جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

قضاء الفوائت عند المالكية

 وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً [1]. وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً [2] . والْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا [3] ، وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلافٌ [4]


[1]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ اسْتِدْرَاكِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي خَرَجَ وَقْتُهَا

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ إِذَا فَاتَتِ الْمُكَلَّفَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا فَوْراً، وَشَمَلَ لَفْظُ مُطْلَقاً جَمِيعَ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْعَمْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَائِتِ أَوْ كَثِيرِهَا، لِأَنَّ حَقَّ الشَّارِعِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَذَكُّرِهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ فَوْرَ الذِّكْرِ لِيُحَقِّقَ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: التَّصْرِيحُ النَّبَوِيُّ بِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لَا عِوَضَ لَهُ عَنْهَا وَلَا بَرَاءَةَ لِذِمَّتِهِ إِلَّا بِفِعْلِهَا، وَقَدْ رَتَّبَ الْفِعْلَ عَلَى حَالِ الذِّكْرِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ مُسْقِطاً لِلْفَرِيضَةِ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: مَا ثَبَتَ بِالْيَقِينِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْيَقِينِ؛ فَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ يَقِيناً بِدُخُولِ وَقْتِهَا، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْوُجُوبِ بِيَقِينٍ إِلَّا بَعْدَ فِعْلِهَا، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ رَافِعاً لِلْوُجُوبِ الثَّابِتِ.

٢. قَاعِدَةُ: الذِّمَّةُ إِذَا عُمِرَتْ بِفِعْلٍ لَا تَبْرَأُ إِلَّا بِأَدَائِهِ؛ فَكُلُّ صَلَاةٍ خَاطَبَ الشَّارِعُ بِهَا الْعَبْدَ صَارَتْ دَيْناً عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ بَرَاءَةً لِلْعُهْدَةِ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: نَقِيسُ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا حَقٌّ وَاجِبٌ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، فَكَمَا أَنَّ دَيْنَ الْبَشَرِ لَا يَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَيَجِبُ وَفَاؤُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ حَقَّ الْخَالِقِ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِالْقَضَاءِ تَعْظِيماً لَهُ.

٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ التَّعَبُّدِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا بِزَمَانِهَا فَقَطْ؛ نَقِيسُ الْفَائِتَةَ عَمْداً عَلَى الْفَائِتَةِ نِسْيَاناً؛ فَمَا دَامَ الشَّارِعُ قَدْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَوُجُوبُهُ عَلَى الْمُفَرِّطِ آكَدُ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ وَالْمُطَالَبَةِ بِتَبِعَةِ فِعْلِهِ.

[2]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الصَّلَوَاتِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاتَيْنِ الْحَاضِرَتَيْنِ الْمُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ يُعَدُّ شَرْطاً فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بَطَلَتِ الْعَصْرُ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ حَالَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَرْتِيباً زَمَانِيّاً يَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتاً مَحْدُوداً وَمَرْتَبَةً زَمَانِيَّةً مُعَيَّنَةً، وَالتَّوْقِيتُ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ، فَمَنْ قَدَّمَ صَلَاةً عَلَى صَلَاةٍ مَعَ إِمْكَانِ التَّرْتِيبِ فَقَدْ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَضْعِهَا الشَّرْعِيِّ الَّذِي رَسَمَهُ الْقُرْآنُ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقَامَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَقْدِيمِ الْعَصْرِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْمَغْرِبِ الْحَاضِرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ مَقْصُودٌ شَرْعاً، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْفَعُ التَّرْتِيبَ مِنْ مَرْتَبَةِ النَّدْبِ إِلَى مَرْتَبَةِ الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِطَاعَةِ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَوَاتُ مَوْقُوفَةً عَلَى صِفَةِ التَّرْتِيبِ كَمَا نُقِلَتْ عَنِ الشَّارِعِ، صَارَ التَّرْتِيبُ جُزْءاً مِنْ مَاهِيَّةِ الْأَدَاءِ الصَّحِيحِ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ مَعَ الْعِلْمِ بَطَلَ عَمَلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْهَيْئَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا.

