جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

ابن عربي ليس أشعريًا في باب الوجود

 لا يكفي أن يُنقل عن ابن عربي لفظ "الجوهر" و"العرض" لإثبات أنه يقرر مذهب المتكلمين  في الجوهر والعرض؛ لأن ابن عربي يستعمل كثيرًا من المصطلحات الكلامية والفلسفية، لكنه يعيد توظيفها بدلالات خاصة داخل نسقه العرفاني. ومن هنا يقع الخلط بين اشتراك الألفاظ واتحاد المعاني.
فالفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي والمتكلمون يستعملون أحيانًا ألفاظًا واحدة لكن ضمن رسوم مفاهيمية مختلفة.
فمثلًا:
لفظ الوجود عند المتكلم ليس هو بالضرورة الوجود عند ابن سينا.
لفظ التجلي عند الصوفي ليس هو مجرد الظهور الحسي.
لفظ العين عند ابن عربي ليس هو العين الموجودة عند المتكلمين.
فمنهج قراءة ابن عربي لا يكون بجمع الألفاظ، بل بفهم البنية الكلية لمذهبه.
ولقد ذكرت ذلك للشيخ أيمن حمدي شيخ الطريقة الأكبرية في مصر حال نقاشنا ورددته كثيرا ان ما بين ابن عربي والأشعرية أزمة مصطلحات وما زلت ارددها لاني قرأت الفتوحات بعين الباحث عن الحق لا بعين المتلقي المسلّم بكل ما يقول.
العجيب في مقال الاخ عبدالناصر حدارة أنه يريد أن يدافع عن ابن عربي، فإذا به يثبت عليه ما ينفيه عنه! فهو يظن أن إثبات "الجواهر والأعراض" عند الشيخ الأكبر يعني أنه صار من أهل النظر الكلامي، وغفل أن محل النزاع ليس: هل ذكر ابن عربي لفظ الجوهر والعرض؟ بل: ما حقيقة العالم عنده؟ وهل هو موجود مستقل مغاير للحق، أم هو تجلٍّ وظهور للحق؟
وعليه فان نتائج ما يقول في سائر المقال بناء خطأ
1.  قول الشيخ الأكبري حدارة : "إذن ثبت وجودان: الحق والعالم" ليس لازمًا؛ لأن النزاع أصلاً في معنى وجود العالم. هل هو وجود استقلال، أم وجود تبعي ظهوري؟ وابن عربي نفسه يصرح في مواضع كثيرة بأن الموجودات ما شمّت رائحة الوجود من أنفسها، وأن وجودها عارية محضة. ويقول : إن الحق سبحانه هو الوجود المحض، وإن الممكنات وجودها مستفاد من الحق، فهي قائمة به لا بأنفسها.
فإذا قال ابن عربي: "الجواهر لا تفنى والأعراض تتجدد"، فالسؤال العلمي ليس: هل قال هذه العبارة؟ بل السؤال: ما مراده بالجوهر؟ وما مراده بالعرض؟
عند الأشاعرة:
الجوهر: موجود مخلوق قائم بنفسه، وإن كان مفتقرًا إلى الله في الإيجاد.
عند ابن عربي:
 قد يدخل الجوهر عند ابن عربي في باب الأعيان الممكنة. استعمال ابن عربي للجوهر لا يلزم أن يكون مطابقًا للجوهر عند المتكلمين، بل يُفهم في سياقه الخاص، وقد يرتبط عنده بمفهوم العين الممكنة والتعين."
لأن ابن عربي لا يجعل "الجوهر" مصطلحًا مركزيًا في مذهبه مثل "العين الثابتة" و"التجلي" و"الحقيقة المحمدية". 
 فالعين الممكنة : لها تعين وثبوت، لكن ليس لها قيام وجودي مستقل، بل وجودها من الحق وبالحق. بحسب اصطلاح ابن عربي في الأعيان الممكنة فـ"العين الممكنة" عنده هي:
ما تعيّن في العلم الإلهي من حقائق الممكنات قبل وجودها الخارجي.
أي أن لها ثبوتًا علميًا لا وجودًا خارجيًا مستقلًا.
فإذا قال: "الأعيان" فلا يقصد مباشرة "الجواهر" عند الأشاعرة.
فمحل النزاع ليست في إثبات حدوث العالم أو افتقاره، فهذا يقر به الأشاعرة وغيرهم، وإنما المشكلة في نوع العلاقة بين وجود الحق ووجود الخلق.
الأشاعرة لا يختلفون مع ابن عربي فقط في الاصطلاح، بل في تصور حقيقة العالم.
فالأشعري يقول:
العالم موجود حادث، مخلوق، مركب من جواهر قائمة بأنفسها وأعراض قائمة بها ، والله مباين للعالم، ليس شيء من العالم قائمًا بذاته الإلهية.
أما ابن عربي ففي كثير من نصوصه يُفهم من كلامه أن العلاقة بين الحق والعالم علاقة تجلٍّ وظهور، لا مجرد علاقة صانع بمصنوع.
ولهذا فالنزاع ليس في:
هل العالم محتاج إلى الله؟
فهذه مسألة متفق عليها.
بل في:
هل وجود العالم وجود حادث مستقل عن وجود الحق، أم هو ظهور للحق في صور الممكنات؟
وهنا أصل الخلاف.

