بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين
والحمد لله رب العالمين
لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نقسه
واصلي واسلم وابارك على سيدي رسول الله المعلم الاول والهادي الى الصراط المستقيم وعلى اله الطبيبن الطاهرين واصحابه الغر الميامبن رضي الله عنهم اجمعين وعنا بهم الى يوم الدين
ايها الاخوة الاحبة
اعلموا انه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
فالفقه سبب لهذا الخير العميم من الله
قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا
قال الامام مالك : الفقه في الدين
واعلموا أن (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ)
(وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق
وألحقتُ بذلك الادلة
والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم
ا وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم
....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي
اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي

نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ معتقد أهل السنة والجماعة

 



لزياد حبوب أبي رجائي المالكي 

 [مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1.    يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2.    يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3.    ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4.    بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5.    وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6.    يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7.    وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8.    فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9.    فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10.                      وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11.                      وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12.                      وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13.                      وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14.                      وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15.                      وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16.                      وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17.                      وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

 [فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18.                      فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19.                      وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20.                      وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21.                      وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22.                      قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

 [فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23.                      وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24.                      وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25.                      خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26.                      وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27.                      أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28.                      مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29.                      وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30.                      كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31.                      وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32.                      وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33.                      وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34.                      وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35.                      وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36.                      وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37.                      وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38.                      سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39.                      وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40.                      وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41.                      وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42.                      وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43.                      وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44.                      وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ]

45.                      وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46.                      عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47.                      وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48.                      وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49.                      تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50.                      وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51.                      وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52.                      وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53.                      وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54.                      فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55.                      فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

[الْخَاتِمَةُ]

56.                      وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57.                      وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58.                      وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59.                      وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60.                      عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي


عمان - المملكة الاردنية الهاشمية
في 22 شباط 2026م

 

 

وجوب معرفة الله تعالى

13. حُكْمُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانُ أَصَالَتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.

أَشَارَ الشَّيْخُ  عبد الغني النابلسي لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:

ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضُ ... لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَغَيْرُهَا عَرَضْ

3. يَعْنِي: أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ شَرْعًا هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى (بِمَا يَجِبُ وَيَمْتَنِعُ وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ)، وَهَذَا الْوُجُوبُ عَيْنِيٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْخَالِقِ هِيَ الْأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْفُرُوعُ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ عُلُومٍ فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهَا.

النَّظْرَةُ الْأُصُولِيَّةُ: هِيَ مَسْأَلَةُ (أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ)؛ فَأُصُولِيًّا يَرَى الْأَشَاعِرَةُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَاجِبَةٌ "بِالشَّرْعِ" لَا بِالْعَقْلِ ابْتِدَاءً، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمَعْرِفَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْفَرْعِ تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الْأَصْلِ.

أوّلاً :  الْمَنَاطُ الْعَقَدِيُّ:

مَنَاطُ "وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ" هُوَ (التَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ)؛ وَشَرْطُهُ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ. وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ هُنَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَدَى الْمُكَلَّفِ "قُدْرَةٌ عَلَى النَّظَرِ" تُوصِلُهُ إِلَى الْيَقِينِ، لِأَنَّ الْمَنَاطَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظِ الْأَسْمَاءِ، بَلْ "انْعِقَادُ الْقَلْبِ" عَلَى الْحَقِيقَةِ عَنْ دَلِيلٍ.

ثانياً :  الْفُرُوقُ الْعَقَدِيَّةُ:

الْفَرْقُ بَيْنَ (الْمَعْرِفَةِ) وَ (الْعِلْمِ)؛ الْمَعْرِفَةُ هُنَا تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْإِدْرَاكُ الْجَازِمُ عَنْ دَلِيلٍ، وَقَدْ تُسَمَّى "عِلْمًا" إِذَا كَانَتْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ (الْأَصْلِ) وَ (الْعَرَضِ)؛ أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ (التَّوْحِيدُ)، وَالْعَرَضُ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ (فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ).

ثالثاً : الِاعْتِرَاض وَالْجَوَابُ:

الشُّبُهَةُ : إِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةً، وَالْمَعْرِفَةُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ لَا يُتَحَكَّمُ فِيهِ اِضْطِرَارًا، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ؟

الْجَوَابُ: الْوَاجِبُ ابْتِدَاءً هُوَ "النَّظْرُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ"، وَالنَّظْرُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، فَإِذَا نَظَرَ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي قَلْبِهِ (عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَقِبَ النَّظْرِ)، فَالْمُكَلَّفُ مُطَالَبٌ بِالْوَسِيلَةِ لِيَصِلَ إِلَى الْغَايَةِ.