٢. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالْعَصْرُ تَابِعَةٌ لِلظُّهْرِ فِي التَّرْتِيبِ الْيَوْمِيِّ، وَالْعِشَاءُ تَابِعَةٌ لِلْمَغْرِبِ، فَتَقْدِيمُ التَّابِعِ عَلَى مَتْبُوعِهِ مَعَ ذِكْرِ السَّبَقِ يُفْسِدُ نِظَامَ الْعِبَادَةِ، مِمَّا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُقَدَّمِ تَقْدِيماً لِحَقِّ التَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: نَقِيسُ تَرْتِيبَ الصَّلَوَاتِ فِيمَا بَيْنَهَا عَلَى تَرْتِيبِ الرَّكَعَاتِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ عَمْداً وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ النَّظْمِ التَّعَبُّدِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ.

٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ التَّسَلْسُلِ الزَّمَانِيِّ لِلْعِبَادَةِ؛ نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْحَاضِرَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ شَرْطاً؛ فَكَمَا أَنَّ الْبَدْءَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَةِ لِصِحَّتِهَا، فَكَذَلِكَ الْبَدْءُ بِمَا رَتَّبَهُ الشَّارِعُ مِنَ الصَّلَوَاتِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ أَوِ الْغَفْلَةِ.

[3]   إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ فِي نَفْسِهَا وَمَعَ الْحَاضِرَةِ الْيَسِيرَةِ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا؛ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْتِيبُ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ بِحَسَبِ سَبْقِهَا فِي الزَّمَانِ، فَيُقَدِّمُ الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ (وَهُوَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَقَلُّ) عَلَى الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَوْ أَدَّى هَذَا التَّقْدِيمُ إِلَى خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ، تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ فِي الذِّمَّةِ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ."

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الصَّلَوَاتِ فِي الذِّكْرِ تَبَعاً لِتَرْتِيبِهَا فِي الزَّمَانِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِقَامَةِ وِفْقَ هَذَا التَّرْتِيبِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَوَاتُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ × فِي قَضَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً كَمَا وَجَبَتْ أَوَّلاً دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَنْفُسِهَا، وَتَقْدِيمُهُ لَهَا عَلَى الْعِشَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ أَصْلٌ فِي تَقْدِيمِ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالصَّلَاةُ اللَّاحِقَةُ تَبَعٌ لِلسَّابِقَةِ فِي شَرْعِيَّةِ التَّرْتِيبِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ زَمَاناً عَلَى مَتْبُوعِهِ لِأَنَّ هَذَا النَّظْمَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ لِتَمْيِيزِ الْأَوْقَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.

٢. قَاعِدَةُ: الْقَلِيلُ يُلْحَقُ بِالْعَدَمِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْكَثِيرِ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْفَوَائِتُ يَسِيرَةً (خَمْساً) أُلْزِمَ الْمُصَلِّي بِتَقْدِيمِهَا لِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مُحْتَمَلَةٌ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُخْشَى مَعَهُ فَوَاتُ الْحَاضِرَةِ بِلَا جَدْوَى.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِحَسَبِ سَبْقِ الِانْشِغَالِ؛ نَقِيسُ قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ الْمَالِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْأَسْبَقِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الْأَسْبَقُ وُجُوباً هِيَ أَوْلَى بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ.

٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ: نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَجْزَاءٍ تَعَبُّدِيَّةٍ، فَكَمَا لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَدَّمُ الْعَصْرُ عَلَى الظُّهْرِ حِفْظاً لِهَيْئَةِ الْعِبَادَةِ كَمَا وَرَدَتْ.

[4]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ ضَابِطِ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ هَلْ هُوَ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلاف؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْعَدَدِ الَّذِي يَنْحَصِرُ بِهِ وَصْفُ الْيَسِيرِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ الَّتِي يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا؛ فَقِيلَ إِنَّ حَدَّ الْيَسِيرِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَثِيرٌ يَسْقُطُ مَعَهُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ؛ وَقِيلَ بَلِ الْيَسِيرُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَامِلَةٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اعْتِبَارُ الْخَمْسِ يَسِيراً.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مَعَ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ مَنُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَمَنِ اعْتَبَرَ الْخَمْسَ يَسِيراً رَأَى أَنَّ قَضَاءَ يَوْمٍ كَامِلٍ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوُسْعِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُتَحَمَّلُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْحَاضِرَةِ؛ بَيْنَمَا رَأَى مَنِ اعْتَبَرَ الْأَرْبَعَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَجْلِبُ الْحَرَجَ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × صَلَّى يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَائِتَةٍ هِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مُرَتَّبَةً.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُهُ × فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِانْشِغَالُ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ لِغَيْرِهَا؛ فَمَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا النَّصِّ الْفِعْلِيِّ؛ وَمَنْ قَالَ بِالخَمْسِ أَلْحَقَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَا طَرْداً لِلْبَابِ لِتَكْمُلَ صَلَوَاتُ الْيَوْمِ التَّامِّ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْخَمْسُ صَلَوَاتٍ تُقَارِبُ الْأَرْبَعَ فِي خِفَّةِ الْقَضَاءِ وَقِلَّةِ الزَّمَانِ، أُعْطِيَتْ حُكْمَ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ التَّرْتِيبِ تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ.

