بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين
والحمد لله رب العالمين
لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نقسه
واصلي واسلم وابارك على سيدي رسول الله المعلم الاول والهادي الى الصراط المستقيم وعلى اله الطبيبن الطاهرين واصحابه الغر الميامبن رضي الله عنهم اجمعين وعنا بهم الى يوم الدين
ايها الاخوة الاحبة
اعلموا انه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
فالفقه سبب لهذا الخير العميم من الله
قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا
قال الامام مالك : الفقه في الدين
واعلموا أن (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ)
(وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق
وألحقتُ بذلك الادلة
والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم
ا وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم
....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي
اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي

مسائل في الزكاة

 مَسَائِلُ النَّقْدَيْنِ وَالْحُلِيِّ وَالْمُدَّخَرَاتِ

  • حُلِيُّ الْمَرْأَةِ الْمُتَّخَذُ لِلِّبَاسِ الْمُبَاحِ

الْمَسْأَلَةُ هُنَا تَنْصَبُّ عَلَى مَنَاطِ [الِاسْتِعْمَالِ]؛ يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَلَكَتْ ذَهَباً لِلْبُسِ وَالزِّينَةِ وَبَلَغَ قَدْرُهُ مِائَةَ مِثْقَالٍ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مَنَاطِ النَّمَاءِ إِلَى مَنَاطِ الْقُنْيَةِ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَاشِرٍ فِي مَتْنِهِ.

  • الْمَالُ الْمُدَّخَرُ لِلْحَجِّ أَوِ الزَّوَاجِ

الْمَسْأَلَةُ هُنَا تَنْصَبُّ عَلَى مَنَاطِ [الْمِلْكِ التَّامِّ]؛ يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَمَعَ مَبْلَغاً مِنَ الْمَالِ لِيَحِجَّ بِهِ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَبَلَغَ نِصَاباً، وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَحْبُوساً لِطَاعَةٍ، لِأَنَّ عَيْنَ الْمَالِ نَمَتْ فِي مِلْكِهِ.

  • زَكَاةُ الرَّاتِبِ الشَّهْرِيِّ الْمُدَّخَرِ

يَعْنِي أَنَّ الْمُوَظَّفَ الَّذِي يَدَّخِرُ مِنْ رَاتِبِهِ كُلَّ شَهْرٍ قَدْراً، فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّي مَا ادَّخَرَهُ إِلَّا إِذَا بَلَغَ النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ النِّصَابَ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَكِّيَ الْجَمِيعَ عِنْدَ حَوْلِ أَوَّلِ نِصَابٍ رِعَايَةً لِمَنَاطِ الرِّفْقِ وَتَوْحِيدِ الْحَوْلِ.

  • الذَّهَبُ الْمُدَّخَرُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ [الذَّخِيرَةُ]

يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَلَكَتْ ذَهَباً لَا تَلْبَسُهُ وَإِنَّما تَتْرُكُهُ لِلزَّمَانِ أَوْ لِتَبِيعَهُ عِنْدَ الضِّيقِ، فَهَذَا مَنَاطُهُ النَّمَاءُ الْحُكْمِيُّ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ النِّصَابَ (85 غراماً) وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.

  • زَكَاةُ الْأَحْجَارِ الْكَرِيمَةِ [الْأَلْمَاسِ وَاللُّؤْلُؤِ]

الْمَسْأَلَةُ هُنَا تَنْصَبُّ عَلَى مَنَاطِ [جِنْسِ الْمَالِ]؛ يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَلْمَاساً لِلْقُنْيَةِ أَوْ لِلِادِّخَارِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ الْمَلَايِينَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ زَكَاةَ الْعَيْنِ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ.

  • الْمَالُ الْمَوْرُوثُ قَبْلَ قَبْضِهِ

يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَرِثَ مَالاً وَبَقِيَ عِنْدَ الْمَحْكَمَةِ أَوْ بِيَدِ الْوَرَثَةِ سَنَةً، ثُمَّ قَبَضَهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبَلُ بِهِ حَوْلاً جَدِيداً مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إِذَا كَانَ نَقْداً، لِأَنَّ مَنَاطَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إِلَّا حِينَئِذٍ.


من كتابي اقامة الدليل لمسائل مختصر خليل- الجزء 8

شروط اداء الزكاة

 تَقْعِيدُ ضَوَابِطِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ

الْمَسْأَلَةُ هُنَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ تَنْصَبُّ عَلَى تَحْرِيرِ مَنَاطَاتِ [الْوُجُوبِ] وَ [الْأَدَاءِ] ، وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا يَا بَاشَا لِتَتَّسِقَ مَعَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ ، حَيْثُ نُزِّلَ التَّمَكُّنُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ لِلْمُطَالَبَةِ الْفِعْلِيَّةِ ، رِعَايَةً لِحَالِ الْمُكَلَّفِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.

يَعْنِي أَنَّ مَا تَوَصَّلْتَ إِلَيْهِ يَا بَاشَا هُوَ تَأْصِيلٌ مَتِينٌ ، وَيَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى بَعْضِ التَّهْذِيبِ الْفِقْهِيِّ لِيَكُونَ جَامِعاً مَانِعاً عَلَى مَشْهُورِ التَّحْقِيقِ ، وَإِلَيْكَ تَقْعِيدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ مُرَتَّبَةً :

أَوَّلًا : شُرُوطُ انْعِقَادِ الْوُجُوبِ (ثَابِتَةٌ لِلْجَمِيعِ)

النِّصَابُ :

هُوَ مَنَاطُ الْغِنَى الشَّرْعِيِّ [20 دِينَاراً ذَهَبِيّاً أَوْ مَا يُعَادِلُهَا].

الْقَاعِدَةُ : يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ فِي كُلِّ حَوْلٍ ، فَإِذَا نَقَصَ عَنْهُ الْمَالُ سَقَطَ الْوُجُوبُ فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ.

الْحَوْلُ :

هُوَ مَنَاطُ الزَّمَانِ [عَامٌ قَمَرِيٌّ كَامِلٌ].

الْقَاعِدَةُ : لَا زَكَاةَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ إِلَّا فِي الْمَعْدِنِ وَالْحَرْثِ ، اِمْتِثَالاً لِهَدْيِهِ ×.