7. الثَّمَرَةُ السُّلُوكِيَّةُ:

تُثْمِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقَامَ (الِاشْتِغَالِ بِالْأَهَمِّ)؛ فَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ "الْأَصْلُ"، يَجْعَلُ جُلَّ هَمِّهِ تَصْحِيحَ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، فَلَا يَكُونُ كَالْبَنَّاءِ الَّذِي يُزَيِّنُ السَّطْحَ وَالْقَوَاعِدُ هَشَّةٌ، وَسُلُوكِيًّا يُورِثُ ذَلِكَ تَعْظِيمَ اللَّهِ الَّذِي يَسْبِقُ كُلَّ طَاعَةٍ.

8. تَرْجَمَةُ الْكَلِمَاتِ مُعْجَمِيًّا:

مَعْرِفَةُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِحَقِيقَتِهِ.

تُفْتَرَضُ: تُوجَبُ وُجُوبًا قَطْعِيًّا.

أَصْلٌ: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ.

عَرَضٌ: مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ يَتْبَعُ غَيْرَهُ.

9. إِعْرَابُ الْبَيْتِ:

ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ.

مَعْرِفَةُ: مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ، وَهُوَ مُضَافٌ.

اللَّهِ: لَفْظُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ عَلَى التَّعْظِيمِ.

عَلَيْكَ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُفْتَرَضُ".

تُفْتَرَضُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ (هِيَ)، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.

لِأَنَّهَا: اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، (أَنَّ) حَرْفُ نَصْبٍ وَتَوْكِيدٍ، وَ(الْهَا) اسْمُهَا.

أَصْلٌ: خَبَرُ (أَنَّ) مَرْفُوعٌ.

وَغَيْرُهَا: الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ، (غَيْرُ) مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ.

عَرَضٌ: خَبَرُ (غَيْرُهَا) مَرْفُوعٌ.

10. النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ: بِنَاءُ "تُفْتَرَضُ" لِلْمَجْهُولِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ "الْفَارِضَ" هُوَ الشَّارِعُ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ هَذَا الْفَرْضَ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ قَهْرًا بِحُكْمِ الْعُبُودِيَّةِ.

11. النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ: "التَّذْيِيلُ" فِي قَوْلِهِ (لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَغَيْرُهَا عَرَضْ)؛ حَيْثُ جَاءَ بِجُمْلَةٍ تَعْلِيلِيَّةٍ تَجْرِي مَجْرَى الْمَثَلِ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِيجَازِ.

12. النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ: لَفْظُ "تُفْتَرَضُ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ بِمَعْنَى "تُوجَبُ"، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَالنَّاظِمُ هُنَا يَسْتَعْمِلُهَا بِمَعْنَى "الْإِلْزَامِ الْقَطْعِيِّ" الَّذِي يَكْفُرُ جَاحِدُهُ.

13. قَضِيَّتُهُ الْمَنْطِقِيّةِ : وُجُوبُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ لِأَصَالَتِهَا.

مَوْضُوعُهُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ.

محْمُولُهُ: كَوْنُهَا مَفْرُوضَةً وَأَصْلًا لِمَا سِوَاهَا.

أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ:

1. الْقُرْآنُ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).

o وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْعِلْمِ (الْمَعْرِفَةِ) قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَدَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْمَعْرِفَةِ.

2. السُّنَّةُ: حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).

o وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: تَقْدِيمُ الشَّهَادَةِ (الَّتِي هِيَ عُنْوَانُ الْمَعْرِفَةِ) عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا "الْأَصْلُ".

3. قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ : (مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ): وَبِمَا أَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ "الْمَعْبُودِ"، فَصَارَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةً.

أوّلاً :  قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ : (الْأَصْلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْفَرْعِ): فَالْمَعْرِفَةُ أَصْلٌ وَالْأَعْمَالُ فُرُوعٌ، وَتَقْدِيمُ الْأَصْلِ وَاجِبٌ رُتْبَةً وَزَمَانًا.

ثانياً :  قِيَاسُ (الْأَوْلَى): إِذَا كَانَ مَعْرِفَةُ "صَاحِبِ الْبَيْتِ" أَوْلَى مِنَ الِانْشِغَالِ بِزِينَةِ الْبَيْتِ لِتَصِحَّ الضِّيَافَةُ، فَمَعْرِفَةُ "خَالِقِ الْكَوْنِ" أَوْلَى وَأَوْجَبُ مِنَ الِانْشِغَالِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ ابْتِدَاءً.

ثالثاً : قِيَاسُ (الْعِلَّةِ): كَمَا أَنَّ "الْأَسَاسَ" هُوَ عِلَّةُ قِيَامِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَسَاسُ سَقَطَ الْبِنَاءُ، فَكَذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ هِيَ عِلَّةُ "قَبُولِ" الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ.

