كتاب الطهارة ~ أقسام المياه
حُكْمُ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الَّذِي ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ وَتَكْيِيفِ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ
وَتَتَعَلَّقُ : بِبَيَانِ حُكْمِ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ إِذَا تَجَمَّدَ ثُمَّ ذَابَ، مَعَ بَيَانِ جَرَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الْمَاءِ الْمُنْصَرِفِ مِنْ أَنَابِيبِ التَّكْيِيفِ الَّذِي تَحَوَّلَ مِنَ الْحَالَةِ الْغَازِيَّةِ إِلَى السَّائِلَةِ، وَهُوَ حُكْمٌ يُمَثِّلُ امْتِدَادًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْرِيرِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ الْمُطْلَقَةِ مِمَّا سَبَقَ.
أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ : أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ
وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَجَمَّدَ كَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ثُمَّ ذَابَ، فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ وَيَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ. وَمِنْ هُنَا يُقَرَّرُ تكيِيفُ حُكْمِ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ عَلَى هَذَا الْمَنَاطِ، حَيْثُ إِنَّهُ تَحَوَّلَ مِنْ حَالَةٍ غَازِيَّةٍ (رُطُوبَةِ الْهَوَاءِ) إِلَى حَالَةٍ سَائِلَةٍ بِالِانْعِقَادِ وَالتَّقْطِيرِ، فَيَكُونُ الْمَاءُ الْمُنْصَرِفُ مِنَ الْمُكَيِّفَاتِ مَاءً مُطْلَقًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَيَصِحُّ بِهِ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ مِمَّا سَبَقَ.
وَمِثَالُهَا : أَنْ يَجْمَعَ الْمُكَلَّفُ الثَّلْجَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مَاءَ أَنَابِيبِ التَّكْيِيفِ حَتَّى يَسِيلَ مَاءً، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ بِهِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ.
الْأَدِلَّةُ مِنْ :
1. الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ يَنْزِلَانِ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَصْلُهُمَا مَاءُ سَمَاءٍ، وَتَحَوُّلُ حَالَتِهِمَا مِنَ السُّيُولَةِ إِلَى الْجُمُودِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا الْجَوْهَرِيَّةِ، فَإِذَا ذَابَا عَادَا إِلَى أَصْلِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ النَّصُّ.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ × كَانَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ النَّبِيَّ × جَعَلَ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ وَهُمَا مَاءٌ جَامِدٌ آلَةً لِلتَّطْهِيرِ مِثْلَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَسْلَ لَا يَقَعُ بِهِمَا إِلَّا بَعْدَ ذَوَبَانِهِمَا وَسَيَلَانِهِمَا عَلَى الْأَعْضَاءِ، فَصَحَّ أَنَّ مَا ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ مَاءٌ طَهُورٌ.
3. قِيَاسِ الْعِلَّةِ : إِلْحَاقُ الْمَاءِ الْمُنْعَقِدِ مِنْ هَوَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ (فَرْعٌ) بِالْمَاءِ الذَّائِبِ مِنَ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ (أَصْلٌ)، وَذَلِكَ بِجَامِعِ عِلَّةِ التَّحَوُّلِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَاءِ الْمَاهِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ الذَّائِبَ مِنَ الْجُمُودِ طَهُورٌ لِانْكِشَافِ صَلَابَتِهِ وَعَوْدَتِهِ لِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَكَذَلِكَ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ النَّاتِجُ عَنِ التَّحَوُّلِ مِنَ الْغَازِيَّةِ إِلَى السَّيَلَانِ طَهُورٌ لِتَحَقُّقِ عِلَّةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فِيهِ.
4. قَاعِدَةٌ : قَاعِدَةُ بَقَاءِ الْأَصْلِ (الِاسْتِصْحَابُ)، أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِيَّةُ، وَالتَّغَيُّرُ فِي الْهَيْئَةِ لَا فِي الْمَاهِيَّةِ لَا يَسْلُبُهُ الِاسْمَ، فَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَالْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ مُؤَقَّتًا وَهِيَ الصَّلَابَةُ قَدْ زَالَتْ بِالذَّوَبَانِ وَالتَّقْطِيرِ.
