جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

شرح قصيدة لِذَاتِي بِذَاتِي - 3

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد.

 نُحرِّر المعنى من جهةٍ عقيدة أهل السنة والجماعة -  أشعرية، ثم نبيّن المعنى الذي يمكن أن يُراد في اصطلاح أهل وحدة الوجود، ثم نحدد موضع الخطر والمخالفة، مع عدم تحميل البيت ما لا يحتمل.

وبالنسبة إلى البيت الذي نحن بصدده

: البيت الثالث المشكل

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ أَظْهَرَتْ رَحْمَةً   ***   وَمَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ إِنِّي سَاتِرُ

أولًا: غريب الألفاظ

مَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ:

المرتبة هي الحال أو المقام الذي يُعبَّر عنه بهذا الاسم، والتقييد ضد الإطلاق، والمراد بالتقييد هنا ما كان متصفًا بحدٍّ أو تعيُّنٍ أو وصفٍ مخصوص.

أَظْهَرَتْ:

أبرزت وأبدت وأظهرت.

رَحْمَةً:

الرحمة هنا يمكن أن يراد بها الرحمة الإلهية وآثارها في الخلق، وما يترتب على الإيجاد من الإحسان والإنعام.

مَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ:

المرتبة المقابلة للتقييد، والإطلاق هو عدم التقييد بحدّ أو تعيُّن.

سَاتِرُ:

الساتر: الحاجب والمُغَطِّي، أي الذي يستر الشيء ويحجبه.

ثانيًا: المعنى اللغوي

ظاهر البيت أن الناظم يقابل بين مرتبتين:

مرتبة التقييد، وهي المرتبة التي يظهر فيها الشيء في صورة معينة محدودة متعينة، وينسب إليها ظهور الرحمة.

ومرتبة الإطلاق، وهي المرتبة التي لا يظهر فيها ذلك التعيين والتحديد، فوصفها بالستر.

والبيت بهذا القدر ليس صريحًا في مخالفة عقدية؛ لأن مجرد إثبات أن المخلوقات محدودة متعينة، وأن الله تعالى مطلق عن حدود المخلوقات، ليس فيه إشكال.

وإنما تظهر المشكلة عند معرفة ما المراد بالتقييد والإطلاق، وما الذي يظهر في مرتبة التقييد، وما الذي يستتر في مرتبة الإطلاق.

ثالثًا: التفسير الأشعري على اصطلاح التصوف السني

يمكن حمل البيت على معنى موافق لأصول أهل السنة إذا أُريد بـمرتبة التقييد عالم المخلوقات، باعتبار كونها محدودة بالماهية والزمان والمكان والصفات، وأُريد بـالإطلاق تنزيه الله تعالى عن هذه القيود.

فعلى هذا يكون معنى:

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ أَظْهَرَتْ رَحْمَةً

أن الله تعالى أظهر آثار رحمته في عالم المخلوقات؛ فأوجد الخلق بعد أن لم يكونوا، وأنعم عليهم، وأظهر فيهم آثار رحمته وحكمته وقدرته.

فالمخلوقات مقيدة؛ لأن كل مخلوق له حد وحقيقة وصفات وخصائص، وهي كلها دالة على خالقها.

وأما مرتبة الإطلاق فيمكن حملها على تنزيه الله تعالى عن حدود المخلوقين؛ فهو سبحانه ليس جسمًا ولا عرضًا، ولا تحيط به الجهات والأمكنة والأزمان، ولا تحده الحدود التي تحد المخلوقات.

وعلى هذا لا يكون التقييد والإطلاق مرتبتين في ذات الله تعالى، ولا يكون أحدهما حالًّا في الآخر، بل التقييد وصف لعالم الحدوث، والإطلاق وصف لله تعالى من حيث تنزهه عن خصائص الحوادث.

وهذا المعنى سليم إذا التزمنا بأن الخالق غير المخلوق، وأن المخلوقات آثار صنع الله ودلائل قدرته، لا مظاهر لذاته.