7. قِيَاسُ (الْمُسَاوِي): كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ "الْمَلِكِ" وَصِفَاتِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ دِيوَانِهِ لِيَتَأَدَّبَ مَعَهُ، فَمَعْرِفَةُ "مَلِكِ الْمُلُوكِ" وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ فِي دِينِهِ تَبَعًا لِنَفْسِ عِلَّةِ التَّعْظِيمِ.

8. قِيَاسُ (الشَّبَهِ): كَمَا أَنَّ "الشَّمْسَ" هِيَ أَصْلُ الضَّوْءِ وَالْقَمَرُ "عَرَضٌ" يَسْتَمِدُّ مِنْهَا، فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ شَمْسُ الْإِيمَانِ وَكُلُّ الطَّاعَاتِ تَبَعٌ لَهَا.

9. قِيَاسُ (الْجَلِيِّ): إِذَا كَانَ مِنَ "الْمُسْتَقْبَحِ" عَقْلًا وَشَرْعًا أَنْ تَخْدِمَ سَيِّدًا لَا تَعْرِفُهُ، فَمِنَ الْأَوْجَبِ وَالْأَجْلَى أَنْ تَعْرِفَ مَنْ تَعْبُدُهُ لِتَكُونَ الْعِبَادَةُ عَلَى بَصِيرَةٍ.

فائِدَةٌ : : أَنَّ الدَّرْدِيرَ جَعَلَ غَيْرَ الْمَعْرِفَةِ "عَرَضًا"؛ لِيُنَبِّهَ الطَّالِبَ إِلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْأَحْكَامَ مَهْمَا عَظُمَتْ فَهِيَ "عَرَضٌ" زَائِلٌ إِذَا لَمْ يَقُمْ عَلَى "جَوْهَرِ" التَّوْحِيدِ، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُقَالُ فِي تَرْتِيبِ الْعُلُومِ.

~~**~~


من شرحي على العقيدة

ثبوت هلال رمضان بالتلسكوب صحيح لكن مرجوح

 #خلاف ثبوت هلال رمضان

لا يُنكر على من أثبت دخول شهر رمضان غداً اعتماداً على الحساب الفلكي، رغم أن الهلال قد تولد قبل  أقل من أربع ساعات، فلا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا بالتلسكوبات، كما يقول علماء الفلك الذين يؤكدون أن أقل مدة لرؤية الهلال عبر التلسكوب نحو 10 إلى 12 ساعة، وبالعين المجردة لا تقل عن 15 إلى 16 ساعة.

 وهذا الخلاف معتبر، لأنه قابل للتصديق بعد التصور، أي أن العقل يحكم بصدقه، لأن القاسم المشترك بين من يعتمدون على الرؤية التي علقها الشرع بالصوم وبين تولد الهلال هو وجوده فعلاً. فتكون الرؤية كاشفة لا منشئة، أي مؤكدة لوجود الهلال. وكذلك الوسيلة التي يعتمدون عليها، وهي التلسكوبات، تؤكد وجود الهلال. لكن، بما أن الشرع علقها بالرؤية البصرية، فإننا نعتمد على الرؤية البصرية، فيكون الراجح هو الرؤية البصرية.

 وأيضاً، لا يقال إن  تعليق الرؤية البصرية على أساس الخروج مخرج الغالب، لأن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كان المنجمون وأهل الحساب موجودين، ومع ذلك ترك الحساب الفلكي والتنجيم. فالرسول صلى الله عليه وسلم أكد على الرؤية البصرية. فلا يقال إنه خرج مخرج الغالب، بل إن الرسول اختارها من بين أكثر من رأي كان موجوداً في زمانه صلى الله عليه وسلم.

وهذا اجماع اهل السنة في المذاهب الاربعة الا من السبكي عند الشافعية وابن البنا المراكشي عند المالكية

كل عام وانتم بخير

رمضان كريم

لماذا اخترت المذهب المالكي

 إِنَّ قُوَّةَ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَاعْتِمَادَهُ عَلَى "عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ" قَائِمَةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَحْفَادِهِمْ وَمَوَالِيهِمُ الَّذِينَ وَرِثُوا الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ "كابِراً عَنْ كابِرٍ".

:1. شُيُوخُهُ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَحْفَادِهِمْ:عَاشَ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَهِيَ مَعْقِلُ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْ أَبْرَزِ مَنْ جَالَسَهُمْ وَأَخَذَ عَنْهُمْ:هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَهُوَ حَفِيدُ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ).عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَكَانَ بِمَثَابَةِ الِابْنِ الرُّوحِيِّ لِآلِ عُمَرَ.سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: (أَدْرَكَهُ مَالِكٌ فِي صِغَرِهِ) وَهُوَ حَفِيدُ الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ .جَعْفَرُ الصَّادِقُ: وَهُوَ حَفِيدُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ   رضي الله عنه مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَحَفِيدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ  رضي الله عنه مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ (أُمُّ فَرْوَةَ)