الْفَوَائِدُ :
النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ : إِعْمَالُ مَنَاطِ التَّنْقِيحِ فِي الْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَى بَقَاءِ الْمَاهِيَّةِ دُونَ تَأَثُّرٍ بِالْعَوَارِضِ الْفِيزْيَائِيَّةِ (تَحَوُّلُ الصَّفَاتِ مِمَّا قَبْلَهُ)، مِمَّا يُثْبِتُ جَرَيَانَ الِاسْتِصْحَابِ فِي كُلِّ مَاءٍ تَحَوَّلَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ طَالَمَا لَمْ يُمَازِجْهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ يُخْرِجُهُ عَنِ الْإِطْلَاقِ.
النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ : الْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ فِي قَوْلِهِ اغْسِلْ خَطَايَايَ، حَيْثُ أُسْنِدَ الْغَسْلُ النَّاشِئُ بِالْمَاءِ إِلَى الْخَطَايَا وَهِيَ أُمُورٌ مَعْنَوِيَّةٌ، تَشْبِيهًا لِإِزَالَةِ الذُّنُوبِ بِإِزَالَةِ الْأَدْنَاثِ الْحِسِّيَّةِ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ : قَوْلُهُ ذَابَ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هُوَ يَعُودُ عَلَى الْمَاءِ، وَجُمْلَةُ ذَابَ مَعْطُوفَةٌ بِأَوْ عَلَى الْمَجْرُورَاتِ السَّابِقَةِ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَبَعْدَ ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِذَابَ، وَجُمُودِهِ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ :
أَوَّلًا : التَّحْلِيلُ الْفِقْهِيُّ : وَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : إِنَّ الْمَاءَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُمُودُ ثُمَّ عَادَ لِلذَّوَبَانِ، أَوْ كَانَ رُطُوبَةً غَازِيَّةً ثُمَّ تَكَاثَفَ سَائِلًا، فَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَوْدَةِ السَّيَلَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ التَّطْهِيرِ، لِأَنَّ التَّطْهِيرَ لَا يُسَمَّى غَسْلًا عِنْدَ فُقَهَائِنَا إِلَّا بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، فَمَنَاطُ الْحُكْمِ بِالطَّهُورِيَّةِ هُنَا مُتَحَقِّقٌ بِالْفِعْلِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : هُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَاءِ حَقِيقَةِ جَوْهَرِ الْمَاءِ، وَوُجُودُ صِفَةِ السَّيَلَانِ وَالْجَرَيَانِ الْفِعْلِيِّ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ.
ثَانِيًا : التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالْمَفَاهِيمِ :
1. مَفْهُومُ الشَّرْطِ : فِي قَوْلِهِ بَعْدَ جُمُودِهِ، وَدَلَالَتُهُ أَنَّ الْمَاءَ حَالَ جُمُودِهِ وَصَلَابَتِهِ قَبْلَ الذَّوَبَانِ لَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ السَّيَلَانِ، فَالْحُكْمُ بِرَفْعِ الْحَدَثِ مَشْرُوطٌ بِانْقِشَاعِ حَالَةِ الْجُمُودِ.
2. دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ : فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَتِ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ، حَيْثُ يُشِيرُ ذِكْرُهُمَا مُقْتَرِنَيْنِ بِالْمَاءِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا نَشَأَ عَنْ أَصْلِ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْهَوَاءِ يَأْخُذُ حُكْمَ الطَّهُورِيَّةِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ لِطَبِيعَتِهِ السَّائِلَةِ كَمَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ.
ثَالِثًا : التَّحْلِيلُ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ :
قَضِيَّةُ الْمَسْأَلَةِ : قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفِيدُ تَلَازُمَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَهُوَ (الطَّهُورِيَّةُ وَجَوَازُ الْوُضُوءِ) بِثُبُوتِ الشَّرْطِ وَهُوَ (السَّيَلَانُ بَعْدَ التَّحَوُّلِ مِنَ الْجُمُودِ أَوِ الْغَازِيَّةِ) فِي كُلِّ نَوَازِلِ هَذَا الْمَنَاطِ.
مَوْضُوعُهَا : الْمَاءُ الذَّائِبُ بَعْدَ جُمُودِهِ أَوْ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ الْمُنْصَرِفُ عَنِ التَّحَوُّلِ الْغَازِيِّ.