ثَانِيًا : شُرُوطُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ (مَحَلُّ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ)

الْقَبْضُ وَالتَّمَكُّنُ (مَنَاطُ الِاسْتِقْرَارِ) :

فِي الْمَالِ الْحَاضِرِ : الْقَبْضُ حَقِيقِيٌّ وَالتَّمَكُّنُ نَاجِزٌ ، فَيَجِبُ الْأَدَاءُ فَوْراً.

فِي الْمَالِ الْغَائِبِ : الْقَبْضُ وَالتَّمَكُّنُ هُنَا شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ لَا لِلْوُجُوبِ.

قَبْضٌ حُكْمِيٌّ : مِثْلُ [التَّاجِرِ الْمُدِيرِ] الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الِاتِّجَارِ بِقِيمَةِ الدَّيْنِ أَوْ طَلَبِهِ ، فَيُعَدُّ قَابِضاً حُكْماً وَيُؤَدِّي زَكَاتَهُ سَنَوِيّاً.

قَبْضٌ حَقِيقِيٌّ : مِثْلُ [الدَّائِنِ الْعَادِيِّ] ، فَلَا يُكَلَّفُ بِالْأَدَاءِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْمَالِ فِي يَدِهِ فِعْلِيّاً.

رَجَاءُ الْقَبْضِ (مَنَاطُ الِالْتِحَاقِ) :

لِلدَّائِنِ الْعَادِيِّ وَالْمُحْتَكِرِ : مَنَاطُهُ [الْبُدَاءَةُ بِالْأَدَاءِ عِنْدَ الْقَبْضِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ] مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ.

لِلْمُدِيرِ : مَنَاطُهُ [الْوُجُوبُ السَّنَوِيُّ] ؛ لِأَنَّ الرَّجَاءَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ لِاتِّصَالِ نَمَائِهِ بِتِجَارَتِهِ.

النَّمَاءُ (مَنَاطُ الْفَائِدَةِ) :

الْمَالُ الْغَائِبُ إِذَا فَقَدَ صِفَةَ النَّمَاءِ [كَالدَّيْنِ الْمَيؤُوسِ مِنْهُ أَوْ مَالِ الضِّمَارِ] ، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ يُزَكَّى لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ التَّحْقِيقِ ، وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ حَوْلٌ جَدِيدٌ لِأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ نِصَاباً مَمْلُوكاً.

ثَالِثًا : شُرُوطٌ أُخْرَى قَدْ تُضَافُ (لِتَكْمِلَةِ الضَّبْطِ)

ظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيِهِ التَّحْقِيقُ أَنَّ هُنَاكَ شَرْطَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ أَيْضاً :

نِيَّةُ التَّجْرِ (فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ) :

فَلَا زَكَاةَ فِي عَرَضٍ غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ إِلَّا إِذَا انْعَقَدَتِ النِّيَّةُ عَلَى تَقْلِيبِهِ لِلرِّبْحِ ، فَلَوْ كَانَ الْغَائِبُ [عَرَضَ قُنْيَةٍ] فَلَا زَكَاةَ فِيهِ أَصْلًا كَمَا مَرَّ.

السَّلَامَةُ مِنَ الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ :

أَيْ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُكَلَّفِ (حَاضِراً وَغَائِباً) زَائِداً عَنْ دُيُونِهِ الَّتِي لِلنَّاسِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ [دَيْنَ الْآدَمِيِّ يَمْنَعُ زَكَاةَ الْعَيْنِ] إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عُرُوضُ قُنْيَةٍ تَفِي بِهِ ، اِطِّرَاداً لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ.

مسائل تسقط فيها الزكاة

 تَحْرِيرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَقَطَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ نَصّاً فِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، مَعَ بَيَانِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ:

عُرُوضُ الْقُنْيَةِ [مِنْ دَارٍ وَثِيَابٍ وَدَوَابَّ]:

الْمُوجِبُ: اِنْتِفَاءُ مَنَاطِ التِّجَارَةِ وَقَصْدِ النَّمَاء؛ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا الِاسْتِعْمَالُ لَا الِاسْتِبْدَالُ.

آلَاتُ الصُّنَّاعِ وَأَوَانِي التُّجَّارِ [كَالْمَكِينَةِ وَالْبَرَامِيلِ]:

الْمُوجِبُ: أَنَّهَا مَنَاطُ مُعَاوَنَةٍ لَا مَنَاطُ مُعَاوَضَةٍ؛ لِبَقَاءِ عَيْنِهَا لَدَى التَّاجِرِ دُونَ قَصْدِ بَيْعِهَا.

الدُّيُونُ النَّاشِئَةُ عَنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ تِجَارِيَّةٍ [كَالْمَهْرِ وَالْخُلْعِ]:

الْمُوجِبُ: لِأَنَّهَا لَمْ تَنْشَأْ عَنْ تَقْلِيبِ عَرَضٍ مَمْلُوكٍ بِنِيَّةِ التَّجْرِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهَا وَصْفُ الزَّكَاةِ السَّنَوِيَّةِ.

الرَّقِيقُ الْمُكَاتَبُ وَنُجُومُ كِتَابَتِهِ:

الْمُوجِبُ: نَقْصُ مَنَاطِ التَّمَلُّكِ التَّامِّ بِسَبَبِ تَزَلْزُلِ الْمِلْكِ، فَلَا هُوَ عَبْدٌ قِنٌّ فَيُقَوَّمُ، وَلَا هُوَ حُرٌّ فَتَجِبُ عَلَيْهِ.


مَا زَادَ مِنَ السِّنِينَ فِي الْقِرَاضِ الْغَائِبِ عِنْدَ تَنْقِيصِ الْإِخْرَاجِ لِلنِّصَابِ:

الْمُوجِبُ: أَنَّ الزَّكَاةَ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ لَا بِالذِّمَّةِ، فَمَا نَقَصَ بِسَبَبِهَا عَنِ النِّصَابِ سَقَطَ حُكْمُهُ عَمَّا بَقِيَ مِنَ السِّنِينَ.


