جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

تفنيد دعوى «وحدة الأحكام» عند أتباع ابن عربي

 هل قال ابن عربي بوحدة الأحكام لا بوحدة الوجود؟ مناقشة علمية
نقض تأويل أتباع ابن عربي لوحدة الوجود
جوابات عن دعوى: «وحدة الوجود في الأحكام لا في الذوات»
قال أتباع ابن عربي:
«وأما الذات فلا يوجد وجه جامع بينها وبين العالم، بل إثبات الجامع بينهما محال... وأما الإلهية فلها أحكام هي نسب وإضافات... ويصح الاجتماع بينها وبين العالم.»
هذا التفريق لا يرفع الإشكال، بل هو عين تقرير مذهب ابن عربي.
فإن الإلهية عند ابن عربي ليست شيئًا خارجًا عن ذات الله، وإنما هي أسماؤه وصفاته القائمة به. فإذا قيل: إن العالم يجتمع مع الإلهية، أو إنه مظهر لها، أو إنها تتجلى فيه، فقد جعل العالم متعلقًا بما هو قائم بالله سبحانه، ولم يبق إلا تغيير الألفاظ.
ولهذا فإن أهل السنة لم يجعلوا النزاع في مجرد لفظ "الذات"، وإنما في جعل العالم مظهرًا للحق وتجليًا له.
«لا يصح أن يجتمع الحق والخلق من حيث الذات، وإنما يصح ذلك من حيث الألوهية.»
هذا تناقض ظاهر.
فإن الألوهية ليست موجودًا آخر غير الله حتى يصح الاجتماع بها دون الذات.
فإذا كانت الألوهية هي صفات الله وأسماؤه، فإثبات اجتماع الخلق بها هو إثبات نوع اتحاد أو اشتراك فيما هو قائم بالله سبحانه.
ولهذا لم يعرف أحد من أئمة السلف هذا التفريق.
«الإلهية هي التي استدعت وجود العالم.»
هذا ليس مذهب أهل السنة.
بل مذهب أهل السنة أن الله تعالى خلق العالم بمحض مشيئته وإرادته، لا لأن الأسماء اقتضت ذلك اقتضاءً ذاتيًا.
قال تعالى:
﴿يفعل الله ما يشاء﴾
وقال:
﴿فعال لما يريد﴾
أما جعل العالم لازمًا للأسماء أو مستدعًى منها، فهو من البناء الفلسفي الذي أدخله ابن عربي في الإلهيات.
«العالم آثار الأسماء والصفات.»
إن أريد بذلك أن الله خلق العالم بقدرته ورحمته وعلمه، فهذا حق يعرفه جميع المسلمين.
أما إن أريد أن الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية، وأنها تجلياتها، فهذا هو أصل وحدة الوجود.
ولهذا كان النزاع في معنى "المظهر" و"التجلي"، لا في مجرد إثبات الصفات.
«صفات العباد هي صور الصفات الإلهية، والتجلي إنما يقع في الأحكام لا في الذوات.»
هذا باطل من وجوه:
أولًا: صفات الله قديمة قائمة بذاته.
وصفات العباد مخلوقة حادثة.
فلا يجوز أن تكون الحادثة صورة للقديمة بهذا المعنى الفلسفي.
ثانيًا: أهل السنة يثبتون الاشتراك في الاسم فقط.
فالله حي، والعبد حي.
والله عليم، والعبد عليم.
لكن حقيقة حياة الله ليست حقيقة حياة العبد، ولا علمه كعلم العبد.
أما جعل صفات العبد ظهورًا أو صورة للصفات الإلهية، فهذا مذهب لم يقله أحد من السلف.
«إذا ارتقيت بقيت أوصافك التي هي صور أوصاف الرب، فعند ذلك تعلم أنك الحق بأوصافه، والحق أنت بأوصافك.»
هذه العبارة تهدم جميع محاولات التأويل السابقة.
فإنه لم يقل:
"تعلم أن الله وفقك."
ولا قال:
"تعلم أنك متخلق بأسماء الله."
بل قال:
«أنك الحق.»
وهذا هو عين ما أنكره علماء الإسلام.
ولو صدرت هذه العبارة من أي شخص معاصر لما تردد هؤلاء في الحكم بفسادها، فكيف إذا كانت نصًا مقرَّرًا في مذهبه؟
«فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه.»
هذا من أوضح نصوص وحدة الوجود.
إذ لا معنى لكون الحق ظاهرًا تارة، والخلق ظاهرًا تارة أخرى، إلا أن الظاهر في الحالين حقيقة واحدة تظهر بصورتين.
ولو كان المراد مجرد التسديد أو الإعانة لما صح هذا التعبير أصلًا.
ولهذا احتج به القونوي والقاشاني وسائر الأكابر من أتباع المدرسة الأكبرية على وحدة الوجود.
«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.»
هذا استدلال في غير موضعه.
فالآية لم تقل إن الله هو عين النبي ﷺ.
ولا إن فعل النبي هو عين فعل الله.
بل أثبتت للنبي الرمي أولًا:
﴿إذ رميت﴾
ثم نفت استقلاله بالتأثير:
﴿ولكن الله رمى﴾
أي: الله هو الذي أوصل الرمية إلى غايتها وخلق أثرها.
وهذا تفسير جميع أئمة التفسير.
أما جعلها دليلًا على وحدة الوجود، فصرف للآية عن معناها.
«كنت سمعه الذي يسمع به...»
هذا الحديث لا علاقة له بوحدة الوجود.
فقد أجمع شراح الحديث من أهل السنة على أن المراد:
التسديد.
والحفظ.
والتوفيق.
والمعونة.
ولم يقل أحد من السلف إن الله يصير حقيقة سمع العبد أو بصره.
بل قال الإمام النووي وابن حجر وغيرهما: المعنى أن الله يحفظ جوارحه فلا يستعملها إلا في طاعته.
فأين هذا من تفسير ابن عربي؟
«وحدة الوجود إنما هي في أحكام الذوات لا في الذوات.»
هذه ليست عبارة ابن عربي، وإنما هي محاولة من بعض أتباعه لتلطيف مذهبه.
والعبرة في معرفة المذهب بكلام صاحبه، لا باعتذارات المنتسبين إليه.
فابن عربي نفسه يقول:
«سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها.»
ويقول:
«فما في الوجود إلا الله.»
ويقول:
«العبد رب والرب عبد.»
ويقول:
«فالحق خلق بهذا الوجه، فاعتبروا، وليس خلقًا بذاك الوجه فاذكروا.»
فهذه نصوص صريحة لا يمكن ردها إلى مجرد "وحدة الأحكام".
بل هي التي جعلت كبار العلماء؛ كابن تيمية، والبقاعي، وابن خلدون، وغيرهم، يقررون أن مذهبه هو القول بوحدة الوجود.
إن طريقة أتباع ابن عربي في الدفاع عنه تقوم غالبًا على انتقاء بعض العبارات المحتملة، ثم تفسير النصوص الصريحة على ضوئها، مع أن المنهج العلمي يقتضي العكس؛ وهو أن تُرد العبارات المحتملة إلى النصوص المحكمة المتكررة في كتبه.
ولذلك فإن دعوى أن ابن عربي لا يقول إلا بـ"وحدة الأحكام" دعوى لا تثبت أمام مجموع نصوصه، ولا أمام فهم أبرز تلامذته وشارحي مذهبه، الذين قرروا أن الوجود واحد، وأن الكثرة إنما هي في المظاهر والتعينات. ومن هنا أنكر علماء أهل السنة هذا المذهب وعدوه مخالفًا لأصل التوحيد القائم على المغايرة التامة بين الخالق والمخلوق، مع إثبات أن الله تعالى بائن من خلقه، ليس حالًا فيهم، ولا هم مظاهر لذاته أو لوجوده.