2. أما استدلاله بموضع يثبت قول ابن عربي بأنه قول الأشاعرة ففيه مغالطة ظاهرة؛ لأن ابن عربي قد يستعمل لغة الجوهر والعرض على طريقة أهل الكلام في مواضع، لكنه لا يلتزم نتائجهم. 
فمن أخذ لفظ "جوهر" من ابن عربي ثم حمّله معنى الجوهر عند أبي الحسن الأشعري أو الجويني فقد نسب إليه ما لم يقله.
وإلا فليجب: هل الجوهر عند ابن عربي قائم بذاته حقيقة، أم هو عين من أعيان الممكنات لا قيام له إلا بالحق؟
ومنها هل الجوهر قائم بذاته؟
فالجواب عنده :
إن قصدتَ قيامًا ذاتيًا مستقلًا لا يفتقر في أصل وجوده إلى الحق: فلا.؛ لأن الممكن لا قيام له بنفسه، بل هو فقير إلى الحق في كل آن.
وإن قصدتَ أنه محل لقيام الأعراض والصور في عالم الإمكان: فنعم، بهذا الاعتبار يسميه جوهرًا.
الجوهر عند الأشاعرة هو: الموجود المتحيز بذاته، القائم بنفسه، الذي لا يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به. وأما العرض فهو: الموجود الذي لا يقوم بنفسه، بل يحتاج إلى محل يقوم به.
وعلى هذا الأصل بنى الأشاعرة قولهم: إن العالم مركب من جواهر وأعراض؛ فالجواهر مخلوقة قائمة بأنفسها، والأعراض مخلوقة قائمة بالجواهر، والله تعالى هو الموجد لها جميعًا، ولا يقوم شيء من الحوادث بذاته سبحانه.

أما عند ابن عربي فالأمر مختلف؛ لأن "الجوهر" عنده لا يدل على موجود مستقل قائم بنفسه في مقابل الحق، بل هو من أعيان الممكنات التي لا تستقل بالوجود عن الحق.
فإن قال ابن عربي: "الأعيان جواهر"، فليس مراده بالضرورة جوهر الأشاعرة الذي له قيام ذاتي في الخارج، بل مراده عين الممكن التي لها تعين وتميز، ثم يفيض عليها الحق الوجود.
فغالبًا يريد به محل الصور والأعراض في عالم الخلق، أي الشيء الذي تظهر فيه التعينات والصور، وليس بالضرورة الجوهر الكلامي الذي قام بنفسه استقلالًا.

3. ثم إن قوله: "الشيخ الأكبر يثبت وجودين" يحتاج إلى تحرير شديد؛ فإن قول ابن عربي: "الحق في الدرجة الأولى والعالم في الدرجة الثانية" لا يعني بالضرورة إثبات وجودين مستقلين، بل يعني تفاوت الرتبة بين الوجود الواجب والوجود الممكن. وهذا المعنى قال به الفلاسفة أيضًا من جهة الوجوب والإمكان، وليس هو نفس تقرير مذهب أهل السنة في حدوث العالم وانفصاله عن الخالق.
واعلموا ان ابن عربي يفرق بين وجود الحق من حيث هو واجب بذاته، وبين وجود العالم من حيث هو ممكن بغيره، لكنه لا يجعل العالم وجودًا مستقلًا في مقابل الحق كما هو تقرير أهل السنة، بل يجعله وجودًا مستفادًا قائمًا بالله.