رابعًا: تفسير التصوف الوجودي

أما إذا حُمل البيت على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود، فالتقييد والإطلاق لا يعودان مجرد وصف للخالق والمخلوق، بل يدخلان في تصورهم لـالوجود الواحد ومراتب تعيُّنه وظهوره.

فعندهم يُعبَّر عن الوجود المطلق بأنه الوجود الذي لا يتقيد بتعين ولا بصورة ولا حد، ثم إذا ظهر في التعينات والمظاهر صار الوجود في مرتبة التقييد.

وعلى هذا يمكن أن يُفهم:

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ

بأنها مرتبة ظهور الوجود الواحد في التعينات والصور المختلفة.

فتكون الكائنات المتعددة عند هذا التصور مظاهر لذلك الوجود الواحد، والتقييدات والكثرة التي نشاهدها ليست تعددًا في أصل الوجود، وإنما هي تعينات ومراتب لظهوره.

وأما:

وَمَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ

فهي الوجود من حيث عدم تعيُّنه وتقيُّده بهذه الصور والحدود.

وعليه يكون الفرق بين الإطلاق والتقييد عندهم فرقًا في مرتبة الظهور والتعيّن، لا فرقًا بين موجودين مستقلين: خالق ومخلوق.

وهذا المعنى هو الذي يجعل العبارة خطرة إذا أُريد بها أن المخلوقات ليست موجودات حادثة مباينة للخالق، وإنما هي تعينات ومظاهر للوجود الواحد.

خامسًا: موضع الإشكال العقدي

ينبغي هنا أن نكون دقيقين:

ليس موضع المخالفة في قوله:

«أَظْهَرَتْ رَحْمَةً»

فإظهار الله تعالى آثار رحمته في خلقه معنى صحيح.

وليس مجرد لفظ:

«مَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ»  كافيًا للحكم بالمخالفة؛ لأن التقييد يمكن أن يراد به عالم المخلوقات المحدودة. وإنما موضع الخطر في جعل «التقييد» و«الإطلاق» مراتبَ للوجود نفسه، بحيث يكون العالم المقيد ظهورًا أو تعيُّنًا للوجود المطلق.

فإذا أُريد أن:

الوجود المطلق هو وجود الله، والتقييدات التي في العالم هي تعينات ذلك الوجود وظهوراته، فهذا ليس هو مذهب أهل السنة؛ لأن أهل السنة لا يجعلون وجود المخلوق تعيُّنًا للوجود الإلهي، وإنما يقولون:

الله موجود، والخلق موجودون بإيجاده، مع المغايرة الحقيقية بين وجود الخالق ووجود المخلوق.

سادسًا: بيان فساد التفسير الوجودي

هذا التفسير الوجودي يوقع في إشكال عظيم؛ لأنه يجعل الفرق بين الخالق والمخلوق فرقًا في التعيُّن والمرتبة والظهور بدل أن يكون فرقًا حقيقيًا بين:

خالقٍ واجب الوجود، ومخلوقٍ ممكن حادث الوجود. والله تعالى يقول:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾

فإذا كان العالم مجرد تعيّن للوجود الإلهي أو ظهورًا لذلك الوجود، لم يعد الخلق خلقًا بالمعنى الذي دلت عليه النصوص، بل صار العالم مرتبة من مراتب ظهور الوجود الإلهي.  وهذا مخالف لأصل التنزيه؛ لأن الله تعالى ليس هو العالم، ولا العالم هو الله، ولا شيء من المخلوقات جزء من ذاته، ولا حالًّا فيه، ولا متحدًا به.

فالمخلوق وإن كان مفتقرًا في وجوده إلى الله تعالى، فليس وجوده هو وجود الله.

والقول:  «المخلوق موجود بالله»

صحيح إذا أريد أنه موجود بإيجاد الله وإبقائه.

