جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

الصيغ التي ينعقد بها الايلاء وما لا ينعقد

مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِيلَاءُ وَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ

ذكر الشَّيْخُ خَلِيلٌ إِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الأَحْكَامِ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ
مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِيلَاءُ :

  1. الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ صَرَاحَةً : كَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ» أَوْ «لَا مَسِسْتُكِ»، مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ (وَشَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ).

  2. الْحَلِفُ بِالتِزَامِ حُرْمَةٍ أَوْ قُرْبَةٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَلَّقٍ عَلَى الْوَطْءِ : كَقَوْلِهِ: «إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ»، أَوْ «فَعَلَيَّ الحَجُّ»، أَوْ «فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ»؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَيْمَانَ المُلْزِمَةَ تُوقِعُ الزَّوْجَ فِي الحَرَجِ فَتَمْنَعُهُ مِنَ الوَطْءِ.

  3. الْحَلِفُ عَلَى التَّرْكِ بِمُدَّةٍ تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَجَلِ مَآلًا : كَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ» (إِذَا كَانَ بِمَكَانٍ يُعْلَمُ تَأَخُّرُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُؤْلِيًا مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ وَيَنْقَلِبُ حُكْمُهُ مَآلًا.

  4. الْحَلِفُ عَلَى حِنْثٍ بِإِيقَاعِ فِعْلٍ خَارِجِيٍّ : كَقَوْلِهِ: «إِنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ»، فَيُمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ وَيَصِيرُ مُؤْلِيًا إِذَا رَفَعَتْهُ لِلْقَاضِي، وَيَبْدَأُ أَجَلُهُ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ.

  5. إِضْرَارُ الْمُظَاهِرِ القَادِرِ بِالامْتِنَاعِ عَنِ التَّكْفِيرِ : حَيْثُ يُنَزَّلُ المُمَتَنِعُ عَنِ التَّكْفِيرِ عَنَادًا مَنْزِلَةَ المُمَتَنِعِ عَنِ الوَطْءِ، وَيَكُونُ أَجَلُهُ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ عَلَى المَعْتَمَدِ الأَحْسَنِ.

  6. ظِهَارُ الْعَبْدِ القَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ حِينَ يَمْتَنِعُ أَوْ يَمْنَعُهُ سَيِّدُهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ : فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الإِيلاَءُ القَضَائِيُّ حِفْظًا لِحَقِّ الزَّوْجَةِ، وَأَجَلُهُ شَهْرَانِ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ.

مَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِيلَاءُ :

  1. الْحَلِفُ عَلَى بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ اسْتِغْرَاقٍ : كَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ لَيْلًا» أَوْ «نَهَارًا»؛ لِإِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِالْوَطْءِ فِي الزَّمَنِ الآخَرِ.

  2. الْحَلِفُ عَلَى الْهَجْرِ أَوْ عَدَمِ الْكَلَامِ مَعَ جَوَازِ الْمَسِيسِ : كَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُكِ» أَوْ «لَأَهْجُرَنَّكِ» وَهُوَ يَطَؤُهَا.

  3. الْحَلِفُ بِيَمِينٍ غَيْرِ مُلْزِمَةٍ حَالًا أَوْ فِيهَا حَرَجٌ شَدِيدٌ غَيْرُ نَافِذٍ : كَقَوْلِهِ: «إِنْ وَطِئْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِي المُسْتَقْبَلِ حُرٌّ» أَوْ «كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ مِنْ مِصْرَ صَدَقَةٌ» وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا حَالًا.

  4. الْحَلِفُ عَلَى أَمَدٍ يَقْصُرُ عَنْ أَجَلِ الْإِيلَاءِ الشَّرْعِيِّ : كَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» فَقَطْ (دُونَ زِيَادَةٍ)، أَوْ «إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ»؛ لِقُصُورِهَا عَنْ المَهَلِ المَشْرُوعِ (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ).

  5. الْحَلِفُ بِنَفْيِ الْوَطْءِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ مَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ : كَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ»؛ لِإِمْكَانِ تَوْزِيعِ الفَتَرَاتِ بِحَيْثُ لاَ يَسْتَغْرِقُ انْقِطَاعًا زَائِدًا عَلَى الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حَالًا.