4. أما قوله: "ليس العالم مع الباري في وجوده" فهذا لا يكفي لإثبات أنه يخالف القائلين بوحدة الوجود؛ لأن القائل بوحدة الوجود لا يقول إن العالم مساوٍ لله أو أنه هو الله من جهة التعيين، وإنما يقول إن وجود العالم ليس وراء وجود الحق، بل هو ظهور وتعين لذلك الوجود.

5. ثم إن احتجاجه بعبارة ابن عربي عن الجوهر والعرض لا يخدمه؛ لأن ابن عربي نفسه يقول في الفصوص والفتوحات ما يدل على أن العالم ظل للحق وصورة لتجلياته، وأن الحق يظهر في صور الموجودات، وأن الممكنات لا وجود لها إلا باعتبار نسبتها إلى الحق.

فإن كان المراد بالجواهر والأعراض عند ابن عربي ما يفهمه المتكلمون من موجودات حادثة مستقلة عن الذات الإلهية في الحقيقة الخارجية، فهذا لا يثبت. وإن كان المراد مجرد تعينات وتجليات وأعيان ثابتة، فهذا عين محل النزاع ولا يخرج عن مذهبه.
6. وأما قوله: "هذان دليلان ينسفان زعمك" فهو من باب المصادرة؛ لأنك أثبتَّ محل النزاع بالنقل المختلف في اصطلاحه، ثم جعلت ذلك دليلاً قاطعًا.
فابن عربي ليس كتابًا في صفحة واحدة، ولا يصح أن يُنتزع منه ما يوافق المتكلم ويترك ما يخالفه.
فمن أراد إثبات أن ابن عربي على طريقة الأشاعرة في باب الوجود فعليه أن يأتينا بنص يقول فيه: إن العالم موجود بوجود مستقل حادث، وأن وجوده مغاير لوجود الحق مغايرة تامة، وأن الموجودات ليست تعينات وتجليات للحق. أما جمع ألفاظ الجوهر والعرض من هنا وهناك فهو عمل غير سديد .

والإشكال أن الشيخ حدارة يتهم الدكتور سعيد فودة بالتخبط، مع أن التخبط الحقيقي هو أن يقرأ ابن عربي بجزئيات، ثم يغض الطرف عن عشرات النصوص التي أسس فيها ابن عربي مذهبه الخاص في العلاقة بين الحق والخلق.

فليس كل من قال "جوهرًا وعرضًا" صار أشعريا
فالمسألة ليست: هل قال ابن عربي "جوهر" و"عرض"؟
بل: هل بقي الجوهر عنده جوهرًا مستقلًا على طريقة المتكلمين، أم صار مظهرًا من مظاهر التجلي الإلهي؟
وهنا يقع أصل الخلاف.
والمنهج غير المنضبط هو قراءة ابن عربي بانتزاع جزئيات اصطلاحية دون جمع نصوصه الكلية في باب الوجود والخلق والتجلي."

فالمقال لم يثبت أن ابن عربي أشعري في باب الوجود، وإنما أثبت أن ابن عربي استعمل ألفاظًا كلامية، وهذا أمر لا نزاع فيه. أما تحويل ذلك إلى نفي وحدة الوجود عنه فهو يحتاج إلى مواجهة نصوصه الكثيرة في الفصوص والفتوحات، لا مجرد جمع ألفاظ "جوهر" و"عرض".

زياد حبوب أبو رجائي
عمان - الاردن

آراء شيخ الإسلام مصطفى صبري في الصوفية

القول بوحدة الوجود ليس ثمرة كشفٍ صوفي صحيح ولا ذوقٍ إيماني، وإنما هو فلسفة عقلية دخيلة تسربت إلى بعض كتب التصوف، وأصلها مأخوذ من فلسفات سابقة، فإذا بطل الأصل بطل ما تفرع عنه.