أما القول: «المخلوق هو تعيّن الوجود الإلهي»  فهذا معنى آخر، وهو الذي يردّه أهل السنة.

سابعًا: العلاقة بين هذا البيت والبيت السابق

وهنا تظهر أهمية قراءة الأبيات متصلة. فقد قال قبل ذلك:

تَقَيَّدْتُ، وَالإِطْلَاقُ وَصْفِي لِأَنَّنِي ** عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حِينَ لَا حِينَ قَادِرُ

ثم قال:

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ أَظْهَرَتْ رَحْمَةً ** وَمَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ إِنِّي سَاتِرُ

ثم يأتي بعده البيت الأشد إشكالًا:

وَتِلْكَ بِمَخْلُوقٍ وَهَذِي بِخَالِقٍ **  تَسَمَّتْ وَفِي التَّحْقِيقِ أَيْنَ التَّغَايُرُ

وهنا يتضح أن الكلام عن التقييد والإطلاق ليس كلامًا عارضًا، بل هو تمهيد لمسألة التغاير بين الخالق والمخلوق.

ولهذا فإن هذا البيت الذي نشرحه الآن مشكل من جهة اصطلاحه، لكن البيت الذي بعده أصرح وأخطر؛ لأن فيه السؤال: «وَفِي التَّحْقِيقِ أَيْنَ التَّغَايُرُ»

وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن نقف عنده وقفة عقدية أشد.

ثامنًا: تنبيه للقارئ السُّنِّي

هذا البيت لا ينبغي أن يُحكم عليه منفردًا بأنه مخالف؛ لأن ألفاظه تحتمل معنى صحيحًا، وهو أن: المخلوقات مقيدة محدودة، والله تعالى منزه عن حدود المخلوقات، وأن آثار رحمته تظهر في عالم الخلق.

لكن ينبغي التنبيه إلى اصطلاح «مرتبة التقييد» و«مرتبة الإطلاق»؛ فإن أريد بهما مراتب تعين الوجود الإلهي وظهوره في صور الموجودات، دخل الكلام في معنى وحدة الوجود، وهو معنى باطل عند أهل السنة.

والأهم: ألا يُفسَّر البيت بمعزل عن البيت الذي بعده؛ لأن البيت التالي هو الذي يكشف موضع الإشكال بصورة أوضح.

شرح البيت المشكل -1 هنا

شرح البيت المشكل - 2 هنا

أحْكَامِ الزَّوَاجِ مِنَ الْأُخْتِ وَجَمْعِهَا مَعَ أُخْتِهَا أَوْ مَحْرَمِهَا

أحْكَامِ الزَّوَاجِ مِنَ الْأُخْتِ وَجَمْعِهَا مَعَ أُخْتِهَا أَوْ مَحْرَمِهَا فِي الشَّرِيعَةِ وَالْمَذْهَبِ:

  • حُرْمَةُ الْجَمْعِ ابْتِدَاءً: يَحْرُمُ شَرْعًا وَإِجْمَاعًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (أَوْ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا) فِي عِصْمَةٍ وَاحِدَةٍ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ بِنِكَاحَيْنِ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ بِهِمَا مَعًا.

  • الْجَمْعُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ: إِذَا عَقَدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ مَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ فِيهِمَا وَيُفْسَخُ النِّكَاحَانِ حَتْمًا بِلا طَلَاقٍ، وَتَحِلُّ لَهُ أَيَّتُهُمَا شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ (مَا لَمْ يَدْخُلْ بِإِحْدَاهُمَا فَتَحْرُمُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تَأْبِيدًا).

  • الْجَمْعُ فِي عَقْدَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ: إِذَا عَقَدَ عَلَى الْأُولَى ثُمَّ عَقَدَ عَلَى الثَّانِيَةِ، صَحَّ نِكَاحُ الْأُولَى وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَوُجِبَ فَسْخُهُ.