  6. تَرْكُ الْوَطْءِ بِسَبَبِ سَرْمَدَةِ الْعِبَادَةِ أَوْ الإِضْرَارِ الْفِعْلِيِّ بِلَا يَمِينٍ : فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ إِيلاَءٌ شَرْعِيٌّ ذُو أَمَدٍ مَقْدُورٍ (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، وَإِنَّمَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ بِالاجْتِهَادِ رَفْعًا لِلضَّرَرِ.

  7. ظِهَارُ الْعَاجِزِ عَنِ التَّكْفِيرِ بَدَنِيًّا أَوْ مَالِيًّا : فَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ حُكْمُ الإِيلاَءِ لِقِيَامِ عُذْرِهِ الشَّرْعِيِّ.

عبارة تأمل عند الفقهاء

تُعَدّ عِبَارَةُ «فَتَأَمّلْ» (وَمَا يَشْتَقّ مِنْهَا كَـ «تَأَمّلْ») مِنْ أَبْرَزِ المُصْطَلَحَاتِ الدّقِيقَةِ فِي لُغَةِ الفُقَهَاءِ وَالْحَوَاشِي، وَخَاصّةً عِنْدَ مُتَأَخّرِي المَالِكِيّةِ كَالشّيْخِ الدّرْدِيرِ وَالْعَلّامَةِ الدّسُوقِيّ.

أولًا: المَعْنَى العَامّ لِلْمُصْطَلَحِ عِنْدَ الفُقَهَاءِ

يَقْصِدُ الفُقَهَاءُ بقَوْلِهِمْ «فَتَأَمّلْ» عَقِيبَ عَرْضِ المَسْأَلَةِ أَوْ التّوْجِيهِ:

إِشَارَةً لَطِيفَةً إِلَى وُجُودِ دِقّةٍ أَوْ إِشْكَالٍ أَوْ دَخَلٍ خَفِيّ فِي الكَلَامِ المَذْكُورِ لاَ يَظْهَرُ لِلْمُبْتَدِئِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ، وَدَعْوَةً لِلنّاظِرِ إِلَى إِعَادَةِ الفِكْرِ وَإِجَالَةِ النّظَرِ.

وَهِيَ تُمَثّلُ أَدَاةً نَقْدِيّةً مُؤَدّبَةً، بَدَلًا مِنْ الصّرَاحَةِ بالتّخْطِئَةِ أَوْ الجَزْمِ بالبُطْلاَنِ، كَأَنّ الشّارِحَ أَوْ المحّقَ يَقُولُ: "إِنّ فِي هَذَا الوَجْهِ أَوْ التّعْلِيلِ أَمْرًا يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةٍ وَإِعَادَةِ نَظَرٍ دَقِيقٍ".

ثانيًا: أَقْسَامُ وَمَرَاتِبُ كَلِمَةِ «تَأَمّلْ» عِنْدَ الفُقَهَاءِ

قَسّمَ أَهْلُ التّحْقِيقِ عِبَارَاتِ النّظَرِ وَالتّأَمّلِ إِلَى مَرَاتِبَ تُفِيدُ قُوّةَ الإِشْكَالِ أَوْ ضَعْفَهُ:

1.    «فَتَأَمّلْ» (بالفَاءِ):

o        تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِذَا كَانَ الإِشْكَالُ دَقِيقًا أَوْ خَفِيّا، أَوْ أَنّ المَكْنُونَ فِي الكَلَامِ يَحْتَاجُ إِلَى لَطَافَةِ ذِهْنٍ لِلْوُقُوفِ عَلَى مَكْنُونِهِ أَوْ الدّخَلِ الّذِي فِيهِ.

2.    «تَأَمّلْ» (بلاَ فَاءٍ):

o        تُسْتَعْمَلُ إِذَا كَانَ الإِشْكَالُ أَكْثَرَ ظُهُورًا وَأَقَلّ خَفَاءً.