2. أَهَمِّيَّةُ هَذَا اللِّقَاءِ مَنْهَجِيّاً:لَمْ يَكُنْ لِقَاءُ مَالِكٍ بِأَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ مُجَرَّدَ لِقَاءٍ عَابِرٍ، بَلْ كَانَ لِقَاءَ "تَحْقِيقٍ"؛ وَإِلَيْكَ السَّبَبُ:وِرَاثَةُ الْهَيْئَةِ: مَالِكٌ لَمْ يَنْقُلِ النُّصُوصَ فَقَطْ، بَلْ نَقَلَ "طَرِيقَةَ الصَّلَاةِ" وَ"طَرِيقَةَ الْوُضُوءِ" كَمَا رَآهَا عِنْدَ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَأَوْهَا مِنْ آبَائِهِمْ.نَقْلُ الْعَمَلِ: كَانَ يَقُولُ: "رَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا.." وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ أَبْنَاءَ الصَّحَابَةِ وَتَلَامِيذَهُمْ، فَهَذَا عِنْدَهُ أَقْوَى مِنَ الْأَحَادِيثِ الْآحَادِ الَّتِي لَمْ يَجْرِ بِهَا الْعَمَلُ

3. سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ:أَشْهَرُ سِلْسِلَةٍ فِي الدُّنْيَا (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) تَعْكِسُ هَذَا الِارْتِبَاطَ الْوَثِيقَ؛ فَـ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ كَانَ مِلْكاً لِابْنِ عُمَرَ وَعَاشَ فِي بَيْتِهِ، فَمَالِكٌ أَخَذَ "أَسْرَارَ بَيْتِ ابْنِ عُمَرَ" مِنْ خَادِمِهِ وَتِلْمِيذِهِ اللَّصِيقِ.

خُلَاصَةُ الْقَوْلِ:إِذَا كَانَ مَالِكٌ قَدْ فَاتَتْهُ "رُؤْيَةُ" الصَّحَابَةِ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ "جَوْهَرَ" الصَّحَابَةِ عَنْ طَرِيقِ أَبْنَائِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ، مِمَّا جَعَلَ مَذْهَبَهُ يَتَّسِمُ بِـ "الْوَاقِعِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ" الَّتِي تَنْقُلُ الدِّينَ كَمَا طُبِّقَ فِعْلِيّاً فِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ .

واعْلَمْ:  مَالِكٌ كَانَ يَتَمَشَّى فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ وَيَسْأَلُ هَذَا: "كَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ أَبُوكَ (الصَّحَابِيُّ)؟" وَيَسْأَلُ ذَاكَ، حَتَّى جَمَعَ فِقْهَ "الْقَوْمِ" وَهُوَ لَمْ يَرَهُمْ. انْظُرٍ كِتَابَ "تَرْتِيبُ الْمَدَارِكِ" لِلْقَاضِي عِيَاضٍ

وفي كِتَابِ "الِانْتِقَاءُ" لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ (ت 463 هـ) : فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي خَصَّصَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِفَضَائِلِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، ذَكَرَ أَنَّ مَالِكاً كَانَ يَقُولُ: "لَقَدْ أَدْرَكْتُ بِهَذَا الْبَلَدِ (الْمَدِينَةِ) أَقْوَاماً مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ إِلَّا عَنْ مِثْلِهِمْ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ".

وَجْهُ الدَّلَالَةِ: هَذَا يُثْبِتُ أَنَّ "السُّؤَالَ" وَ"التَّتَبُّعَ" لِلْوِرَاثَةِ الْعَمَلِيَّةِ كَانَ شُغْلَهُ الشَّاغِلَ فِي أَزِقَّةِ طَيْبَةَ.

3. كِتَابُ "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" لِلذَّهَبِيِّ (ت 748 هـ)

يَنْقُلُ الذَّهَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَهُ: "كَانَ هَذَا الدِّينُ فِي أَهْلِ بَيْتٍ مِمَّنْ حَوْلِي، فَكُنْتُ آخُذُ عَنْهُمْ".

وَقَدْ صَوَّرَ الذَّهَبِيُّ رِحْلَةَ مَالِكٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ بِأَنَّهُ جَمَعَ "فِقْهَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ"، وَهَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ هُمْ فِي الْغَالِبِ أَبْنَاءُ الصَّحَابَةِ (مِثْلَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ).

4. "مَالِك: حَيَاتُهُ وَعَصْرُهُ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّد أَبُو زَهْرَةَ (عَالِمٌ مُعَاصِرٌ)

هَذَا الْمَرْجِعُ الْحَدِيثُ رَسَمَ مَشْهَداً بَلِيغاً لِحَيَاةِ مَالِكٍ، حَيْثُ قَالَ: "إِنَّ مَالِكاً كَانَ يَتَلَقَّى السُّنَّةَ عَمَلاً كَمَا يَتَلَقَّاهَا رِوَايَةً، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى فِعْلِ النَّاسِ وَيَسْأَلُ عَنْ بَقَايَا أَثَرِ الصَّحَابَةِ فِي بُيُوتِهِمْ".