الْوَقَصُ فِي الْأَنْعَامِ [مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ]:

الْمُوجِبُ: ثُبُوتُ الْعَفْوِ الشَّرْعِيِّ نَصّاً فِيمَا لَمْ تَبْلُغْ فِيهِ الزِّيَادَةُ حَدَّ الْفَرِيضَةِ التَّالِيَةِ، اِمْتِثَالاً لِهَدْيِهِ ×.

الثِّمَارُ الَّتِي تُؤْكَلُ قَبْلَ يَبْسِهَا أَوْ تُصِيبُهَا الْجَائِحَةُ:

الْمُوجِبُ: اِنْعِدَامُ مَنَاطِ الِادِّخَارِ فِيهَا، أَوْ زَوَالُ الْمِلْكِ بِالْفَسَادِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ.

الْمَعْدِنُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ نِصَاباً:

الْمُوجِبُ: اِنْتِفَاءُ شَرْطِ الْوُجُوبِ كَمّاً لِعَدَمِ بُلُوغِ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ الْمُعْتَبَرِ.

متى تسقط الزكاة عن المكلف

 ## مَوَانِعُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ

### ١. الدَّيْنُ الْمُشْغِلُ لِلذِّمَّةِ

**نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ:** «وَأَسْقَطَ دَيْنٌ -إِلَّا لِحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ- زَكَاةَ عَيْنٍ فَقَطْ».

يُعَدُّ الدَّيْنُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ أَوْ يَنْقُصُ بِهِ عَنْهُ مَانِعاً قَوِيّاً لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي النَّقْدَيْنِ تِجَارَةً وَعَيْناً ، لِأَنَّ سَدَادَ الدَّيْنِ وَتَفْرِيغَ الذِّمَّةِ مُقَدَّمٌ شَرْعاً عَلَى حَقِّ الْمُوَاسَاةِ ، حَيْثُ يُنَزَّلُ الْمَالُ الْمُقَابِلُ لِلدَّيْنِ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ بِيَدِ صَاحِبِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَنَاطُ الْغِنَى الْمُوجِبِ لِلتَّكْلِيفِ .

### ٢. هَلَاكُ الْمَالِ بِلَا تَفْرِيطٍ

**نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ:** «وَسَقَطَتْ بِتَلَفِ نِصَابٍ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ».

إِذَا انْعَدَمَتْ عَيْنُ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَقَبْلَ الِاتِّسَاعِ لِلْأَدَاءِ ، سَقَطَ الْوُجُوبُ لِانْعِدَامِ مَحَلِّ الزَّكَاةِ ، فَالزَّكَاةُ حَقٌّ يَدُورُ مَعَ بَقَاءِ الْمَالِ وُجُوداً وَعَدَماً ، وَالْمُكَلَّفُ أَمِينٌ لَا يَضْمَنُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ قَهْراً بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ ، اِمْتِثَالاً لِمَا جَاءَ بِهِ الشَّارِعُ × فِي رَفْعِ الْحَرَجِ .

### ٣. تَبَدُّلُ قَصْدِ الِاسْتِرْبَاحِ إِلَى الْقُنْيَةِ

**نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ:** «وَبَطَلَ حَوْلُ عَرَضِ تِجَارَةٍ بِنِيَّةِ قُنْيَةٍ».


تُؤَثِّرُ نِيَّةُ الِاسْتِهْلَاكِ الشَّخْصِيِّ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا ، فَتَقْطَعُ حَوْلَ الزَّكَاةِ وَتُسْقِطُ الْوُجُوبَ ، لِأَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ فِي الْعُرُوضِ هُوَ قَصْدُ النَّمَاءِ بِالتَّقْلِيبِ ، فَإِذَا انْصَرَفَتِ النِّيَّةُ لِلِانْتِفَاعِ الْخَاصِّ خَرَجَ الْمَالُ عَنْ وِعَاءِ الزَّكَاةِ وَعَادَ لِأَصْلِهِ مِنَ الْعَفْوِ عَنْ أَمْتِعَةِ الْبَيْتِ .


### ٤. زَوَالُ مِلْكِ الْيَدِ بِالتَّصَرُّفِ النَّاقِلِ


**نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ:** «وَانْقَطَعَ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ».

يَنْقَطِعُ حُكْمُ الزَّكَاةِ إِذَا زَالَ مِلْكُ الْمُكَلَّفِ عَنِ النِّصَابِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ صَحِيحَةٍ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ، لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الْمِلْكِ طِيلَةَ الْعَامِ شَرْطٌ جَوْهَرِيٌّ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ زَمَانَ الْمِلْكِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ مَنَاطُ الْمُزَكِّي ، مَا لَمْ يَكُنِ الْقَصْدُ مِنَ الْخُرُوجِ هُوَ الْفِرَارَ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى .

### ٥. تَعَذُّرُ الِاسْتِطَاعَةِ لِغَصْبٍ أَوْ ضَيَاعٍ

**نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ:** «لَا زَكَاةَ فِي مَغْصُوبٍ وَضَالٍّ وَمُصَادَرٍ حَتَّى يُقْبَضَ».

الْمَالُ الَّذِي خَرَجَ عَنْ قُدْرَةِ صَاحِبِهِ بِغَصْبٍ أَوْ فَقْدٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ ، لِانْتِفَاءِ مَنَاطِ التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالنَّمَاءِ ، فَالشَّرْعُ لَا يُلْزِمُ الْمُكَلَّفَ بِأَدَاءٍ مِنْ مَالٍ لَيْسَ تَحْتَ حَوْزَتِهِ ، فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ فَهِيَ عِنْدَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ **الدَّخْلِ** الْمُبْتَدَأِ الَّذِي يُسْتَأْنَفُ بِهِ حَوْلٌ جَدِيدٌ .


