بيع ما ليس عندك
تعقيب على فتوى يُوضح فيها الشيخ محمد الحسن الددو وفقه الله أن النهي في حديث «لا تبِعْ ما ليس عندك» لا يقصد به مطلق عدم الملك، بل يتعلق ببيع الأعيان المقومة النادرة أو ما فيه غرر وجهالة يعرض الطرفين للنزاع. أما بيع ما ليس في الملك مع وجود نظائره في السوق أو القدرة على تسليمه (كالوكالة أو السلم أو الموصوف في الذمة)، فهو جائز شرعاً ولا يدخل في التحريم
والرد على هذه النفطة بالتحديد وبيان القول المعتمد عند المالكية قال الشيخ : كثير من الناس يظن أن "ما ليس عندك" يعني "ما لا تملكه"، وهذا غير صحيح تماماً، إذ يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا التزم بتسليمه وكان من المثليات أو المتوافر في الأسواق
أقول وأجول وبالله وحده أصول :
الإشكال في الكلام المنقول عن الشيخ أنه خلط بين الملك، والوجود في السوق، والقدرة على التسليم، وكون المبيع موصوفًا في الذمة، ثم جعل هذه الأشياء كلها مناطًا واحدًا لجواز البيع، وهذا ليس تحريرًا للمذهب المالكي.
هذا الكلام لا يصح أن يُنسب إلى «ضوابط المذهب المالكي» بهذه الصياغة؛ لأنه يخلط بين مسائل متباينة خلطًا ظاهرًا، ثم يجعل مجرد وجود السلعة في السوق أو إمكان شرائها لاحقًا سببًا لجواز بيعها، وهذا قلبٌ للبحث الفقهي لا تحريرٌ له.
المذهب المالكي لا يقول: «كل ما كان موجودًا في السوق ويمكن تحصيله يجوز بيعه ولو لم يكن مملوكًا للبائع». هذه قاعدة لا تعرف في باب البيوع المالكية بهذا الإطلاق، بل هي مصادمة لأصلٍ ظاهر: أن البائع لا يبيع عينًا لا ملك له فيها ثم يذهب فيشتريها ليسلمها للمشتري.
والحديث نفسه جاء في صورة تكاد تكون أصرح من أن تحتمل هذا التوسع: سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه عن الرجل يأتيه فيطلب منه سلعة ليست عنده، فيشتريها له من السوق ثم يبيعها له، فقال له النبي ﷺ: «لا تبع ما ليس عندك».
فما الذي يُفعل بهذا السبب الصريح للورود؟ هل يُقال: لا بأس، ما دامت السلعة من المثليات وموجودة في السوق؟!
ثم إن المثليّة لا تجعل العين المملوكة للغير ملكًا للبائع. كون السلعة مثلية يفيد في أبواب أخرى، كالسلم والضمان والديون، ولا يحوّل من لا يملك العين إلى مالك لها. فهناك فرق بين أن تقول:
«بعتك مائة كيلو من القمح موصوفة في الذمة على وجه السلم»
وبين أن تقول:
«بعتك هذا القمح/هذه السلعة التي سأذهب فأشتريها من السوق ثم أسلمها لك».
الأول سلم استثناه الشارع بشروطه، والثاني بيع عين لم تدخل في ملك البائع. ولا يصح أن نجعل وجود الأول مبررًا لتصحيح الثاني.
وأما قولهم:
«الفرق بين الملك والوجود: يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا التزم بتسليمه وكان من المثليات أو المتوافر في الأسواق»
فهذه العبارة هي موضع الخلل الأكبر؛ لأنها تجعل القدرة على تحصيل المبيع قائمة مقام الملك، مع أن القدرة على الشراء من السوق ليست ملكًا، وإلا لكان كل تاجر يستطيع أن يبيع ما شاء قبل أن يشتريه، ما دام يتوقع وجوده عند التجار!
وهذا تحديدًا هو الذي يفتح باب بيع السلع على الهاتف والمنصات والمتاجر الإلكترونية قبل التملك، ثم يقال: السلعة موجودة في السوق، إذن لا بأس! وهذا ليس تحريرًا فقهيًا، بل إسقاطٌ لحكم عقد على عقد آخر.