مَحْمُولُهَا : كَوْنُهُ مَاءً مُطْلَقًا طَهُورًا يَصِحُّ بِهِ الْوُضُوءُ، وَالنِّسْبَةُ إِثْبَاتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ تَبَعًا لِبَقَاءِ الْمَاهِيَّةِ.
تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا :
أَوَّلًا : الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ :
مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ سَائِلٍ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ دُونَ مُمَازَجَةِ مُغَيِّرٍ فَهُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ طَهُورٌ.
مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : وَالْمَاءُ الذَّائِبُ مِنَ الْجُمُودِ (وَمِثْلُهُ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ) هُوَ سَائِلٌ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ دُونَ مُمَازَجَةِ مُغَيِّرٍ.
نَتِيجَةٌ : الْمَاءُ الذَّائِبُ مِنَ الْجُمُودِ (وَمِثْلُهُ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ) هُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ طَهُورٌ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ : كُلَّمَا تَحَوَّلَ السَّائِلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ (مِنْ غَازِيَّةٍ أَوْ جَامِدَةٍ إِلَى سَائِلَةٍ) مَعَ صَوْنِ جَوْهَرِهِ، لَزِمَ بَقَاءُ حُكْمِ طَهُورِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ صَلَابَةً أَوْ رُطُوبَةً قَدْ زَالَتْ بِالسَّيَلَانِ الْفِعْلِيِّ مِمَّا سَبَقَ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ التَّحَوُّلِيُّ طَهُورًا بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ مَاهِيَّتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ طَهُورٍ، وَذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ ارْتِفَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي وَصْفِ الْمِيَاهِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ.
ثَانِيًا : الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ :
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ : لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي الْهَيْئَةِ الْفِيزْيَائِيَّةِ مُخْرِجًا لِلْمَاءِ عَنِ الِاسْمِ لَمَا جَازَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَابَ مِنَ الثَّلْجِ، لَكِنَّ التَّطْهِيرَ بِهِ جَائِزٌ بِالنَّصِّ، وَذَلِكَ يُنْتِجُ أَنَّ التَّغَيَّرَ فِي الْهَيْئَةِ لَيْسَ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الِاسْمِ.
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ : إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ بِالتَّكْيِيفِ عَلَى مَنَاطِ التَّحَوُّلِ أَوْ يَكُونَ لَهُ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، لَكِنَّ مَنَاطَ التَّحَوُّلِ ثَابِتٌ فِيهِ، وَذَلِكَ يُنْتِجُ ثُبُوتَ حُكْمِ الطَّهُورِيَّةِ فِيهِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ.
ثَالِثًا : الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (الْفِقْهِيُّ: إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ) : صَبُّ حُكْمِ الطَّهُورِيَّةِ عَلَى مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ (فَرْعٌ) بِـ الْمَاءِ الذَّائِبِ بَعْدَ جُمُودِهِ كَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (أَصْلٌ)، وَذَلِكَ بِجَامِعِ عِلَّةِ (التَّحَوُّلِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ عَبْرَ تَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ مَعَ صَوْنِ الْمَاهِيَّةِ الْجَوْهَرِيَّةِ لِلْمَاءِ) كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ مِمَّا سَبَقَ.
وَمِنَ الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ : فَهِيَ مَقُولَةُ (الْكَيْفِ) وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَحَوُّلِ صِفَةِ الْمَاءِ مِنْ حَالَةِ الصَّلَابَةِ أَوِ الْغَازِيَّةِ إِلَى حَالَةِ السُّيُولَةِ، وَمَقُولَةُ (الْأَيْنِ) وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَكَانِ انْعِقَادِ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ عَبْرَ الْأَنَابِيبِ أَوْ نُزُولِ الثَّلْجِ مِنَ السَّمَاءِ.
وَمِنَ الْمُغَالِطَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ : مُغَالَطَةُ (الْحُكْمِ عَلَى الْعَارِضِ وَإِغْفَالِ الْجَوْهَرِ)، وَذَلِكَ بِظَنِّ أَنَّ تَحَوُّلَ الْمَاءِ إِلَى ثَلْجٍ أَوْ رُطُوبَةٍ غَازِيَّةٍ يُسْقِطُ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ جُمُودٌ مَنْطِقِيٌّ فِيهِ فِصَالٌ مَعَ جَوْهَرِ الْمَاهِيَّةِ.