  • حِلُّ الْأُخْتِ الثَّانِيَةِ بِبَيْنُونَةِ الْأُولَى: لا تَحِلُّ الْأُخْتُ الثَّانِيَةُ لِلزَّوْجِ حَتَّى تَبِينَ الْأُولَى بَيْنُونَةً كَامِلَةً؛ إِمَّا بِفَسْخٍ، أَوْ خُلْعٍ، أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ (ثَلَاثٍ أَوْ قَبْلَ الْبِنَاءِ)، أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ تَمَامًا (إِذْ المُرَجَّعَةُ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ).

  • حِلُّ أُخْتِ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ: إِذَا كَانَتِ السَّابِقَةُ أَمَةً مَمْلُوكَةً يَطَؤُهَا، فَلَا تَحِلُّ أُخْتُهَا حَتَّى يَمْنَعَ فَرْجَ الْأُولَى عَنْ نَفْسِهِ بِـ: زَوَالِ مِلْكِهَا (بِعِتْقٍ نَاجِزٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ)، أَوْ كِتَابَتِهَا، أَوْ إِخْدَامِهَا سِنِينَ كَثِيرَةً، أَوْ تَزْوِيجِهَا لِغَيْرِهِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ.

  • التَّصَرُّفُ حَالَ الْوَطْءِ بِلَا مُسَوِّغٍ: إِذَا جَسَرَ فَوَطِئَ الْأُخْتَيْنِ بِلَا مُسَوِّغٍ، يُوقِفُهُ الْحَاكِمُ عَنْهُمَا جَمِيعًا جَبْرًا حَتَّى يُحَرِّمَ فَرْجَ إِحْدَاهُمَا بِمُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاءُ الثَّانِيَةِ إِذَا أَبْقَاهَا لِلْوَطْءِ.

من كتابي إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل  ج33  كتاب باب النكاح 2

مسالك العلة عند الأصوليين

   مَسَالِكُ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عَشَرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهِيَ 

  1. مَسْلَكُ النَّصِّ - أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ لِعِلَّةِ كَذَا
  2. مَسْلَكُ الْإِجْمَاعِ - أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ
  3. مَسْلَكُ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ - أَنْ يَقْرِنَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالْعِلِّيَّةِ كَالْفَاءِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا
  4. مَسْلَكُ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ - حَصْرُ الْأَوْصَافِ وَإِبْطَالُ مَا لَا يَصْلُحُ
  5. مَسْلَكُ الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِخَالَةِ - أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً
  6. مَسْلَكُ الشَّبَهِ - أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ يُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مُنَاسَبَتُهُ بِتَمَامِهَا
  7. مَسْلَكُ الدَّوَرَانِ - الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ - وُجُودُ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْوَصْفِ وَعَدَمُهُ بِعَدَمِهِ
  8. مَسْلَكُ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ - أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْحُكْمِ أَوْصَافٌ وَيُنَقَّحُ مِنْهَا مَا لَا مَدْخَلَ لَهُ
  9. مَسْلَكُ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ - اسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ ابْتِدَاءً حَيْثُ لَا نَصَّ
  10. مَسْلَكُ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ - تَحْقِيقُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ


مسألة الكفاءة في الزواج

 تَأْسِيسًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي النُّصُوصِ الْفِقْهِيَّةِ  مِنْ شُرُوحِ «مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»  وَحَوَاشِيهِمْ، هَذَا تَحْرِيرٌ أُصُولِيٌّ وَفِقْهِيٌّ مُفَصَّلٌ لِمَسْأَلَةِ: 
(وَالْكَفَاءَةُ الدِّينُ، وَالْحَالُ وَلَهَا، وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا)، يُبَيِّنُ حَقِيقَتَهَا، وَمُعْتَمَدَ الْمَذْهَبِ فِيهَا، وَالْخِلَافَ الْجَارِيَ فِي تَزْوِيجِ الْفَاسِقِ وَآثَارَهُ.
أَوَّلًا: حَقِيقَةُ الْكَفَاءَةِ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
التَّعْرِيفُ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ:
اللُّغَةُ: الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ؛ يُقَالُ: "فُلَانٌ كُفْءُ فُلَانٍ" أَيْ مِثْلُهُ.
الشَّرْعُ: مُقَارَبَةُ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ فِي أَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مَنْشَأً لِدَوَامِ الْعِشْرَةِ، وَالْمَوَدَّةِ، وَالسَّكَنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
الْحَصْرُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (خَلِيلٍ):
اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَمْرَيْنِ فَقَطْ، وَهُمَا الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ:
الأَوَّلُ: الدِّينُ: وَالْمُرَادُ بِهِ التَّدَيُّنُ (أَيْ السَّلاَمَةُ مِنَ الْفِسْقِ وَعَدَمُ انْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ)، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ أَصْلِ الإِسْلاَمِ؛ لِأَنَّ الإِسْلاَمَ شَرْطُ صِحَّةٍ مُطْلَقًا لَا يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ وَلاَ الرِّضَا بِكَافِرٍ إِجْمَاعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَهَا وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا)، وَالإِسْلَامُ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ. وَالْمُرَادُ فِي الدِّينِ الْمُقَارَبَةُ لاَ الْمُسَاوَاةُ التَّامَّةُ فِي الصَّلاَحِ.
الثَّانِي: الْحَالُ: وَالْمُرَادُ بِهِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ الْفَاحِشَةِ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ (كَالْجُذَامِ، وَالَبَرَصِ، وَالْجَبِّ، وَالْعُنَّةِ). وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَالِ الْحَسَبَ، أَوْ النَّسَبَ، أَوْ الْمَالَ، أَوْ الصَّنْعَةَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَا تُشْتَرُطُ فِي الْكَفَاءَةِ كُفْرًا أَوْ وُجُوبًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، بَلْ تُنْدَبُ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ خَلِيلٍ آتِيًا: (وَالْمَوْلَى وَغَيْرُ الشَّرِيفِ، وَالأَقَلُّ جَاهًا كُفْءٌ).
الْمَكْفُوفَاتُ السِّتَّةُ (النَّظْمُ):
أَشَارَ البُنَانِيُّ وَالْمَجْلِسِيُّ إِلَى أَنَّ الأَوْصَافَ الَّتِي عُدَّتْ فِي الكَفَاءَةِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ أَوْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ سِتَّةٌ، نَظَمَهَا الْقَصَّارُ:
شَرْطُ الْكَفَاءَةِ سِتَّةٌ قَدْ حُرِّرَتْ ... يُنْبِيكَ عَنْهَا بَيْتُ شَعْرٍ مُفْرَدِ
نَسَبٌ وَدِينٌ صَنْعَةٌ حُرِّيَّةٌ ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي الْيَسَارِ تَرَدُّدُ
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الخِلاَفَ جَارٍ فِيمَا عَدَا الدِّينَ، وَالْعُمْدَةُ عِنْدَهُمْ الدِّينُ وَالْحَالُ فَقَطْ.