ثم هناك خلط آخر بين الحيازة والملك.
نعم، لا يلزم في كل بيع أن تكون العين في يد البائع لحظة العقد؛ فقد يملكها وهي عند غيره، وهذه مسألة تختلف عن أن لا يملكها أصلًا.
فالقول:
«ليس عنده» لا يعني دائمًا «ليس في يده»
شيء،
والقول:
«ليس عنده، ولكنه لا يملكه أصلًا، ويستطيع شراءه من السوق»
شيء آخر تمامًا.
والخلط بينهما هو الذي أفسد العبارة كلها.
بل حتى القبض باب مستقل عن الملك؛ فقد يملك المشتري السلعة بالعقد ثم يمنع من بعض التصرفات فيها قبل القبض بحسب نوع المبيع وحكمه، كما أن البائع قد يكون مالكًا لسلعة ليست في حيازته. فلا يجوز جمع «الملك» و«الحيازة» و«القبض» و«القدرة على التسليم» في معنى واحد ثم بناء الحكم عليها جميعًا.
وأما الاستدلال بـ السلم، فهو أشد غرابة؛ لأن السلم ليس ترخيصًا عامًا في بيع كل ما لا يملك الإنسان، وإنما هو عقد مخصوص مستثنى بضوابطه: مبيع موصوف في الذمة، معلوم الصفات، معلوم القدر، مؤجل، مع تعجيل رأس المال، وغير ذلك من شروطه. فإذا خرجت المعاملة عن حقيقة السلم وشروطه لم تتحول إلى سلم لمجرد أننا سمينا السلعة «موصوفة».
وكذلك الاستصناع له حقيقته وشروطه، والوكالة لها حقيقتها، والوعد بالشراء له حكمه؛ فلا يصح أن نأخذ إباحة هذه العقود ثم نصبّها غطاءً لبيعٍ آخر حقيقته: «بعتك شيئًا لا أملكه، ثم سأذهب فأشتريه».
وهنا يظهر الفرق بين الفقه الحقيقي وبين التوسع في تخريج الصور:
العبرة بحقيقة العقد، لا بإمكان إيجاد مخرج لفظي له.
فإن كان الرجل وكيلًا عن المالك فهذه وكالة، وليس بائعًا لنفسه.
وإن كان واعدًا بالشراء فهذه مواعدة، وليست بيعًا.
وإن كان عقد سلم مستوفيًا لشروطه فهذا سلم، وليس بيع عين معينة غير مملوكة.
وإن كان استصناعًا مستوفيًا لشروطه فهذا استصناع، وليس بيعًا عاديًا.
أما أن ينعقد البيع ابتداءً على عين ليست في ملك البائع، ثم يقال: «لكنها موجودة في السوق، وأنا قادر على شرائها»، فهذا هو محل المنع الذي لا ينبغي أن يُمحى من الصورة بهذه العبارات.
والأعجب من ذلك جعل الندرة هي مدار التحريم؛ وكأن السلعة إذا كانت شائعة في الأسواق خرجت من حكم بيع ما ليس عند البائع!
فالندرة قد تؤثر في الغرر وإمكان التسليم، لكنها ليست هي التي تنشئ الملك للبائع. سلعة نادرة مملوكة للبائع يصح أن تكون مبيعًا مع بحث شروطها، وسلعة شائعة في ألف متجر لا يملك البائع منها شيئًا لا تصبح ملكًا له بكثرة وجودها في السوق.
فليكن التفريق دقيقًا:
الملك شيء. والحيازة شيء. والقبض شيء. والقدرة على التسليم شيء. ووجود أمثال المبيع في السوق شيء. وكون المبيع موصوفًا في الذمة شيء. والسلم شيء.
والوكالة شيء. والوعد بالشراء شيء.
ومن لم يفرّق بين هذه الحقائق، ثم جمعها تحت عبارة «ما دام موجودًا في السوق ويمكن تسليمه فهو جائز»، فقد سوّى بين عقود مختلفة وأحكام مختلفة، ثم نسب هذا الخلط إلى الفقه المالكي!
والمالكية أضبط من ذلك بكثير.