وَثَمَرَةُ التَّحْلِيلِ الْمَنْطِقِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ : ارْتِبَاطُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ لَا بِأَشْكَالِهَا الظَّاهِرَةِ، وَتَحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ مَا انْطَبَقَ عَلَيْهِ مَنَاطُ التَّحَوُّلِ دُونَ مُمَازَجَةٍ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ أَصْلِهِ فِقْهًا.
بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذَهِبِ :
1. الْمُعْتَمَدُ : أَنَّ الْمَاءَ الذَّائِبَ بَعْدَ جُمُودِهِ (وَمِثْلُهُ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ) مَاءٌ طَهُورٌ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ، وَقَالَ بِهِ أَبُوحَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ صَرَاحَةً بِقَوْلِهِ "أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ" جَرْيًا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِمَّا سَبَقَ.
2. الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ، حَيْثُ أَجَازُوا التَّطْهِيرَ بِالثَّلْجِ قَبْلَ ذَوَبَانِهِ إِذَا ذَابَ عَلَى الْعُضْوِ بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ، خِلَافًا لِمَا اشْتَرَطَهُ مَالِكِيَّتُنَا مِنَ السَّيَلَانِ الْفِعْلِيِّ لِتَحْقِيقِ مَفْهُومِ الْغَسْلِ الشَّرْعِيِّ.
لَّذِي عُزِيَ إِلَيْهِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ -مُقَابِلِ الْمُعْتَمَدِ- فِي الْمَذْهَبِ هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ شَاسٍ فِي كِتَابِهِ "جَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ"، حَيْثُ نَقَلَ كَرَاهَةَ التَّطْهيرِ بِمَا ذَابَ مِنَ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ تَعْلِيلًا بِأَنَّ النَّارَ لَمْ تَمَسَّهُ وَلِتَغَيُّرِ مِزَاجِهِ الطَّبِيعِيِّ بِالْجُمُودِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ" حَيْثُ ذَكَرَ الْكَرَاهَةَ حِكَايَةً، قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّيْخِ خَلِيلٍ، فَيَبْقَى نَفْيُ الْكَرَاهَةِ وَالْقَطْعُ بِالطَّهُورِيَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَا تَقَرَّرَ مِمَّا سَبَقَ.
وَتَتَعَلَّقُ : بِبَيَانِ حُكْمِ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ إِذَا تَجَمَّدَ ثُمَّ ذَابَ، مَعَ بَيَانِ جَرَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الْمَاءِ الْمُنْصَرِفِ مِنْ أَنَابِيبِ التَّكْيِيفِ الَّذِي تَحَوَّلَ مِنَ الْحَالَةِ الْغَازِيَّةِ إِلَى السَّائِلَةِ، وَهُوَ حُكْمٌ يُمَثِّلُ امْتِدَادًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْرِيرِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ الْمُطْلَقَةِ مِمَّا سَبَقَ.
أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ : أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ
وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَجَمَّدَ كَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ثُمَّ ذَابَ، فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ وَيَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ. وَمِنْ هُنَا يُقَرَّرُ تكيِيفُ حُكْمِ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ عَلَى هَذَا الْمَنَاطِ، حَيْثُ إِنَّهُ تَحَوَّلَ مِنْ حَالَةٍ غَازِيَّةٍ (رُطُوبَةِ الْهَوَاءِ) إِلَى حَالَةٍ سَائِلَةٍ بِالِانْعِقَادِ وَالتَّقْطِيرِ، فَيَكُونُ الْمَاءُ الْمُنْصَرِفُ مِنَ الْمُكَيِّفَاتِ مَاءً مُطْلَقًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَيَصِحُّ بِهِ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ مِمَّا سَبَقَ.
وَمِثَالُهَا : أَنْ يَجْمَعَ الْمُكَلَّفُ الثَّلْجَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مَاءَ أَنَابِيبِ التَّكْيِيفِ حَتَّى يَسِيلَ مَاءً، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ بِهِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ.