ثالثًا: المَقَاصِدُ الدّقِيقَةُ لِلْمُصْطَلَحِ عِنْدَ المَالِكِيّةِ (الَدّرْدِيرِ وَالدّسُوقِيّ)

عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ صَنِيعِ الشّيْخِ أَحْمَدَ الدّرْدِيرِ فِي «الشّرْحِ الكَبيرِ» أَوْ «الشّرْحِ الصّغِيرِ»، وَالعَلّامَةِ مُحَمّدٍ الدّسُوقِيّ فِي «حَاشِيَتِهِ»، نَجِدُ أَنّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ مَقَاصِدَ المَصِيرِ إِلَيْهَا، أَبْرَزُهَا:

1. التّنْبيهُ عَلَى ضَعْفِ التّعْلِيلِ أَوْ التّوْجِيهِ

قَدْ يَذْكُرُ الشّارِحُ (كَالدّرْدِيرِ) تَوْجِيهًا أَوْ دَلِيلًا لِمَسْأَلَةٍ ثُمّ يَقُولُ فِي خِتَامِهِ: «فَتَأَمّلْ»؛ وَيَقْصِدُ بهِ أَنّ هَذَا التّوْجِيهَ المَذْكُورَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا إِلاّ أَنّ فِي سَنَدِهِ أَوْ طَرْدِهِ ضَعْفًا.

·         مِثَالُهُ: عِنْدَمَا يَعْلَلُ الشّارِحُ حُكْمًا بمُنَاسَبَةٍ ظَاهِرَةٍ تُخَالِفُ أُصُولَ المَذْهَب القَوِيّةِ، فَيُقَيّدُهَا بـ «فَتَأَمّلْ»؛ لِيُنَبّهَ أَنّ فِي التّعْلِيلِ خَلَلًا أَوْ أَنّهُ غَيْرُ مُطّرِدٍ.

2. الإِشَارَةُ إِلَى وُقُوعِ المسَامَحَةِ فِي التّعْبيرِ أَوْ المثَالِيّةِ

تُسْتَخْدَمُ لِلتّنْبيهِ عَلَى أَنّ فِي عِبَارَةِ المَتْنِ (كَمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ) أَوْ الكَلاَمِ المَسْرُودِ نَوْعًا مِنَ التّسَامُحِ اللّفْظِيّ أَوْ التّشْبيهِ المَشْرُوطِ عَالَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ.

·         تَطْبيقٌ مِمّا مَرّ مَعَكَ: حِينَ يُشَبّهُ الصّدَاقُ بالبَيْعِ أَوْ الثّمَنِ فِي مَسَائِلَ تَفْتَرِقُ فِيهَا الأحْكَامُ (كَالِاسْتِحْقَاقِ الّذِي يُبْطِلُ البَيْعَ وَلاَ يُبْطِلُ النّكَاحَ)، يَذْكُرُ الدّرْدِيرُ الحُكْمَ ثُمّ يَقُولُ: «فَتَأَمّلْ»؛ لِلإِشَارَةِ إِلَى أَنّ التّشْبيهَ كَانَ فِي الجُمْلَةِ وَلَيْسَ تَاَمّا، وَأَنّ الإِطْلاَقَ فِيهِ المسَامَحَةُ.

3. التّحْذِيرُ مِنْ قِيَاسٍ زَائِفٍ أَوْ إِيهَامِ الخِلاَفِ

عِنْدَمَا يَتَوَهّمُ الطّالِبُ أَنّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ قِيَاسٌ عَلَى غَيْرِهَا أَوْ أَنّ فِيهَا خِلاَفًا يَجْرِي، يُورِدُ الفَقِيهُ الحُكْمَ المَعْتَمَدَ ثُمّ يَخْتِمُ بـ «فَتَأَمّلْ»، لِيَمْنَعَ الذّهْنَ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى ذَاَكَ المتَوَهّمِ.

4. الإِشَارَةُ إِلَى جَوَاب الَإِشْكَالِ عِنْدَ المحَقّقِينَ

فِي حَاشِيَةِ الدّسُوقِيّ، حِينَمَا يَقُولُ الدّرْدِيرُ «فَتَأَمّلْ»، يَأْتِي الدّسُوقِيّ لِيَفُكّ هَذَا الشّفْرَةَ الفِقْهِيّةَ غَالِبًا بقَوْلِهِ:

«قَوْلُهُ: (فَتَأَمّلْ)؛ إِشَارَةٌ إِلَى كَذَا وكَذَا...» أَوْ «دَلّ بهِ إِلَى أَنّ فِي هَذَا التّشْبيهِ مَسَامَحَةً لِأَنّ...».

