِ:
1. قِيَاسُ الْمُسَاوِي فِي عِلَّةِ الْعَجْزِ:
• الْأَصْلُ: الشَّيْخُ الْهَرِمُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنِ الصَّوْمِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وُجُوبًا عِنْدَ خَلِيلٍ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْفِدْيَةُ.
• الْفَرْعُ: مَرِيضُ الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ الَّذِي يَعْجِزُ عَنِ الصَّوْمِ بِدُونِ بَخَّاخٍ.
• وَجْهُ التَّخْرِيجِ: كَمَا أَنَّ الْهَرِمَ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ، فَكَذَلِكَ مَرِيضُ الرَّبْوِ يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ عَنِ الْإِمْسَاكِ عَنِ الدَّوَاءِ، وَيَبْقَى الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ الِاسْتِحْبَابُ لِمُرَاعَاةِ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ، قِيَاسًا عَلَى نَدْبِ الْفِدْيَةِ لِلْهَرِمِ.
2. قِيَاسُ الشَّبَهِ بِالْمَرَضِ الْمَيْؤْسِ:
• الْأَصْلُ: الْمَرِيضُ مَرَضًا مُزْمِنًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ.
• الْفَرْعُ: مَرِيضُ الرَّبْوِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَرَضًا مُمِتَدًّا.
• وَجْهُ الشَّبَهِ: شَبَهُهُمَا فِي دَوَامِ الْعُذْرِ؛ فَلَمَّا كَانَ الْمَذْهَبُ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ الْمُزْمِنِ قَضَاءً مَادَامَ مَرَضُهُ مُسْتَمِرًّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهِ حَالًا، كَانَ مُسْتَعْمِلُ الْبَخَّاخِ كَذَلِكَ. فَإِذَا صَامَ وَاسْتَعْمَلَهُ، فَقَدْ أَدَّى أَصْلَ الْفَرِيضَةِ، وَنَدَبْنَا لَهُ الْقَضَاءَ إِنْ قَدَرَ يَوْمًا مَا بِدُونِ بَخَّاخٍ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ، تَمَامًا كَمَا نَدَبْنَا لِلْمُزْمِنِ الْفِدْيَةَ بَدَلًا عَنِ الْقَضَاءِ.
خُلَاصَةُ "إِقَامَةِ الدَّلِيلِ" لِهَذِهِ النُّقْطَةِ: نُقَرِّرُ أَنَّ إِيجَابَ الْقَضَاءِ يُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ الْمُحَالِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تُلْزِمُ بِمُحَالٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ لِانْدِرَاجِ الْعُذْرِ تَحْتَ بَابِ "الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ" الَّذِي رَاعَاهُ الْمّذهَبُ فِي الْهَرِمِ وَالْمُزْمِنِ.
ثَالِثًا: قَاعِدَةُ الِاحْتِيَاطِ وَالْأَحْوَطِ: الِاحْتِيَاطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَطْلُوبٌ، لَكِنَّهُ لَا يُهْدِمُ الْأَصْلَ الْمُتَقَرِّرَ بِيَقِينٍ وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُفْطِرُ.
• قِيَاسُ الطَّرْدِ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَرَدَّدَ فِيهَا الْحُكْمُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْعَدَمِ لِقُوَّةِ دَلِيلِ الطَّرَفَيْنِ، فَالْأَحْوُطُ فِيهَا الْقَضَاءُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ تَبْرِئَةً لِلذِّمَّةِ مِمَّا هُوَ قَابِلٌ لِلتَّصْدِيقِ مِنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ.
خُلَاصَةُ الْمَطْلَبِ : نُقَرِّرُ أَنَّ مَنَاطَ الْفِطْرِ بِالْبَخَّاخِ لَمَّا لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْقَطْعِ، وَبَقِيَ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ الْمُعْتَبَرِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا، فَإِنَّ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ تَقْتَضِي عَدَمَ إِبْطَالِ صَوْمِ النَّاسِ بِالظَّنِّ، مَعَ فَتْحِ بَابِ النَّدْبِ لِلْقَضَاءِ لِمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ سَعَةً، رِعَايَةً لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: تَحْقِيقُ مَنَاطِ "الِاسْتِقْرَارِ" فِي مَجْرَى التَّنَفُّسِ لَا مَجْرَى الطَّعَامِ
تَصْوِيرُ الثُّغْرَةِ: قَدْ يَقُولُ الْمُخَالِفُ: إِنَّ الْحَلْقَ مَنْفَذٌ مُشْتَرَكٌ، وَمَا دَامَ الرَّذَاذُ قَدْ مَرَّ بِهِ فَقَدْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ الْمُفْطِرِ.