فالمسألة ليست في أن نقول: «هل أستطيع أن أحصل على السلعة؟»
بل السؤال الأول: «بأي صفة تعاقدت عليها؟ وهل كنت مالكًا لها حين بعتها؟ وما حقيقة العقد الذي جرى بين الطرفين؟»
ومن هنا يظهر أن العبارة المنقولة تحتاج إلى إعادة بناء من أصلها، لا إلى مجرد إضافة استثناءات إليها؛ لأن إمكان الشراء من السوق ليس ملكًا، ووجود السلعة ليس قبضًا، والقدرة على التسليم ليست إجازة للبيع، والسلم ليس بيعًا عاديًا، والوعد ليس بيعًا، والوكالة ليست ملكًا.
ومن أراد أن ينسب حكمًا إلى المذهب المالكي فليأتِ بنصوص المالكية وضوابطهم، لا بقاعدة إنشائية من نوع: «الموجود في السوق يجوز بيعه وإن لم تملكه»؛ فهذه العبارة بهذا الإطلاق لا تمثل تحرير المذهب، بل تهدم الفروق التي أقام الفقهاء الأحكام عليها.
توصيف المسألة :
شخص يتصل عليك و يقول لك أريد سلعة مواصفاتها كذا و كذا فتقول له موجودة و ثمنها كذا و هي ليست عندك بل ستذهب لتشتريها من عند آخر و تدفعها له بالثمن الذي اتفقتما عليه و تارة يقدم لك هو الثمن أو بعضه قبل أن تأتيه بالسلعة و تارة تقدم له أنت السلعة أولا ثم يدفع لك هو الثمن الذي اتفقتما عليه
صورتان تختلف أحكامهما باختلاف تقديم الثمن أو تأخيره:
الصورة الأولى: بيع ما ليس عند الإنسان مع تأخير الثمن والسلعة
هذه الصورة هي أن يتفق الطرفان على الأوصاف وعلى الثمن، وتكون السلعة غير موجودة عند العاقد حين العقد، مع تأخير الثمن والسلعة معاً؛ وهذا هو الشرط الأول من المنهي عنه، وهو بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين)، وهو غير جائز، وتندرج أيضاً تحت نهي النبي × عن «بيع الإنسان ما ليس عنده».
الصورة الثانية: تعجيل الثمن أو بعضه قبل إحضار السلعة
وهذا هو الشرط الثاني، وفيه صورتان:
إن كان الثمن المعجل كاملاً أو جمهرة الثمن (مع اشتراط التأجيل في الباقي لأجل معلوم)، وتحددت السلعة بالأوصاف والأنشاط دون تعيين أعيانها، فهذا هو بيع السلم؛ وهو جائز إذا استوفى شروط السلم المعروفة (كضبط الصفة، وأجل المعلوم، وقبض رأس المال في المجلس أو تأخيره بشرط ألا يتجاوز ثلاثة أيام).
إن تعجل بعض الثمن واشترط تأخير الباقي بلا أجل محدد، أو وقع العقد على سلعة معينة بذاتها لا توجد في ملك العاقد، دخل ذلك في بيع ما لا يملك وفي فساد السلم.
الصورة الثالثة: تقديم السلعة أولاً ثم دفع الثمن
وهذا هو الشرط الثالث، وفيها تفصيل:
إن كان القصد مجرد "الوعد غير الملزم" بحيث يتفقان على الأوصاف والثمن على وجه المواعدة، ثم يذهب العاقد فيشتريها لنفسه أولاً وتدخل في ضمانه وملكِيته، ثم يحضرها فينعقد البيع عليها بيعاً جديداً برضا الطرفين وخيارهما؛ فهذا جائز.
أمّا إن وقع العقد جازماً ملزماً في الأول على سلعة معينة غير مملوكة للعاقد، ثم ذهب ليشتريها ويسلمها؛ فهذا هو بيع ما ليس عندك المنهي عنه شرعاً.
تصنيف هذه المسألة وما يتفرع عنها إلى صور ممنوعة وصور جائزة:
الصور الممنوعة
الصورة الأولى: العقد الجازم على غير المملوك مع تأخير الثمن والسلعة
وهي أن يقع العقد ملزماً بين الطرفين على السلعة الوصفية أو المعينة والثمن غير مقبوض، مع كون السلعة غير مملوكة للعاقد وقتئذٍ؛ فهذا شرط أول يقع في النهي عن «بيع ما ليس عندك»، ويلزم منه بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين)، وهو ممنوع.