رَابعًا: صَنِيعُ الدّسُوقِيّ فِي حَلّ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الدّرْدِيرِ

العَلّامَةُ الدّسُوقِيّ فِي حَاشِيَتِهِ يُعْتَبَرُ أَعْظَمَ مَنْ حَرّرَ وَفَكّ إِشَارَاتِ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الشّيْخِ الدّرْدِيرِ.

فِعِنْدَمَا يَرِدُ هَذَا المُصْطَلَحُ، يُحَلّلُهُ الدّسُوقِيّ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

1.    وَجْهُ الخَفَاءِ: بَيَانُ أَيْن يَكْمُنُ المَزْلَقُ فِي العِبَارَةِ.

2.    وَجْهُ المسَامَحَةِ: بَيَانُ بَعْدِ العِبَارَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ المحَقّقِ المعْتَمَدِ فِي المَذْهَب.

3.    وَجْهُ الرّدّ: حَشْدُ الأَدِلّةِ وَالأُصُولِ لِبَيَانِ اسْتِحَالَةِ الأَخْذِ بظَاهِرِ الكَلاَمِ المرُوضِ.

وَمَحَلّ الشّاهِدِ:

قَالَ الشّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: الصّدَاقُ كَالثّمَنِ... كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ لَا هُوَ

وَعَقّبَ الإِمَامُ الدّرْدِيرُ فِي الشّرْحِ الكَبيرِ عَلَى اخْتِيَارِ العَبْدِ فِي الصّدَاقِ وَمُقَارَنَتِهِ بالبَيْعِ قَائِلًا:

وَمَثّلَ لِمَا يَجُوزُ صَدَاقًا وَثَمَنًا بقَوْلِهِ: (كَعَبْدٍ) مِنْ عَبيدٍ ملُوكَةٍ لِلزّوْجِ أَوْ لِلْبَائِعِ حَاضِرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ غَائِبَةٍ وَوُصِفَتْ، (تَخْتَارُهُ هِيَ) لِأَنّهُ دَاخِلٌ عَلَى أَنّهَا تَخْتَارُ الأَحْسَنَ، وَكَذَا المُشْتَرِي فَلَا غَرَرَ، (لَا) يَخْتَارُهُ (هُوَ) أَيْ الزّوْجُ، وَكَذَا البَائِعُ لِحُصُولِ الغَرَرِ، إِذْ لَا يَتَعَيّنُ أَنْ يَخْتَارَ الأَدْنَى، فَتَأَمّلْ

تَفْكِيكٌ وَتَطْبيقٌ لِمُصْطَلَحِ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الدّرْدِيرِ:

حِينَ يَخْتِمُ الإِمَامُ الدّرْدِيرُ التّعْلِيلَ بعِبَارَةِ «فَتَأَمّلْ»، فَإِنّهُ يَضَعُ إِشَارَةً نَقْدِيّةً خَفِيّةً تُنَبّهُ الطّالِبَ إِلَى أَنّ ظَاهِرَ التّعْلِيلِ المَذْكُورِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ وَدَخَلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

التّنْبيهُ عَلَى ضَعْفِ التّعْلِيلِ وَطَرْدِ القِيَاسِ: ذَكَرَ الدّرْدِيرُ فِي الظّاهِرِ أَنّ اخْتِيَارَ الزّوْجِ متَنِعٌ «لِأَنّ الزّوْجَ لَا يَتَعَيّنُ أَنْ يَخْتَارَ الأَدْنَى»؛ وَفِي هَذَا التّعْلِيلِ خَلَلٌ أُصُولِيّ وَنَظَرِيّ، إِذْ إِنّ طَبْعَ المعَاوَضَاتِ يَقْتَضِي أَنّ الزّوْجَ (كَبَائِعٍ) يَمِيلُ غَالِبًا لِاخْتِيَارِ الأَدْنَى رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَالزّوْجَةُ (كَمُشْتَرٍ) تَخْتَارُ الأَرْفَعَ، فَالدّخُولُ عَلَى الِاخْتِيَارِ مَبْنِيّ عَلَى مُشَاحّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التّرَدّدُ المَجْهُولُ المسَبّبُ لِلْغَرَرِ الشّدِيدِ.

الإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَالِ التّنَاظُرِ بَيْنَ النّكَاحِ وَالبَيْعِ: اسْتِعْمَالُ «فَتَأَمّلْ» جَاءَ لِيُرْشِدَ النّاظِرَ إِلَى أَنّ القِيَاسَ الشّكْلِيّ بَيْنَ الزّوْجِ وَالزّوْجَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَبَيْنَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لَيْسَ طَرْدِيّا فِي كُلّ الصّوَرِ: فَفِي البَيْعِ: الِاخْتِيَارُ لِلْمُشْتَرِي جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَيُمْنَعُ لِلْبَائِعِ فِي العَدَدِ القَلِيلِ (ثَلَاثَةٍ فَأَقَلّ). وَفِي النّكَاحِ: خَصّ المعْتَمَدُ التّخْيِيرَ بالزّوْجَةِ فِي العَدَدِ القَلِيلِ، وَمَنَعَهُ عَنِ الزّوْجِ، مَعَ أَنّ كُلّا مِنْهُمَا إِنّمَا يَخْتَارُ مَا يُحَقّقُ مَصْلَحَتَهُ المَالِيّةَ.


من كتاب إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - باب النكاح الجزء 35 ص 290

مسألة التفويض عند السلف

 الذي قرره أئمة أهل السنة من الأشاعرة، فإن نصوص الصفات المتشابهة لا يجوز إجراء دلالاتها على مقتضى الظاهر اللغوي الذي يقتضي الجارحة أو الحركة أو الانتقال أو الجهة، لأن ذلك يؤدي إلى التشبيه، والله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾.

 ولذلك كان مسلك السلف عند كثير من الأئمة هو التفويض، أي الإيمان باللفظ مع تفويض المراد منه إلى الله، من غير إثبات المعاني الحسية التي يتوهمها ظاهر اللفظ، وكان مسلك كثير من الخلف هو التأويل عند الحاجة دفعًا لشبه المجسمة.

 ومن هنا يظهر فساد طريقة المجسمة؛ فإنهم يثبتون أولًا ظاهرًا جسمانيًا، ثم يقولون: "بلا كيف"، مع أن إثبات اليد بمعنى الجارحة، والاستواء بمعنى الجلوس، والمجيء بمعنى الحركة والانتقال، والعلو بمعنى الجهة؛ كل ذلك تشبيه قبل أن يكون تكييفًا.

 ولهذا قال أئمة الأشاعرة: إن نصوص الصفات لا يجوز أن تستعمل فيها دلالات الالتزام التي تفضي إلى التجسيم، ولا القياس على صفات المخلوقين، لأن الله سبحانه منزه عن مشابهة الحوادث، وكل لازم يختص بالأجسام فهو باطل في حقه تعالى.

 فليس النزاع في اللغة، وإنما في تنزيل دلالاتها على من تنزه عن صفات الأجسام، ولذلك كان التفويض أو التأويل كلاهما طريقًا عند أهل السنة الأشاعرة، بخلاف المجسمة الذين أثبتوا معاني لم ينقلها أحد من أئمة التنزيه.

مع ذلك، أنبه إلى أن عبارة : "التفويض يعني ألا يؤخذ من اللفظ أي معنى مطلقًا، لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام" تحتاج إلى تحرير عند الأشاعرة أنفسهم؛ لأن بعض المحققين منهم لا يوافق على هذا الإطلاق، بل يفرق بين نفي المعنى المتوهم ونفي الدلالة اللغوية من أصلها. ولذلك وقع الخلاف بينهم في حقيقة "تفويض المعنى".


الرد على المجسمة في رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها

  إن صح عن ابن المبارك قوله: «رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها»

الرد على المجسمة :

هذه الرواية إن ثبتت عن ابن المبارك، فهي حجة عليهم لا لهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يجعلوا قول ابن المبارك قاعدة حسية في القرب من الله ثم ينفوا عنه المكان والجهة والحيز.

، فإما أن يكون مراده قربًا مكانيًا حقيقيًا، كما يصرح مجسمة الحنابلة؛ فحينئذ يلزم أن يكون الله تعالى في جهةٍ فوقيةٍ محدودة، وأن المخلوقات تتفاوت في القرب من ذاته بالمسافة والارتفاع، وهذا هو التجسيم والتحديد بعينه.

