أَشَارَ الشّيْخُ خَلِيلٌ إِلَيْهِ بقَوْلِهِ: (وَلَفْظُهُ طَلّقْت، وَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ، أَوْ مُطَلّقَةٌ أَوْ الطّلَاقُ لِي لَازِمٌ، لَا مُنْطَلِقَةٌ. وَتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ)
َهِيَ مَسْأَلَةٌ مَبْنِيّةً عَلَى قَاعِدَةِ (الصّرِيحِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النّيّةِ لِلْإِيقَاعِ وَيَتَعَيّنُ فِي أَلْفَاظٍ مَحْصُورَةٍ)
وَاُصولُنا فيها :
الْأَصْلُ الْأَوّلُ (حَصْرُ أَلْفَاظِ الصّرِيحِ فِي الأَرْبَعَةِ): أَنّ الصّرِيحَ المُنْحَصِرَ فِي عُرْفِ الشّرْعِ وَالمَذْهَب هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى حُرُوفِ (الطّاءِ وَاللّامِ وَالقَافِ) وَجَرَى العُرْفُ باسْتِعْمَالِهِ ، وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ: (طَلّقْتُ، وَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ مُطَلّقَةٌ، أَوْ الطّلَاقُ لِي لَازِمٌ)، بَيْنَمَا تَبْقَى أَلْفَاظٌ كَـ (مُنْطَلِقَةٍ وَمَطْلُوقَةٍ وَمُطْلَقَةٍ بسُكُونِ الطّاءِ) مِنَ الكِنَايَاتِ أَوِ الإِخْبَارِ الخَالِصِ فَلَا يَقَعُ بهَا طَلَاقٌ إِلّا بنِيّةٍ.
الْأَصْلُ الثّانِي (لُزُومُ الوَاحِدَةِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ وَاعْتِبَارِ النّيّةِ): أَنّ صَدُورَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الأَرْبَعَةِ يُوجِبُ وُقُوعَ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ رَجْعِيّةٍ إِذَا لَمْ يَنْوِ الزّوْجُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ لو لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيّةٌ، بَيْنَمَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ إِنْ نَوَى الاثْنَتَيْنِ أَوِ الثّلَاثَ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الشّرّاحِ فِي إِيجَاب اليَمِينِ لِلتّهْمَةِ أَوْ عَدَمِهَا عِنْدَ الإنْكَارِ (عَلَى المَشْهُورِ
الصَّرِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (مَادَّةُ الطَّلاَقِ فَقَطْ): اللَّفْظُ الصَّرِيحُ: هُوَ لَفْظُ «الطَّلاَقِ» وَتَصَارِيفُهُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْهُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الإِنْشَاءِ (مِثْلُ: «أَنْتِ طَالِقٌ»، «طَلَّقْتُكِ»، «عَلَيَّ الطَّلاَقُ»).
حُكْمُهُ: يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (قَضَاءً وَدِيَانَةً) بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهِ، وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى عَدَمِ القَصْدِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَنُوِ الطَّلاَقَ. يَخْتَلِفُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْدِيدِ الأَلْفَاظِ؛ فَالْمَالِكِيَّةُ يَخُصُّونَ الصَّرِيحَ بِلَفْظِ «الطَّلاَقِ» وَمَا اشْتُقَّ مِنْهُ فَقَطْ، وَيَجْعَلُونَ «الْفِرَاقَ» وَ«السَّرَاحَ» مِنَ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.
حُكْمُ لَفْظَيْ «الْفِرَاقِ» وَ«السَّرَاحِ» عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُرُودِ اللَّفْظَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ / أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَعْتَبِرُونَهُمَا صَرِيحًا كَالشَّافِعِيَّةِ، بَلْ يُدْخِلُونَهُمَا فِي «الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ»:
سَبَبُ عَدَمِ جَعْلِهِمَا صَرِيحًا: لِأَنَّ عُرْفَ الاِسْتِعْمَالِ فِي لِسَانِ النَّاسِ لاَ يَجْعَلُهُمَا خَالِصَيْنِ فِي حَلِّ عِقْدَةِ النِّكَاحِ مِثْلَ لَفْظِ «الطَّلاَقِ»، بَلْ يَحْتَمِلاَنِ الْفِرَاقَ فِي الأَبْدَانِ أَوْ السَّرَاحَ مِنَ المَحْبِسِ أَوْ الْمَنْزِلِ.
حُكْمُهُمَا (حُكْمُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ):
يَفْتَقِرَانِ إِلَى النِّيَّةِ: وَتَكُونُ نِيَّتُهُ حَاكِمَةً فِي عَدَدِ الطَّلَقَاتِ. وإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرُدِ الطَّلاَقَ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي القَضَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ كِنَايَةٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الطَّلاَقِ
وَمَعْنَاهَا : أَنّ أُصُولَ الْمَذْهَب الْمَالِكِيّ فِي بَاب «تَعْيِينِ أَلْفَاظِ الإِنْشَاءِ الصّرِيحِ» بَيّنَتْ أَنّ الشّارِعَ وَالعُرْفَ الفِقْهِيّ ضَبَطَا الصّرِيحَ بمَا لَا يَقْبَلُ الصّرْفَ عَنْ مَعْنَى الطّلَاقِ بمُجَرّدِ الدّعْوَى:
فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَاحِدًا مِنَ الأَلْفَاظِ الأَرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الطّلَاقُ حَتْمًا وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَنّهُ أَرَادَ غَيْرَهُ (كَأَنْ يَدّعِيَ أَنّهُ أَرَادَ الخُرُوجَ أَوْ فَكَّ الوِثَاقَ)؛ لِأَنّ العُرْفَ نَقَلَهَا مِنَ المَعْنَى اللّغَوِيّ إِلَى الإِنْشَاءِ الصّرِيحِ.
وَيَتَرَتّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنّ تِلْكَ الصّيغَةَ مَحْمُولَةٌ شَرْعًا عَلَى إِيقَاعِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ إِذَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، وَتَكُونُ رَجْعِيّةً فِي المَدْخُولِ بهَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهَا الطّلَاقُ، وَهَذَا هُوَ التّحْقِيقُ المُعْتَمَدُ عِنْدَ الإِمَامِ الدّرْدِيرِ وَالشّيْخِ الدّسُوقِيّ وَ.
أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ :
• مِثَالٌ 1 (إِطْلَاقُ لَفْظِ الصّرِيحِ بلَا نِيّةٍ): أَنْ يَقُولَ الزّوْجُ لِزَوْجَتِهِ فِي حَالَةِ خِصَامٍ: "أَنْتِ طَالِقٌ"، ثُمّ يَدّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يُرِدْ إِيقَاعَ الطّلَاقِ الحَقِيقِيّ بَلْ أَرَادَ المَزَاحَ أَوِ الخُرُوجَ.
o حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَب : يَقَعُ الطّلَاقُ وَتَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيّةٌ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى صَرْفِهِ عَنِ المَعْنَى العُرْفِيّ.
• مِثَالٌ 2 (اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِ الخَبَرِ غَيْرِ الصّرِيحَةِ): أَنْ يَقُولَ لَهَا: "أَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ" أَوْ "مُطْلَقَةٌ" (بسُكُونِ الطّاءِ).
o حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَب : لَا يَقَعُ الطّلَاقُ بهَا إِلّا إِذَا نَوَى بهَا الحَلّ؛ لِكَوْنِهَا مِنَ الكِنَايَاتِ أَوْ الأَلْفَاظِ الخَبَرِيّةِ غَيْرِ المَنْقُولَةِ عُرْفًا.