ردود على شبهات في العقيدة

 • الشُّبُهَةُ : إِذَا كَانَ الْجَائِزُ يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي آنٍ وَاحِدٍ؟

الْجَوَابُ: كَلَّا، الْقَبُولُ لِلْأَمْرَيْنِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ "الْبَدَلِ" لَا عَلَى سَبِيلِ "الْجَمْعِ"؛ فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ لِلْمُمْكِنِ أَنْ يُوجَدَ وَيُجَوِّزُ لَهُ أَنْ يُعْدَمَ، لَكِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ اجْتِمَاعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ "مُسْتَحِيلٌ" كَمَا سَبَقَ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ عَلَامَةً، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَنَا بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِنَا بِاللَّهِ؟

الْجَوَابُ: الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ؛ فَنَحْنُ نَعْرِفُ الْعَالَمَ بِالْحِسِّ، وَنَعْرِفُ حُدُوثَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ، ثُمَّ نَتَّخِذُهُ "عَلَامَةً" لِلْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، فَالْعَالَمُ وَسِيلَةٌ وَاللَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ الْوُجُودُ هُوَ عَيْنُ الذَّاتِ، فَلِمَاذَا جَعَلْتُمُوهُ "صِفَةً" وَالْأَصْلُ أَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ؟

الْجَوَابُ: الْعَدُّ هُنَا اعْتِبَارِيٌّ تَعْلِيمِيٌّ؛ فَالْعَقْلُ يَحْتَاجُ لِتَفْكِيكِ الْمَفَاهِيمِ لِيَسْتَوْعِبَهَا، فَنَحْنُ نَصِفُهُ بِالْوُجُودِ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ لِنَفْيِ الْعَدَمِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتاً ثُمَّ حَلَّ فِيهَا وُجُودٌ زَائِدٌ، فَاللَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ.

• الشُّبْهَةُ : قَدْ يُوجَدُ الْأَثَرُ بِطَرِيقِ "الطَّبْعِ" أَوْ "الْمُصَادَفَةِ" دُونَ حَاجَةٍ لِمُؤَثِّرٍ مُخْتَارٍ؟

• الْجَوَابُ : الطَّبْعُ وَ الْمُصَادَفَةُ لَيْسَا عِلَلًا وُجُودِيَّةً بَلْ هِيَ مَفَاهِيمُ عَدَمِيَّةٌ؛ فَالْمُصَادَفَةُ هِيَ وُقُوعُ الشَّيْءِ بِلَا سَبَبٍ، وَهَذَا يَنْفِيهِ الْعَقْلُ بِالْبَدَاهَةِ بُطْلَانُ التَّرَجُّحِ بِلَا مُرَجِّحٍ. أَمَّا الْأَثَرُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ "مُؤَثِّرٍ" قَائِمٍ بِذَاتِهِ مُغَايِرٍ لِلْأَثَرِ.

• الشُّبْهَةُ: كَيْفَ تُسَمُّونَ "الْعَدَمَ" السَّلْبَ صِفَةً، وَالصِّفَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا وُجُودِيًّا؟

• الْجَوَابُ: التَّسْمِيَةُ هُنَا "مَجَازِيَّةٌ" أَوْ "اصْطِلَاحِيَّةٌ"؛ فَالْعَقْلُ يُسَمِّيهَا صِفَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ الْمَوْصُوفَ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِيقَتِهَا عِبَارَةً عَنْ سَلْبِ نَقَائِصَ، فَهِيَ "صِفَاتٌ تَنْزِيهِيَّةٌ" لَا تَقُومُ بِالذَّاتِ قِيَامَ الْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةِ كَالْعِلْمِ.

• الشُّبْهَةُ: كَيْفَ تَقُولُونَ بِالْمُخَالَفَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقُرْآنُ نَسَبَ لِلَّهِ الْيَدَ وَ الْوَجْهَ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَوَادِثِ؟

• الْجَوَابُ: هَذِهِ مُشَاكَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ؛ فَاللَّفْظُ وَاحِدٌ وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ تَمَاماً؛ فَيَدُ اللهِ صِفَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَيْسَتْ جَارِحَةً وَلَا مَادَّةً، وَتَحْرِيرُ النَّاظِمِ بِقَوْلِهِ تَخَالُفٌ لِلْغَيْرِ قَاطِعٌ لِكُلِّ تَوَهُّمٍ حِسِّيٍّ، فَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ مَعَ سَلْبِ كَيْفِيَّةِ الْحَوَادِثِ.

• الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الْمُؤَثِّرَ الْوَحِيدَ، فَمَا فَائِدَةُ الْجَهْدِ الْبَشَرِيِّ وَلِمَاذَا نُعَاقَبُ عَلَى أَفْعَالِنَا؟

• الْجَوَابُ: اللهُ خَلَقَ الْفِعْلَ وَأَعْطَى الْعَبْدَ الْكَسْبَ؛ وَهُوَ "تَوْجِيهُ الْإِرَادَةِ" نَحْوَ الْفِعْلِ، فَالْمُحَاسَبَةُ تَقَعُ عَلَى الْكَسْبِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، لَا عَلَى الْإِيجَادِ الَّذِي هُوَ سِرُّ الرُّبُوبِيَّةِ.

• الشُّبْهَةُ: نَحْنُ نَرَى بِالْحِسِّ أَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ دَائِمًا، فَلِمَاذَا نُكَفَّرُ بِمَا تَرَاهُ أَعْيُنُنَا؟

• الْجَوَابُ: الْحِسُّ رَأَى الِاقْتِرَانَ لَا التَّأْثِيرَ؛ فَالنَّارُ مَوْجُودَةٌ وَالْإِحْرَاقُ مَوْجُودٌ، لَكِنَّ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا هُوَ خَلْقُ اللهِ لِفِعْلِ الْإِحْرَاقِ "عِنْدَ" لَمْسِ النَّارِ لَا "بِالنَّارِ". وَالدَّلِيلُ أَنَّ اللهَ سَلَبَ هَذَا الْأَثَرَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ u، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ "طَبْعًا" ذَاتِيًّا لَمَا تَخَلَّفَ أَبَدًا.