الْأَدِلَّةُ مِنْ :
1. الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ يَنْزِلَانِ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَصْلُهُمَا مَاءُ سَمَاءٍ، وَتَحَوُّلُ حَالَتِهِمَا مِنَ السُّيُولَةِ إِلَى الْجُمُودِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا الْجَوْهَرِيَّةِ، فَإِذَا ذَابَا عَادَا إِلَى أَصْلِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ النَّصُّ.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ × كَانَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ النَّبِيَّ × جَعَلَ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ وَهُمَا مَاءٌ جَامِدٌ آلَةً لِلتَّطْهِيرِ مِثْلَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَسْلَ لَا يَقَعُ بِهِمَا إِلَّا بَعْدَ ذَوَبَانِهِمَا وَسَيَلَانِهِمَا عَلَى الْأَعْضَاءِ، فَصَحَّ أَنَّ مَا ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ مَاءٌ طَهُورٌ.
3. قِيَاسِ الْعِلَّةِ : إِلْحَاقُ الْمَاءِ الْمُنْعَقِدِ مِنْ هَوَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ (فَرْعٌ) بِالْمَاءِ الذَّائِبِ مِنَ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ (أَصْلٌ)، وَذَلِكَ بِجَامِعِ عِلَّةِ التَّحَوُّلِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَاءِ الْمَاهِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ الذَّائِبَ مِنَ الْجُمُودِ طَهُورٌ لِانْكِشَافِ صَلَابَتِهِ وَعَوْدَتِهِ لِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَكَذَلِكَ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ النَّاتِجُ عَنِ التَّحَوُّلِ مِنَ الْغَازِيَّةِ إِلَى السَّيَلَانِ طَهُورٌ لِتَحَقُّقِ عِلَّةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فِيهِ.
4. قَاعِدَةٌ : قَاعِدَةُ بَقَاءِ الْأَصْلِ (الِاسْتِصْحَابُ)، أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِيَّةُ، وَالتَّغَيُّرُ فِي الْهَيْئَةِ لَا فِي الْمَاهِيَّةِ لَا يَسْلُبُهُ الِاسْمَ، فَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَالْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ مُؤَقَّتًا وَهِيَ الصَّلَابَةُ قَدْ زَالَتْ بِالذَّوَبَانِ وَالتَّقْطِيرِ.
الْفَوَائِدُ :
النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ : إِعْمَالُ مَنَاطِ التَّنْقِيحِ فِي الْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَى بَقَاءِ الْمَاهِيَّةِ دُونَ تَأَثُّرٍ بِالْعَوَارِضِ الْفِيزْيَائِيَّةِ (تَحَوُّلُ الصَّفَاتِ مِمَّا قَبْلَهُ)، مِمَّا يُثْبِتُ جَرَيَانَ الِاسْتِصْحَابِ فِي كُلِّ مَاءٍ تَحَوَّلَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ طَالَمَا لَمْ يُمَازِجْهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ يُخْرِجُهُ عَنِ الْإِطْلَاقِ.
النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ : الْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ فِي قَوْلِهِ اغْسِلْ خَطَايَايَ، حَيْثُ أُسْنِدَ الْغَسْلُ النَّاشِئُ بِالْمَاءِ إِلَى الْخَطَايَا وَهِيَ أُمُورٌ مَعْنَوِيَّةٌ، تَشْبِيهًا لِإِزَالَةِ الذُّنُوبِ بِإِزَالَةِ الْأَدْنَاثِ الْحِسِّيَّةِ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ : قَوْلُهُ ذَابَ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هُوَ يَعُودُ عَلَى الْمَاءِ، وَجُمْلَةُ ذَابَ مَعْطُوفَةٌ بِأَوْ عَلَى الْمَجْرُورَاتِ السَّابِقَةِ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَبَعْدَ ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِذَابَ، وَجُمُودِهِ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ :
أَوَّلًا : التَّحْلِيلُ الْفِقْهِيُّ : وَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : إِنَّ الْمَاءَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُمُودُ ثُمَّ عَادَ لِلذَّوَبَانِ، أَوْ كَانَ رُطُوبَةً غَازِيَّةً ثُمَّ تَكَاثَفَ سَائِلًا، فَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَوْدَةِ السَّيَلَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ التَّطْهِيرِ، لِأَنَّ التَّطْهِيرَ لَا يُسَمَّى غَسْلًا عِنْدَ فُقَهَائِنَا إِلَّا بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، فَمَنَاطُ الْحُكْمِ بِالطَّهُورِيَّةِ هُنَا مُتَحَقِّقٌ بِالْفِعْلِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : هُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَاءِ حَقِيقَةِ جَوْهَرِ الْمَاءِ، وَوُجُودُ صِفَةِ السَّيَلَانِ وَالْجَرَيَانِ الْفِعْلِيِّ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ.