خُلَاصَةُ الْقَوْلِ :

الْإِمَامُ مَالِكٌ لَمْ يَكُنْ "أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ" فَقَطْ، بَلْ كَانَ "مُؤَرِّخَ الْهَيْئَةِ النَّبَوِيَّةِ"؛ فَسُؤَالُهُ لِأَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ كَانَ لِتَوثِيقِ "النَّحْلَةِ" وَ"الْعَمَلِ" الَّذِي لَا تَنْقُلُهُ الْأَوْرَاقُ، بَلْ تَنْقُلُهُ الْمُمَارَسَةُ الْيَوْمِيَّةُ فِي بُيُوتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

.هَذَا التَّصْوِيرُ لِحَالِ الْإِمَامِ مَالِكٍ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَيَالٍ أَدَبِيٍّ، بَلْ هُوَ تَلْخِيصٌ لِمَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ "السِّيَرِ" وَ"الطَّبَقَاتِ" الَّذِينَ رَصَدُوا مَنْهَجَهُ فِي تَتَبُّعِ "عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ".

مِنْ كِتابي : لِماذا اخترت المذهب المالكي

زياد حبوب أبو رجائي

هل من عبد الأصنام من أهل الفترة ناجيا

 سؤال : دكتور هل من عبد الأصنام من أهل الفترة ناجيا أم معذبا على مذهب السادة الاشاعرة
وجوابي :
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

ولا قوة الا بالله

الأصل عند التنازع ان نرد الخلاف الى الكتاب والسنة اولا هذا مقرر عند اهل السنة لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}

اذن ماذا يقول كتاب الله :

1. {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}

2. كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (*) قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ

لذلك : عندنا اهل الفترة ناجون حتى لو قلدوا ما وجدوا قومهم عليه من عبادة الاصنام

هذا الامر قطعي الدلالة متواتر

3. حتى في الحديث ان صح حيث يُرسل إليهم رسولاً ...... اثبات ان الاية الاولى محكمة

ومن قال به من اهل السنة انهم يمتحنون في القيامة كما في الحديث

والاصح ان يكتفى بالقول الاول لان الاية محكمة وليست من المتشابهات

وهذا اصل عن الاشاعرة لذلك كل من قال بنجاة ابوي سيدنا رسول الله اعتمد على محكم

وقلنا انه لا يصار الى العقل بوجود نص كما هنا في هذه المسألة اي: ان العقل لا يوجب حكما قبل ارسال رسول خلافا للماتريدية قالوا يعذبون لانهم غير معذورون بعبادتهم الاصنام

ولهم ادلتهم ومنشأ الخلاف هل العقل يوجب حكما قبل الشرع ام لا

فهنا ثلاثة اقوال لاهل السنة

الاثنان للاشاعرة والثالث للماتريدية

الاشكال اخي الشيخ محمد هو اقحام ابوي سيدنا رسول الله في مسألة اهل الفطرة وهذا أمر يستشنعه المسلم العامي قبل طالب العلم لاختصاصهم برسول الله وقد ثبت بدلالة الاقتضاء من القران ان له جاه عند الله وبدليل المنطوق ان له المقام المحمود الذي وعده ثم احاديث التي فيها عن والديه كلها ظاهر وليست بنص بمعنى انه يتطرق لها الاحتمال كما بينته في عدة منشورات وفي موقعي برد الشبهات كأبي وأباك في النار انه خرج مخرج المواساة للرجل وحدث منعه من الاستغفار لامه والسماح له بزيارة قبرها لاحتمال ان المنع قام لعدم الحاجة للاستغفار لها كون ان الله غفر لها لانها ام رسول الله فلسان الحال يتجه لا داعي للاستغفار فاني قد غفرت له وما تطرق له الاحتمال بطل به الاستدلال ناهيك انها كلها أخبار آحاد ظنية الدلالة

وفي الاصول نقدم قطعي الدلالة على ظني الدلالة هذا اذا تساويا في قطعي الثبوت فما بالك شيخ محمد ان الاول قطعي الثبوت والثاني ظني الثبوت لانه آحاد

...

نسال الله السلامة واوصي الجميع بعدم الخوض في عرض رسول الله حتى لو ارادوا نقاش مسألة اهل الفترة

الله صل وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله

والله اعلم


لماذا اخترت المنهج الأشعري

 عُنْوَانُ الْمُحَاضَرَةِ: لِمَاذَا اخْتَرْتُ الْمَنْهَجَ الْأَشْعَرِيَّ؟ (بَيْنَ رَصَانَةِ النَّقْلِ وَأَدَبِ الْعَقْلِ)

[الِاسْتِهْلَلالُ وَالْمُقَدِّمَةُ]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَسَطًا، وَهَدَاهَا إِلَى أَقْوَمِ سَبِيلٍ، وَعَصَمَهَا مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَكَانَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا.