• إِقَامَةُ الدَّلِيلِ: نُفَرِّقُ هُنَا بَيْنَ الْجَوْفِ التَّنَفُّسِيِّ وَالْجَوْفِ الْغِذَائِيِّ. عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، الْفِطْرُ مَنَاطُهُ "الْمَعِدَةُ" وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا الْحَلْقُ. وَبِالتَّصَوُّرِ الطِّبِّيِّ الدَّقِيقِ، فَإِنَّ 90% مِنَ الرَّذَاذِ يَتَّجِهُ لِلْقَصَبَةِ الْهَوَائِيَّةِ وَالرِّئَتَيْنِ، وَهِيَ لَيْسَتْ جَوْفًا مُفْطِرًا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّهَا لَا تَهْضِمُ وَلَا تَمْتَصُّ الْغِذَاءَ.
• قِيَاسُ الْعِلَّةِ: قِيَاسُ نُفُوذِ الرَّذَاذِ لِلرِّئَةِ عَلَى نُفُوذِ الْهَوَاءِ لِلرِّئَةِ؛ فَلَمَّا كَانَ اسْتِنْشَاقُ الْهَوَاءِ لَا يُفْطِرُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ فِي "مَعِدَةِ الْغِذَاءِ"، فَكَذَلِكَ الدَّوَاءُ التَّنَفُّسِيُّ التَّابِعُ لَهُ.
الْمَطْلَبُ السَّادِسُ: عِلَّةُ "وُجُودِ الطَّعْمِ" وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "وُصُولِ الْجِرْمِ"
تَصْوِيرُ الثُّغْرَةِ: مَرِيضُ الرَّبْوِ قَدْ يَجِدُ طَعْمًا لِلْدَّوَاءِ فِي حَلْقِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ طَعْمَ الشَّيْءِ فِي الْحَلْقِ دَلِيلُ وُصُولِ جِرْمِهِ.
• تَفْنِيدُ الثُّغْرَةِ: نَقُولُ إِنَّ مُجَرَّدَ "الطَّعْمِ" لَا يَسْتَلْزِمُ "الْفِطْرَ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِإِطْلَاقٍ، وَالدَّلِيلُ مَا سُقْتُهُ مِنْ كَلَامِ الدَّرْدِيرِ وَالدَّسُوقِيِّ فِي مَنْ دَهَنَ رَأْسَهُ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، حَيْثُ نَصَّ خَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ الْمَنْفَذِ.
• قِيَاسُ الشَّبَهِ: شَبَهُ طَعْمِ الْبَخَّاخِ بِطَعْمِ السِّوَاكِ؛ فَالصَّائِمُ يَجِدُ طَعْمَ "أَرَاكِ" السِّوَاكِ فِي حَلْقِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَفَا الشَّارِعُ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ وَطَلَبِ السِّوَاكِ. فَالْعَفْوُ عَنْ طَعْمِ الْبَخَّاخِ لِلْحَاجَةِ لِلتَّنَفُّسِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ.
الْمَطْلَبُ السَّابِعُ: سَدُّ ذَرِيعَةِ "وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ" عِنْدَ التَّعَمُّدِ
تَصْوِيرُ الثُّغْرَةِ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْقَوْلَ بِالْفِطْرِ قَابِلٌ لِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ، فَهَلْ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ عَامِدًا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟
• تَحْرِيرُ الْحُكْمِ: لَا كَفَّارَةَ قَطْعًا لِوُجُودِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بِالْعَفْوِ لِلْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّ "الْخِلَافَ الْمُعْتَبَرَ" يَدْرَأُ الْكَفَّارَةَ.
• قَاعِدَةٌ مَالِكِيَّةٌ: كُلُّ مُفْطِرٍ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُتَأَوِّلًا، وَبَخَّاخُ الرَّبْوِ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْغُبَارِ وَالْبَخُورِ، صَارَ فِيهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْعُقُوبَةَ الْكَفَّارَةَ.
