شرح باب الزكاة - الأنعام

 نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ  بِقَوْلِهِ : (تَجِبُ زَكَاةُ نِصَابِ النَّعَمِ: بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ، كَمُلَا)

 (وَإِنْ مَعْلُوفَةً وَعَامِلَةً وَنِتَاجاً لَا مِنْهَا وَمِنْ الْوَحْشِ، وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ لَهُ، وَإِنْ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ لَا لِأَقَلَّ)

(الْإِبِلُ فِي كُلِّ خَمْسٍ ضَائِنَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جُلُّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزَ) 

(وَإِنْ خَالَفَتْهُ وَالْأَصَحُّ إِجْزَاءُ بَعِيرٍ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَبِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سَلِيمَةٌ، فَابْنُ لَبُونٍ)

الشرح :

   يَعْنِي أَنَّ: فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: بُلُوغِ النِّصَابِ الشَّرْعِيِّ، وَتَمَامِ الْمِلْكِيَّةِ لِلْمُزَكِّي، وَمُرُورِ عَامٍ قَمَرِيٍّ كَامِلٍ عَلَى هَذَا الْمِلْكِ.

 وأَنَّ: الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْأَنْعَامِ وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُطْعِمُهَا صَاحِبُهَا، أَوْ مِمَّا يَسْتَخْدِمُهَا فِي السَّقْيِ وَالْحَرْثِ، كَمَا تَجِبُ فِي صِغَارِ النَّعَمِ (النِّتَاجِ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَبَوَانِ مِنْ جِنْسِ النَّعَمِ، وَيُضَمُّ هَذَا النِّتَاجُ إِلَى أَصْلِهِ فِي تَمَامِ الْحَوْلِ.

وأَنَّ: النِّصَابَ الْأَوَّلَ لِلْإِبِلِ هُوَ خَمْسٌ، وَالْفَرِيضَةَ الْوَاجِبَةَ فِيهَا هِيَ شَاةٌ مِنَ الضَّأْنِ، وَهَذَا مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ غَالِبُ غَنَمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مِنَ الْمَعْزِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْمَعْزَ، أُخْرِجَتْ شَاةٌ مِنَ الْمَعْزِ.

 وأَنَّ: حُكْمَ إِخْرَاجِ غَالِبِ غَنَمِ الْبَلَدِ عَنِ الْإِبِلِ ثَابِتٌ وَلَوْ خَالَفَتْ غَنَمُ الْبَلَدِ صِنْفَ غَنَمِ الْمُزَكِّي، كَمَا أَنَّهُ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ بَعِيرٍ عَنِ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْإِبِلِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْإِبِلُ خَمْساً وَعِشْرِينَ وَجَبَتْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ عُدِمَتْ سَلِيمَةً انْتَقَلَ الْفَرْضُ إِلَى ابْنِ لَبُونٍ ذَكَرٍ.

 (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ وَإِحْدَى وَسِتِّينَ: جَذَعَةٌ وَسِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ، وَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ: حِقَّتَانِ، أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ: الْخِيَارُ لِلسَّاعِي)[[1]]

 

نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِداً، ثُمَّ فِي كُلِّ عَشْرٍ: يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّةٌ)[2]

 نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَبِنْتُ الْمَخَاضِ الْمُوَفِّيَةُ سَنَةً[3]

 نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ كَذَلِكَ الْبَقَرُ، فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ ذُو سَنَتَيْنِ وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ ذَاتُ ثَلَاثٍ، وَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ كَمِائَتَيْ الْإِبِلِ[4]



([1] يَعْنِي أَنَّ: الْأَنْصِبَةَ تَتَحَدَّدُ بِأَعْدَادٍ مَحْصُورَةٍ، لِكُلِّ مَدَىً مِنْهَا سِنٌّ مُعَيَّنٌ مِنَ الْإِبِلِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْمِائَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، جَازَ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يَخْتَارَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْفُقَرَاءِ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ.

 ([2] يَعْنِي أَنَّ: الْخِيَارَ الَّذِي جَازَ لِلسَّاعِي عِنْدَ (121) يَسْقُطُ إِذَا لَمْ يَنْقَسِمِ الْعَدَدُ إِلَّا عَلَى أَرْبَعِينَ فَقَطْ أَوْ خَمْسِينَ فَقَطْ، ثُمَّ يَتَبَدَّلُ الْوَاجِبُ كُلَّمَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَشْرَةً بِنَاءً عَلَى هَذَيْنِ الْمِعْيَارَيْنِ.

 ([3] يَعْنِي أَنَّ: الْمُرَادَ بِبِنْتِ الْمَخَاضِ الَّتِي أَوْجَبَهَا الشَّارِعُ فِي نِصَابِ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ هِيَ النَّاقَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي طَوَتْ عَامَهَا الْأَوَّلَ وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِي، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا فِي الْغَالِبِ قَدْ لَحِقَتْ بِالْمَخَاضِ (أَيِ الْحَمْلِ) بَعْدَهَا.

 ([4]يَعْنِي أَنَّ: حُكْمَ الْبَقَرِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ كَحُكْمِ مَا سَبَقَ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا عِجْلٌ تَبِيعٌ دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ وَجَبَتْ فِيهَا مُسِنَّةٌ دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ، جَازَ لِلسَّاعِي التَّخْيِيرُ بَيْنَ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةِ تَبِيعٍ، قِيَاسًا عَلَى حُكْمِ مِائَتَيْ الْإِبِلِ.

 (الْغَنَمُ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً: جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ ذُو سَنَةٍ وَلَوْ مَعْزًا، وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ وَفِي مِائَتَيْنِ وَشَاةٍ: ثَلَاثٌ، وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ: أَرْبَعٌ؛ ثُمَّ لِكُلِّ مِائَةٍ: شَاةٌ[1]

 (وَلَزِمَ الْوَسَطُ، وَلَوْ انْفَرَدَ الْخِيَارُ أَوْ الشِّرَارُ؛ إِلَّا أَنْ يَرَى السَّاعِي أَخْذَ الْمَعِيبَةِ[2]

 (لَا الصَّغِيرَةِ وَضُمَّ بُخْتٌ لِعِرَابٍ، وَجَامُوسٌ لِبَقَرٍ، وَضَأْنٌ لِمَعْزٍ، وَخُيِّرَ السَّاعِي إِنْ وَجَبَتْ وَاحِدَةٌ وَتَسَاوَيَا، وَإِلَّا فَمِنْ الْأَكْثَرِ[3]

 (وَثِنْتَانِ مِنْ كُلٍّ إِنْ تَسَاوَيَا، أَوْ الْأَقَلِّ نِصَابٌ غَيْرُ وَقْصٍ وَإِلَّا فَالْأَكْثَرُ)؛[4]

 (وَثَلَاثٌ وَتَسَاوَيَا فَمِنْهُمَا، وَخُيِّرَ فِي الثَّالِثَةِ، وَإِلَّا فَكَذَلِكَ، وَاعْتُبِرَ فِي الرَّابِعَةِ فَأَكْثَرَ: كُلُّ مِائَةٍ)؛ [5]

 (الْجَامُوسُ وَالْبَقَرُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ تَبِيعُ الزَّكَاةِ وَفِي أَرْبَعِينَ جَامُوساً وَعِشْرِينَ بَقَرَةً: مِنْهُمَا[6]



([1]يَعْنِي أَنَّ: نِصَابَ الْغَنَمِ (ضَأْناً وَمَعْزاً) يَبْدَأُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، وَالْوَاجِبُ فِيهَا شَاةٌ جَذَعٌ أَتَمَّتْ سَنَةً، وَيَسْتَمِرُّ هَذَا الْوَاجِبُ حَتَّى تَبْلُغَ (121) فَيَجِبَ شَاتَانِ، ثُمَّ (201) فَيَجِبَ ثَلَاثٌ، ثُمَّ (400) فَيَجِبَ أَرْبَعٌ، ثُمَّ يَتَقَرَّرُ الْحِسَابُ بِشَاةٍ لِكُلِّ مِائَةٍ زَائِدَةٍ.

 ([2]يَعْنِي أَنَّ: الْوَاجِبَ إِخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ النَّعَمِ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَهَذَا الْحُكْمُ لَازِمٌ حَتَّى لَوْ كَانَ كُلُّ الْمَالِ مِنْ صِنْفِ الْجِيَادِ (الْخِيَارِ) أَوْ كُلُّهُ مِنْ صِنْفِ الرَّدِيءِ (الشِّرَارِ)، فَلَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى وَلَا الْأَدْنَى، إِلَّا إِذَا رَأَى الْجَابِي أَنَّ أَخْذَ مَعِيبَةٍ (لِحَمِهَا أَوْ كِبَرِهَا) أَنْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ.

 ([3]يَعْنِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغِ السِّنَّ الْوَاجِبَ، وَيَجِبُ ضَمُّ الْإِبِلِ ذَاتِ السَّنَامَيْنِ لِذَاتِ السَّنَامِ، وَالْجَامُوسِ لِلْبَقَرِ، وَالضَّأْنِ لِلْمَعْزِ فِي النِّصَابِ، فَإِذَا اسْتَوَى الْعَدَدُ خُيِّرَ السَّاعِي، وَإِنْ غَلَبَ صِنْفٌ أُخِذَ مِنْهُ.

 ([4] يَعْنِي أَنَّ: إِذَا وَجَبَتْ فَرِيضَتَانِ (شَاتَانِ مَثَلاً) فِي مَالٍ مُلَفَّقٍ، فَإِنَّهُمَا تُؤْخَذَانِ مِنْ كِلَا الصِّنْفَيْنِ (وَاحِدَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) فِي حَالَتَيْنِ: الْأُولَى أَنْ يَتَسَاوَى الصِّنْفَانِ فِي الْعَدَدِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الصِّنْفُ الْأَقَلُّ عَدَداً بَالِغاً نِصَاباً بِنَفْسِهِ وَخَارِجاً عَنْ حَدِّ الْوَقْصِ (أَيْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ الْفَرِيضَةَ الثَّانِيَةَ)، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ أُخِذَتِ الْفَرِيضَتَانِ مِنَ الصِّنْفِ الْأَكْثَرِ.

 ([5]يَعْنِي أَنَّ: إِذَا وَجَبَتْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ فِي مَالٍ مُلَفَّقٍ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَتَسَاوَيَا، أُخِذَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَخُيِّرَ السَّاعِي فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا طُبِّقَتْ قَاعِدَةُ "النِّصَابِ غَيْرِ الْوَقْصِ" السَّابِقَةِ، أَمَّا فِي الْأَرْبَعِمِائَةِ فَأَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ حُكْمُ كُلِّ مِائَةٍ بِانْفِرَادِهَا.

 ([6]يَعْنِي أَنَّ: إِذَا اجْتَمَعَ مِنَ الْجَامُوسِ وَالْبَقَرِ مَا مَجْمُوعُهُ سِتُّونَ رَأْساً، فَالْوَاجِبُ فِيهِمَا تَبِيعَانِ، يُؤْخَذُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَامُوسِ (لِأَنَّ فِيهِ ثَلَاثِينَ خَالِصَةً)، وَيُؤْخَذُ الثَّانِي مِنَ الْبَقَرِ (لِأَنَّ الْعَشَرَةَ الْبَاقِيَةَ مِنَ الْجَامُوسِ ضُمَّتْ لِلْعِشْرِينَ مِنَ الْبَقَرِ فَصَارَتْ ثَلَاثِينَ، وَالْبَقَرُ فِيهَا هُوَ الْأَكْثَرُ)

 

 

 


 

👁️ عدد المشاهدات: 250

السدل عند المالكية

 السدل في مذهب المالكية:

وَيُنْدَبُ فِي الْقِيَامِ إِرْسَالَُ الْيَدَيْنِ بِوَقَارٍ ويُسَمّى السَّدْلُ  عَلَى الْجَنْبَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ فِي الْفَرْضِ  لأنَّهُ عّمَلُ أهْلِ المَدينَةِ ؛ وفِي صَلَاَةِ النَّافِلَةِ يَقْبِضُ يَمِينَهُ عَلَى كُوعِ يَسَارِهِ  وَيَضَعَها تَحْتَ الصَّدْرِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَذْهَبُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السِّرَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَأَدِلَّةُ السَّدْلِِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الأحَاديثِ وَلَيْسَ فَقَطْ لِعَمَلِ أهْل الْمَدِينَة!!

وَإِنَّمَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا مِنَ أوَّلِ " الْمُرَجِّحَاتِ " وَلَيْسَ دَليلاً مُسْتَقِلاً.

وَحَقِيقَةَ الْقَبْضِ عَلَى الصَّدْرِ هُوَ رَفْعٌ لِلْيَدَيْنِ عَنْ مَكَانِ أَصْلِهِمَا وَهُوَ الْجَنْبَيْنِ. وَلِأَنَّ أَصْلَ خِلْقَةِ الإنْسانِ فِي الْقِيَامِ هُوَ ارْسالُ الْيَدَيْنِ فَلَمْ تُذْكَرْ فِي الأحَاديثِ اسْتِصْحَابًا لِلأصْلِ فَلَا تَحْتَاجُ الى ذِكْرٍ وَلا لدَليلٍ.

أولاً : كَرَاهَةُ الْإمَامِ مَالِكٌ لِلْقَبْضَ لِأَنَّهُ اِعْتِمَادٌ  كما فيَ الحَديثِ الصَّحِيحِ" نَهَى × أَْنْ يَعْتَمِدُ.. على يَدَيْه. وَفِي رِوَايَةِ نُهَى أَْنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ، وَهُوَ مُعْتَمَدٌ عَلَى يَدِهِ.. وَقَالَ × : اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاَةِ.والقاعِدةُ عِنْدَ الأُصُوليّين:  الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

1. نفيُ مطلق الرفع :

 الأحَاديثُ كُلُّهَا تَنْفِي " مُطْلَقَ الرَّفْعِ " بَعْدَ الأحْرامِ :

عَنِ الْبرَاءِ بْن عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ×  كَانَ يَرْفَعُ يَدِيُّهُ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاَةَ ثُمَّ لَا يَرْفَعُهَا حَتَّى يَنْصَرِفُ. وَعَنْ عَاصِمِ بْن كليب عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَرْفَعُ يَدِيُّهُ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاَةَ ثُمَّ لَا يَعُودُ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدُ بْن أَبِي زياد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ وَعِنْدَنَا زِيَادَةَ الثِّقَةِ ثِقَةً لِعَدَمِ تَعارُضِها مَعَ العَمَل 

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كُلُّ أَحَادِيثِ الْقَبْضِ مَعْلُولَةٌ بِعِلَلِ حَديثِيَّةِ وَبِمَا فِيهَا حَديثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ . حَتَّى الْبُخَارِيّ لَمْ يَجْزِمْ بِحَديثِ الْقَبْضِ ! وَتَبْوِيبُهُ وَتَقْديمُ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِكٍ لَا تُفِيدُ شَيْئًا فَقَدْ ذَكَرَ رِوَايَةَ شَيْخِهِ اسْمَاعِيل الْمُرْسَلَةَ!! وَقَدْ تَرَكَهَا مَالِكٌ فِي آخِرِ قِرَاءةٍ لِلْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَمَنْ أَرَادَ الْمَزِيدَ مِنَ الادلّةِ فَيَرْجِعْ لِكِتَابِي صِفَةِ الصَّلَاَةِ.

ثانياً : عَمَل الصَّحَابَةِ :

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قِي مُصَنَّفِه: رَأَيْتُ اِبْنَ جُرَيْجِ يُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ مُسْدِلًا يَدِيهِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَهْلُ مَكَّة يَقُولُونَ: أَخَذَ اِبْنُ جُرَيْجِ الصَّلَاَةِ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَخَذَهَا عَطَاءٌ مِنَ اِبْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَهَا اِبْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ أَبِي بِكْرٍ، وَأَخَذَهَا أَبُو بِكْرٍ مِنَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا رَأَيْتُ أحَدًا أَحْسَنَ صَلَاَةً مِنَ اِبْنِ جرِيجِ . وَعَلَيْهُ ؛ فَاِبْوِ بِكَرٍّ كَانَ يُسْدِلُ وَالرَّسُولَ كَانَ يُسْدِلُ.

وثَبَتَ أنَّ عَبْدَاللَّه بْن الزُّبَيْرِ كَانَ يُرْسِلُ فِي الصَّلَاَةِ. وقَدْ قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ أَحْبَبْتُ أَنَّ تَنَظُرَ إِلَى صَلَاَةِ رَسُولِ اللهِ × فَاِقْتَدْ بِصَلَاَةِ عَبْدِ اللهِ بْن الزُّبَيْرِ.

إذن : كَانَ رَسُولُ اللهِ يُرْسِلُ يَدِيْهِ

و حَديثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ × في مَقامِ المُتَحَدّي قَالَ أَبُو حَمِيدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاَةِ رَسُولِ اللهِ، قَالُوا: فَلِمَ ؟ فوالله مَا كَنَتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبِعَا وَلَا أقْدَمُنَا لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاِعْرِضْ ... الخ.  فَذَكَرَ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مَوْضِعَ الْكَفَّيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ فِي الرُّكوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ وَالتَّشَهُّدِ إِلَّا مَحَلَّ الْقِيَامِ ! فَلَا يَعْنِي إلّا اِسْتِصْحَابُ الأصْلِ فِيهَا وَإلَا سَقَط التَّحَدِّي كَمَا أنَّ سَعِدَ بْن سَهْلٍ كَانَ أحَدُ الْعشرَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عِلِّيَّهُ وَهُوَ راوي حَديثَ الْقَبْضِ !!

ثالِثاً : عَمَلُ أهْلُ المَدينَةِ:

لِلْإمَامِ مَالِكٍ تِسْعَةُ مِئَةِ شَيْخٍ ثُمّ قَالٍ عَنِ الْقَبْضِ لَا أعْرِفُهُ وَكَرِهَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةِ اِبْنِ وَهَبٍ -تَلاميذُ مالِكٍ- فِي أَحْكَامِ الْقُرَانِ لِلطَّحَاوِيِّ بِسَنَدِ صَحِيحِ حَدَّثهُ يُونسُ حَدَّثَهُ اِبْنُ وَهَبٍ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْتَنِدُ ثُمَّ عَنْ "قَبْضٍ فِي صِلَاتِهِ". وَهَذَا دَليلُ انَّ الْمَعْهُودَ - فِي أهْلِ الْمَدِينَةِ- غَيْرَ ذَلِكَ وَالًا لَمَّا سَأَلُوا إِذِ اِسْتَغْرَبُوهُ!

ورَوَى الْإمَامُ أَبُو زَرْعَةٍ فِي تَارِيخِهِ: قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن إبراهيم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ عَنْ حَيْوةَ عَنْ بِكْرِ بْن عَمْروٍ: أَنَّهُ لَمْ يَرَّ أَبَا أُمَامَة يَعْنِي اِبْنُ سَهْلُ وَاضِعَاً إحْدَى يَدِيْهِ عَلَى الْأُخْرَى قَطُّ وَلَا أحَدَاً مِنْ أهْلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَدَمَ الشامَ فَرَأَى الأَوْزَاعِيِّ وَنَاسًا يَضَعُونَهُ.. وَهَذَا السَّنَدِ انَّ لَمْ يَكْنِ فِي دَرَجَةِ الصَّحِيحِ فَهُوَ لَا يُهْبِطُ عَنِ الْحُسْنِ بَايِّ حَالٍ وَكُلُّ رُجَّالِهِ ثِقَاتٍ والأرْبَعةُ رَوَى لَهُمِ الْبُخَارِيُّ.

وَأَرَى  فِقْهََ الْإمَامِ مُحَمَّد بْن الْحُسْنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي " ارسال الْيَدَيْنِ " أوْلاً عَلَى الْجَنْبَيْنِ بَعْدَ تَكْبيرَةٍ الإحْرامِ قَبْلَ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى إِلَّا إشَارَةٌ مِنْهُ -رَحِمَهُ اللهُ- تُفِيدُ بِمَا رَأَى مِنْ عَمِلِ أهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْإمَامِ مَالِكٍ فَقَامَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ( إرْسَالٌ ثُمَّ قَبْضٌ) الَّذِي خَالِفَ فِيهِ شَيْخَهُ أَبَا حَنِيفَة وَأَبَا يُوسُف. فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّليلِين؛ فَكَانَ يَقُولُ: يُرْسِلُ يَديْهِ بَعْدَ تَكْبيرَةِ الإِحْرامِ ثُمَّ يَشْرَعُ بِالرَّفْعِ تَحْتَ السُِّرَّةِ حَالَ الْقِرَاءةِ، فَكَانَ فِقْهُهُ: الإرْسَالُ سُنَّةُ الْقِيَامِ وَالْقَبْضُ سُنَّةُ الذِّكْرِ.

وَكَذَلِكَ رَوَى الصَّبَّاغُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي اِسْحَقِ الْمَرْوَزِيّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ أنَّ " الارسال جَوَّزَهُ الشَّافِعِيَّ فِي الْأُمِّ . وَكَذَلِكَ قَالَ المرداويُّ فِي الانْصَافِ : وَعَنِ الإمامِ أَحَمْدٍ يُرْسِلُهُمَا مُطْلَقَا إِلَى جَانِبِيه، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا فِي النَّفَلِ دُونَ الْفَرْضِ. لِذَلِكَ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ الإرْسَالِ

فَرَحِمَ اللهُ أئِمَّةِ اهْل السَّنَةَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ لِمَالِكٍ وَأهْلِ الْمَدِينَةِ بِصِحَّةِ الإرْسَال.

وَمَا خَالَفُوهُمْ إِلَّا لِاِخْتِلَاَفَ مَنَاهِجِ الْاِسْتِنْبَاطِ لِلْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ لَا كَوْنُ السُّدْلِ لَيْسَ سَنَةٌ!!

وَالْخِلَاَفَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَيْسَ مَحَلُّهُ سِنِّيَّةَ الْقَبْضِ انما هَلْ كَانَ هَذَا آخِرُ عَمَلِ رَسُولِ اللهِ × أمْ لَا ؟

وأمّا تَفْرِيقُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ وحَمْلُ الرِّواياتِ عَلَى النَّاقِلَةِ فَلَهُ وَجْهٌ قُوِّيٌّ ظَاهِرٌ بِشِدّةٍ فيها. إذْ كَيْفَ نَقْلَِ الرُّوَاةُ ذلك ؟! . فعَنِ اِبْنِ مَسْعُودِ قَالَ: رآنِي النَّبِيَّ × وَقَدْ وَضَعَتُ ِشِمالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاَةِ، فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضْعَهَا عَلَى شَمَالِيِّ. فَيُسْتَبْعَدُ اِنْهَ رآه فِي الْفَرِيضَةِ كَوْنَ × َ مَشْى إلِيَّه أثناءِ إمامتَهُ وفي الصَّلاةِ لِيُبَدِّلُ يَدِيْه !، فالظَّاهِرَ إنَّ ابْنَ مسْعُودٍ كَانَ يَتَنَفَّلُ . وِعَنْ وَاِئْلَ بْن حُجْرِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ × رَفْعَ يَديْهِ حِينَ دَخَل فِي الصَّلَاَةِ كَبَرٍّ ثُمَّ اِلْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضْعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى . فَكَيْفَ رآه لَوْلَا أنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَتَنَفَّلُ ، فَالمأمُومُ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرَى هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مِنْ خَلْفَهِ كوَضَعَ الْيَدَيْنِ تَحْتَ التِحافهِ بِالثَّوْبِ!!