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ الْأَزْكَيَانِ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، الَّذِي جَاءَ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، فَنَفَى عَنْ رَبِّهِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ وَالنَّقْصِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ يَا رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلًا.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، وَالزُّمَلَاءُ الْأَعِزَّاءُ..

نَلْتَقِي الْيَوْمَ فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ وَمُذَاكَرَةٍ، لِنُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ مَنْهَجِيٍّ عَمِيقٍ، رُبَّمَا تَرَدَّدَ فِي خَلَدِ الْكَثِيرِينَ مِنْكُمْ، أَوْ رُبَّمَا وَاجَهْتُمُوهُ فِي مَيْدَانِ الدَّعْوَةِ وَالْبَحْثِ. هَذَا السُّؤَالُ هُوَ: "لِمَاذَا اخْتَرْتُ الْمَنْهَجَ الْأَشْعَرِيَّ؟".

هَلْ كَانَ اخْتِيَارِي لِهَذَا الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ لِلْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ؟ أَمْ أَنَّهُ تَعَصُّبٌ مَذْهَبِيٌّ لِطَائِفَةٍ دُونَ أُخْرَى؟ أَمْ أَنَّ الْأَمْرَ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ؟

إِنَّ الْإِجَابَةَ الَّتِي أَدِينُ اللهَ بِهَا، وَالَّتِي أَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِيكُمُ الْيَوْمَ، هِيَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ جَاءَ نَتِيجَةَ بَحْثٍ وَاسْتِقْرَاءٍ، وَانْحِيَازٍ تَامٍّ لِلْمَنْهَجِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الرَّصِينَةِ الَّتِي أَسَّسَهَا جَهَابِذَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

لَقَدْ وَجَدْتُ فِي الْمَدْرَسَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ (وَأُخْتِهَا الْمَاتُرِيدِيَّةِ) الْمَلَاذَ الْآمِنَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْعَقْلِ مَكَانَتَهُ، وَلِلنَّقْلِ قُدْسِيَّتَهُ، دُونَ أَنْ يَطْغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. وَسَأَبْسُطُ لَكُمُ الْقَوْلَ فِي أَسْبَابِ هَذَا الِاخْتِيَارِ عَبْرَ ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ رَئِيسَةٍ، تُبَيِّنُ لَكُمْ قُوَّةَ هَذَا الْمَنْهَجِ وَتَمَاسُكَهُ.

________________________________________

[الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ: الْوَسَطِيَّةُ الْمَنْهَجِيَّةُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ]

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ..

إِنَّ النَّاظِرَ فِي تَارِيخِ الْفِرَقِ وَالْمَذَاهِبِ، يَرَى أَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ ابْتُلِيَتْ فِي بَعْضِ مَرَاحِلِهَا بِطَرَفَيْ نَقِيضٍ:

فَرِيقٌ غَلَا فِي تَقْدِيسِ الْعَقْلِ، حَتَّى جَعَلُوهُ حَاكِمًا عَلَى نُصُوصِ الْوَحْيِ، فَرَدُّوا الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا لَمْ تُوَافِقْ عُقُولَهُمُ الْقَاصِرَةَ.

وَفَرِيقٌ آخَرُ -وَهُمُ الْخُصُومُ- جَمَّدُوا الْعُقُولَ تَمَامًا، وَأَلْغَوْا دَوْرَهَا فِي الْفَهْمِ، وَتَمَسَّكُوا بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ تَمَسُّكًا حَرْفِيًّا، حَتَّى نَسَبُوا لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، مِنْ مَكَانٍ وَحَرَكَةٍ وَانْتِقَالٍ حِسِّيٍّ.

فَجَاءَ الْمَنْهَجُ الْأَشْعَرِيُّ لِيُمَثِّلَ "الْوَسَطِيَّةَ الذَّهَبِيَّةَ" بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.

لَقَدِ اخْتَرْتُ هَذَا الْمَنْهَجَ لِأَنَّ قَاعِدَتَهُ الْكُلِّيَّةَ تَقُولُ: "الْعَقْلُ شَاهِدٌ لِلشَّرْعِ، لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَالشَّرْعُ لَا يَأْتِي بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ، وَإِنَّمَا قَدْ يَأْتِي بِمَا تَحَارُ فِيهِ الْعُقُولُ".