• الشُّبْهَةُ : كَيْفَ نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ وَنَحْنُ نَرَى فِي الرِّيَاضِيَّاتِ أَنَّ الْأَعْدَادَ لَا نِهَايَةَ لَهَا؟

• الْجَوَابُ: الِانْتِهَاءُ الْعَدَدِيُّ أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ بَحْتٌ، بَيْنَمَا الْكَلامُ هُنَا عَنِ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْأَسْبَابُ وَالْمُسَبَّبَاتُ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَيَالِ وَالْوَاقِعِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمْكَانِ وَالِاسْتِحَالَةِ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ نَصِفُ اللهَ بِأَنَّهُ "جَمِيلٌ" وَالْجَمَالُ يُوهِمُ الصُّورَةَ وَالتَّنَاسُبَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ وَهِيَ سِمَاتُ الْحَوَادِثِ؟

الْجَوابُ: الْجَمَالُ فِي حَقِّ اللهِ يُرَادُ بِهِ جَمَالُ الذَّاتِ الَّذِي لَا يُكَيَّفُ، وَجَمَالُ الصِّفَاتِ بِمَعْنَى كَمَالِهَا، وَجَمَالُ الْأَفْعَالِ بِمَعْنَى إِحْسَانِهَا؛ فَالتَّسْمِيَةُ لَا تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ فِي الذَّاتِ، بَلْ هِيَ تَنْزِيهٌ لِلْمَعْنَى عَنِ الْمَبْنَى.

• الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ اللهُ لَا فِي جِهَةٍ وَلَا مُتَّصِلًا وَلَا مُنْفَصِلًا، فَهَذَا يُشْبِهُ وَصْفَ "الْمَعْدُومِ"؟

• الْجَوَابُ : الْوُجُودُ لَا يَنْحَصِرُ فِي "الْمَادَّةِ"؛ فَالْعَقْلُ يُدْرِكُ وُجُودَ الرُّوحِ مَعَ عَدَمِ اتِّصَافِهَا بِأَلْوَانِ الْأَجْسَامِ، فَكَيْفَ بِخَالِقِ الرُّوحِ؟ فَالنَّفْيُ هُنَا لِلَّوَازِمِ الْحِسِّيَّةِ لَا لِأَصْلِ الْوُجُودِ الْيَقِينِيِّ.

• الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ مَا سَيَقَعُ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ لِيُطَابِقَ الْعِلْمَ؟

• الْجَوَابُ: الْعِلْمُ صِفَةٌ "كَاشِفَةٌ" لَا "مُؤَثِّرَةٌ"؛ فَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَبْدَ سَيَفْعَلُ كَذَا بِاخْتِيَارِهِ، فَالْعِلْمُ تَبِعَ الْمَعْلُومَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ، فَلَا جَبْرَ هُنَا، بَلْ هُوَ كَمَالُ انْكِشَافٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَالْحَاضِرِ.

• الشُّبْهَةُ : كَيْفَ نُثْبِتُ "الْحَيَاةَ" وَهِيَ مِمَّا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ إِلَّا بِمَا نَرَاهُ فِي أَنْفُسِنَا؟

• الْجَوَابُ : إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ لِلَّهِ هُوَ إِثْبَاتُ "أَصْلِ الصِّفَةِ" الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْفِعْلُ، وَلَيْسَ إِثْبَاتًا لِلْكَيْفِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَالْعَقْلُ يَضْطَرُّ لِإِثْبَاتِ كَوْنِهِ حَيًّا لِيَصِحَّ كَوْنُهُ قَادِرًا، فَالِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِاللَّازِمِ لَا بِالْمُمَاثَلَةِ.

الشُّبْهَةُ : لَوْ كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَهَلْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ "إِلَهٍ مِثْلِهِ" أَوْ "خَلْقِ جِرْمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكِهِ"؟

• الْجَوَابُ : الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بـ الْمُمْكِنَاتِ فَقَطْ، أَمَّا خَلْقُ إِلَهٍ مِثْلِهِ أَوْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ "الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةِ"؛ وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ "شَيْئًا" حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْقُدْرَةُ، فَالْعَجْزُ هُنَا فِي الْمَحَلِّ لَا فِي الصِّفَةِ.

• الشُّبْهَةُ : لَوْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ كُلَّ "كَائِنٍ"، فَكَيْفَ يُرِيدُ "الْمَعَاصِيَ" وَهُوَ لَا يُحِبُّهَا؟

• الْجَوابُ : هُنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَالْوُقُوعُ فِي الْكَوْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِإِرَادَتِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ وَهُوَ نَقْصٌ، أَمَّا الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ فَلَا تَتَعَلَّقَانِ إِلَّا بِمَا أَمَرَ بِهِ، فَالْإِرَادَةُ تَخْصِيصٌ وُجُودِيٌّ لَا حُكْمٌ أَخْلَاقِيٌّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَأْمُرُ اللهُ بِمَا لَا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، أَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ أَوْ فِعْلِ مَا لَا حِكْمَةَ فِيهِ؟

• الْجَوَابُ: الْأَمْرُ هُنَا لِلِابْتِلَاءِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ؛ فَاللَّهُ أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ لِيُظْهِرَ عِنَادَهُ وَيَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ وَيُرِيدُ عَدَمَ إِيمَانِهِ كَوْنًا لِيَتِمَّ وَعِيدُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَالْحِكْمَةُ فِي "الْأَمْرِ" غَيْرُ الْحِكْمَةِ فِي "الْقَصْدِ".

• الْجَوَابُ : الْقِسْمَةُ هُنَا "ثُنَائِيَّةٌ مَنْطِقِيَّةٌ"؛ فَإِمَّا أَمْرٌ أَوْ لَا، وَإِمَّا إِرَادَةٌ أَوْ لَا  فَالْعَقْلُ لَا يُجَوِّزُ غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ نَقِيضَ كُلِّ حَالَةٍ مَوْجُودٌ فِي الْأُخْرَى، فَالْحَصْرُ هُنَا حَصْرٌ عَقْلِيٌّ قَطْعِيٌّ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ.

الشبهة يُقَالُ كَيْفَ نُسَمِّي مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامَ اللهِ وَهُوَ حُرُوفٌ؟ الْجَوَابُ: هُوَ كَلَامُ اللهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، كَمَا نَقُولُ هَذَا "نَارٌ" لِلَفْظِ الْمَكْتُوبِ الدَّالِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُحْرِقَةِ.

الشبهة كَيْفَ يَسْمَعُ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ؟ الْجَوَابُ: السَّمْعُ الْإِلَهِيُّ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ "مَوْجُودٍ" وَلَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْأَمْوَاجِ الصَّوْتِيَّةِ كَسَمْعِ الْبَشَرِ.