ثَانِيًا: حُكْمُ إِسْقَاطِ الْكَفَاءَةِ وَتَرْكِهَا (وَلَهَا وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا)
تَقَرَّرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الكَفَاءَةَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ لِلْمَرْأَةِ وَلِوَلِيِّهَا، أَوْ هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الخِلاَفِ، وَتَفْصِيلُ حُكْمِ التَّرْكِ كَالتَّالِي:
فِي الْحَالِ (السَّلاَمَةُ مِنَ العُيُوبِ):
يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَلِوَلِيِّهَا مَعًا تَرْكُهَا، وَالرِّضَا بِمَعِيبٍ بِمُوجَبِ الْخِيَارِ، وَيَصِحُّ العَقْدُ اتِّفَاقًا. (وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الخِيَارِ أَنَّ السَّلاَمَةَ مِنَ العَيْبِ حَقٌّ خَاصٌّ لِلْمَرْأَةِ فَلَهَا إِسْقَاطُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الوَلِيُّ).
فِي الدِّينِ (الرِّضَا بِالْفَاسِقِ):
تُمَيَّزُ هُنَا صُورَتَانِ جَوْهَرِيَّتَانِ:
أ- أَنْ يُؤْمَنَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَاسِقِ (فَاسِقُ الْجَارِحَةِ كَالشَّارِبِ وَالزَّانِي):
الْمَشْهُورُ: يَصِحُّ النِّكَاحُ إِذَا اتَّفَقَتِ المَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى الرِّضَا بِهِ، مَا دَامَتْ مَأْمُونَةً عَلَى نَفْسِهَا وَدِينِهَا مَعَهُ.
إِنْ لَمْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ: إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا أَوْ دِينِهَا أَوْ مَالِهَا (كَالسِّكِّيرِ الشَّرِسِ)، رَدَّهُ الإِمَامُ (الحَاكِمُ) وُجُوبًا وَإِنْ رَضِيَتْ المَرْأَةُ وَالوَلِيُّ؛ لِأَنَّ الصِّيَانَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لِوُجُوبِ حِفْظِ النُّفُوسِ.
مَوْقِفُ أَوْلِيَاءِ الإِجْبَارِ: نَصَّ المَشَايِخُ (كَمُحَمَّدٍ بنِ الحَسَنِ) أَنَّ الأَبَ أَوْ الوَصِيَّ لَيْسَ لَهُ جَبْرُ البِكْرِ عَلَى التَّزْوِيجِ مِنْ فَاسِقٍ وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَلَا مِنْ ذِي عَيْبٍ.
ب- فَاسِقُ الاِعْتِقَادِ (أَهْلُ الْبِدَعِ كَالْقَدَرِيَّةِ وَالنَّوَّاصِبِ وَالرَّوَافِضِ):
عَلَى التَّكْفِيرِ: يُفْسَخُ النِّكَاحُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ المُرْتَدِّ أَوْ الكَافِرِ.
عَلَى التَّفْسِيقِ: هُوَ أَشَدُّ خَطَرًا مِنْ فَاسِقِ الجَارِحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّهَا إِلَى مَذْهَبِهِ وَيُفْسِدُ اعْتِقَادَهَا، فَلَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، وَيَرُدُّهُ الحَاكِمُ إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا.
ثَالِثًا: تَحْرِيرُ الأَقْوَالِ فِي نِكَاحِ الْفَاسِقِ بَعْدَ وُقُوعِهِ (العَقْدِ)
حَصَّلَ الشُّرَّاحُ (كَالبُنَانِيِّ، وَالْمَجْلِسِيِّ، وَمُحَمَّدٍ بنِ الحَسَنِ، وَنَقْلًا عَن الحَطَّابِ) بَعْدَ وُقُوعِ العَقْدِ عَلَى الفَاسِقِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ فِي المَذْهَبِ:
الْقَوْلُ الأَوَّلُ (لُزُومُ الْفَسْخِ مُطْلَقًا لِفَسَادِهِ):
هُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ اللَّخْمِيِّ، وَابْنِ بَشِيرٍ، وَابْنِ فَرَحُونٍ، وَابْنِ سَلْمُونٍ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رَحَّالٍ وَتَرْجِيحُ الحَطَّابِ.