وَأَمَّا رِوَايَةَ الْحَديثِ فِي الْمُوَطَّأِ فَلَا دَليلٌ فِيهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَالْقَاعِدَةَ الْأُصولِيَّةَ: الْعَبْرَةُ بِالرَّاوِي لَا بِمَا رَوَى وَقَدْ بَيْنَ الرَّاوِي وَهُوَ مَالِكٌ كَمَا نَقُلْ عَنْهُ اِبْنَ الْقَاسِمِ وَاِبْنِ وَهَبَّ انَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ . وإعْمالُ َقَاعِدَةِ: إذَا تَعَارَضَ الْمَكْرُوهُ مَعَ الْمُبَاحِ قُدِّمَ الْمَكْرُوهُ. وقَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإبَاحَةِ وَهَذِهِ مُنْبَثِقَةٌ مِنْ سَدٍّ الذَّرائِع وهِيَ أَصْلٌ في المَذْهَبِ.

و أَخِيرَا فَإنَّ قَوْلَ الْمَالِكِيَّةِ:" لَا بَأسٌ بِالْقَبْضِ فِي الصَّلَاَةِ لَا يَعْنِي الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ - فَهِي صِيغَةُ تَمْريضٍ كَمَا قَالَ الفكهاني- بَلْ يُقْصَدُ بِهِا عِنْدَ الإمامِ  بالتَّحْقيقِ مَعْنَيان: خِلافُ الأَوْلى أو الْإبَاحَةَ؛ فَالْمُبَاحَ غَيْرَ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ، وأنما هُوَ مُخَيِّرٌ فِيهِ كَمَا هِي رِوَايَةُ الْقَرِينِينَ وَرِوَايَةُ اِبْنِ حَبيبٍ عَنْ الأَخَويْنِ سَمَاعٍيّةٌ، بَيْنَمَا رِوَايَةِ سَحْنُون عَنِ اِبْنِ الْقَاسِمِ كِتَابِيَّةٌ فَتَقْدَمُ عَلِيُّهَا لَأنَّ الْكِتَابَةَ امْلاَءٌ حُضُورِبيٌّ فَهِي أَثْبَتَ مِنَ النَّقْلِ بِالسَّمَعِ فَضْلًا أَنَّ الرَّاوِيَ سَحْنُونَ أَثَبْتٌ وَاِبْنُ حَبيبُ ضَعِيفٌ بَلْ مُتَّهَمٌ عَلَى قَوَاعِدِ أهْلِ الْحَديثِ! قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ كَثِيرُ الْغَلَطِ وَقَالُ اِبْنِ حَزْمٍ: رِوَايَتُهُ سَاقِطَةٌ مُطْرَحَةٌ وَقَالُ أَبُو بِكْرِ بْن أَبَى شَيْبَة: ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَ بَعْضُهُمِ اِتَّهَمَهُ بِالْكَذِبِ.وَوَهْنُهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. وَ ذَكَرَ اِبْنُ الفَرَضى أَنَّهُ كَانَ يَتَسَهَّلُ فِىَّ السَّمَاعَ .

وَرُتْبَةُ صَدُوق يُطْلَبُ لَهُ مُتَابَعَةٌ فَكَيْفَ وبأنَّها مُعَارِضَة بُقولِ مالكٍ : الإباحَةِ وَقَوْلِ الْكَرَاهَةِ وَقَوْلِ التَّحْرِيمِ !! فَمَاذا بَعْدُ ؟!

وَيُنْدَبُ فِي الْقِيَامِ إِرْسَالَُ الْيَدَيْنِ بِوَقَارٍ ويُسَمّى السَّدْلُ عَلَى الْجَنْبَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ فِي الْفَرْضِ لأنَّهُ عّمَلُ أهْلِ المَدينَةِ ؛ وفِي صَلَاَةِ النَّافِلَةِ يَقْبِضُ يَمِينَهُ عَلَى كُوعِ يَسَارِهِ وَيَضَعَها تَحْتَ الصَّدْرِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَذْهَبُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السِّرَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَأَدِلَّةُ السَّدْلِِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الأحَاديثِ وَلَيْسَ فَقَطْ لِعَمَلِ أهْل الْمَدِينَة!!

وَإِنَّمَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا مِنَ أوَّلِ " الْمُرَجِّحَاتِ " وَلَيْسَ دَليلاً مُسْتَقِلاً.

وَحَقِيقَةَ الْقَبْضِ عَلَى الصَّدْرِ هُوَ رَفْعٌ لِلْيَدَيْنِ عَنْ مَكَانِ أَصْلِهِمَا وَهُوَ الْجَنْبَيْنِ. وَلِأَنَّ أَصْلَ خِلْقَةِ الإنْسانِ فِي الْقِيَامِ هُوَ ارْسالُ الْيَدَيْنِ فَلَمْ تُذْكَرْ فِي الأحَاديثِ اسْتِصْحَابًا لِلأصْلِ فَلَا تَحْتَاجُ الى ذِكْرٍ وَلا لدَليلٍ.

أولاً : كَرَاهَةُ الْإمَامِ مَالِكٌ لِلْقَبْضَ لِأَنَّهُ اِعْتِمَادٌ  كما فيَ الحَديثِ الصَّحِيحِ" نَهَى × أَْنْ يَعْتَمِدُ.. على يَدَيْه. وَفِي رِوَايَةِ نُهَى أَْنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ، وَهُوَ مُعْتَمَدٌ عَلَى يَدِهِ.. وَقَالَ × : اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاَةِ.والقاعِدةُ عِنْدَ الأُصُوليّين:  الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

2. نفيُ مطلق الرفع :

 الأحَاديثُ كُلُّهَا تَنْفِي " مُطْلَقَ الرَّفْعِ " بَعْدَ الأحْرامِ :

عَنِ الْبرَاءِ بْن عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ×  كَانَ يَرْفَعُ يَدِيُّهُ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاَةَ ثُمَّ لَا يَرْفَعُهَا حَتَّى يَنْصَرِفُ. وَعَنْ عَاصِمِ بْن كليب عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَرْفَعُ يَدِيُّهُ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاَةَ ثُمَّ لَا يَعُودُ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدُ بْن أَبِي زياد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ وَعِنْدَنَا زِيَادَةَ الثِّقَةِ ثِقَةً لِعَدَمِ تَعارُضِها مَعَ العَمَل 

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كُلُّ أَحَادِيثِ الْقَبْضِ مَعْلُولَةٌ بِعِلَلِ حَديثِيَّةِ وَبِمَا فِيهَا حَديثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ . حَتَّى الْبُخَارِيّ لَمْ يَجْزِمْ بِحَديثِ الْقَبْضِ ! وَتَبْوِيبُهُ وَتَقْديمُ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِكٍ لَا تُفِيدُ شَيْئًا فَقَدْ ذَكَرَ رِوَايَةَ شَيْخِهِ اسْمَاعِيل الْمُرْسَلَةَ!! وَقَدْ تَرَكَهَا مَالِكٌ فِي آخِرِ قِرَاءةٍ لِلْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَمَنْ أَرَادَ الْمَزِيدَ مِنَ الادلّةِ فَيَرْجِعْ لِكِتَابِي صِفَةِ الصَّلَاَةِ.

ثانياً : عَمَل الصَّحَابَةِ :

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قِي مُصَنَّفِه: رَأَيْتُ اِبْنَ جُرَيْجِ يُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ مُسْدِلًا يَدِيهِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَهْلُ مَكَّة يَقُولُونَ: أَخَذَ اِبْنُ جُرَيْجِ الصَّلَاَةِ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَخَذَهَا عَطَاءٌ مِنَ اِبْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَهَا اِبْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ أَبِي بِكْرٍ، وَأَخَذَهَا أَبُو بِكْرٍ مِنَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا رَأَيْتُ أحَدًا أَحْسَنَ صَلَاَةً مِنَ اِبْنِ جرِيجِ . وَعَلَيْهُ ؛ فَاِبْوِ بِكَرٍّ كَانَ يُسْدِلُ وَالرَّسُولَ كَانَ يُسْدِلُ.

وثَبَتَ أنَّ عَبْدَاللَّه بْن الزُّبَيْرِ كَانَ يُرْسِلُ فِي الصَّلَاَةِ. وقَدْ قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ أَحْبَبْتُ أَنَّ تَنَظُرَ إِلَى صَلَاَةِ رَسُولِ اللهِ × فَاِقْتَدْ بِصَلَاَةِ عَبْدِ اللهِ بْن الزُّبَيْرِ.

إذن : كَانَ رَسُولُ اللهِ يُرْسِلُ يَدِيْهِ

و حَديثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ × في مَقامِ المُتَحَدّي قَالَ أَبُو حَمِيدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاَةِ رَسُولِ اللهِ، قَالُوا: فَلِمَ ؟ فوالله مَا كَنَتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبِعَا وَلَا أقْدَمُنَا لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاِعْرِضْ ... الخ.  فَذَكَرَ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مَوْضِعَ الْكَفَّيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ فِي الرُّكوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ وَالتَّشَهُّدِ إِلَّا مَحَلَّ الْقِيَامِ ! فَلَا يَعْنِي إلّا اِسْتِصْحَابُ الأصْلِ فِيهَا وَإلَا سَقَط التَّحَدِّي كَمَا أنَّ سَعِدَ بْن سَهْلٍ كَانَ أحَدُ الْعشرَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عِلِّيَّهُ وَهُوَ راوي حَديثَ الْقَبْضِ !!

ثالِثاً : عَمَلُ أهْلُ المَدينَةِ:

لِلْإمَامِ مَالِكٍ تِسْعَةُ مِئَةِ شَيْخٍ ثُمّ قَالٍ عَنِ الْقَبْضِ لَا أعْرِفُهُ وَكَرِهَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةِ اِبْنِ وَهَبٍ -تَلاميذُ مالِكٍ- فِي أَحْكَامِ الْقُرَانِ لِلطَّحَاوِيِّ بِسَنَدِ صَحِيحِ حَدَّثهُ يُونسُ حَدَّثَهُ اِبْنُ وَهَبٍ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْتَنِدُ ثُمَّ عَنْ "قَبْضٍ فِي صِلَاتِهِ". وَهَذَا دَليلُ انَّ الْمَعْهُودَ - فِي أهْلِ الْمَدِينَةِ- غَيْرَ ذَلِكَ وَالًا لَمَّا سَأَلُوا إِذِ اِسْتَغْرَبُوهُ!

ورَوَى الْإمَامُ أَبُو زَرْعَةٍ فِي تَارِيخِهِ: قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن إبراهيم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ عَنْ حَيْوةَ عَنْ بِكْرِ بْن عَمْروٍ: أَنَّهُ لَمْ يَرَّ أَبَا أُمَامَة يَعْنِي اِبْنُ سَهْلُ وَاضِعَاً إحْدَى يَدِيْهِ عَلَى الْأُخْرَى قَطُّ وَلَا أحَدَاً مِنْ أهْلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَدَمَ الشامَ فَرَأَى الأَوْزَاعِيِّ وَنَاسًا يَضَعُونَهُ.. وَهَذَا السَّنَدِ انَّ لَمْ يَكْنِ فِي دَرَجَةِ الصَّحِيحِ فَهُوَ لَا يُهْبِطُ عَنِ الْحُسْنِ بَايِّ حَالٍ وَكُلُّ رُجَّالِهِ ثِقَاتٍ والأرْبَعةُ رَوَى لَهُمِ الْبُخَارِيُّ.