ثم يفرق بين:

  • وحدة الشهود: وهي أن يغيب السالك عن ملاحظة المخلوقات لاستغراقه في شهود عظمة الله، مع بقاء اعتقاده بأن الله غير العالم، وأنه يرى الله ولا يرى العالم في تلك الحال. وهذا يعده المؤلف مقامًا من مقامات التصوف السني.

  • وحدة الوجود: وهي القول بأن وجود العالم هو عين وجود الله، أو أن العالم ليس له وجود مستقل، بل وجوده هو وجود الله. ويرى المؤلف أن هذا القول ناشئ عن الفلسفة لا عن التجربة الصوفية.

ويقرر أن من قال: «الله هو الوجود» على المعنى الذي يساوي بين الخالق والمخلوق فقد وقع في أصل فلسفة وحدة الوجود، لأن هذا يؤدي إلى اعتبار جميع الموجودات مظاهر للوجود الإلهي، وهو ما يرفضه المؤلف ويعده باطلًا.

فالخلاصة النهائية: الصفحة تميز بين وحدة الشهود المقبولة عند كثير من أهل التصوف، ووحدة الوجود التي يعدها المؤلف مذهبًا فلسفيًا دخيلًا مخالفًا لعقيدة الإسلام.

من كلام شيخ الإسلام مصطفى صبري، وهي من كتابه «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين»، في الجزء الثالث، ضمن المباحث التي ناقش فيها وحدة الوجود وردَّ عليها. وقد نقلت دراسات أكاديمية عديدة عبارات من هذا الموضع نفسه مع الإحالة إلى الجزء الثالث من الكتاب. 


وحدة الوجود وإن جملوها بالوحدة المطلقة

 هذه المصطلحات قد تُستعمل بمعانٍ مختلفة عند الفلاسفة والمتصوفة، لذلك لا يمكن الحكم عليها بمجرد الاسم، بل لا بد من معرفة المراد بها.
لكن إذا قصد بها المعاني الشائعة في الدراسات العقدية، فيمكن التفريق كالآتي:
وحدة الوجود: وهي القول بأن الوجود الحقيقي واحد، وأن الخالق والمخلوق ليس بينهما تغاير حقيقي، وإنما الكثرة مجرد مظاهر أو تجليات. وهذا من أخطر المذاهب، وقد حكم علماء أهل السنة ببطلانه وكفر من اعتقد حقيقته؛ لأنه يزيل الفرق بين الرب والعبد.
الوجود الواحد: ليس اسماً لمذهب مستقل، وإنما قد يكون مجرد تعبير آخر عن وحدة الوجود عند بعض الكتّاب، وقد يراد به معنى فلسفي مختلف. فإن أريد به أن الوجود الحقيقي واحد هو الله، وأن الموجودات ليست مباينة له، فهو عين وحدة الوجود في المعنى.
الوحدة المطلقة: هذا أيضاً اصطلاح مجمل. فإن أريد به نفي كل تمايز على الإطلاق، وأن الحقيقة واحدة لا ثنائية فيها بين الخالق والمخلوق، فهو أعم وأشد غلواً؛ لأنه ينفي كل صور التغاير، ويُعد أساساً فلسفياً تنبني عليه وحدة الوجود.
فالترتيب - إذا أريد بهذه المصطلحات معانيها الوجودية الشائعة - يكون تقريباً:
الوحدة المطلقة (إن قصد بها نفي كل تغاير مطلقاً) هي الأعم والأشد.
ثم وحدة الوجود، وهي التطبيق العقدي لهذا الأصل.
أما "الوجود الواحد" فغالباً هو مجرد تسمية أخرى لوحدة الوجود، وليس مذهباً مستقلاً.
أتباع ابن عربي وعبد الكريم الجيلي، فإن هذه المصطلحات متقاربة جداً، لكن بينها فروق في مستوى التنظير:
الوحدة المطلقة: هي الأصل الفلسفي الأعلى عندهم، ومعناها أن الحقيقة في نفسها واحدة لا يقابلها شيء على الحقيقة، وأن كل ما يظهر من كثرة ليس إلا اعتبارات أو تجليات. فهي الأساس الذي تُبنى عليه بقية النظريات.
الوجود الواحد: هو التعبير عن أن الوجود في الحقيقة واحد، وليس هناك وجودان مستقلان: وجود للخالق ووجود للمخلوق، بل الموجودات كلها ظهورات لذلك الوجود الواحد.
وحدة الوجود: هو الاسم الأشهر للمذهب كله، ويُطلق على النتيجة العقدية المترتبة على الأصلين السابقين، وهي أن الوجود واحد، وأن التعدد إنما هو في الصور والتعينات لا في حقيقة الوجود.
ولهذا فإن كثيراً من الباحثين يرون أن:
الوحدة المطلقة هي الجذر النظري.
الوجود الواحد هو تقرير لهذا الجذر بلغة الوجود.
وحدة الوجود هي الاسم المشهور للمذهب عند المتأخرين.
ولذلك لا يصح عدُّها ثلاثة مذاهب مستقلة، بل هي حلقات في بناء فكري واحد عند المدرسة الوجودية.
ومن جهة العقيدة السنية، فإن ما ينتهي إليه هذا المذهب من نفي المباينة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، وجعل الكثرة مجرد تجليات أو تعينات، قد أنكره علماء أهل السنة وعدّوه من أبطل الأقوال لمخالفته النصوص القطعية الدالة على تمييز الخالق عن خلقه واستوائه على عرشه مع مباينته لمخلوقاته.