 وإما أن يكون المراد قربًا غير مكاني؛ فلا يصح الاستدلال بالرواية على إثبات أن الله في مكان فوق العالم، لأن قرب رأس المنارة من أسفلها حينئذ لا يكون قربًا من ذات الله أصلًا.

 فلا مخرج لهم: إن حملوها على الحقيقة الحسية لزم التجسيم، وإن نفوا القرب المكاني بطل استدلالهم بها.

هذا رد علمي قوي أدقّ من الرد السابق؛ لأن الأشعري لا ينبغي أن يبني اعتراضه على مجرد لزوم التجسيم من إثبات العلو، بل يحرر محل النزاع:

أولًا: لا يجوز أن تبني أصلًا عقديًّا على أثر محتمل حتى تعلم صحة نسبته ومعنى قائله. فليس كل ما روي عن إمام يُجعل نصًّا في إثبات المكان والجهة لله تعالى، ولا سيما في مسألةٍ اختلفت فيها اصطلاحات المتقدمين والمتأخرين.

ثانيًا: لو صح عن ابن المبارك أنه قال: «رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها»، فلا بد من السؤال: ما معنى «أقرب»؟

فإن أريد القرب المكاني الحسي، كان معنى الكلام أن الله تعالى يكون في موضع مخصوص، وأن بينه وبين أجزاء العالم مسافات متفاوتة، فيكون من صعد المنارة قد نقصت المسافة بينه وبين ذات الله، ومن صعد الجبل كان أقرب، ومن صعد فوقه كان أقرب أيضًا.

وهذا لا يقال في حق الله تعالى؛ لأن المسافة لا تكون إلا بين متحيزين، والشيء الذي تقاس المسافة بينه وبين غيره لا بد أن يكون واقعًا في جهة ومقدار. ومن كان فوق العالم بمسافة تفصل بينه وبين أعلى المخلوقات، كان محتاجًا في تحديد ذلك إلى مكان وجهة، والله تعالى منزه عن ذلك؛ لأنه خالق المكان والجهة والمسافة، وكان قبلها موجودًا من غير أن يكون في مكان.

فإن قال: لا، بل القرب هنا ليس قرب مسافة.

قيل: فقد سقط استدلالك بالرواية على إثبات الجهة والمكان؛ لأنك حينئذ أقررت أن لفظ القرب لا يلزم منه قرب المسافة، وأن التفاوت في القرب يمكن أن يكون على معنى غير حسي.

وحينئذ نسأل: ما الدليل على أن المراد من هذه الرواية إثبات جهة مكانية لذات الله؟

فإن قلت: لأن رأس المنارة أعلى.

قلنا: هذا عين الدعوى التي تحتاج إلى دليل؛ إذ ارتفاع العبد في المكان لا يستلزم أن الله تعالى واقع في مكان فوقه، وإلا لزم أن يكون كل من ارتفع في الجو قد ازداد قربًا من ذات الله، وكلما ابتعد عنه في الفضاء ازداد قربًا، وهذا من لوازم القول بالمسافة.

ثم إن لفظ «القرب» في النصوص الشرعية ليس مختصًا بالمسافة أصلًا؛ فقد يكون قربَ علم، أو قدرة، أو إجابة، أو رحمة، أو كرامة، أو منزلة. فلا يجوز نقل اللفظ إلى القرب الحسي إلا بدليل.

فالحاصل أن الرواية — على فرض ثبوتها — لا تخلو:

إما أن يراد بها قرب المسافة، فيلزم إثبات المكان والجهة والمسافة، وهي لوازم لا تقبل في حق خالق المكان والجهة.

وإما ألا يراد بها قرب المسافة، فلا حجة فيها على ما تريد إثباته من الجهة المكانية.

فدع عنك قول: «هذا قول السلف»، فإن النزاع ليس في احترام ابن المبارك، وإنما في صحة الاستدلال وفهم الكلام. ولا يصير المعنى الباطل حقًّا بمجرد أن تنسب لفظًا محتملًا إلى إمام من أئمة السلف.

فلا تجعل عبارة «رأس المنارة أقرب» دليلًا على المكان إلا إذا التزمت بأن بين الله وبين خلقه مسافة حقيقية؛ فإن التزمتها أثبتَّ التحَيّز، وإن نفيتها بطل استدلالك بارتفاع المنارة.


👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->