تَنْبِيهٌ سَدُّ الثُّغْرَةِ الْأَخِيرَةِ
مَسْأَلَةُ الْبَخَّاخِ الْجَافِّ مُقابِلُ الْبَخَّاخِ السَّائِلِ: إِذَا كَانَ الْبَخَّاخُ بُودْرَةً جَافَّةً، فَهِيَ بِنَصِّ خَلِيلٍ فِي غُبَارِ الدَّقِيقِ أَقْرَبُ لِلْعَفْوِ. وَإِذَا كَانَ سَائِلًا، فَهُوَ بِنَصِّهِ فِي مَاءِ الْمَضْمَضَةِ أَقْرَبُ لِلْعَفْوِ. فَالنَّتِيجَةُ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ تَرْجِيحًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِ.
خَاتِمَةُ الْبَحْثِ فِي نَازِلَةِ بَخَّاخِ الرَّبْوِ
بَعْدَ جَوْلَةٍ تَحْقِيقِيَّةٍ فِي مَطَاوِي "الْمُخْتَصَرِ" وَشُرُوحِهِ، نَسْتَطِيعُ صِيَاغَةَ الْبُرْهَانِ الْفِقْهِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ عَلَى هَيْئَةِ قِيَاسٍ مَنْطِقِيٍّ مُنْتِجٍ لِلْحُكْمِ الْأَرْجَحِ:
أَوَّلًا: الْمُقَدِّمَةُ الصُّغْرَى تَحْقِيقُ الْحَالِ
بَخَّاخُ الرَّبْوِ مَادَّةٌ دَوَائِيَّةٌ يُضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمَرِيضُ لِتَحْصِيلِ النَّفَسِ، وَتَعْسُرُ عَلَيْهِ صِيَانَةُ حَلْقِهِ عَنْ جِرْمِهَا اللَّطِيفِ الْمُصَاحِبِ لِلْهَوَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا عِلَّةُ التَّقْوِيَةِ لِلْبَدَنِ وَلَا التَّرَفُّهِ لِلنَّفْسِ، بَلْ قَصْدُهُ فَتْحُ الْمَجَارِي التَّنَفُّسِيَّةِ لَا إِيصَالُ الْغِذَاءِ لِلْمَعِدَةِ.
ثَانِيًا: الْمُقَدِّمَةُ الْكُبْرَى تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ
كُلُّ مَا وَصَلَ لِلْحَلْقِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ وَالدَّقِيقِ، أَوْ كَانَ فِعْلُهُ مَأْذُونًا فِيهِ كَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ وَرُطُوبَةِ السِّوَاكِ، أَوْ نَقَصَتْ فِيهِ عِلَّةُ تَقْوِيَةِ الدِّمَاغِ كَطَعْمِ دُهْنِ الرَّأْسِ أَوْ دُخَانِ الْحَطَبِ، فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّوْمِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِانْتِفَاءِ مَنَاطِ التَّغَذِّي وَالِاخْتِيَارِ.
ثَالِثًا: النَّتِيجَةُ الْقَوْلُ الْأَرْجَحُ
بَخَّاخُ الرَّبْوِ لَا يُفْطِرُ، وَصَوْمُ مُسْتَعْمِلِهِ صَحِيحٌ بِيَقِينٍ، وَذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ؛ لِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ مَنَاطِ الْمَعْفُوَّاتِ خَلِيلِيًّا لِلْمَشَقَّةِ وَالْعُسْرِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِإِفْطَارِهِ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ التَّصْدِيقِ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
تَوْصِيَةٌ تَهْذِيبِيَّةٌ خِتَامِيَّةٌ:
وَمَعَ تَقْرِيرِ صِحَّةِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ تَقْتَضِي نَدْبَ الْقَضَاءِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ لِمَنْ كَانَ مَرَضُهُ عَارِضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَمَّا الْمُزْمِنُ الَّذِي تُلازِمُهُ النَّوْبَةُ طِيلَةَ الْعَامِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَطَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ.
وَهَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ،
فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَأَنْ يُقَيِّدَ لَهُ الْوُصُولَ لِكَثِيرٍ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالسَّادَةِ الْمَشَايِخِ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَطْوِيَهُ عَنْ أَعْيُنِ الْعَوَامِّ.
وَكَتَبَهُ؛ فِي عَمَّانَ - الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ
حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَسَائِرَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ
زياد حَبُّوب أبورجائي