كِتَابُ «تَذَوُّقُ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»

 #مكتبتي_المقروءة
كِتَابُ «تَذَوُّقُ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»
بُشْرَى عِلْمِيَّةٌ لِطَلَبَةِ الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ وَشُرَّاحِ الْمُتُونِ
بَعْدَ أَنْ قَدَّمْنَا لَكُمْ سِلْسِلَةَ التَّحْقِيقَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْ «الْأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ»، وَ«الْقَوَاعِدَ الْفِقْهِيَّةَ»، وَ«مَفَاهِيمَ الْمُخَالَفَةِ والدَّلالات»، وَ«التَّحْلِيلَ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ» فِي رِحَابِ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ؛ يَسُرُّنَا أَنْ نَضَعَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَحْدَثَ الْإِصْدَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُمَيَّزَةِ الْجَاهِزَةِ الْآنَ لِلتَّحْمِيلِ الْمُبَاشِرِ.  كِتَابُ «تَذَوُّقُ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»
وهو تَشْرِيحٌ بَلَاغِيٌّ وَنَحْوِيٌّ فَرِيدٌ.
الْمَحْتَوَى؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَتْنُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ مُجَرَّدَ جَمْعٍ لِلْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ، بَلْ هُوَ هَنْدَسَةٌ لُغَوِيَّةٌ عَالِيَةُ الرَّصَانَةِ. يَأْتِي هَذَا الْكِتَابُ لِيَكْشِفَ عَنْ أَسْرَارِ الْإِيجَازِ، وَالِاحْتِبَاكِ، وَالْإِحَالَاتِ النَّحْوِيَّةِ، وَجَمَالِيَّاتِ الصِّيَاغَةِ الَّتِي تَزْخَرُ بِهَا الْعِبَارَاتُ الْخَلِيلِيَّةُ، مِمَّا يُعِينُ الْبَاحِثَ عَلَى فَهْمِ الْمَتْنِ فَهْماً بَلَاغِيّاً مُتَكَامِلاً يُفْضِي إِلَى دِقَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ.

«وَهَذَا الْإِصْدَارُ (بِالتَّوَازِي): مَعَ كِتَابِ «إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسَائِلِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ» عَمَلٌ فِقْهِيٌّ مُؤَصَّلٌ، مِنَ الدَّلِيلِ إِلَى بَيَانِ الْأَقْوَالِ الْمُقَابِلَةِ لِلْمُعْتَمَدِ دَاخِلَ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ وَصَلْنَا فِيهِ إِلَى الْجُزْءِ التَّاسِعَ عَشَرَ، عَلَى أَنْ نَرْفَعَ كِتَابَ الْبُيُوعِ بِأَجْزَائِهِ الْكَامِلَةِ لِلتَّحْمِيلِ قَرِيباً جِدّاً»