الشبهة: كَيْفَ يَرَى الذَّرَّةَ السَّوْدَاءَ فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؟ الْجَوَابُ: الظَّلَامُ "مَوْجُودٌ" وَالذَّرَّةُ "مَوْجُودَةٌ"، وَبَصَرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ لَا يَحْجِبُهُ شَيْءٌ.

٤. الثَّمَرَةُ السُّلوكيَّةُ: الْحَيَاءُ مِنَ اللهِ؛ فَالْ لَا يَعْصِي فِي الْخَلَوَاتِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ "الْإِبْصَارَ" الْإِلَهِيَّ مُحِيطٌ بِهِ.

الشبهة: لَوْ كَانَ مُخْتَارًا فَلِمَاذَا يَخْلُقُ الشَّرَّ؟ الْجَوَابُ: اخْتِيَارُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ عَمِيَقَةٍ تَجْعَلُ الشَّرَّ الْجُزْئِيَّ خَيْرًا كُلِّيًّا فِي مِيزَانِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ تَقُولُونَ بِتَعَلُّقِ الصِّفَاتِ فِي الْأَزَلِ وَلَا مَوْجُودَ مَعَ اللهِ؟ أَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمَقْدُورِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَزَلًا؟

الْجَوَابُ : التَّعَلُّقُ فِي الْأَزَلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صُلُوحِيًّا أَيْ صَلَاحِيَّةُ الذَّاتِ لِلْفِعْلِ، أَوْ تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا كَتَعَلُّقِ الْعِلْمِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ "وُجُودَ" الْمَعْلُومِ فِي الْخَارِجِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَكْفِي "انْكِشَافُهُ" أَوْ "تَخْصِيصُهُ" فِي عِلْمِ اللهِ، فَلَا يَلْزَمُ قِدَمُ الْعَالَمِ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَتَعَلَّقُ الْعِلْمُ بِـ "الْمُسْتَحِيلِ" وَهُوَ مَعْدُومٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؟

الْجَوَابُ : الْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُسْتَحِيلاً؛ أَيْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيكَ لَا وُجُودَ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ، فَهَذَا "تَعَلُّقُ تَمْيِيزٍ" وَإِحَاطَةٍ، وَنَفْيُ هَذَا التَّعَلُّقِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهْلِ بِمَاهِيَّةِ الْمُمْتَنِعَاتِ.

الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلِمَاذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ "شَرِيكٍ" لَهُ؟

الْجَوَابُ : الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِـ "الْأَشْيَاءِ"، وَالشَّرِيكُ "مُسْتَحِيلٌ"، وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِهِ لَيْسَ لِعَجْزٍ فِيهَا، بَلْ لِكَوْنِ الْمُسْتَحِيلِ لَا يَقْبَلُ أَثَرَ الْقُدْرَةِ، كَمَا أَنَّ الْأُذُنَ لَا "تُبْصِرُ" لَا لِعِلَّةٍ فِيهَا بَلْ لِأَنَّ الصَّوْتَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلرُّؤْيَةِ.

الشُّبْهَةُ : لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرِيدَ الْإِرَادَةُ "الْمُسْتَحِيلَ"؟

الْجَوَابُ : لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةُ "تَرْجِيحٍ"، وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ لَهُ كِفَّةٌ أُخْرَى يُرَجَّحُ عَلَيْهَا، فَهُوَ سَاقِطٌ عَنِ الِاعْتِبَارِ الْوُجُودِيِّ، فَالْتِفَاتُ الْإِرَادَةِ إِلَيْهِ تَنَاقُضٌ عَقْلِيٌّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَسْمَعُ اللهُ الْأَلْوَانَ وَهِيَ لَا صَوْتَ لَهَا؟

• الْجَوَابُ : السَّمْعُ الْإِلَهِيُّ صِفَةُ كَشْفٍ لَا تَتَقَيَّدُ بِقُيُودِ الْحَوَاسِّ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَمَا دَامَ اللَّوْنُ "مَوْجُودًا" فَقَدْ جَازَ تَعَلُّقُ السَّمْعِ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّمْعُ مَحْدُودًا بِالْمَادَّةِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُدُودِ.

الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ الْبَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، فَهَلْ يَرَى اللهُ الْأَصْوَاتَ؟

الْجَوَابُ : نَعَمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ "مَوْجُودٌ"، وَمَنَاطُ الْبَصَرِ الْوُجُودُ، فَاللَّهُ يَرَى الْأَصْوَاتَ كَمَا يَسْمَعُ الْأَلْوَانَ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الْبَصَرِ لَا بِطَرِيقِ السَّمْعِ، وَعَقْلُنَا لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَإِنْ قَصُرَ عَنْ تَصَوُّرِ كَيْفِيَّتِهِ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَتِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ، فَقَدْ أَثْبَتُّمْ غَيْرِيَّةً تَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ؟

الْجَوَابُ: نَحْنُ نَنْفِي "الْغَيْرِيَّةَ الِانْفِصَالِيَّةَ" الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا وُجُودُ أَحَدِ الْغَيْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَالصِّفَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَتَعَدُّدُ الصِّفَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الذَّوَاتِ، كَمَا أَنَّ لِلْإِنْسَانِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَهُوَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الْفَارِقِ فِي التَّنْزِيهِ.

رَابِعًا: الثَّمَرَةُ السُّلُوكِيَّةُ:

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ نَقُولُ "لَيْسَ بِحُرُوفٍ" وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ حُرُوفًا؟

الْجَوَابُ: الْمَقْرُوءُ بِالْأَلْسِنَةِ وَالْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ دَالٌّ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ، وَالتَّقَدُّسُ لِلْمَدْلُولِ لَا لِلْآلَةِ الَّتِي نُقِلَ بِهَا، كَمَا أَنَّ لَفْظَ اللَّهِ حُرُوفٌ، لَكِنَّ الذَّاتَ الْمُسَمَّاةَ لَيْسَتْ حُرُوفًا.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا نُفَصِّلُ فِي الْمُسْتَحِيلَاتِ وَيَكْفِي إِثْبَاتُ الْوَاجِبَاتِ؟

الْجَوَابُ: التَّفْصِيلُ فِي التَّنْزِيهِ يَقْطَعُ مَادَّةَ التَّشْبِيهِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ لِلْعَامَّةِ، فَذِكْرُ الِاسْتِحَالَةِ تَأْكِيدٌ لِلثُّبُوتِ، كَمَا يُقَالُ: بِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا لَا يَكُونُ خَالِيًا مِنَ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ مَعًا؟