فَنَحْنُ لَا نَرُدُّ النُّصُوصَ، بَلْ نُفَعِّلُ الْعَقْلَ لِفَهْمِهَا فَهْمًا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ. فَإِذَا جَاءَ النَّصُّ مُوهِمًا لِمَعْنًى مُسْتَحِيلٍ عَقْلًا (كَأَنْ يَكُونَ اللهُ جِسْمًا مَحْدُودًا)، عَمِلَ الْعَقْلُ هُنَا كَأَدَاةِ تَنْزِيهٍ، فَنَقُولُ: حَاشَا للهِ أَنْ يُشْبِهَ خَلْقَهُ، وَلَابُدَّ لِهَذَا النَّصِّ مِنْ مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَنْهَجَ الْأَشْعَرِيَّ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ "صَرِيحِ الْمَعْقُولِ" وَ"صَحِيحِ الْمَنْقُولِ" دُونَ صِدَامٍ، خِلَافًا لِلْخُصُومِ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي التَّنَاقُضِ حِينَ أَلْغَوْا بَدَهِيَّاتِ الْعُقُولِ.

________________________________________

[الْمِحْوَرُ الثَّانِي: التَّوْحِيدُ وَالتَّنْزِيهُ (قَانُونُ التَّعَامُلِ مَعَ الصِّفَاتِ)]

نَنْتَقِلُ الْآنَ إِلَى الْقَضِيَّةِ الْأَخْطَرِ، وَهِيَ السَّبَبُ الْأَبْرَزُ لِتَمَسُّكِي بِهَذَا الْمَنْهَجِ: "قَضِيَّةُ الصِّفَاتِ وَالتَّنْزِيهِ".

يَا شَبَابُ.. إِنَّ أَصْلَ الْعَقِيدَةِ هُوَ تَنْزِيهُ الْخَالِقِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ تَعَالَى قَوْلًا فَصْلًا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْمِيزَانُ، وَهِيَ الْحَاكِمَةُ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهَا.

لَقَدْ خَالَفَنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَامٌ مِنَ الْخُصُومِ، فَأَثْبَتُوا للهِ تَعَالَى "الْيَدَ" وَ"الْعَيْنَ" وَ"الْوَجْهَ" وَ"الِاسْتِوَاءَ" عَلَى أَنَّهَا صِفَاتُ أَعْيَانٍ وَذَوَاتٍ، بَلْ وَأَثْبَتُوا لَهُ الْمَكَانَ وَالْجِهَةَ، وَقَالُوا: هِيَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ! وَنَحْنُ نَتَسَاءَلُ: هَلْ هُنَاكَ يَدٌ "حَقِيقِيَّةٌ" فِي اللُّغَةِ إِلَّا الْجَارِحَةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنَ الْعَظْمِ وَالْعَصَبِ؟! تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

أَمَّا الْمَنْهَجُ الْأَشْعَرِيُّ الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ، فَقَدْ تَعَامَلَ مَعَ هَذِهِ النُّصُوصِ بِأَدَبٍ عَالٍ وَعِلْمٍ رَاسِخٍ، مِنْ خِلَالِ مَسْلَكَيْنِ مُعْتَبَرَيْنِ:

1. مَسْلَكُ التَّفْوِيضِ (وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ): وَهُوَ أَنْ نُؤْمِنَ بِالنَّصِّ كَمَا جَاءَ، وَنَنْفِيَ عَنْهُ الْكَيْفِيَّةَ وَالْمَعْنَى الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ لِلْأَذْهَانِ (الَّذِي هُوَ التَّجْسِيمُ)، ثُمَّ نُفَوِّضَ عِلْمَ حَقِيقَتِهِ إِلَى اللهِ. فَنَقُولُ: اسْتَوَى اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَيْسَ كَجُلُوسٍ، وَلَا اسْتِقْرَارٍ، وَلَا مُمَاسَّةٍ لِلْعَرْشِ. هَذَا هُوَ التَّسْلِيمُ الْمُطْلَقُ.

2. مَسْلَكُ التَّأْوِيلِ (وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْخَلَفِ): وَقَدْ لَجَأَ إِلَيْهِ الْعُلَمَاءُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِدَفْعِ شُبَهِ الْمُشَبِّهَةِ. وَمُؤَدَّاهُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. فَنَحْمِلُ "الْيَدَ" عَلَى الْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ، وَ"الِاسْتِوَاءَ" عَلَى الْقَهْرِ وَالْمُلْكِ. وَهَذَا لَيْسَ تَعْطِيلًا لِلصِّفَةِ كَمَا يَدَّعِي الْمُخَالِفُونَ، بَلْ هُوَ تَنْزِيهٌ لِلْمَوْصُوفِ عَنِ السِّمَاتِ الْبَشَرِيَّةِ.

لِذَلِكَ اخْتَرْتُ الْأَشْعَرِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تُغْلِقُ الْبَابَ تَمَامًا أَمَامَ عَقِيدَةِ التَّجْسِيمِ الَّتِي تَسَرَّبَتْ لِلْبَعْضِ، وَتُحَافِظُ عَلَى جَلَالِ الْأُلُوهِيَّةِ.