ثَانِيًا : التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالْمَفَاهِيمِ :
1. مَفْهُومُ الشَّرْطِ : فِي قَوْلِهِ بَعْدَ جُمُودِهِ، وَدَلَالَتُهُ أَنَّ الْمَاءَ حَالَ جُمُودِهِ وَصَلَابَتِهِ قَبْلَ الذَّوَبَانِ لَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ السَّيَلَانِ، فَالْحُكْمُ بِرَفْعِ الْحَدَثِ مَشْرُوطٌ بِانْقِشَاعِ حَالَةِ الْجُمُودِ.
2. دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ : فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَتِ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ، حَيْثُ يُشِيرُ ذِكْرُهُمَا مُقْتَرِنَيْنِ بِالْمَاءِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا نَشَأَ عَنْ أَصْلِ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْهَوَاءِ يَأْخُذُ حُكْمَ الطَّهُورِيَّةِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ لِطَبِيعَتِهِ السَّائِلَةِ كَمَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ.
ثَالِثًا : التَّحْلِيلُ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ :
قَضِيَّةُ الْمَسْأَلَةِ : قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفِيدُ تَلَازُمَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَهُوَ (الطَّهُورِيَّةُ وَجَوَازُ الْوُضُوءِ) بِثُبُوتِ الشَّرْطِ وَهُوَ (السَّيَلَانُ بَعْدَ التَّحَوُّلِ مِنَ الْجُمُودِ أَوِ الْغَازِيَّةِ) فِي كُلِّ نَوَازِلِ هَذَا الْمَنَاطِ.
مَوْضُوعُهَا : الْمَاءُ الذَّائِبُ بَعْدَ جُمُودِهِ أَوْ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ الْمُنْصَرِفُ عَنِ التَّحَوُّلِ الْغَازِيِّ.
مَحْمُولُهَا : كَوْنُهُ مَاءً مُطْلَقًا طَهُورًا يَصِحُّ بِهِ الْوُضُوءُ، وَالنِّسْبَةُ إِثْبَاتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ تَبَعًا لِبَقَاءِ الْمَاهِيَّةِ.
تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا :
أَوَّلًا : الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ :
مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ سَائِلٍ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ دُونَ مُمَازَجَةِ مُغَيِّرٍ فَهُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ طَهُورٌ.
مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : وَالْمَاءُ الذَّائِبُ مِنَ الْجُمُودِ (وَمِثْلُهُ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ) هُوَ سَائِلٌ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ دُونَ مُمَازَجَةِ مُغَيِّرٍ.
نَتِيجَةٌ : الْمَاءُ الذَّائِبُ مِنَ الْجُمُودِ (وَمِثْلُهُ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ) هُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ طَهُورٌ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ : كُلَّمَا تَحَوَّلَ السَّائِلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ (مِنْ غَازِيَّةٍ أَوْ جَامِدَةٍ إِلَى سَائِلَةٍ) مَعَ صَوْنِ جَوْهَرِهِ، لَزِمَ بَقَاءُ حُكْمِ طَهُورِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ صَلَابَةً أَوْ رُطُوبَةً قَدْ زَالَتْ بِالسَّيَلَانِ الْفِعْلِيِّ مِمَّا سَبَقَ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ التَّحَوُّلِيُّ طَهُورًا بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ مَاهِيَّتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ طَهُورٍ، وَذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ ارْتِفَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي وَصْفِ الْمِيَاهِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ.
ثَانِيًا : الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ :
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ : لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي الْهَيْئَةِ الْفِيزْيَائِيَّةِ مُخْرِجًا لِلْمَاءِ عَنِ الِاسْمِ لَمَا جَازَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَابَ مِنَ الثَّلْجِ، لَكِنَّ التَّطْهِيرَ بِهِ جَائِزٌ بِالنَّصِّ، وَذَلِكَ يُنْتِجُ أَنَّ التَّغَيَّرَ فِي الْهَيْئَةِ لَيْسَ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الِاسْمِ.
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ : إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ بِالتَّكْيِيفِ عَلَى مَنَاطِ التَّحَوُّلِ أَوْ يَكُونَ لَهُ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، لَكِنَّ مَنَاطَ التَّحَوُّلِ ثَابِتٌ فِيهِ، وَذَلِكَ يُنْتِجُ ثُبُوتَ حُكْمِ الطَّهُورِيَّةِ فِيهِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ.