الْجَوَابُ: هَذَا يُسَمَّى "ارْتِفَاعَ النَّقِيضَيْنِ"، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ مَنْطِقِيًّا؛ فَالْمَوْجُودُ لَا يَخْلُو عَنِ اتِّصَافٍ، وَخُلُوُّهُ عَنِ الْكَمَالِ هُوَ بِذَاتِهِ عَيْنُ النَّقْصِ، فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا لَا يَكُونُ "السِّوَى" عَدَمًا لَا صِفَةً نَقْصٍ أَيْ لَا عِلْمَ وَلَا جَهْلَ؟

الْجَوَابُ: هَذَا مَحَالٌ؛ لِأَنَّ الْخُلُوَّ عَنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِيمَا شَأْنُهُ قَبُولُهُمَا مُرْتَفِعٌ عَقْلًا، وَالذَّاتُ الْعَلِيَّةُ صَالِحَةٌ لِلِاتِّصَافِ بِالْمَعَانِي قَطْعًا لِوُجُودِ آثَارِهَا فِي الْكَوْنِ، فَالْخُلُوُّ عَنْهَا عَدَمٌ لِلْكَمَالِ، وَعَدَمُ الْكَمَالِ نَقْصٌ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا، فَلِمَاذَا طَلَبَ مِنَّا الْعِبَادَةَ وَالذِّكْرَ؟

الْجَوَابُ: الطَّلَبُ هُنَا لَيْسَ لِحَاجَةٍ فِي الذَّاتِ الْأَقْدَسِ لِيَكْمُلَ بِعِبَادَتِنَا، بَلْ هُوَ لِحَاجَتِنَا نَحْنُ لِنَكْمُلَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ؛ فَالْمُحْتَاجُ هُوَ "الْعَبْدُ" لِيَنَالَ الثَّوَابَ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ لَا يَفْتَقِرُ لِلْغَيْرِ وَهُوَ يَخْلُقُ الْأَسْبَابَ لِتَحْقِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ؟

الْجَوَابُ: خَلْقُ الْأَسْبَابِ لَيْسَ عَنْ حَاجَةٍ، بَلْ هُوَ إِظْهَارٌ لِلْحِكْمَةِ؛ فَاللَّه قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ دُونَهَا، فَالِافْتِقَارُ مَنْفِيٌّ ذَاتًا، وَوُجُودُ السَّبَبِ مَحْضُ تَعَلُّقٍ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ يَجُوزُ فِي حَقِّ الْحَكِيمِ إِشْقَاءُ مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَتِهِ، أَلَيْسَ هَذَا ظُلْمًا؟ الْجَوَابُ: الظُّلْمُ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ، وَالْكَوْنُ كُلُّهُ مُلْكٌ لِلَّهِ، فَأَيُّ تَصَرُّفٍ فِيهِ هُوَ عَدْلٌ، وَلَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، لَكِنَّ كَرَمَهُ سَبَقَ غَضَبَهُ.

الشُّبْهَةُ: لَوْ لَمْ يَجِبِ الصَّلَاحُ لَجَازَ عَلَيْهِ الظُّلْمُ وَفِعْلُ الْقَبِيحِ؟

الْجَوَابُ: اللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْقَبِيحِ لِكَمَالِهِ الذَّاتِيِّ لَا لِوُجُوبٍ عَقْلِيٍّ، وَالظُّلْمُ فِي حَقِّهِ مُحَالٌ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ وَالْكُلُّ مُلْكُهُ، فَنَحْنُ نَنْفِي الْقَبِيحَ عَنْهُ "وَصْفًا" لَا "إِلْزَامًا".

الشُّبْهَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَنْ تَرَانِي، وَ"لَنْ" لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ؟

الْجَوَابُ: "لَنْ" لَيْسَتْ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ لُغَةً بدليل قوله: ولن يتمنوه أبداً، مع تمنيهم له في النار، وَسُؤَالُ مُوسَى لِلرُّؤْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِهَا، إِذْ لَا يَجْهَلُ النَّبِيُّ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَمَنْعُهُ فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُ فِي الْآخِرَةِ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ جَائِزَةً عَقْلًا، فَلِمَاذَا لَا نَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا؟

الْجَوَابُ: الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ يَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ "قَابِلَةٌ لِأَنْ تُرَى"، وَعَدَمُ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ لِاسْتِحَالَةٍ فِي ذَاتِ الْمَرْئِيِّ، بَلْ لِضَعْفٍ فِي آلَةِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الرَّائِي، وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فِي دَارِ الِابْتِلَاء، وَسَيَخْلُقُ الْقُوَّةَ فِي الْآخِرَةِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ.


بلع البلغم لا يفطر مطلقا

 وقفت انظار الشراح والحواشي بدءا بالشارح بهرام وتبعه الخرشي وتبعهم الدردير والدسوقي عند ظاهر ما رسمه الشيخ خليل في مختصره، حيث جعلوا مناط الفطر بابتلاع البلغم هو وصوله لحيز الفم المحدود بمخرج الحاء، فمتى ما امكن طرحه فابتلعه الصائم عمدا وجب عليه القضاء على المشهور عندهم. وهذا المسلك عند هؤلاء الاعلام جرى على ظاهر اللفظ، وقد نبه القباب الى ان من لم يقف على رخص المذهب في هذه المسألة تكلف في صومه اخراج البلغم مهما قدر، فلحقته بذلك مشقة شديدة لتكرر ذلك عليه، مما يدخل المكلف في ضيق الوسوسة وعنت التكليف بما يشق الاحتراز منه.

وعند سبري لامهات المصادر وتحقيق ما نقله المواق في تاجه، وجدت سعة بليغة عند ائمة المذهب المتقدمين؛ فقد قرر اللخمي انه لا شيء في البلغم اذا نزل الى الحلق وان كان الصائم قادرا على طرحه، كما نقل ابن يونس عن ابن حبيب ان من ابتلع نخامته من بين لهواته او بعد وصولها لطرف لسانه فلا شيء عليه وان كان قد اساء، لان النخامة ليست بطعام ولا شراب ومخرجها من الرأس. وهذا هو المسلك الذي وجهه الباجي بالحاقه بالريق لكونه معتادا في الفم لا مأخوذا من الارض، وهو عين ما رواه اصبغ عن ابن القاسم في عدم وجوب القضاء في ابتلاع النخامة عامدا، وقد رجحه عياض في قواعده والقباب وابن رشد الجد في بيانه وتحصيله.