رابط التحميل  :  





شرح قصيدة لذاتي بذاتي - 2

 قال الشيخ النابلسي : 
وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ
 أولًا: غريب الألفاظ
 الأكوان: جمع كون، والمراد بها جميع الموجودات المخلوقة، كالسموات والأرض والإنسان وسائر المخلوقات.
 مظاهر: جمع مَظْهَر، وهو محل الظهور والتجلِّي، أي ما يظهر فيه الشيء أو يُعرف به.
 ثانيًا: إعراب العجز
 الواو: للاستئناف.
 ما: نافية تعمل عمل ليس عند بعض النحاة، أو حرف نفي لا عمل له عند آخرين.
 هذه: اسم إشارة في محل رفع اسم (ما) أو مبتدأ.
 الأكوان: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة.
 إلا: أداة حصر.
 مظاهر: خبر (ما) أو خبر المبتدأ، مرفوع.
والأسلوب يفيد القصر، أي: ليس للأكوان وصفٌ معتبر هنا إلا أنها مظاهر.
 ثالثًا: المعنى اللغوي
المعنى اللغوي للجملة:
 ليست هذه المخلوقات إلا مواضع يظهر فيها أمرٌ آخر أو يدل عليها.
ولا يقتضي اللفظ بمجرده بيان ما الذي يظهر فيها؛ وإنما يتحدد ذلك بحسب اعتقاد القائل وسياق كلامه.
 رابعًا: تفسيره عند التصوف السني
يفسر كثير من أهل التصوف السني هذه العبارة على معنى صحيح إذا قُيِّدت بالضوابط الشرعية، فيقولون:
إن الأكوان مظاهر لأسماء الله وصفاته وآثار قدرته وحكمته، فهي تدل على الخالق وتشهد بعظمته، لا أنها ذاته ولا أنها جزء منه.
فالسماوات مثلًا مظهر لقدرته، والرزق مظهر لاسمه الرزاق، والرحمة بين الخلق مظهر لآثار اسمه الرحيم، والعدل مظهر لآثار اسمه العدل، وهكذا.
وهذا المعنى موافق لقوله تعالى:
 ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53].
وقوله:
 ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190].
فالمخلوقات آيات ودلالات على الله، وليست هي الله، ولا حالًّا فيها، ولا متحدًا بها.
 خامسًا: تفسيره عند أصحاب وحدة الوجود
أما عند أصحاب وحدة الوجود، فإن لفظ المظاهر يُحمل على معنى آخر، وهو أن الموجود الحقيقي واحد، وأن هذه الأكوان ليست إلا مظاهر أو تجليات لذلك الوجود الواحد.
وعلى هذا التفسير لا تكون الموجودات مجرد مخلوقات تدل على الله، بل تكون صورًا أو تعينات للوجود الإلهي عندهم، وإن اختلفت عباراتهم في صياغة ذلك.
ولذلك يفسرون قولهم: "الأكوان مظاهر" بأنها مظاهر للحق نفسه لا مجرد مظاهر لآثار أسمائه وصفاته.
 سادسًا: خطورة هذا الاعتقاد
إذا أُريد بالمظاهر المعنى الذي يقوله أصحاب وحدة الوجود، فإنه يفضي إلى لوازم خطيرة، منها:
 إلغاء الباينة بين الخالق والمخلوق.
 جعل الفرق بين الرب والعبد فرقًا في المظاهر لا في الحقيقة.
 إبطال حقيقة الخلق والإيجاد، إذ تصير الموجودات مجرد تجليات للوجود الواحد.
 معارضة النصوص الكثيرة الدالة على أن الله سبحانه خالقٌ والعالم مخلوق، وأنه سبحانه بائنٌ عن خلقه، ليس حالًّا فيهم ولا متحدًا بهم.

ولهذا أنكر جمهور علماء أهل السنة هذا الفهم، وعدّوه مخالفًا لأصل التوحيد الذي يقرر التمييز بين الخالق والمخلوق، مع الإيمان بأن المخلوقات كلها آيات دالة على ربها، وآثار لقدرته وحكمته، لا أنها ذاته أو تجليات لعين وجوده.

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.