الصورة الثانية: العقد الجازم على عين معينة لا يملكها العاقد
وهي أن يلتزم العاقد ببيع عين شخصية محددة بذاتها (كرقم هيكل سيارة معينة أو دار محددة) وهي ليست في ملكه وقت العقد، سواء تعجل الثمن أو تأخر؛ فهذا شرط ثاني ممنوع لكونه بيعاً لما لا يملك.
الصورة الثالثة: تعجيل بعض الثمن مع الإلزام وإهمال شروط السلم
وهي أن يأخذ العاقد جزءاً من الثمن على وجه العقد اللازم لسلعة موصوفة في الذمة، مع اشتراط تأخير باقي الثمن لغير أجل معلوم، أو تأخير رأس مال السلم لأكثر من ثلاثة أيام؛ فهذا شرط ثالث فاسد لتخلف شروط السلم الشرعية.
الصور الجائزة
الصورة الأولى: عقد السلم المستوفي لشروطه
وهي أن يقع الاتفاق على سلعة موصوفة في الذمة ضبطاً تاماً، مع تعجيل رأس المال كاملاً (أو جلّه بشرط ألا يتأخر بقية رأس المال عن ثلاثة أيام)، وتأجيل تسليم السلعة إلى أجل معلوم؛ فهذا شرط رابع جائز شرعاً لاستيفائه أحكام باب السلم.
الصورة الثانية: المواعدة غير الملزمة ثم إنشاء عقد جديد
وهي أن يقتصر الطرفان على مجرد التواعد والرغبة دون وقوع عقد جازم أو التزام بينهما، فيذهب العاقد ويشتري السلعة لنفسه لتenter في ملكه وضمانه، ثم يحضرها للمشتري وينشئان بعد ذلك عقداً جديداً برضاهما وخيارهما؛ فهذا شرط خامس جائز لا حرج فيه.
الدعوى الثانية :
الرد على هذه الدعوى، وبيان المعتمد عند المالكية
قولهم:
«يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا التزم بتسليمه وكان من المثليات أو المتوافر في الأسواق»
قولٌ غير صحيح على إطلاقه، ولا يصح نسبته إلى المذهب المالكي.
بل لا بد أولًا من التفريق بين صورتين:
الأولى: أن يبيع الإنسان عينًا معينة لا يملكها، ثم يذهب فيشتريها ويسلمها للمشتري.
فهذه هي الصورة التي يدخل فيها النهي عن بيع ما ليس عنده، وهي ليست جائزة لمجرد أن السلعة موجودة في السوق أو أنها مثلية أو أن البائع قادر على تحصيلها.
فلو قال رجل لآخر: «بعتك هذه الثلاجة المعينة بمائة»، والثلاجة ليست ملكه، ثم قال: «سأذهب إلى السوق فأشتريها لك»، لم يصحح العقد كون الثلاجة متوافرة في الأسواق؛ لأن وجود المبيع عند غيره لا يجعله ملكًا للبائع.
وكذلك لو قال: «بعتك عشرة أكياس من الأرز بهذه المواصفات، وليس عندي منها شيء، ولكنها موجودة دائمًا في السوق وسأشتريها بعد العقد»، فلا يقال لمجرد ذلك: هذا بيع صحيح؛ بل ينظر في حقيقة العقد: فإن كان بيعًا حالًّا لموصوف في الذمة فهذه ليست الصورة التي يصححها وجود السلعة في السوق.
الثانية: أن يعقد عقدًا شرعيًا آخر له حكمه وشروطه، كالسَّلَم.
فإذا كان العقد سلمًا مستوفيًا لشروطه، جاز أن يكون المسلم فيه غير موجود عند البائع وقت العقد؛ لأن السلم ليس بيعًا عاديًا لعين غير مملوكة، وإنما هو بيع موصوف في الذمة بشروطه المعتبرة.