وَأَرَى  فِقْهََ الْإمَامِ مُحَمَّد بْن الْحُسْنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي " ارسال الْيَدَيْنِ " أوْلاً عَلَى الْجَنْبَيْنِ بَعْدَ تَكْبيرَةٍ الإحْرامِ قَبْلَ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى إِلَّا إشَارَةٌ مِنْهُ -رَحِمَهُ اللهُ- تُفِيدُ بِمَا رَأَى مِنْ عَمِلِ أهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْإمَامِ مَالِكٍ فَقَامَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ( إرْسَالٌ ثُمَّ قَبْضٌ) الَّذِي خَالِفَ فِيهِ شَيْخَهُ أَبَا حَنِيفَة وَأَبَا يُوسُف. فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّليلِين؛ فَكَانَ يَقُولُ: يُرْسِلُ يَديْهِ بَعْدَ تَكْبيرَةِ الإِحْرامِ ثُمَّ يَشْرَعُ بِالرَّفْعِ تَحْتَ السُِّرَّةِ حَالَ الْقِرَاءةِ، فَكَانَ فِقْهُهُ: الإرْسَالُ سُنَّةُ الْقِيَامِ وَالْقَبْضُ سُنَّةُ الذِّكْرِ.

وَكَذَلِكَ رَوَى الصَّبَّاغُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي اِسْحَقِ الْمَرْوَزِيّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ أنَّ " الارسال جَوَّزَهُ الشَّافِعِيَّ فِي الْأُمِّ . وَكَذَلِكَ قَالَ المرداويُّ فِي الانْصَافِ : وَعَنِ الإمامِ أَحَمْدٍ يُرْسِلُهُمَا مُطْلَقَا إِلَى جَانِبِيه، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا فِي النَّفَلِ دُونَ الْفَرْضِ. لِذَلِكَ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ الإرْسَالِ

فَرَحِمَ اللهُ أئِمَّةِ اهْل السَّنَةَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ لِمَالِكٍ وَأهْلِ الْمَدِينَةِ بِصِحَّةِ الإرْسَال.

وَمَا خَالَفُوهُمْ إِلَّا لِاِخْتِلَاَفَ مَنَاهِجِ الْاِسْتِنْبَاطِ لِلْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ لَا كَوْنُ السُّدْلِ لَيْسَ سَنَةٌ!!

وَالْخِلَاَفَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَيْسَ مَحَلُّهُ سِنِّيَّةَ الْقَبْضِ انما هَلْ كَانَ هَذَا آخِرُ عَمَلِ رَسُولِ اللهِ × أمْ لَا ؟

وأمّا تَفْرِيقُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ وحَمْلُ الرِّواياتِ عَلَى النَّاقِلَةِ فَلَهُ وَجْهٌ قُوِّيٌّ ظَاهِرٌ بِشِدّةٍ فيها. إذْ كَيْفَ نَقْلَِ الرُّوَاةُ ذلك ؟! . فعَنِ اِبْنِ مَسْعُودِ قَالَ: رآنِي النَّبِيَّ × وَقَدْ وَضَعَتُ ِشِمالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاَةِ، فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضْعَهَا عَلَى شَمَالِيِّ. فَيُسْتَبْعَدُ اِنْهَ رآه فِي الْفَرِيضَةِ كَوْنَ × َ مَشْى إلِيَّه أثناءِ إمامتَهُ وفي الصَّلاةِ لِيُبَدِّلُ يَدِيْه !، فالظَّاهِرَ إنَّ ابْنَ مسْعُودٍ كَانَ يَتَنَفَّلُ . وِعَنْ وَاِئْلَ بْن حُجْرِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ × رَفْعَ يَديْهِ حِينَ دَخَل فِي الصَّلَاَةِ كَبَرٍّ ثُمَّ اِلْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضْعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى . فَكَيْفَ رآه لَوْلَا أنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَتَنَفَّلُ ، فَالمأمُومُ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرَى هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مِنْ خَلْفَهِ كوَضَعَ الْيَدَيْنِ تَحْتَ التِحافهِ بِالثَّوْبِ!!

وَأَمَّا رِوَايَةَ الْحَديثِ فِي الْمُوَطَّأِ فَلَا دَليلٌ فِيهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَالْقَاعِدَةَ الْأُصولِيَّةَ: الْعَبْرَةُ بِالرَّاوِي لَا بِمَا رَوَى وَقَدْ بَيْنَ الرَّاوِي وَهُوَ مَالِكٌ كَمَا نَقُلْ عَنْهُ اِبْنَ الْقَاسِمِ وَاِبْنِ وَهَبَّ انَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ . وإعْمالُ َقَاعِدَةِ: إذَا تَعَارَضَ الْمَكْرُوهُ مَعَ الْمُبَاحِ قُدِّمَ الْمَكْرُوهُ. وقَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإبَاحَةِ وَهَذِهِ مُنْبَثِقَةٌ مِنْ سَدٍّ الذَّرائِع وهِيَ أَصْلٌ في المَذْهَبِ.

و أَخِيرَا فَإنَّ قَوْلَ الْمَالِكِيَّةِ:" لَا بَأسٌ بِالْقَبْضِ فِي الصَّلَاَةِ لَا يَعْنِي الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ - فَهِي صِيغَةُ تَمْريضٍ كَمَا قَالَ الفكهاني- بَلْ يُقْصَدُ بِهِا عِنْدَ الإمامِ  بالتَّحْقيقِ مَعْنَيان: خِلافُ الأَوْلى أو الْإبَاحَةَ؛ فَالْمُبَاحَ غَيْرَ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ، وأنما هُوَ مُخَيِّرٌ فِيهِ كَمَا هِي رِوَايَةُ الْقَرِينِينَ وَرِوَايَةُ اِبْنِ حَبيبٍ عَنْ الأَخَويْنِ سَمَاعٍيّةٌ، بَيْنَمَا رِوَايَةِ سَحْنُون عَنِ اِبْنِ الْقَاسِمِ كِتَابِيَّةٌ فَتَقْدَمُ عَلِيُّهَا لَأنَّ الْكِتَابَةَ امْلاَءٌ حُضُورِبيٌّ فَهِي أَثْبَتَ مِنَ النَّقْلِ بِالسَّمَعِ فَضْلًا أَنَّ الرَّاوِيَ سَحْنُونَ أَثَبْتٌ وَاِبْنُ حَبيبُ ضَعِيفٌ بَلْ مُتَّهَمٌ عَلَى قَوَاعِدِ أهْلِ الْحَديثِ! قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ كَثِيرُ الْغَلَطِ وَقَالُ اِبْنِ حَزْمٍ: رِوَايَتُهُ سَاقِطَةٌ مُطْرَحَةٌ وَقَالُ أَبُو بِكْرِ بْن أَبَى شَيْبَة: ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَ بَعْضُهُمِ اِتَّهَمَهُ بِالْكَذِبِ.وَوَهْنُهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. وَ ذَكَرَ اِبْنُ الفَرَضى أَنَّهُ كَانَ يَتَسَهَّلُ فِىَّ السَّمَاعَ .

وَرُتْبَةُ صَدُوق يُطْلَبُ لَهُ مُتَابَعَةٌ فَكَيْفَ وبأنَّها مُعَارِضَة بُقولِ مالكٍ : الإباحَةِ وَقَوْلِ الْكَرَاهَةِ وَقَوْلِ التَّحْرِيمِ !! فَمَاذا بَعْدُ ؟!

وَيُنْدَبُ فِي الْقِيَامِ إِرْسَالَُ الْيَدَيْنِ بِوَقَارٍ ويُسَمّى السَّدْلُ عَلَى الْجَنْبَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ فِي الْفَرْضِ لأنَّهُ عّمَلُ أهْلِ المَدينَةِ ؛ وفِي صَلَاَةِ النَّافِلَةِ يَقْبِضُ يَمِينَهُ عَلَى كُوعِ يَسَارِهِ وَيَضَعَها تَحْتَ الصَّدْرِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَذْهَبُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السِّرَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَأَدِلَّةُ السَّدْلِِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الأحَاديثِ وَلَيْسَ فَقَطْ لِعَمَلِ أهْل الْمَدِينَة!!

وَإِنَّمَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا مِنَ أوَّلِ " الْمُرَجِّحَاتِ " وَلَيْسَ دَليلاً مُسْتَقِلاً.

وَحَقِيقَةَ الْقَبْضِ عَلَى الصَّدْرِ هُوَ رَفْعٌ لِلْيَدَيْنِ عَنْ مَكَانِ أَصْلِهِمَا وَهُوَ الْجَنْبَيْنِ. وَلِأَنَّ أَصْلَ خِلْقَةِ الإنْسانِ فِي الْقِيَامِ هُوَ ارْسالُ الْيَدَيْنِ فَلَمْ تُذْكَرْ فِي الأحَاديثِ اسْتِصْحَابًا لِلأصْلِ فَلَا تَحْتَاجُ الى ذِكْرٍ وَلا لدَليلٍ.

أولاً : كَرَاهَةُ الْإمَامِ مَالِكٌ لِلْقَبْضَ لِأَنَّهُ اِعْتِمَادٌ  كما فيَ الحَديثِ الصَّحِيحِ" نَهَى × أَْنْ يَعْتَمِدُ.. على يَدَيْه. وَفِي رِوَايَةِ نُهَى أَْنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ، وَهُوَ مُعْتَمَدٌ عَلَى يَدِهِ.. وَقَالَ × : اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاَةِ.والقاعِدةُ عِنْدَ الأُصُوليّين:  الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

3. نفيُ مطلق الرفع :

 الأحَاديثُ كُلُّهَا تَنْفِي " مُطْلَقَ الرَّفْعِ " بَعْدَ الأحْرامِ :

عَنِ الْبرَاءِ بْن عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ×  كَانَ يَرْفَعُ يَدِيُّهُ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاَةَ ثُمَّ لَا يَرْفَعُهَا حَتَّى يَنْصَرِفُ. وَعَنْ عَاصِمِ بْن كليب عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَرْفَعُ يَدِيُّهُ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاَةَ ثُمَّ لَا يَعُودُ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدُ بْن أَبِي زياد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى عَنْهُ وَعِنْدَنَا زِيَادَةَ الثِّقَةِ ثِقَةً لِعَدَمِ تَعارُضِها مَعَ العَمَل 

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كُلُّ أَحَادِيثِ الْقَبْضِ مَعْلُولَةٌ بِعِلَلِ حَديثِيَّةِ وَبِمَا فِيهَا حَديثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ . حَتَّى الْبُخَارِيّ لَمْ يَجْزِمْ بِحَديثِ الْقَبْضِ ! وَتَبْوِيبُهُ وَتَقْديمُ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِكٍ لَا تُفِيدُ شَيْئًا فَقَدْ ذَكَرَ رِوَايَةَ شَيْخِهِ اسْمَاعِيل الْمُرْسَلَةَ!! وَقَدْ تَرَكَهَا مَالِكٌ فِي آخِرِ قِرَاءةٍ لِلْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَمَنْ أَرَادَ الْمَزِيدَ مِنَ الادلّةِ فَيَرْجِعْ لِكِتَابِي صِفَةِ الصَّلَاَةِ.

ثانياً : عَمَل الصَّحَابَةِ :

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قِي مُصَنَّفِه: رَأَيْتُ اِبْنَ جُرَيْجِ يُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ مُسْدِلًا يَدِيهِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَهْلُ مَكَّة يَقُولُونَ: أَخَذَ اِبْنُ جُرَيْجِ الصَّلَاَةِ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَخَذَهَا عَطَاءٌ مِنَ اِبْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَهَا اِبْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ أَبِي بِكْرٍ، وَأَخَذَهَا أَبُو بِكْرٍ مِنَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا رَأَيْتُ أحَدًا أَحْسَنَ صَلَاَةً مِنَ اِبْنِ جرِيجِ . وَعَلَيْهُ ؛ فَاِبْوِ بِكَرٍّ كَانَ يُسْدِلُ وَالرَّسُولَ كَانَ يُسْدِلُ.

وثَبَتَ أنَّ عَبْدَاللَّه بْن الزُّبَيْرِ كَانَ يُرْسِلُ فِي الصَّلَاَةِ. وقَدْ قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ أَحْبَبْتُ أَنَّ تَنَظُرَ إِلَى صَلَاَةِ رَسُولِ اللهِ × فَاِقْتَدْ بِصَلَاَةِ عَبْدِ اللهِ بْن الزُّبَيْرِ.