________________________________________

[الْمِحْوَرُ الثَّالِثُ: حُجِّيَّةُ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ (الْأَمَانُ مِنَ الشُّذُوذِ)]

وَأَخِيرًا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ.. نَأْتِي إِلَى حُجَّةِ التَّارِيخِ وَالْوَاقِعِ.

إِنَّ مِنَ الْأَسْبَابِ الرَّئِيسَةِ لِاخْتِيَارِي هَذَا الْمَنْهَجَ، أَنَّهُ مَنْهَجُ "السَّوَادِ الْأَعْظَمِ" مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.

انْظُرُوا بِمَوْضُوعِيَّةٍ وَإِنْصَافٍ: مَنْ هُمْ أَسَاطِينُ الْعِلْمِ الَّذِينَ حَمَلُوا لَنَا الدِّينَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ؟

مَنْ هُمُ الْحُفَّاظُ وَشُرَّاحُ الْحَدِيثِ؟ (النَّوَوِيُّ، الْعَسْقَلَانِيُّ، الْقُرْطُبِيُّ، السُّيُوطِيُّ..).

مَنْ هُمْ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؟ (الْجُوَيْنِيُّ، الْغَزَالِيُّ، الشَّاطِبِيُّ، الْقَرَافِيُّ، ابْنُ عَابِدِينَ..).

مَنْ هُمْ فُرْسَانُ اللُّغَةِ وَالْبَيَانِ؟ (الْجُرْجَانِيُّ، ابْنُ هِشَامٍ..).

هَؤُلَاءِ جَمِيعًا كَانُوا عَلَى عَقِيدَةِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ. فَهَلْ يُعْقَلُ -بِرَبِّكُمْ- أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ بِأَجْمَعِهَا، قَدْ أَخْطَأَتْ فِي فَهْمِ الْعَقِيدَةِ لِقُرُونٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَانْفَرَدَ بِالْحَقِّ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْخُصُومِ جَاءَتْ بِأَفْهَامٍ شَاذَّةٍ؟!

إِنَّ الثِّقَةَ بِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الثِّقَةِ بِهَذَا الدِّينِ. وَاتِّبَاعُ الْجُمْهُورِ هُوَ الْعِصْمَةُ مِنَ الزَّلَلِ، وَالْأَمَانُ مِنَ الْفِتَنِ. لِذَلِكَ كَانَ اخْتِيَارِي لِلْأَشْعَرِيَّةِ اخْتِيَارًا لِلِانْتِمَاءِ لِهَذَا الْجَسَدِ الْكَبِيرِ، وَرَفْضًا لِلشُّذُوذِ وَالِانْعِزَالِ.

________________________________________

[الْخَاتِمَةُ وَالدُّعَاءُ]

خِتَامًا أَيُّهَا الْحُضُورُ الْكَرِيمُ..

إِنَّ هَذَا الْمَسَارَ الَّذِي ارْتَضَيْنَاهُ، لَيْسَ مُجَرَّدَ نَظَرِيَّاتٍ كَلَامِيَّةٍ تُحْفَظُ فِي الْكُتُبِ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي الْقَلْبِ، فَيَعْرِفُ الْعَبْدُ رَبَّهُ مُنَزَّهًا عَنِ الْأَغْيَارِ، مُتَعَالِيًا عَنِ الْأَقْطَارِ.

لَقَدِ اخْتَرْتُ الْمَنْهَجَ الْأَشْعَرِيَّ لِأَنَّنِي وَجَدْتُ فِيهِ الْأَدَبَ مَعَ اللهِ، وَالِاحْتِرَامَ لِرَسُولِ اللهِ، وَالتَّوْقِيرَ لِآلِ بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَعُلَمَاءِ أُمَّتِهِ. وَجَدْتُ فِيهِ الْعِلْمَ الرَّصِينَ الَّذِي لَا يَهْتَزُّ أَمَامَ شُبُهَاتِ الْمُلْحِدِينَ، وَلَا يَنْحَنِي أَمَامَ خُرَافَاتِ الْمُجَسِّمِينَ.

فَأَسْأَلُ اللهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ، أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَلْقَيْتُهَا عَلَى مَسَامِعِكُمْ، خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذِهِ الْمُحَاضَرَةَ نَافِعَةً لِلْقُلُوبِ، وَاجْعَلْهَا مِمَّا أَثْلَجَتْ بِهِ الصُّدُورَ، وَأَنَارَتْ بِهِ الْعُقُولَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مُؤَصِّلَةً لِلْمَسَائِلِ، قَاطِعَةً لِلْوَسَائِلِ، كَاشِفَةً لِلْحَقَائِقِ، دَافِعَةً لِلْبَوَائِقِ.

اللَّهُمَّ ارْبِطْ عَلَى قُلُوبِنَا بِالْيَقِينِ، وَفَقِّهْنَا فِي الدِّينِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، غَيْرَ مُبَدِّلِينَ وَلَا مُغَيِّرِينَ.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.