جريان التردد المذهبي في اصطلاح المالكية

 لَا، لَيْسَ المَقْصُودُ أَبَداً أَنَّ الحُكْمَ يُتْرَكُ لِلْمُفْتِي لِيَخْتَارَ مَا يَشَاءُ أَوْ أَنَّ كِلَا القَوْلَيْنِ صَحِيحٌ فِي المَفْتَى بِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ!
المَقْصُودُ بِـ "جَرَيَانِ التَّرَدُّدِ المَذْهَبِيِّ" فِِي اصْطِلَاحِ المَالِكِيَّةِ هُوَ: تَرَدُّدُ المُأَخِّرِينَ مِنَ شُرَّاحِ المَذْهَبِ (كَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ بَشِيرٍ وَخَلِيلٍ) فِي كَشْفِ "القَوْلِ المَعْتَمَدِ" مِنْ قَوْلَيِ المُقَدِّمِينَ.
وَتَوْضِيحُ المَعْنَى المَنْطِقِيِّ وَالفِقْهِيِّ لِهَذَا التَّرَدُّدِ يَتَبَيَّنُ فِِي النَّقَاطِ الآتِيَةِ:
1. خَلْفِيَّةُ الخِلاَفِ فِِي المَسْأَلَةِ (قَوْلا المُقَدِّمِينَ):
فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الرَّقِيقِ أَوْ الجَارِيَةِ بِشَرْطِ التَّعْرِيَةِ (أَيْ أَنْ يَنْزِعَ البَائِعُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ):
القَوْلُ الأَوَّلُ (قَوْلُ أَِشْهَبَ وَنَصُّ المَدِينِيِّينَ وَالْمُدَوَّنَةِ): الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَيُلْزَمُ البَائِعُ بِإِعْطَائِهِ مَا يُوَارِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيَةَ وَكَشْفَ العَوْرَةِ حَرَامٌ شرْعاً، فَلاَ يُوفَّى بِالشَّرْطِ.
القَوْلُ الثَّانِي (رِوَايَةُ عِيسَى عَن ابْنِ القَاسِمِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ): يُوَفَّى بِالشَّرْطِ لِلبَائِعِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ المِهْنَةِ مَالٌ زَائِدٌ، وَمَالِكُهُ حُرٌّ فِي شَرْطِ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي العَقْدِ، وَالشَّرْطُ لاَ يُؤَدِّي إِلَى رِبًا أَوْ غَرَرٍ، لِقَوْلِهِ × «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».
2. مَاذَا يَعْنِي "التَّرَدُّدُ المَذْهَبِيُّ" هُنَا؟
حِينَ يَقُولُ خَلِيلٌ أَوْ الـُمُأَخِّرُونَ: (وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ؟ أَوْ لَا؟)؛ فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَِئِمَّةَ الـُمُأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ القَوْلَيْنِ هُوَ الرَّاجِحُ وَالـُمُتَمَدُ الَّذِي يَلْزَمُ القَضَاءُ وَالْفَتْوَى بِهِ:
طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ: رَجَّحَتْ أَنَّ الأَظْهَرَ جَوَازُ الشَّرْطِ وَاللُّزُومُ نَظَراً لِلْمَالِيَّةِ وَالعَقْدِ.
طَرِيقَةُ ابْنِ مُغِيثٍ وَابْنِ بَشِيرٍ: رَجَّحَتْ أَنَّ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الفَتْوَى وَالْعَمَلُ هُوَ إِبْطَالُ الشَّرْطِ لِصِيَانَةِ الكِسْوَةِ وَالسَّتْرِ.
3. النَّتِيجَةُ:
فَالْمُفْتِي لاَ يُخَيَّرُ خِيَاراً عَشْوَائِيّاً، وَلَا يُقَالُ إنَّ الصَّوَابَ مَعَ الكُلِّ فِي العَمَلِيَّةِ الإِفْتَائِيَّةِ؛ بَلِ المُرَادُ أَنَّ المَسْأَلَةَ مَجَالُ اجْتِهَادٍ أُصُولِيٍّ فِي تَرْجِيحِ المَعْتَمَدِ، وَالمَعْمُولُ بِهِ فِي الفَتْوَى المَالِكِيَّةِ عِنْدَ الشُّيُوخِ هوَ بُطْلاَنُ شَرْطِ التَّعْرِيَةِ لِمَنَعِ المَحْظُورِ، وَتَرْجِيحُ ابْنِ رُشْدٍ لِلصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ نَظَرٌ قِيَاسِيٌّ فِقْهِيٌّ.

القياس بقصة الغرانيق على اثبات الولاية للأولياء

لا يوجد حديث صحيح متصل الإسناد يثبت أن النبي ﷺ قال: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى". بل جميع الروايات المرفوعة إما مرسلة أو منقطعة أو فيها رواة متروكون أو ضعفاء.

  • أقدم من أوردها من المفسرين والمؤرخين -كالطبري- ذكرها بالأسانيد ولم يلتزم بصحتها، بل جمع ما روي في الباب.

  • انقسم العلماء إلى قولين:

    1. الجمهور من المحققين كالقاضي عياض، وابن العربي المالكي، والرازي، والبيضاوي، والألباني وغيرهم: يرون القصة باطلة سندًا ومتنًا، وأنها تخالف عصمة النبي ﷺ في تبليغ الوحي.
    2. وبعض العلماء كابن تيمية وابن حجر مالوا إلى أن للقصة أصلًا تاريخيًا اعتمادًا على كثرة المراسيل وتعدد الطرق، مع اختلافهم في تفسير كيفية وقوعها بما لا يقدح في العصمة.