وهنا يقع الغلط في العبارة المذكورة: أخذُ جواز السلم، ثم تحويله إلى قاعدة عامة تقول:
«كل ما لا أملكه يجوز لي بيعه إذا كان مثليًا وموجودًا في السوق».
وهذا لا يقول به المالكية.
فالمالكية لا يجعلون المثلية سببًا لإباحة بيع ما لا يملك البائع، وإنما المثلية قد تكون معتبرة في باب السلم؛ لأن المسلم فيه دين موصوف في الذمة، لا عين معينة مملوكة للبائع وقت العقد.
وكذلك توفر السلعة في السوق ليس هو مناط الجواز.
فلو كانت السلعة موجودة في كل متجر في البلد، لكنها ليست في ملك البائع، فإن مجرد وجودها لا ينقل الملك إليه.
ولهذا فالصياغة الصحيحة ليست:
«يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا كان قادرًا على تسليمه».
بل يقال:
لا يجوز للإنسان أن يبيع عينًا لا يملكها، لمجرد قدرته على تحصيلها وتسليمها، إلا إذا كانت المعاملة داخلة في عقد شرعي مستثنى أو جائز بشروطه، كالسلم ونحوه.
وهذا فرق جوهري.
فالقدرة على التسليم ليست بديلًا عن الملك.
ووجود المبيع في السوق ليس ملكًا للبائع.
وكون المبيع مثليًا لا يجعله مملوكًا له.
وإنما قد تنتقل المسألة إلى باب آخر إذا صيغ العقد على وجه شرعي آخر، كأن يكون سلمًا مستوفيًا لشروطه.
وأما عبارة «ما ليس عندك»
فلا يصح جعلها مرادفة دائمًا لـ«ما لا تملكه»، لأن «عندك» قد يراد بها الحضور والحيازة، وقد يكون الإنسان مالكًا لشيء وهو غائب عنه.
لكن النتيجة الخطأ هي أن يقال: بما أن «ما ليس عندك» لا يساوي دائمًا «ما لا تملكه»، إذن يجوز بيع ما لا تملكه إذا كان موجودًا في السوق!
هذه قفزة لا دليل عليها.
فعدم كون الشيء «عندك» أوسع من عدم ملكه، نعم؛ لكن هذا لا يعني أن عدم الملك جائز في البيع لمجرد القدرة على الشراء.
والضابط الذي ينبغي أن يقال في المذهب المالكي هو:
الملك والحيازة ليسا شيئًا واحدًا، والقدرة على التسليم ليست ملكًا، ووجود المثل في السوق ليس ملكًا، ولا يجوز جعل هذه الأمور بدائل عن الملك في البيع. وإنما يستثنى ما استثناه الشرع أو صححه الفقهاء بعقد مستقل، كالسلم بشروطه.
فمن أراد أن يستدل بالمذهب المالكي على جواز الصورة، فعليه أن يثبت صحة نفس البيع قبل التملك، لا أن يثبت فقط أن السلعة موجودة في السوق وأنه قادر على شرائها؛ فهذه مقدمة لا تنتج المدعى.
وهذا هو موضع الغلط في العبارة المنقولة: إنها جعلت «إمكان تحصيل المبيع» مناطًا للجواز، بينما الكلام الفقهي أولًا في: هل انعقد للبائع حق بيع هذا المبيع أصلًا أم لا؟
هذه النقطة تحديدًا باطلة على إطلاقها عند المالكية؛ لأن جعل «وجود السلعة في السوق» أو «كونها مثلية» مسوغًا لبيع ما لا يملكه البائع يخلط بين بيع العين غير المملوكة وبين السلم في موصوف في الذمة.
قولنا «يمكن أن تكون المعاملة سلمًا» لا يعني أن مجرد تغيير الوصف يجعل البيع سلمًا.
أولًا: متى تتحول الصورة إلى سَلَم؟
لو قال لك شخص:
«أريد منك 100 كيس أرز، بالمواصفات الفلانية، وسعرها 1000، وسلّمني إياها بعد شهر».
فلكي يكون هذا سَلَمًا لا بد أن تتوافر شروطه، وأهمها:
أن يكون المبيع في الذمة، لا عينًا معينة.
فلا يقول: «بعتك هذا الأرز الموجود عند فلان»، بل: «بعتك مائة كيلو أرز من الصفة الفلانية في ذمتي».