إذن : كَانَ رَسُولُ اللهِ يُرْسِلُ يَدِيْهِ

و حَديثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ × في مَقامِ المُتَحَدّي قَالَ أَبُو حَمِيدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاَةِ رَسُولِ اللهِ، قَالُوا: فَلِمَ ؟ فوالله مَا كَنَتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبِعَا وَلَا أقْدَمُنَا لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاِعْرِضْ ... الخ.  فَذَكَرَ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مَوْضِعَ الْكَفَّيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ فِي الرُّكوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ وَالتَّشَهُّدِ إِلَّا مَحَلَّ الْقِيَامِ ! فَلَا يَعْنِي إلّا اِسْتِصْحَابُ الأصْلِ فِيهَا وَإلَا سَقَط التَّحَدِّي كَمَا أنَّ سَعِدَ بْن سَهْلٍ كَانَ أحَدُ الْعشرَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عِلِّيَّهُ وَهُوَ راوي حَديثَ الْقَبْضِ !!

ثالِثاً : عَمَلُ أهْلُ المَدينَةِ:

لِلْإمَامِ مَالِكٍ تِسْعَةُ مِئَةِ شَيْخٍ ثُمّ قَالٍ عَنِ الْقَبْضِ لَا أعْرِفُهُ وَكَرِهَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ اِبْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةِ اِبْنِ وَهَبٍ -تَلاميذُ مالِكٍ- فِي أَحْكَامِ الْقُرَانِ لِلطَّحَاوِيِّ بِسَنَدِ صَحِيحِ حَدَّثهُ يُونسُ حَدَّثَهُ اِبْنُ وَهَبٍ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْتَنِدُ ثُمَّ عَنْ "قَبْضٍ فِي صِلَاتِهِ". وَهَذَا دَليلُ انَّ الْمَعْهُودَ - فِي أهْلِ الْمَدِينَةِ- غَيْرَ ذَلِكَ وَالًا لَمَّا سَأَلُوا إِذِ اِسْتَغْرَبُوهُ!

ورَوَى الْإمَامُ أَبُو زَرْعَةٍ فِي تَارِيخِهِ: قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن إبراهيم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ عَنْ حَيْوةَ عَنْ بِكْرِ بْن عَمْروٍ: أَنَّهُ لَمْ يَرَّ أَبَا أُمَامَة يَعْنِي اِبْنُ سَهْلُ وَاضِعَاً إحْدَى يَدِيْهِ عَلَى الْأُخْرَى قَطُّ وَلَا أحَدَاً مِنْ أهْلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَدَمَ الشامَ فَرَأَى الأَوْزَاعِيِّ وَنَاسًا يَضَعُونَهُ.. وَهَذَا السَّنَدِ انَّ لَمْ يَكْنِ فِي دَرَجَةِ الصَّحِيحِ فَهُوَ لَا يُهْبِطُ عَنِ الْحُسْنِ بَايِّ حَالٍ وَكُلُّ رُجَّالِهِ ثِقَاتٍ والأرْبَعةُ رَوَى لَهُمِ الْبُخَارِيُّ.

وَأَرَى  فِقْهََ الْإمَامِ مُحَمَّد بْن الْحُسْنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي " ارسال الْيَدَيْنِ " أوْلاً عَلَى الْجَنْبَيْنِ بَعْدَ تَكْبيرَةٍ الإحْرامِ قَبْلَ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى إِلَّا إشَارَةٌ مِنْهُ -رَحِمَهُ اللهُ- تُفِيدُ بِمَا رَأَى مِنْ عَمِلِ أهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْإمَامِ مَالِكٍ فَقَامَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ( إرْسَالٌ ثُمَّ قَبْضٌ) الَّذِي خَالِفَ فِيهِ شَيْخَهُ أَبَا حَنِيفَة وَأَبَا يُوسُف. فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّليلِين؛ فَكَانَ يَقُولُ: يُرْسِلُ يَديْهِ بَعْدَ تَكْبيرَةِ الإِحْرامِ ثُمَّ يَشْرَعُ بِالرَّفْعِ تَحْتَ السُِّرَّةِ حَالَ الْقِرَاءةِ، فَكَانَ فِقْهُهُ: الإرْسَالُ سُنَّةُ الْقِيَامِ وَالْقَبْضُ سُنَّةُ الذِّكْرِ.

وَكَذَلِكَ رَوَى الصَّبَّاغُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي اِسْحَقِ الْمَرْوَزِيّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ أنَّ " الارسال جَوَّزَهُ الشَّافِعِيَّ فِي الْأُمِّ . وَكَذَلِكَ قَالَ المرداويُّ فِي الانْصَافِ : وَعَنِ الإمامِ أَحَمْدٍ يُرْسِلُهُمَا مُطْلَقَا إِلَى جَانِبِيه، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا فِي النَّفَلِ دُونَ الْفَرْضِ. لِذَلِكَ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ الإرْسَالِ

فَرَحِمَ اللهُ أئِمَّةِ اهْل السَّنَةَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ لِمَالِكٍ وَأهْلِ الْمَدِينَةِ بِصِحَّةِ الإرْسَال.

وَمَا خَالَفُوهُمْ إِلَّا لِاِخْتِلَاَفَ مَنَاهِجِ الْاِسْتِنْبَاطِ لِلْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ لَا كَوْنُ السُّدْلِ لَيْسَ سَنَةٌ!!

وَالْخِلَاَفَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَيْسَ مَحَلُّهُ سِنِّيَّةَ الْقَبْضِ انما هَلْ كَانَ هَذَا آخِرُ عَمَلِ رَسُولِ اللهِ × أمْ لَا ؟

وأمّا تَفْرِيقُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ وحَمْلُ الرِّواياتِ عَلَى النَّاقِلَةِ فَلَهُ وَجْهٌ قُوِّيٌّ ظَاهِرٌ بِشِدّةٍ فيها. إذْ كَيْفَ نَقْلَِ الرُّوَاةُ ذلك ؟! . فعَنِ اِبْنِ مَسْعُودِ قَالَ: رآنِي النَّبِيَّ × وَقَدْ وَضَعَتُ ِشِمالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاَةِ، فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضْعَهَا عَلَى شَمَالِيِّ. فَيُسْتَبْعَدُ اِنْهَ رآه فِي الْفَرِيضَةِ كَوْنَ × َ مَشْى إلِيَّه أثناءِ إمامتَهُ وفي الصَّلاةِ لِيُبَدِّلُ يَدِيْه !، فالظَّاهِرَ إنَّ ابْنَ مسْعُودٍ كَانَ يَتَنَفَّلُ . وِعَنْ وَاِئْلَ بْن حُجْرِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ × رَفْعَ يَديْهِ حِينَ دَخَل فِي الصَّلَاَةِ كَبَرٍّ ثُمَّ اِلْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضْعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى . فَكَيْفَ رآه لَوْلَا أنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَتَنَفَّلُ ، فَالمأمُومُ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرَى هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مِنْ خَلْفَهِ كوَضَعَ الْيَدَيْنِ تَحْتَ التِحافهِ بِالثَّوْبِ!!

وَأَمَّا رِوَايَةَ الْحَديثِ فِي الْمُوَطَّأِ فَلَا دَليلٌ فِيهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَالْقَاعِدَةَ الْأُصولِيَّةَ: الْعَبْرَةُ بِالرَّاوِي لَا بِمَا رَوَى وَقَدْ بَيْنَ الرَّاوِي وَهُوَ مَالِكٌ كَمَا نَقُلْ عَنْهُ اِبْنَ الْقَاسِمِ وَاِبْنِ وَهَبَّ انَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ . وإعْمالُ َقَاعِدَةِ: إذَا تَعَارَضَ الْمَكْرُوهُ مَعَ الْمُبَاحِ قُدِّمَ الْمَكْرُوهُ. وقَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإبَاحَةِ وَهَذِهِ مُنْبَثِقَةٌ مِنْ سَدٍّ الذَّرائِع وهِيَ أَصْلٌ في المَذْهَبِ.

و أَخِيرَا فَإنَّ قَوْلَ الْمَالِكِيَّةِ:" لَا بَأسٌ بِالْقَبْضِ فِي الصَّلَاَةِ لَا يَعْنِي الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ - فَهِي صِيغَةُ تَمْريضٍ كَمَا قَالَ الفكهاني- بَلْ يُقْصَدُ بِهِا عِنْدَ الإمامِ  بالتَّحْقيقِ مَعْنَيان: خِلافُ الأَوْلى أو الْإبَاحَةَ؛ فَالْمُبَاحَ غَيْرَ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ، وأنما هُوَ مُخَيِّرٌ فِيهِ كَمَا هِي رِوَايَةُ الْقَرِينِينَ وَرِوَايَةُ اِبْنِ حَبيبٍ عَنْ الأَخَويْنِ سَمَاعٍيّةٌ، بَيْنَمَا رِوَايَةِ سَحْنُون عَنِ اِبْنِ الْقَاسِمِ كِتَابِيَّةٌ فَتَقْدَمُ عَلِيُّهَا لَأنَّ الْكِتَابَةَ امْلاَءٌ حُضُورِبيٌّ فَهِي أَثْبَتَ مِنَ النَّقْلِ بِالسَّمَعِ فَضْلًا أَنَّ الرَّاوِيَ سَحْنُونَ أَثَبْتٌ وَاِبْنُ حَبيبُ ضَعِيفٌ بَلْ مُتَّهَمٌ عَلَى قَوَاعِدِ أهْلِ الْحَديثِ! قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ كَثِيرُ الْغَلَطِ وَقَالُ اِبْنِ حَزْمٍ: رِوَايَتُهُ سَاقِطَةٌ مُطْرَحَةٌ وَقَالُ أَبُو بِكْرِ بْن أَبَى شَيْبَة: ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَ بَعْضُهُمِ اِتَّهَمَهُ بِالْكَذِبِ.وَوَهْنُهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. وَ ذَكَرَ اِبْنُ الفَرَضى أَنَّهُ كَانَ يَتَسَهَّلُ فِىَّ السَّمَاعَ .

وَرُتْبَةُ صَدُوق يُطْلَبُ لَهُ مُتَابَعَةٌ فَكَيْفَ وبأنَّها مُعَارِضَة بُقولِ مالكٍ : الإباحَةِ وَقَوْلِ الْكَرَاهَةِ وَقَوْلِ التَّحْرِيمِ !! فَمَاذا بَعْدُ ؟!


👁️ عدد المشاهدات: 250

دراسة أثر بخاخ الربو على الصيام

 الْمَبْحَثُ : النَّوَازِلُ الطِّبِّيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ فِي الصِّيَامِ

الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: مَا يَدْخُلُ الْجَوْفَ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْشَاقِ بَخَّاخُ الرَّبْوِ أُنْمُوذَجًا

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: حُكْمُ بَخَّاخِ الرَّبْوِ لِلصَّائِمِ

تَصَاغُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي

 مَا حُكْمُ اسْتِعْمَالِ الرَّذَاذِ الْمُنْدَفِعِ مِنْ بَخَّاخِ الرَّبْوِ  لِلْمُضْطَرِّ نَهَارَ رَمَضَانَ؟ وَهَلْ يُلْحَقُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ مِنَ الْمَعْفُوَّاتِ، أَمْ بِالْمُفْطِرَاتِ لِكَوْنِهِ جِرْمًا مَقْصُودًا؟

تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الْإِفْطَارَ يَقَعُ بِإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ لِلْحَلْقِ، وَاخْتَلَفَ التَّخْرِيجُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ:

1. الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُفْطِرٌ؛ وَجْهُهُ أَنَّ الرَّذَاذَ لَهُ جِرْمٌ وَطَعْمٌ يَمُرُّ بِالْحَلْقِ، فَيُشْبِهُ الِاكْتِحَالَ نَهَارًا إِذَا هَبَطَ لِلْحَلْقِ.

2. الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَرْجَحُ: أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ؛ وَذَلِكَ لِقُوَّةِ شَبَهِهِ بِمَا اغْتَفَرَهُ الشَّارِعُ لِلْمَشَقَّةِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ.

إِقَامَةُ الدَّلِيلِ مِنْ نَصِّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: اسْتَمْسَكَ هَذَا التَّرْجِيحُ بِمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَابِ مَا لَا يُفْطِرُ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَلَبَهُ قَيْءٌ أَوْ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارُ طَرِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ.. فَلَا قَضَاءَ.

وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ الصَّائِمَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيمَا قَهَرَهُ وَسَبَقَ لِحَلْقِهِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَرِيضُ الرَّبْوِ عِنْدَ انْسِدَادِ الشُّعَبِ الْهَوَائِيَّةِ يَصِيرُ اسْتِعْمَالُهُ لِلْبَخَّاخِ حَالًا قَاهِرَةً لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ غُبَارِ الطَّرِيقِ لِلْمُسَافِرِ، وَغُبَارِ الدَّقِيقِ لِلْطَّحَّانِ.

الْأَقْيِسَةُ الْأُصُولِيَّةُ:

1. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: قِيَاسُ بَخَّاخِ الرَّبْوِ عَلَى غُبَارِ الرَّحَى؛ فَكَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ فِطْرِ الطَّحَّانِ هِيَ الْمَشَقَّةُ وَالْعُسْرُ فِي مَنْعِ جُزَيْئَاتِ الدَّقِيقِ مِنْ دُخُولِ الْحَلْقِ حَالِ عَمَلِهِ، فَكَذَلِكَ مَرِيضُ الرَّبْوِ تَعْسُرُ عَلَيْهِ صِيَانَةُ حَلْقِهِ عَنْ رَذَاذٍ يَسْتَنْشِقُهُ لِيَبْقَى عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.

2. قِيَاسُ الْأَوْلَى: إِذَا عَفَا الْمَذْهَبُ عَنْ دُخَانِ الْحَطَبِ وَإِنْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَهُ لِأَنَّهُ لَا يُقَوِّي الدِّمَاغَ كَمَا قَرَّرَهُ الدَّسُوقِيُّ، فَالْبَخَّاخُ الدَّوَائِيُّ أَوْلَى بِالْعَفْوِ؛ لِانْتِفَاءِ التَّقْوِيَةِ وَالتَّرَفُّهِ فِيهِ، وَوُجُودِ الضَّرُورَةِ الطِّبِّيَّةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ.

3. قِيَاسُ الشَّبَهِ: شَبَهُ الْبَخَّاخِ بِـ مَا بَقِيَ مِنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ؛ فَالْمَالِكِيَّةُ يَعْفُونَ عَنْ رُطُوبَةِ الْمَاءِ الَّتِي تَبْقَى فِي الْفَمِ بَعْدَ الْمَجِّ وَتَنْحَدِرُ لِلْجَوْفِ، وَجِرْمُ الْمَادَّةِ الدَّوَائِيَّةِ فِي الْبَخَّةِ الْوَاحِدَةِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ جِرْمِ تِلْكَ الرُّطُوبَةِ، فَأُلْحِقَ بِهَا لِلشَّبَهِ فِي قِلَّةِ الْجِرْمِ وَعُسْرِ الِانْفِكَاكِ.

4. قِيَاسُ الطَّرْدِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِـ تَحَقُّقِ الْوُصُولِ لِلْمَعِدَةِ، وَبَخَّاخُ الرَّبْوِ مُعْظَمُهُ هَوَاءٌ يَتَّجِهُ إِلَى الرِّئَتَيْنِ لَا إِلَى الْمَعِدَةِ، فَمَا دَامَ الْوُصُولُ لِلْمَعِدَةِ مَشْكُوكًا فِيهِ، طُرِدَ الْحُكْمُ عَلَى أَصْلِ صِحَّةِ الصَّوْمِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَقِينِيٌّ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَوْفِ.

5. قِيَاسُ الْعَكْسِ: لَمَّا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ حَرَّمَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِعِلَّةِ تَقْوِيَةِ الْبَدَنِ وَكَسْرِ الصَّوْمِ، عُكِسَ الْحُكْمُ فِيمَا لَا يُقَوِّي الْبَدَنَ وَلَا يُسَكِّنُ جُوعًا وَلَا عَطَشًا وَلَا يَلْتَذُّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُفْطِرًا.

إِبْطَالُ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ بِـ لُزُومِ الدَّوْرِ الْمُحَالِ

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالدَّوْرِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى مَرِيضِ الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ يُؤَدِّي إِلَى دَوْرٍ مُمْتَنِعٍ؛ إِذْ لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ قَضَاءَ الْأَيَّامِ الَّتِي اسْتَعْمَلَ فِيهَا الْبَخَّاخَ، لَطَالَبْنَاهُ بِقَضَائِهَا فِي أَيَّامٍ أُخْرَى، وَبِمَا أَنَّ مَرَضَهُ مُزْمِنٌ وَالنَّوْبَةَ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ فِي أَيَّامِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ سَيَضْطَرُّ لِاسْتِعْمَالِ الْبَخَّاخِ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ.

الْبُطْلَانُ: لَمَّا كَانَ "تَسَلْسُلُ الْقَضَاءِ" يُؤَدِّي إِلَى سُقُوطِ الْفَرِيضَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَالَّذِي هُوَ مُحَالٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، بَطَلَ الْمُقَدَّمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ وَثَبَتَ النَّقِيضُ وَهُوَ صِحَّةُ الصَّوْمِ مَعَ اسْتِعْمَالِهِ، طَرْدًا لِقَاعِدَةِ: مَا أَدَّى إِلَى الْمُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ.

خَاتِمَةُ التَّحْقِيقِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِالْأَرْجَحِيَّةِ هُنَا يَنْسَجِمُ مَعَ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ، وَيَسْتَنِدُ إِلَى جَوْهَرِ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ فِي اغْتِفَارِ مَا غَلَبَ عَلَى الْحَلْقِ، وَبِذَلِكَ نُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَرِيضِ الرَّبْوِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ دَوَائِهِ.

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْنِيدُ أَدِلَّةِ الْقَوْلِ الآحَرِ

بَعْدَ تَقْرِيرِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْفِطْرِ، لَزِمَ تَنَاوُلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهِيَ تَدُورُ حَوْلَ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ نُورِدُهَا وَنَرُدُّ عَلَيْهَا وَفْقَ مَوَازِينِ التَّحْقِيقِ:

الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِجِرْمِيَّةِ الرَّذَاذِ

وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: قَالُوا إِنَّ الْبَخَّاخَ يَحْتَوِي عَلَى مَادَّةٍ كِيمْيَاوِيَّةٍ سَائِلَةٍ مُتَحَلِّلَةٍ، وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ يَقَعُ بِـ إِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ لِحَلْقٍ، وَالرَّذَاذُ جِرْمٌ يَقِينِيٌّ يُحَسُّ طَعْمُهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْعَفْوِ مَجَالٌ.

الرَّدُّ وَالتَّفْنِيدُ: نُسَلِّمُ بِوُجُودِ الْجِرْمِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ جِرْمٍ وَصَلَ لِلْحَلْقِ يُفْطِرُ؛ بَدَلِيلِ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ جِرْمِ الدَّقِيقِ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِوُجُودِ الْجِرْمِ حَقِيقَةً، بَلْ بِمَنَاطِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ أَوْ تَعَمُّدِ إِيصَالِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَمَرِيضُ الرَّبْوِ مَقْهُورٌ عَلَى هَذَا الْجِرْمِ لِتَحْصِيلِ النَّفَسِ، فَصَارَ كَالطَّحَّانِ الْمَقْهُورِ عَلَى غُبَارِ دَقِيقِهِ، فَيُقَدَّمُ نَصُّ الْعَفْوِ عَلَى عُمُومِ مَنْعِ الْمُتَحَلِّلِ.

الدَّلِيلُ الثَّانِي: الْقِيَاسُ عَلَى الْبَخُورِ وَالدُّخَانِ

وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: قَاسُوا الْبَخَّاخَ عَلَى بَخُورِ الطَّعَامِ وَالدُّخَانِ الْمَمْصُوصِ بِجَامِعِ الِاسْتِنْشَاقِ الْعَمْدِيِّ لِجِرْمٍ لَطِيفٍ يَصِلُ لِلْجَوْفِ.

الرَّدُّ وَالتَّفْنِيدُ: هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

1. فَارِقُ الْعِلَّةِ: عِلَّةُ الْفِطْرِ فِي الْبَخُورِ وَالتِّبْغِ هِيَ التَّرَفُّهُ وَتَقْوِيَةُ الدِّمَاغِ كَمَا نَصَّ الدَّسُوقِيُّ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةٌ فِي الْبَخَّاخِ، بَلْ هُوَ دَوَاءٌ مُرٌّ لَا لَذَّةَ فِيهِ وَلَا تَقْوِيَةَ.

2. قِيَاسُ الْعَكْسِ: لَوْ طَرَدْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لَوَجَبَ أَنْ يَفْطَرَ الصَّائِمُ بِتَنَفُّسِ الْأُوكْسِجِينِ الصِّنَاعِيِّ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِنْشَاقِ لَيْسَ عِلَّةً مُطْلَقَةً لِلْفِطْرِ.

الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ

وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: قَالُوا إِنَّ ذِمَّةَ الصَّائِمِ مَشْغُولَةٌ بِالْيَقِينِ، وَالْفِطْرُ بِالْبَخَّاخِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ.

الرَّدُّ وَالتَّفْنِيدُ: هَذَا الِاحْتِيَاطُ مُعَارَضٌ بِأَصْلَيْنِ مَالِكِيَّيْنِ:

1. قَاعِدَةُ الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ: فَالصَّوْمُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الْيَقِينُ إِلَّا بِدَلِيلٍ نَصِّيٍّ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هُنَا.

2. قَاعِدَةُ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ: وَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَى مَرِيضِ الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ يُؤَدِّي إِلَى سَدِّ بَابِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا حَرَجٌ مَدْفُوعٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.

الْأَقْيِسَةُ الْإِضَافِيَّةُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ:

1. قِيَاسُ الطَّرْدِ فِي مَنَاطِ الْمَنْفَذِ: أَنَّ الْمُخَالِفَ الَّذِي ضَيَّقَ فِي بَخَّاخِ الرَّبْوِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَعْفُو عَنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ الَّذِي سَبَقَ لِلْحَلْقِ. فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ رُطُوبَةِ مَاءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِلْوُضُوءِ وَرُطُوبَةِ دَوَاءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِلْعِلَاجِ؟ فَالطَّرْدُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفِطْرِ فِي كِلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلِوُجُودِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ فِي السَّبَبِ.

2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ الْمُعَارِضُ عِلَّةُ الِانْعِقَادِ: الْمُخَالِفُ يَقُولُ إِنَّ الرَّذَاذَ يَنْعَقِدُ فَيَصِيرُ جِرْمًا سَائِلًا، فَنَقُولُ لَهُ: إِنَّ الْبَلْغَمَ يَنْعَقِدُ جِرْمًا كَثِيفًا، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ عَدَمُ الْفِطْرِ بِهِ وَلَوْ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ لِلْمَشَقَّةِ، فَالْبَخَّاخُ الَّذِي هُوَ أَلْطَفُ مِنَ الْبَلْغَمِ وَأَخَفُّ جِرْمًا أَوْلَى بِالْعَفْوِ لِعَيْنِ عِلَّةِ الْمَشَقَّةِ.