الترجيح الحديثي

من جهة صناعة الحديث المحضة، لا يثبت في القصة إسناد صحيح تقوم به الحجة، ولذلك فالحكم الأقوى أن القصة لم تثبت، وإن كان ثبوت سجود المشركين مع النبي ﷺ عند قراءة سورة النجم صحيحًا في الصحيحين، لكنه لا يستلزم ثبوت قصة الغرانيق، إذ وردت تفسيرات أخرى لسجودهم.

فالخلاصة:

  • سجود المشركين: ثابت.
  • عبارة "تلك الغرانيق العلى...": غير ثابتة بإسناد صحيح، والجمهور من المحققين على ردها، مع وجود خلاف قديم في قبول أصل القصة.

إذا سلّمنا بقول من يرى أن لقصة الغرانيق أصلًا، فإن القياس الذي ذكرته ليس مستقيمًا.

فالقائلون بأن للقصة أصلًا -كابن حجر وابن تيمية- لم يقولوا إن النبي ﷺ أقرّ تلك الكلمات أو بقيت وحيًا، وإنما فسروها بأنها كانت فتنة عارضة ثم أبطلها الله، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. فهم يجعلون ذلك واقعًا قبل استقرار التبليغ، ولا يرون أنه يقدح في عصمة البلاغ.

أما الولي فليس معصومًا أصلًا، وقد يقع في الخطأ، بل قد يقع في تلبيس أو وسوسة، لكن لا يجوز الجزم بأن عبارة معينة قالها كانت من إلقاء الشيطان لمجرد أنها باطلة؛ لأن هذا دعوى غيبية لا دليل عليها. فيُقال ببساطة: أخطأ، أو ضل في هذه المسألة، أو هذا من تلبيس الشيطان عليه على سبيل الاحتمال لا الجزم.

إذًا:

  • من جهة الإمكان العقلي: نعم، يمكن أن يقال إن الولي قد يزل أو يلبس عليه الشيطان، وهذا لا يستلزم انتفاء ولايته.
  • أما تعيين كلام ابن حجر أو غيره بأنه أجراه الشيطان على لسانه فلا يصح الجزم به إلا بدليل، بل يقال: هذا كلام باطل، ونردّه، ولا نحكم على باطن قائله أو على ولايته بمجرد ذلك.

فالفرق أن قصة الغرانيق -على فرض ثبوت أصلها عند من قال به- استندوا فيها إلى نص قرآني وتفسير مخصوص، أما تنزيل ذلك على أشخاص آخرين في كل خطأ فلا دليل عليه.


حكم التأمين التجاري

التأمين العادي المعاصر :  المالكية لا يعرفون عقد التأمين بصورته الحديثة، لكن عند تخريجه على أصولهم فالأقرب عندهم المنع؛ لأمور:
الغرر الكثير
وهذا أصل قوي عند المالكية، بل هم من أشد المذاهب اعتباراً لمنع الغرر في المعاوضات. والتأمين التجاري فيه جهالة في العوض والمعوض، فقد يدفع المؤمن أقساطاً قليلة ويأخذ مبلغاً كبيراً، أو يدفع سنوات ولا يأخذ شيئاً.
القمار وشبه الميسر
لأن المعاملة مبنية على احتمال حصول أحد الطرفين على مال كثير مقابل مال قليل أو عدم حصوله على شيء.
أخذ العوض على الضمان
وهذه نقطة مهمة في تخريج المالكية؛ لأن الضمان عندهم من عقود الإرفاق لا المعاوضة، فلا يُجعل محلاً للأجرة إلا إذا كان هناك عمل منفصل مشروع.
التأمين الاجتماعي الحكومي أو الضمان الاجتماعي
هذا أقرب إلى الجواز عند المالكية؛ لأنه ليس عقد معاوضة بين فرد وشركة، وإنما هو من باب المصالح العامة والتكافل الذي تقوم به الدولة، وله نظائر في المذهب مثل:
قيام بيت المال بمصالح المسلمين.
تحمل العاقلة للدية.
التكافل الاجتماعي.
ثالثاً: التأمين التعاوني التكافلي
هذا أقرب إلى الجواز عند المالكية من التجاري؛ لأنه يمكن تخريجه على:
التبرع والتعاون.
النهد (اشتراك الرفقة في النفقة).
المواساة بين الجماعة.
لكن يحتاج إلى ضوابط: 
ألا يكون المقصود الربح من الأقساط نفسها.
ألا تستحق الشركة الفائض باعتباره ربحاً تأمينياً.
أن تكون الإدارة بأجرة معلومة مقابل عمل حقيقي.
أن تستثمر الأموال في المباح.
الخلاصة المالكية:

التأمين التجاري: الأقرب عند المالكية منعه بسبب الغرر والقمار وشبهة المعاوضة على الضمان.
التأمين الاجتماعي: جائز باعتباره من باب التكافل والمصلحة العامة.
التأمين التعاوني: جائز إذا خرج عن المعاوضة التجارية وقام على التبرع أو المواساة أو المشاركة في التكافل بضوابطه.

 من وجهة نظر مالكية  إن المشكلة ليست في فكرة التأمين بل في صياغة عقد التأمين التجاري؛ لأن المالكية يفرقون كثيراً بين المقاصد الصحيحة والصيغ الفاسدة.

صوم الست من شوال

أشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ رحمه الله إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) يَعْنِي: أَنَّ نَدْبَ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ رَمَضَانَ 
تَسْمِيَةُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا بِـ (السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ) أَوْ (السِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ) مَسْأَلَةٌ لُغَوِيَّةٌ نَحْوِيَّةٌ يَبْتَنِي الْقَوْلُ فِيهَا عَلَى قَوَاعِدِ الْعَدَدِ وَالْمَعْدُودِ، وَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْبَلَاغَةِ وَاسْتِعْمَالُ لِسَانِ الْعَرَبِ.
الْقَوْلَانِ صَحِيحَانِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ اللُّغَةِ، لَكِنَّ (السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ) بِالتَّذْكِيرِ هُوَ الأَصَحُّ وَالأَفْصَحُ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الصَّرِيحَةِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ («أَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ»)، وَلِمُطَابَقَتِهِ سَنَنَ الْعَرَبِ فِي التَّأْرِيخِ بِاللَّيَالِي.
 أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ النَّحْوِيُّ
الْقَاعِدَةُ النَّحْوِيَّةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الأَعْدَادِ (مِنْ 3 إِلَى 10) أَنَّهَا تُخَالِفُ الْمَعْدُودَ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ:
 تُؤَنَّثُ مَعَ الْمُذَكَّرِ (فَيُقَالُ: سِتَّةُ أَيَّامٍ).
 تُذَكَّرُ مَعَ الْمُؤَنَّثِ (فَيُقَالُ: سِتُّ لَيَالٍ).
وَعِنْدَ حَذْفِ الْمَعْدُودِ وَالإِتْيَانِ بِـ (مِنْ) الْبَيَانِيَّةِ أَوْ التَّبْعِيضِيَّةِ، يَنْشَأُ الْوَجْهَانِ:
1. الْوَجْهُ الأَوَّلُ: (السِّتُّ مِنْ شَوَّالٍ) — بِالتَّذْكِيرِ (وَهُوَ الأَفْصَحُ وَالأَشْهَرُ):
 التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ: مَرْجِعُ التَّذْكِيرِ هُنَا هُوَ إِرَادَةُ الْمَعْدُودِ الْمُؤَنَّثِ الْمُقَدَّرِ، وَهُوَ (اللَّيَالِي). فَالْتَقْدِيرُ: (صِيَامُ اللَّيَالِي السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ)، ثُمَّ حُذِفَ الْمَوْصُوفُ (اللَّيَالِي) وَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ (السِّتُّ) مَقَامَهُ.
 مُوَافَقَةُ النَّصِّ النَّبَوِيِّ: هَذَا الوَجْهُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الصَّحِيحِ؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ × أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّـا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». فَجَاءَ اللَّفْظُ (سِتّاً) بِالتَّذْكِيرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ الأَفْصَحَ إِثْبَاتُ التَّذْكِيرِ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ.
2. الْوَجْهُ الثَّانِي: (السِّتَّةُ مِنْ شَوَّالٍ) — بِالتَّأْنِيثِ (وَهُوَ جَائِزٌ):
 التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ: مَرْجِعُ التَّأْنِيثِ هُنَا هُوَ إِرَادَةُ الْمَعْدُودِ الْمُذَكَّرِ الْمُقَدَّرِ، وَهُوَ (الأَيَّامُ). فَالْتَقْدِيرُ: (صِيَامُ الأَيَّامِ السِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ)، فَلَمَّا حُذِفَ الْمَعْدُودُ (الأَيَّامُ)، أُنِّثَ العَدَدُ لِيُطَابِقَ أَقْيِسَةَ تَعْدَادِ الْمُذَكَّرِ.
 حُكْمُهُ: صَحِيحٌ نَحْوِيّاً لِأَنَّ الصَّوْمَ يَقَعُ بِالنَّهَارِ (فِي الأَيَّامِ)، لَكِنَّهُ دُونَ الْوَجْهِ الأَوَّلِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالاتِّبَاعِ
 ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ الْبَلَاغِيُّ
مِنْ نَاحِيَةِ الْبَلَاغَةِ وَسَنَنِ الْعَرَبِ فِي الْخِطَابِ:
1. الْمُغَالَبَةُ بِاللَّيَالِي وَالتَّأْرِيخِ بِهَا:
 الْعَرَبُ تُؤَرِّخُ بِاللَّيَالِي لا بِالأَيَّامِ، لِأَنَّ اللَّيْلَةَ تَسْبِقُ النَّهَارَ، وَالشَّهْرُ يَبْدَأُ بِهِلَالِ اللَّيْلَةِ الأُولَى. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيَالِي هِيَ أَصْلَ التَّأْرِيخِ، كَانَ التَّقْدِيرُ عَلَى أساسِهَا أَبْلَغَ وَأَعْرَقَ فِي لِسَانِ العَرَبِ.
2. الإِيجَازُ وَإِلْمَاحُ الْمَصْدَرِ:
 التَّعْبِيرُ بِـ (السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ) فِيهِ إِيجَازٌ بِحَذْفِ الْمَوْصُوفِ، وَتَقْدِيمُ الشَّرِيعَةِ لِلَّيْلِ فِي حِسابِ الأَهِلَّةِ يُعْطِي بَلَاغَةً إِضَافِيَّةً لِتَغْلِيبِ لَفْظِ اللَّيَالِي تَقْدِيراً، مَعَ أَنَّ المَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ لِلصِّيَامِ يَقَعُ فِي أَيَّامِهَا نَهَاراً.
دُخُولُ (أَلْ) عَلَى «سِتٍّ» فَيُقَالُ: «صُمْتُ السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ» أَوْ «صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ» صَحِيحٌ فَصِيحٌ لا غُبَارَ عَلَيْهِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ وَالاسْتِعْمَالِ كَالتَّالِي:
أَوَّلاً: التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ لِدُخُولِ (أَلْ)
الْعَدَدُ غَيْرُ الْمُضَافِ يَقْبَلُ (أَلْ) مُبَاشَرَةً:
الأَعْدَادُ إِذَا كَانَتْ مُضَافَةً (مِثْلَ: سِتَّةُ أَيَّامٍ)؛ فَالأَفْصَحُ دُخُولُ (أَلْ) عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ (فَيُقَالُ: سِتَّةُ الأَيَّامِ).
أَمَّا إِذَا قُطِعَ الْعَدَدُ عَنِ الإِضَافَةِ وَجِيءَ بَعْدَهُ بِـ (مِنْ) الْبَيَانِيَّةِ أَوْ التَّبْعِيضِيَّةِ (مِثْلَ: سِتٌّ مِنْ شَوَّالٍ)، فَإِنَّ الْعَدَدَ هُنَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الأَسْمَاءِ الْصَرِيحَةِ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ (أَلْ) التَّعْرِيفِيَّةُ لِتَعْرِيفِهِ، فَيُقَالُ: «السِّتُّ مِنْ شَوَّالٍ».
(أَلْ) هُنَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَوْ لِتَنْزِيلِ الصِّفَةِ مَنَزِلَةَ الاسْمِ:
إِمَّا أَنْ تَكُونَ (أَلْ) لِلْعَهْدِ؛ أَيِ: السِّتُّ المَعْهُودَةُ المَشْهُورَةُ المَطْلُوبُ صِيَامُهَا فِي الشَّرْعِ.
أَوْ أَنْ تَكُونَ أَقَامَتِ الصِّفَةَ (السِّتَّ) مَقَامَ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ (الأَيَّامِ أَوْ اللَّيَالِي)، فَتَعَرَّفَتْ بِـ (أَلْ) كَمَا يَتَعَرَّفُ المَوْصُوفُ.
ثَانِياً: اسْتِعْمَالُ الفُقَهَاءِ وَالْلُغَوِيِّينَ
جَرَى اسْتِعْمَالُ المَثْنِيَّاتِ وَالمَجْمُوعَاتِ وَالأَعْدَادِ الْمُقْتَطَعَةِ بِـ (أَلْ) فِي كَلامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ كَثِيراً؛ فَيَقُولُونَ:
«صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ».
«صَوْمُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ» (وَالمَقْصُودُ الأَيَّامُ التِّسْعَةُ مَعَ لَيَالِيهَا أَوْ العَشْرُ الأَوَّلُ).
«صِيَامُ الْبِيضِ» (أَيِ الأَيَّامِ الْبِيضِ).
فقهياً : 
وهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ دَقِيقٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ فَالْمَشْهُورُ هُوَ السَّعَةُ فِيهَا دُونَ تَقْيِيدِهَا بِشَهْرِ شَوَّالٍ فَقَطْ، بَلْ يُسْتَحَبُّ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهَا طِيلَةَ السَّنَةِ، وَأَفْضَلُ زَمَانٍ لَهَا هُوَ "تِسْعُ ذِي الْحِجَّةِ"؛ رِعَايَةً لِخِلَافِ مَنْ مَنَعَهَا وَخَوْفاً مِنْ إِلْحَاقِ مَا لَيْسَ مِنَ الْفَرْضِ بِالْفَرْضِ.
وَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ وَالْمَنْهَجِيُّ: تَقُومُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى "أَصْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"؛ فَالْإِمَامُ مَالِكٌ رَأَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَوَاتِرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ كَانَ عَلَى تَرْكِ صِيَامِهَا فِي شَوَّالٍ خَشْيَةَ الْبِدْعَةِ وَإِلْحَاقِ الْجَاهِلِ لَهَا بِرَمَضَانَ. وَهَذَا يُبْرِزُ التَّمَايُزَ الْمَنْهَجِيَّ؛ فَالشَّافِعِيَّةُ يَعْتَمِدُونَ "السَّنَدَ" لِتَصْحِيحِ "الْمَتْنِ" ثُمَّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، بَيْنَمَا الْمَالِكِيَّةُ يَعْتَمِدُونَ "الْعَمَلَ" مِعْيَاراً لِصِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمَتْنِ؛ فَإِذَا أَثْبَتَ الْعَمَلُ الْعَكْسَ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ قُوَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالنَّصِّ مَهْمَا صَحَّ سَنَدُهُ.
مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: (مَفْهُومُ الظَّرْفِ  مِنْ شَوَّالٍ) وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ حَرْفَ (مِنْ) فِي حَدِيثِ «أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ» هُوَ لِلِابْتِدَاءِ (أَيْ ابْتِدَاءً مِنْ شَوَّالٍ) وَلَيْسَ لِلتَّبْعِيضِ (أَيْ فِي شَوَّالٍ فَقَطْ)؛ فَمُقْتَضَى الْمَفْهُومِ أَنَّ تَعْيِينَ شَوَّالٍ فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّيْسِيرِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، لَا مَخْرَجَ الْحَصْرِ الزَّمَانِيِّ.
وَالقَضِيَّةُ فِيهَا: هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ (مَانِعَةُ خُلُوٍّ)؛
مَوْضُوعُهَا: صِيَامُ السِّتِّ بَعْدَ الْفِطْرِ.
مَحْمُولُهَا: إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَبَعاً لِرَمَضَانَ (صِفَةُ التَّبَعِيَّةِ) أَوْ أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً مُسْتَقِلَّةً (صِفَةُ النَّفْلِيَّةِ)
وَرَابِطَتُهَا: أَدَاةُ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ.
وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ: تَحْرِيرُ "الْعِلَّةِ"؛ فَعِلْمُ الْمَنْطِقِ هُنَا يُفَكِّكُ النَّزَاعَ: فَإِنْ غَلَبَتْ عِلَّةُ "التَّبَعِيَّةِ" مُنِعَ التَّدَاخُلُ (عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)، وَإِنْ غَلَبَتْ عِلَّةُ "النَّفْلِيَّةِ" جَازَ التَّدَاخُلُ (عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ)
~