ثَالِثًا : الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (الْفِقْهِيُّ: إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ) : صَبُّ حُكْمِ الطَّهُورِيَّةِ عَلَى مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ (فَرْعٌ) بِـ الْمَاءِ الذَّائِبِ بَعْدَ جُمُودِهِ كَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (أَصْلٌ)، وَذَلِكَ بِجَامِعِ عِلَّةِ (التَّحَوُّلِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ عَبْرَ تَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ مَعَ صَوْنِ الْمَاهِيَّةِ الْجَوْهَرِيَّةِ لِلْمَاءِ) كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ مِمَّا سَبَقَ.
وَمِنَ الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ : فَهِيَ مَقُولَةُ (الْكَيْفِ) وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَحَوُّلِ صِفَةِ الْمَاءِ مِنْ حَالَةِ الصَّلَابَةِ أَوِ الْغَازِيَّةِ إِلَى حَالَةِ السُّيُولَةِ، وَمَقُولَةُ (الْأَيْنِ) وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَكَانِ انْعِقَادِ مَاءِ الْمُكَيِّفَاتِ عَبْرَ الْأَنَابِيبِ أَوْ نُزُولِ الثَّلْجِ مِنَ السَّمَاءِ.
وَمِنَ الْمُغَالِطَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ : مُغَالَطَةُ (الْحُكْمِ عَلَى الْعَارِضِ وَإِغْفَالِ الْجَوْهَرِ)، وَذَلِكَ بِظَنِّ أَنَّ تَحَوُّلَ الْمَاءِ إِلَى ثَلْجٍ أَوْ رُطُوبَةٍ غَازِيَّةٍ يُسْقِطُ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ جُمُودٌ مَنْطِقِيٌّ فِيهِ فِصَالٌ مَعَ جَوْهَرِ الْمَاهِيَّةِ.
وَثَمَرَةُ التَّحْلِيلِ الْمَنْطِقِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ : ارْتِبَاطُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ لَا بِأَشْكَالِهَا الظَّاهِرَةِ، وَتَحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ مَا انْطَبَقَ عَلَيْهِ مَنَاطُ التَّحَوُّلِ دُونَ مُمَازَجَةٍ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ أَصْلِهِ فِقْهًا.
بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذَهِبِ :
1. الْمُعْتَمَدُ : أَنَّ الْمَاءَ الذَّائِبَ بَعْدَ جُمُودِهِ (وَمِثْلُهُ مَاءُ الْمُكَيِّفَاتِ) مَاءٌ طَهُورٌ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ، وَقَالَ بِهِ أَبُوحَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ صَرَاحَةً بِقَوْلِهِ "أَوْ ذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ" جَرْيًا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِمَّا سَبَقَ.
2. الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ، حَيْثُ أَجَازُوا التَّطْهِيرَ بِالثَّلْجِ قَبْلَ ذَوَبَانِهِ إِذَا ذَابَ عَلَى الْعُضْوِ بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ، خِلَافًا لِمَا اشْتَرَطَهُ مَالِكِيَّتُنَا مِنَ السَّيَلَانِ الْفِعْلِيِّ لِتَحْقِيقِ مَفْهُومِ الْغَسْلِ الشَّرْعِيِّ.
لَّذِي عُزِيَ إِلَيْهِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ -مُقَابِلِ الْمُعْتَمَدِ- فِي الْمَذْهَبِ هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ شَاسٍ فِي كِتَابِهِ "جَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ"، حَيْثُ نَقَلَ كَرَاهَةَ التَّطْهيرِ بِمَا ذَابَ مِنَ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ تَعْلِيلًا بِأَنَّ النَّارَ لَمْ تَمَسَّهُ وَلِتَغَيُّرِ مِزَاجِهِ الطَّبِيعِيِّ بِالْجُمُودِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ" حَيْثُ ذَكَرَ الْكَرَاهَةَ حِكَايَةً، قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّيْخِ خَلِيلٍ، فَيَبْقَى نَفْيُ الْكَرَاهَةِ وَالْقَطْعُ بِالطَّهُورِيَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَا تَقَرَّرَ مِمَّا سَبَقَ.