3. قِيَاسُ الشَّبَهِ بِالطِّيبِ: شَبَهُ مَنْ شَمَّ طِيبًا قَوِيًّا فَوَجَدَ رِيحَهُ فِي حَلْقِهِ، فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يُفْطِرُونَ بِهِ لِأَنَّهُ رِيحٌ لَا جِسْمَ لَهُ، وَالْبَخَّاخُ فِيهِ جَانِبٌ غَازِيٌّ كَبِيرٌ يُشْبِهُ الرَّائِحَةَ النَّافِذَةَ، وَمَا فِيهِ مِنْ جِرْمٍ لَا يَتَحَقَّقُ وُصُولُهُ لِلْمَعِدَةِ بَلْ يَنْشَفُ فِي الْمَسَالِكِ التَّنَفُّسِيَّةِ، فَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَحْرِيرُ مَنَاطَاتِ الْعَفْوِ الِاضْطِرَارُ، الْغَلَبَةُ، وَعُسْرُ الِاحْتِرَازِ

بَعْدَ تَفْنِيدِ شُبَهِ الْمُخَالِفِ، نَنْتَقِلُ إِلَى تَحْقِيقِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْمَالِكِيَّةُ أَحْكَامَ الْعَفْوِ، وَكَيْفَ تَنْطَبِقُ بِحَذَافِيرِهَا عَلَى نَازِلَةِ الْبَخَّاخِ:

أَوَّلًا: مَنَاطُ "الْغَلَبَةِ" وَعَلَاقَتُهُ بِالْقَصْدِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ الْغَلَبَةَ مَسْقَطَةٌ لِلْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَلَبَهُ قَيْءٌ، وَالْغَلَبَةُ هُنَا لَيْسَتْ فَقَطْ فِي الْفِعْلِ الِاضْطِرَارِيِّ لِلْبَدَنِ، بَلْ تَعُمُّ كُلَّ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الصَّائِمُ دَفْعَهُ عَنْ حَلْقِهِ.

تَحْقِيقُ الدَّلِيلِ: مَرِيضُ الرَّبْوِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْبَخَّاخِ، يَكُونُ قَصْدُهُ إِيصَالَ الْهَوَاءِ لِلرِّئَةِ لَا إِيصَالَ الْجِرْمِ لِلْمَعِدَةِ، فَمَا يَنْحَدِرُ لِلْحَلْقِ هُوَ غَالِبٌ لِلْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ، فَالْفِعْلُ مَأْذُونٌ فِيهِ لِلْعِلَاجِ، وَالنَّتِيجَةُ وُصُولُ الْجِرْمِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، فَالْتَحَقَ بِـ "غَلَبَةِ الْقَيْءِ" الَّتِي لَا تُفْطِرُ.

ثَانِيًا: مَنَاطُ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ" وَشَبَهُهُ بِغُبَارِ الطَّرِيقِ

قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَا قَضَاءَ فِيهِ، وَمِنْهُ غُبَارُ الطَّرِيقِ وَالدَّقِيقِ.

قِيَاسُ الْعِلَّةِ: الْعِلَّةُ فِي غُبَارِ الدَّقِيقِ هِيَ مُلَازَمَةُ الصَّانِعِ لَهُ مَعَ ضَرُورَةِ الْعَمَلِ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا مَوْجُودَةٌ فِي مَرِيضِ الرَّبْوِ الَّذِي تُلازِمُهُ "النَّوْبَةُ" مَعَ ضَرُورَةِ "الْبَقَاءِ"، بَلْ إِنَّ الِاحْتِرَازَ فِي حَقِّ مَرِيضِ الرَّبْوِ أَعْسَرُ؛ لِأَنَّ الطَّحَّانَ يُمْكِنُهُ وَضْعُ لِثَامٍ، أَمَّا مَرِيضُ الرَّبْوِ فَلَا يُمْكِنُهُ فَتْحُ شُعَبِهِ إِلَّا بِهَذَا الرَّذَاذِ، فَمَا دَامَ الشَّارِعُ قَدْ سَامَحَ فِي "غُبَارِ الدَّقيقِ" لِلْمَعِيشَةِ، فَسَمَاحُهُ فِي "رَذَاذِ الدَّوَاءِ" لِلْحَيَاةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

ثَالِثًا: مَنَاطُ "رَفْعِ الْمَشَقَّةِ" وَالْقِيَاسُ عَلَى الْبَلْغَمِ

نَصَّ الدَّسُوقِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبَلْغَمِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا.. لِلْمَشَقَّةِ.

تَوْجِيهُ الِاسْتِدْلَالِ: إِذَا كَانَ الْبَلْغَمُ جِرْمًا كَثِيفًا نَابِعًا مِنَ الْبَدَنِ يُعْفَى عَنْهُ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي طَرْحِهِ، فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ فِي مَنْعِ مَرِيضِ الرَّبْوِ مِنَ التَّنَفُّسِ أَعْظَمُ، وَإِيجَابَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِمْرَارِ مَرَضِهِ طِيلَةَ الْعَامِ كَمَا فِي الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاطِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لِتُصَحِّحَ عِبَادَةَ الْمَكَلَّفِ لَا لِتُعْجِزَهُ، فَرَفْعُ الْمَشَقَّةِ هُنَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّحَّةِ.

رَابِعًا: مَنَاطُ "الِاضْطِرَارِ" وَالْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ

قَاعِدَةُ: الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَدْلًا، وَالصَّائِمُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّدَاوِي لِحِفْظِ النَّفْسِ.

قِيَاسُ الطَّرْدِ: كَمَا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا، فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ غَلَبَةِ الْمَاءِ لَا يُفْطِرُ، فَكَذَلِكَ الْبَخَّاخُ مَأْذُونٌ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ، فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ رُطُوبَةٍ تَنْحَدِرُ لِلْحَلْقِ لَا تُفْطِرُ، طَرْدًا لِأَصْلِ الْعَفْوِ عَنْ لَوَازِمِ الْأَفْعَالِ الْمَأْذُونِ فِيهَا.

تَحْقِيقُ الِاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ الْمَنَاطَاتِ:

إِنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْمَنَاطَاتِ الْغَلَبَة، عُسْر الِاحْتِرَاز، الْمَشَقَّة، الِاضْطِرَار إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ -كَمَا فِي الْبَخَّاخِ- نَقَلَتِ الْحُكْمَ مِنَ "الْمَنْعِ" إِلَى "الْجَوَازِ وَالْعَفْوِ" بِيَقِينٍ، وَهُوَ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ تَقْرِيرَاتِ الدَّرْدِيرِ وَالدَّسُوقِيِّ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي رَاعَوْا فِيهَا حَالَةَ الصَّانِعِ وَالْمَرِيضِ.

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَغْيِيرُ الْمُدْرَكِ الْفِقْهِيِّ وَتَقْرِيرُ الِاسْتِحْبَابِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ

إِنَّ النَّاظِرَ فِي مَسْأَلَةِ بَخَّاخِ الرَّبْوِ بِعَيْنِ الْأُصُولِيِّ، يَجِدُ أَنَّ تَعَارُضَ الْأَقْيِسَةِ بَيْنَ الْعَفْوِ عَنِ الْغُبَارِ وَمَنْعِ الْمُتَحَلِّلِ يُوجِبُ رُتْبَةً مِنَ الِاحْتِيَاطِ لَا تَصِلُ إِلَى إِبْطَالِ الْعِبَادَةِ بِيَقِينٍ، بَلْ تَقِفُ عِنْدَ رُتْبَةِ "الِاسْتِحْبَابِ" خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ الْمُعْتَبَرِ.

أَوَّلًا: تَحْقِيقُ مَنَاطِ الْخِلَافِ الْمُعْتَبَرِ الْقَابِلِيَّةُ لِلتَّصْدِيقِ: نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي "التَّوْضِيحِ" عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ: مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ، لَا مُجَرَّدَ قَابِلِيَّتِهِ لِلتَّصَوُّرِ فَقَطْ.

تَنْزِيلُ الْقَاعِدَةِ: قَوْلُ مَنْ أَفْطَرَ بِالْبَخَّاخِ لَيْسَ قَوْلًا شَاذًّا لَا يُتَصَوَّرُ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ قَابِلٌ لِلتَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى مَنَاطِ "الْجِرْمِيَّةِ" وَ"الْمَنْفَذِ الْمَفْتُوحِ"، وَهُمَا أَصْلَانِ يَقِينِيَّانِ فِي الْمُفْطِرَاتِ. فَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمُخَالِفِ مَبْنِيًّا عَلَى تَصَوُّرٍ صَحِيحٍ لِلْمُفْطِرِ، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَا فِي بَابِ الْفَتْوَى بِالْبُطْلَانِ.

ثَانِيًا: الِانْتِقَالُ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ : مِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، وَهِيَ عِنْدَنَا أَنْ يُعْمَلَ بِدَلِيلِ الْمُخَالِفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.

وَجْهُ الِاسْتِحْبَابِ: لَمَّا تَعَارَضَ عِنْدَنَا دَلِيلُ الْعَفْوِ لِلْمَشَقَّةِ -وَهُوَ الْأَرْجَحُ- مَعَ دَلِيلِ الْفِطْرِ لِلْجِرْمِيَّةِ -وَهُوَ الْأَحْوَطُ-، كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ: "الصَّوْمَ صَحِيحٌ، وَيُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ".

قِيَاسُ الْأَصْلِ: شَبَهُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ الدَّسُوقِيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْحُقْنَةِ بِالْمَائِعِ عَنِ الدُّبُرِ حَيْثُ نَقَلَ اسْتِحْبَابَ الْقَضَاءِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ. فَنَحْنُ هُنَا نَسْلُكُ هَذَا الْمَسْلَكَ التَّهْذِيبِيَّ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْعِبَادَةِ هَيْبَتَهَا بِالِاسْتِحْبَابِ وَيَرْفَعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْإِثْمَ وَالْحَرَجَ بِتَصْحِيحِ الْأَصْلِ.

قِيَاسُ نَدْبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْهَرِمِ وَالْمَرِيضِ الْمُزْمِنِ

نَصَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي "الْمُخْتَصَرِ" عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْهَرِمِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَإِنَّمَا نُدِبَ لَهُمُ الْفِدْيَةُ أَوِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ. وَمِنْ هُنَا نُخَرِّجُ نَدْبَ الْقَضَاءِ لِمُسْتَعْمِلِ الْبَخَّاخِ:

1.  قِيَاسُ الْمُسَاوِي فِي عِلَّةِ الْعَجْزِ:

الْأَصْلُ: الشَّيْخُ الْهَرِمُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنِ الصَّوْمِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وُجُوبًا عِنْدَ خَلِيلٍ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْفِدْيَةُ.

الْفَرْعُ: مَرِيضُ الرَّبْوِ الْمُزْمِنِ الَّذِي يَعْجِزُ عَنِ الصَّوْمِ بِدُونِ بَخَّاخٍ.

وَجْهُ التَّخْرِيجِ: كَمَا أَنَّ الْهَرِمَ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ، فَكَذَلِكَ مَرِيضُ الرَّبْوِ يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ عَنِ الْإِمْسَاكِ عَنِ الدَّوَاءِ، وَيَبْقَى الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ الِاسْتِحْبَابُ لِمُرَاعَاةِ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ، قِيَاسًا عَلَى نَدْبِ الْفِدْيَةِ لِلْهَرِمِ.

2.  قِيَاسُ الشَّبَهِ بِالْمَرَضِ الْمَيْؤْسِ:

الْأَصْلُ: الْمَرِيضُ مَرَضًا مُزْمِنًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ.

الْفَرْعُ: مَرِيضُ الرَّبْوِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَرَضًا مُمِتَدًّا.

وَجْهُ الشَّبَهِ: شَبَهُهُمَا فِي دَوَامِ الْعُذْرِ؛ فَلَمَّا كَانَ الْمَذْهَبُ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ الْمُزْمِنِ قَضَاءً مَادَامَ مَرَضُهُ مُسْتَمِرًّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهِ حَالًا، كَانَ مُسْتَعْمِلُ الْبَخَّاخِ كَذَلِكَ. فَإِذَا صَامَ وَاسْتَعْمَلَهُ، فَقَدْ أَدَّى أَصْلَ الْفَرِيضَةِ، وَنَدَبْنَا لَهُ الْقَضَاءَ إِنْ قَدَرَ يَوْمًا مَا بِدُونِ بَخَّاخٍ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ، تَمَامًا كَمَا نَدَبْنَا لِلْمُزْمِنِ الْفِدْيَةَ بَدَلًا عَنِ الْقَضَاءِ.