أن يكون مما يصح فيه السلم عند المالكية، بأن يكون مما تنضبط صفاته ويُضبط قدره بحيث لا يؤدي اختلاف الأفراد إلى نزاع معتبر.
ضبط الجنس والنوع والصفة والقدر ضبطًا يرفع الجهالة المؤثرة؛ فلا يكفي أن تقول: «أرز جيد»، بل تحدد ما يحتاج إليه العقد بحسب السلعة وعرفها.
ضبط الأجل إذا كان السلم مؤجلًا، بحيث يكون الأجل معلومًا.
تعجيل رأس مال السلم على الوجه المعتبر عند المالكية؛ فليس المقصود أن تقول: «سأعطيك الألف بعد أسبوع أيضًا»، ثم تسمي العقد سلمًا.
أن يكون المسلم فيه قابلًا للتسليم في وقته، وألا يكون مما يفضي إلى غرر أو نزاع بسبب تعذر ضبطه أو انقطاعه على وجه معتبر.
والأهم من ذلك كله:
السلم ليس بيع السلعة التي سأشتريها لاحقًا، وإنما هو بيع شيء موصوف في الذمة.
وهذه نقطة فاصلة جدًا في نقاشنا.
مثال يوضح الفرق
الصورة الأولى — ليست سلمًا بمجرد هذا الوصف:
«بعتك سيارة تويوتا كورولا موديل 2026، وسأذهب غدًا إلى المعرض وأشتريها لك.»
هذه ليست سلمًا لمجرد أنك قادر على شرائها.
الصورة الثانية — قد تكون سلمًا من حيث الأصل:
«بعتك 100 كيلو من أرز بسمتي، نوع كذا، وصفته كذا، بثمن معلوم، تدفعه الآن، على أن يكون التسليم في تاريخ معلوم.»
هنا لم تبع عينًا موجودة عند فلان، وإنما التزمت بمقدار موصوف في ذمتك.
ثانيًا: ماذا قصدت بعبارة «السلم ونحوه»؟
هنا أريد أن أصحح عبارتي السابقة حتى لا تكون أوسع مما ينبغي.
لم أقصد أن هناك قائمة طويلة من العقود التي تقول ببساطة: «يجوز لك أن تبيع ما لا تملك».
بل قصدت العقود التي تختلف حقيقتها عن البيع المعتاد لعين غير مملوكة، ومن أبرزها:
السَّلَم: تبيع موصوفًا في الذمة بالشروط السابقة.
الاستصناع: إذا تحققت حقيقته وشروطه المعتبرة، كأن تطلب من صانع أن يصنع لك شيئًا موصوفًا على وجه مخصوص.
الوكالة: وهذه ليست بيعًا لما لا تملك أصلًا؛ لأن الوكيل يبيع عن المالك، لا يبيع ملكًا لنفسه.
الوعد بالشراء: وهذا ليس بيعًا أصلًا في مرحلة الوعد؛ فإذا اشترى الواعد السلعة وملكها، جاء بعد ذلك البيع.
ولذلك الأدق في عبارتي السابقة أن أقول:
«إلا إذا كانت الصورة داخلة في عقد آخر مشروع له أحكامه وشروطه، كالسلم أو الاستصناع، أو كان المتعاقد يتصرف عن المالك بوكالة، أو كانت مجرد مواعدة لم ينعقد بها البيع.»
أما أن يقول شخص:
«بعتك السلعة الآن، وأنا لا أملكها، لكنني أستطيع شراءها من السوق غدًا، وهي متوفرة دائمًا»
فلا أرى أن يصحح هذه الصورة بمجرد قولنا: «هذا يشبه السلم».
لأن الشبه لا يغيّر حقيقة العقد.
وهذا بالضبط هو الذي ينبغي أن نرجع إليه في النقاش الذي بدأناه: هل الصورة التي يدافع عنها الكلام المنقول هي فعلًا سلم، أم هي بيع عادي لسلعة غير مملوكة ثم شراء السلعة بعد العقد؟
إذا كانت الثانية، فوجود السلعة في السوق لا يكفي لجعلها سلمًا.
د. زياد حبُّوب أبو رجائي
x