وعليه، فقد اعتمد كتاب اقامة الدليل باب الصيام ج7 ما حققه الشيخ النفراوي في الفواكه الدواني والشيخ عليش في منحه تبعا لهؤلاء الفحول من المتقدمين، والارجح عندي ان ابتلاع البلغم لا يفسد الصوم، سواء وصل الى اللهوات او تجاوزها الى طرف اللسان وأمكن طرحه ام لا. وهذا هو المسلك الذي يجمع بين قوة الدليل ورعاية مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، اذ لا فرق جوهري بين الريق والبلغم في تعذر الصيانة وانتفاء مسمى الاكل والشرب شرعا وعرفا. فكان هذا هو القول الاصح في التحقيق تبعا لما تؤيده بطون الدواوين وسير سادة المذهب ومحققيه، وصلى الله على نبينا محمد x وعلى آله وصحبه.

قد تتبعت نص المدونة الكبرى في باب الصيام، فوجدت الإمام مالك x قد سئل عن النخامة والبلغم يكون في الفم، فأجاب بوضوح أنه لا يفسد ذلك صومه. ورأيت في كتابي إقامة الدليل أن هذا النص هو عمدة القول بالتيسير، إذ إن الإمام لم يشترط في المدونة وجوب الطرح أو القضاء إذا وصل البلغم إلى الفم، بل أطلق القول بصحة الصوم.

وقد روى سحنون عن ابن القاسم عن مالك هذا الإطلاق، وهو ما يعضد مذهبي في أن رطوبات الجسد لا تأخذ حكم الأجرام الخارجية. والأرجح عندي أن تقييد المتأخرين كبهرام والخرشي والدردير والدسوقي بوجوب القضاء عند إمكان الطرح هو زيادة على أصل ما في المدونة، بينما الأصح الذي يوافق أصول المذهب هو البقاء على أصل براءة الذمة وصحة الصوم، لأن ما تولد في الداخل لا يسمى أكلا ولا شربا بمجرد تردده في الحلق أو وصوله للفم.

الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

 تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ" وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ في الخَريدَةِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:

فَالوَاجِبُ العَقْلِيّ مَا لَمْ يَقْبَلِ ... الانْتِفَا فِي ذَاتِهِ فَابْتَهِلِ

ويَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِتَصَوُّرِ انْتِفَائِهِ أَوْ عَدَمِهِ، بَلْ يَجْزِمُ بِثُبُوتِهِ جَزْمًا لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الشَّيْءِ دُونَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ.

وَيُنَاظِرُهَا فِي مُتُونِ النَّظْمِ الْعَقَدِيَّةِ:

الْمُرْشِدُ الْمُعِينُ لِابْنِ عَاشِرٍ:

فَوَاجِبٌ لَا يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحال ... وَمَا أَبَى الثُّبُوتَ عَقْلاً المُحال

إِضَاءَةُ الدُّجُنَّةِ لِلْمَقَّرِيِّ:

فَوَاجِبٌ لَا يَنْتَفِي، وَمَا أَبَى ... ثُبُوتَهُ فَمُسْتَحِيلٌ لَقَبَا

وَقُلْتُ فِي نَظْمِ الْمَعَالِي:

فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا:

إِنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ يُبَيِّنُ تَبَايُنَ الْمَسَالِكِ فِي تَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ الْحُكْمِ؛ فَقَدْ جَحَدَ ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمَقَّرِيُّ الِانْتِفَاءَ عَنِ الْوَاجِبِ بِمَعْنَى "عَدَمِ الْقَبُولِ"، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ. أَمَّا مَا قَصَدْتُهُ فِي (نَظْمِ الْمَعَالِي) فَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ "النَّفْيِ" إِلَى "الْإِحَالَةِ"؛ إِذْ جَعَلْتُ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ النَّفْيِ هِيَ (الْإِحَالَةُ لِلذَّاتِ)، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوَاجِبُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي (الْمُرْشِدِ) وَ(الْإِضَاءَةِ).

كَمَا أَنَّ قَيْدَ (دُونَ اخْتِلَالِ) الَّذِي أَوْرَدْتُهُ، جَاءَ لِصِيَانَةِ مَفْهُومِ الْوُجُوبِ مِنْ تَوَهُّمِ طُرُوِّ التَّغَيُّرِ، بَيْنَمَا اقْتَصَرَ الْأَعْلَامُ عَلَى مُطْلَقِ نَفْيِ الِانْتِفَاءِ. وَفِي بَابِ الْمُمْتَنِعِ، لَمْ يَقِفْ تَعْرِيفِي عِنْدَ حُدُودِ "إِبَاءِ الثُّبُوتِ" كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَاشِرٍ، بَلْ أَرَدْتُ رَبْطَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَدْرَكِ التَّصَوُّرِيِّ بِقَوْلِي (يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ)؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا هُوِيَّةَ لَهُ تَتَحَقَّقُ فِي الذِّهْنِ فَضْلًا عَنِ الْخَارِجِ، وَهُوَ مَلْحَظٌ مَنْطِقِيٌّ يُقَوِّي تَعْرِيفَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْمَعْدُومِ الْمُمْتَنِعِ.

وَبِهَذَا تَمْتَازُ هَذِهِ (الْفَرِيدَةُ) بِأَنَّهَا لَمْ تَنْقُلِ التَّعَارِيفَ نَقْلًا، بَلْ مَحَّصَتْهَا مَحْصًا، وَقَابَلَتْ بَيْنَ أَلْفَاظِ النُّظَّارِ لِيَتَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ مَوَاضِعُ الْإِيجَازِ وَمَوَاضِعُ الْإِعْجَازِ فِي كُلِّ مَتْنٍ...


من كتاب  الفريدة في شرح الخريدو ص99-100




كتاب لماذا اخترت المنهح الأشعري