خُلَاصَةُ "إِقَامَةِ الدَّلِيلِ" لِهَذِهِ النُّقْطَةِ: نُقَرِّرُ أَنَّ إِيجَابَ الْقَضَاءِ يُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ الْمُحَالِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تُلْزِمُ بِمُحَالٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ لِانْدِرَاجِ الْعُذْرِ تَحْتَ بَابِ "الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ" الَّذِي رَاعَاهُ الْمّذهَبُ فِي الْهَرِمِ وَالْمُزْمِنِ.

ثَالِثًا: قَاعِدَةُ الِاحْتِيَاطِ وَالْأَحْوَطِ: الِاحْتِيَاطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَطْلُوبٌ، لَكِنَّهُ لَا يُهْدِمُ الْأَصْلَ الْمُتَقَرِّرَ بِيَقِينٍ وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُفْطِرُ.

قِيَاسُ الطَّرْدِ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَرَدَّدَ فِيهَا الْحُكْمُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْعَدَمِ لِقُوَّةِ دَلِيلِ الطَّرَفَيْنِ، فَالْأَحْوُطُ فِيهَا الْقَضَاءُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ تَبْرِئَةً لِلذِّمَّةِ مِمَّا هُوَ قَابِلٌ لِلتَّصْدِيقِ مِنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ.

خُلَاصَةُ الْمَطْلَبِ :  نُقَرِّرُ أَنَّ مَنَاطَ الْفِطْرِ بِالْبَخَّاخِ لَمَّا لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْقَطْعِ، وَبَقِيَ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ الْمُعْتَبَرِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا، فَإِنَّ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ تَقْتَضِي عَدَمَ إِبْطَالِ صَوْمِ النَّاسِ بِالظَّنِّ، مَعَ فَتْحِ بَابِ النَّدْبِ لِلْقَضَاءِ لِمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ سَعَةً، رِعَايَةً لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: تَحْقِيقُ مَنَاطِ "الِاسْتِقْرَارِ" فِي مَجْرَى التَّنَفُّسِ لَا مَجْرَى الطَّعَامِ

تَصْوِيرُ الثُّغْرَةِ: قَدْ يَقُولُ الْمُخَالِفُ: إِنَّ الْحَلْقَ مَنْفَذٌ مُشْتَرَكٌ، وَمَا دَامَ الرَّذَاذُ قَدْ مَرَّ بِهِ فَقَدْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ الْمُفْطِرِ.

إِقَامَةُ الدَّلِيلِ: نُفَرِّقُ هُنَا بَيْنَ الْجَوْفِ التَّنَفُّسِيِّ وَالْجَوْفِ الْغِذَائِيِّ. عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، الْفِطْرُ مَنَاطُهُ "الْمَعِدَةُ" وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا الْحَلْقُ. وَبِالتَّصَوُّرِ الطِّبِّيِّ الدَّقِيقِ، فَإِنَّ 90% مِنَ الرَّذَاذِ يَتَّجِهُ لِلْقَصَبَةِ الْهَوَائِيَّةِ وَالرِّئَتَيْنِ، وَهِيَ لَيْسَتْ جَوْفًا مُفْطِرًا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّهَا لَا تَهْضِمُ وَلَا تَمْتَصُّ الْغِذَاءَ.

قِيَاسُ الْعِلَّةِ: قِيَاسُ نُفُوذِ الرَّذَاذِ لِلرِّئَةِ عَلَى نُفُوذِ الْهَوَاءِ لِلرِّئَةِ؛ فَلَمَّا كَانَ اسْتِنْشَاقُ الْهَوَاءِ لَا يُفْطِرُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ فِي "مَعِدَةِ الْغِذَاءِ"، فَكَذَلِكَ الدَّوَاءُ التَّنَفُّسِيُّ التَّابِعُ لَهُ.

الْمَطْلَبُ السَّادِسُ: عِلَّةُ "وُجُودِ الطَّعْمِ" وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "وُصُولِ الْجِرْمِ"

تَصْوِيرُ الثُّغْرَةِ: مَرِيضُ الرَّبْوِ قَدْ يَجِدُ طَعْمًا لِلْدَّوَاءِ فِي حَلْقِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ طَعْمَ الشَّيْءِ فِي الْحَلْقِ دَلِيلُ وُصُولِ جِرْمِهِ.

تَفْنِيدُ الثُّغْرَةِ: نَقُولُ إِنَّ مُجَرَّدَ "الطَّعْمِ" لَا يَسْتَلْزِمُ "الْفِطْرَ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِإِطْلَاقٍ، وَالدَّلِيلُ مَا سُقْتُهُ مِنْ كَلَامِ الدَّرْدِيرِ وَالدَّسُوقِيِّ فِي مَنْ دَهَنَ رَأْسَهُ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، حَيْثُ نَصَّ خَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ الْمَنْفَذِ.

قِيَاسُ الشَّبَهِ: شَبَهُ طَعْمِ الْبَخَّاخِ بِطَعْمِ السِّوَاكِ؛ فَالصَّائِمُ يَجِدُ طَعْمَ "أَرَاكِ" السِّوَاكِ فِي حَلْقِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَفَا الشَّارِعُ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ وَطَلَبِ السِّوَاكِ. فَالْعَفْوُ عَنْ طَعْمِ الْبَخَّاخِ لِلْحَاجَةِ لِلتَّنَفُّسِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ.

الْمَطْلَبُ السَّابِعُ: سَدُّ ذَرِيعَةِ "وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ" عِنْدَ التَّعَمُّدِ

تَصْوِيرُ الثُّغْرَةِ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْقَوْلَ بِالْفِطْرِ قَابِلٌ لِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ، فَهَلْ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ عَامِدًا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟

تَحْرِيرُ الْحُكْمِ: لَا كَفَّارَةَ قَطْعًا لِوُجُودِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بِالْعَفْوِ لِلْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّ "الْخِلَافَ الْمُعْتَبَرَ" يَدْرَأُ الْكَفَّارَةَ.

قَاعِدَةٌ مَالِكِيَّةٌ: كُلُّ مُفْطِرٍ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُتَأَوِّلًا، وَبَخَّاخُ الرَّبْوِ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْغُبَارِ وَالْبَخُورِ، صَارَ فِيهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْعُقُوبَةَ الْكَفَّارَةَ.

تَنْبِيهٌ سَدُّ الثُّغْرَةِ الْأَخِيرَةِ

مَسْأَلَةُ الْبَخَّاخِ الْجَافِّ مُقابِلُ الْبَخَّاخِ السَّائِلِ: إِذَا كَانَ الْبَخَّاخُ بُودْرَةً جَافَّةً، فَهِيَ بِنَصِّ خَلِيلٍ فِي غُبَارِ الدَّقِيقِ أَقْرَبُ لِلْعَفْوِ. وَإِذَا كَانَ سَائِلًا، فَهُوَ بِنَصِّهِ فِي مَاءِ الْمَضْمَضَةِ أَقْرَبُ لِلْعَفْوِ. فَالنَّتِيجَةُ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ تَرْجِيحًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِ.

خَاتِمَةُ الْبَحْثِ فِي نَازِلَةِ بَخَّاخِ الرَّبْوِ

بَعْدَ جَوْلَةٍ تَحْقِيقِيَّةٍ فِي مَطَاوِي "الْمُخْتَصَرِ" وَشُرُوحِهِ، نَسْتَطِيعُ صِيَاغَةَ الْبُرْهَانِ الْفِقْهِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ عَلَى هَيْئَةِ قِيَاسٍ مَنْطِقِيٍّ مُنْتِجٍ لِلْحُكْمِ الْأَرْجَحِ:

أَوَّلًا: الْمُقَدِّمَةُ الصُّغْرَى تَحْقِيقُ الْحَالِ

بَخَّاخُ الرَّبْوِ مَادَّةٌ دَوَائِيَّةٌ يُضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمَرِيضُ لِتَحْصِيلِ النَّفَسِ، وَتَعْسُرُ عَلَيْهِ صِيَانَةُ حَلْقِهِ عَنْ جِرْمِهَا اللَّطِيفِ الْمُصَاحِبِ لِلْهَوَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا عِلَّةُ التَّقْوِيَةِ لِلْبَدَنِ وَلَا التَّرَفُّهِ لِلنَّفْسِ، بَلْ قَصْدُهُ فَتْحُ الْمَجَارِي التَّنَفُّسِيَّةِ لَا إِيصَالُ الْغِذَاءِ لِلْمَعِدَةِ.

ثَانِيًا: الْمُقَدِّمَةُ الْكُبْرَى تَقْرِيرُ الْقَاعِدَةِ

كُلُّ مَا وَصَلَ لِلْحَلْقِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ وَالدَّقِيقِ، أَوْ كَانَ فِعْلُهُ مَأْذُونًا فِيهِ كَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ وَرُطُوبَةِ السِّوَاكِ، أَوْ نَقَصَتْ فِيهِ عِلَّةُ تَقْوِيَةِ الدِّمَاغِ كَطَعْمِ دُهْنِ الرَّأْسِ أَوْ دُخَانِ الْحَطَبِ، فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّوْمِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِانْتِفَاءِ مَنَاطِ التَّغَذِّي وَالِاخْتِيَارِ.

ثَالِثًا: النَّتِيجَةُ الْقَوْلُ الْأَرْجَحُ

بَخَّاخُ الرَّبْوِ لَا يُفْطِرُ، وَصَوْمُ مُسْتَعْمِلِهِ صَحِيحٌ بِيَقِينٍ، وَذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ؛ لِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ مَنَاطِ الْمَعْفُوَّاتِ خَلِيلِيًّا لِلْمَشَقَّةِ وَالْعُسْرِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِإِفْطَارِهِ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ التَّصْدِيقِ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.

تَوْصِيَةٌ تَهْذِيبِيَّةٌ خِتَامِيَّةٌ:

وَمَعَ تَقْرِيرِ صِحَّةِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ تَقْتَضِي نَدْبَ الْقَضَاءِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ لِمَنْ كَانَ مَرَضُهُ عَارِضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَمَّا الْمُزْمِنُ الَّذِي تُلازِمُهُ النَّوْبَةُ طِيلَةَ الْعَامِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَطَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ.

وَهَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ،

فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَأَنْ يُقَيِّدَ لَهُ الْوُصُولَ لِكَثِيرٍ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالسَّادَةِ الْمَشَايِخِ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَطْوِيَهُ عَنْ أَعْيُنِ الْعَوَامِّ.

وَكَتَبَهُ؛ فِي عَمَّانَ - الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ 

حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَسَائِرَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ

زياد حَبُّوب أبورجائي


👁️ عدد المشاهدات: 250

نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ

[مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1. يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2. يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3. ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4. بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5. وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6. يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

[فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7. وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8. فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9. فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11. وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12. وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

[فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13. وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14. وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

[فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15. وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16. وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17. وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

[فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18. فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19. وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20. وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

[فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21. وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22. قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

[فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23. وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24. وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25. خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26. وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27. أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28. مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29. وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30. كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31. وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32. وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33. وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34. وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35. وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36. وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37. وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38. سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39. وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40. وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41. وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42. وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43. وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44. وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ] 

45. وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46. عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47. وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48. وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49. تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50. وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51. وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52. وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53. وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54. فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55. فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

56. وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57. وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58. وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59. وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60. عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي

.................................


 نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.

لزياد أبي رجائي المالكي

👁️ عدد المشاهدات: 250