مُسْتَنَدُهُ: أَنَّ مُخَالَطَةَ الفَاسِقِ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا، وَهَجْرَهُ وَاجِبٌ، فَكَيْفَ تُبَاحُ خُلْطَةُ النِّكَاحِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الخُلَطِ؟ وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا القَوْلِ يَعُدُّ الفَسْخَ لاَزِمًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَتَكُونُ الكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ شَرْطًا لَا يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي (صِحَّةُ النِّكَاحِ وَلُزُومُهُ):
وَهُوَ المَشْهُورُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَشَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الخَلِيلِ (وَلَهَا وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا).
مُسْتَنَدُهُ: أَنَّ الكَفَاءَةَ حَقٌّ شَخْصِيٌّ لِلْمَرْأَةِ وَأَوْلِيَائِهَا، فَإِذَا رَضِيَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِمَا فِي التَّدَيُّنِ وَسَلاَمَةِ الحَالِ جَازَ النِّكَاحُ وَصَحَّ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَوْفٌ مُحَقَّقٌ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ دِينِهَا.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ (التَّفْصِيلُ لأَصْبَغَ وَأَبِي الحَسَنِ):
التَّفْصِيلُ: إِنْ كَانَ الْفَاسِقُ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ (كَالسِّكِّيرِ، أَوْ المَعْرُوفِ بِالتَّعْدِي وَالْأَذَى)، رَدَّهُ الإِمَامُ (فُسِخَ) وَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ وَرَضِيَ الوَلِيُّ. وَإِنْ أُمِنَ عَلَيْهَا مِنْهُ صَحَّ النِّكَاحُ وَسَغَطَ الخِيَارُ.
رَابِعًا: صِفَةُ حَقِّ الْكَفَاءَةِ (مَنْ يَمْلِكُ الإِسْقَاطَ؟)
نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ أَقْوَالًا فِي التَّكْيِيفِ الفِقْهِيِّ لِحَقِّ الكَفَاءَةِ:
أَنَّهَا حَقٌّ مُشْتَرَكٌ لِلْوَلِيِّ وَالزَّوْجَةِ: فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُمَا مَعًا بِإِسْقَاطِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ.
أَنَّهَا حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ الثَّيِّبِ دُونَ وَلِيِّهَا: فَيَصِحُّ لَهَا إِسْقَاطُهَا مُسْتَقِلَّةً.
أَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ القَاسِمِ (وَبِهِ القَضَاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ)، وَعَلَيْهِ فَلاَ يَصِحُّ إِسْقَاطُهَا بِرِضَى المَرْأَةِ وَالوَلِيِّ إِذَا كَانَ الفِسْقُ ظَاهِرًا أَوْ مَخُوفًا.
خُلاَصَةٌ وَتَرْجِيحٌ شَارِحٌ
الْمُعْتَمَدُ فِي ضَابِطِ الْكَفَاءَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: هِيَ الدِّينُ (التَّدَيُّنُ) وَالْحَالُ (السَّلاَمَةُ مِنَ العُيُوبِ المُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ). أَمَّا النَّسَبُ، وَالْمَالُ، وَالْصَّنْعَةُ، فَلاَ تُشْتَرُطُ فِي كَفَاءَةِ العَقْدِ، بَلْ تُكْرَهُ مُخَالَفَتُهَا أَوْ تُنْدَبُ فَقَطْ.
إِعَادَةُ الضَّمِيرِ فِي (تَرْكُهَا):
عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ نِكَاحِ الفَاسِقِ المَأْمُونِ (كَالْفَاكِهَانِيِّ وَالدَّرْدِيرِ): يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْكَفَاءَةِ فِي الدِّينِ وَالْحَالِ مَعًا.
عِنْدَ مَنْ يَرَى بُطْلاَنَ نِكَاحِ الْفَاسِقِ وَلُزُومَ فَسْخِهِ (كَاللَّخْمِيِّ وَالحَطَّابِ وَابْنِ رَحَّالٍ): يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي (تَرْكُهَا) إِلَى الْحَالِ فَقَطْ (أَيْ السَّلاَمَةِ مِنَ العُيُوبِ)؛ لأَنَّ الدِّينَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلاَ الرِّضَا بِالفَاسِقِ ابتِدَاءً.

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.