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ: كِرَاءٍ، وَلَمْ يُقْبَلْ، أَوْ أَفْطَرَ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ أَوْ لِحَيْضٍ ثُمَّ حَصَلَ، أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ غِيبَةٍ، وَلَزِمَ مَعَهَا الْقَضَاءُ. إنْ كَانَتْ لَهُ، وَالْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا) يَعْنِي أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهِ الْمُكَلَّفُ إِلَى مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ مَقْبُولٍ أَوْ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى أَمْرٍ مَوْهُومٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حُكْمُ الْكَفَّارَةِ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الِانْتِهَاكِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ.
النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ
يَقُومُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى مَنَاطَاتٍ مَقَاصِدِيَّةٍ وَهِيَ
1 مَنَاطُ الْعِيَانِ وَمُعَارَضَةِ الْحُكْمِ
يَنْظُرُ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ رَأَى الْهِلَالَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ الَّذِي لَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّ الْحَاكِمِ لِشَهَادَتِهِ، فَإِفْطَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يُعَدُّ تَأْوِيلاً بَعِيداً لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى أَمْرٍ مَعْدُومٍ (وَهُوَ ظَنُّ أَنَّ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ) مَعَ عِلْمِهِ بِيَقِينِ الرُّؤْيَةِ، فَالْجُرْأَةُ هُنَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مَشْهُوراً.
2 مَنَاطُ الِاسْتِنَادِ لِلْمَوْهُومِ قَبْلَ وُقُوعِهِ
يَنْظُرُ الْمَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ لِعَادَةٍ فِي الْمَرَضِ أَوْ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ الْعُذْرُ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ هَتَكَ حُرْمَةَ الزَّمَانِ بِالْوَهْمِ، فَإِذَا أَفْطَرَ عَمْداً لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ وَقَعَ الْعُذْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الِانْتِهَاكِ.
3 مَنَاطُ التَّلَاعُبِ بِالنُّصُوصِ وَالْمَعَاصِي
يَنْظُرُ الْفِقْهُ إِلَى أَنَّ الْغِيبَةَ مَعْصِيَةٌ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ حِسّاً، فَمَنْ ظَنَّ إِبَاحَةَ الْفِطْرِ بِسَبَبِهَا فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ فِي التَّأْوِيلِ، فَلَزِمَهُ الزَّجْرُ. وَكَذَلِكَ الْحِجَامَةُ فِي قَوْلٍ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ لِوُجُودِ شُبْهَةِ حَدِيثِ (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ).
4 مَنَاطُ طَرْدِ الْقَاعِدَةِ فِي النَّفْلِ
يَنْظُرُ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي الْفَرْضِ (وَهُوَ الْعَمْدُ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ فِي النَّفْلِ، لِأَنَّ الْعَمْدَ الْحَرَامَ يَقْطَعُ عَهْدَ التَّطَوُّعِ وَيُوجِبُ جَبْرَهُ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَدُورُ مَعَ "قُوَّةِ الِانْتِهَاكِ".
أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ
أَوَّلًا مِنَ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الشَّاهِدَ لِلْهِلَالِ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ عَيْناً، فَمُخَالَفَتُهُ لِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ بَعْدَ الْعِيَانِ هِيَ انْتِهَاكٌ مَحْضٌ لَا يَعْذُرُهُ فِيهِ تَأْوِيلٌ.
ثَانِيًا مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
حَدِيثُ (لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ عَمْداً بِلَا عُذْرٍ حَاضِرٍ هُوَ إِبْطَالٌ لِلْعَمَلِ، وَمَا كَانَ إِبْطَالاً مُحَرَّماً فِي الْفَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، وَمَا كَانَ فِي النَّفْلِ اسْتَوْجَبَ الْقَضَاءَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَطَوِّعَيْنِ (اقْضِيَا يَوْماً مَكَانَهُ).
ثَالِثًا مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ
1 قَاعِدَةُ (الْمَعْدُومُ شَرْعاً كَالْمَعْدُومِ حِسّاً)؛ فَالْتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ لِمَوْجُودٍ هُوَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَلَا يَدْرَأُ الْعُقُوبَةَ.
2 قَاعِدَةُ (الْعِبْرَةُ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ)؛ فَلَمَّا ظَنَّ الْإِبَاحَةَ بِمَا لَا يُبِيحُ، عُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
رَابِعًا مِنَ الْقِيَاسِ
قِيَاسُ مَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ لِعَادَةِ الْحَيْضِ عَلَى مَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ لِعَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ ثُمَّ لَمْ يُسَافِرْ؛ فَكِلَاهُمَا أَفْطَرَ قَبْلَ رُخْصَةِ الزَّمَانِ، فَاشْتَرَكَا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِلتَّهَاوُنِ.
حُكْمُ مَسَائِلِ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ وَمُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.