٢. قَاعِدَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَالْأَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَقِينٌ فِي كَوْنِهَا يَسِيراً لِوُرُودِ الْفِعْلِ النَّبَوِيِّ بِهَا، وَالْخَامِسَةُ مَحَلُّ شَكٍّ؛ فَمَنِ احْتَاطَ لِلْعِبَادَةِ أَلْحَقَ الْخَامِسَةَ لِيَسْتَبْرِئَ لِذِمَّتِهِ بِيَقِينِ الْوَفَاءِ لِصَلَوَاتِ يَوْمٍ كَامِلٍ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ الِاسْتِيعَابِ لِلْوِحْدَةِ الزَّمَانِيَّةِ الصُّغْرَى؛ نَقِيسُ عَدَدَ الْيَسِيرِ عَلَى عَدَدِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَدُورُ مَعَ الْيَوْمِ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْيَسِيرِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ هَذَا الْيَوْمَ (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) لِيَكُونَ التَّقْدِيمُ شَامِلاً لِكُلِّ مَا وَجَبَ فِيهِ.

٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ: نَقِيسُ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ؛ فَكَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْخَمْسِ لِيَحْصُلَ لَهُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَكَذَلِكَ جُعِلَتِ الْخَمْسُ حَدَّ الْيَسِيرِ لِيَحْصُلَ بِهَا بَرَاءَةُ التَّرْتِيبِ لِمَا فَاتَ فِيهِ.

موجبات الغسل عند السادة المالكية:

 موجبات الغسل عند السادة المالكية:
  • خروج المني بلذة المعتادة، يقظةً.
  • الاحتلام إذا وجد المني بعد الاستيقاظ.
  • مغيب الحشفة في الفرج (التقاء الختانين)، ولو لم يحصل إنزال.
  • انقطاع دم الحيض.
  • انقطاع دم النفاس.
  • الإسلام لمن أسلم وقد تقدمت له جنابة في حال كفره.
  • الموت، فيجب على الأحياء تغسيل الميت المسلم (فرض كفاية)،
الدخول في الإسلام ليس على إطلاقه من موجبات الغسل عند المالكية؛ بل المشهور أنه يجب الغسل على الكافر إذا أسلم وكان قد أصابته جنابة في حال كفره. أما إذا لم تحصل منه جنابة قبل الإسلام فالغسل في حقه مستحب عند كثير من المالكية، لا واجب.

فِقْهِ الزَّيْتُونِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ

 بَحْثِ "فِقْهِ الزَّيْتُونِ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، اعْتِمَاداً عَلَى مَا حَرَّرَهُ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَعَ حَاشِيَةِ الْإِمَامِ الدَّسُوقِيِّ؛ حَيْثُ نَسْتَخْرِجُ الْمَسَائِلَ النَّازِلَةَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ وَنُبَيِّنُ الْحُكْمَ الْقَضَائِيَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهَا :
 1. بَابُ الطَّهَارَةِ (مَنَاطُ قَبُولِ التَّطْهِيرِ لِلْأَعْيَانِ)
 الْمَسْأَلَةُ (حُكْمُ تَطْهِيرِ الزَّيْتُونِ الْمُمَلَّحِ إِذَا تَنَجَّسَ):
بَحَثَ الدَّرْدِيرُ فِي نَظَافَةِ الْأَعْيَانِ الَّتِي خَالَطَتْهَا النَّجَاسَةُ، وَقَرَّرَ أَنَّ (زَيْتُوناً مُلِحَ) بِنَجِسٍ، أَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ حَالَ تَمْلِيحِهِ، لَا يَطْهُرُ أَبَداً وَلَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ غَسْلاً؛ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْعِلَّةِ  هُنَا هُوَ أَنَّ الْمِلْحَ تَتَشَرَّبُهُ أَجْزَاءُ الزَّيْتُونِ الدَّاخِلِيَّةُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى عُمْقِ لَحْمِ الْحَبَّةِ، فَتَدْخُلُ النَّجَاسَةُ مَعَهُ إِلَى الْبَاطِنِ، فَيَتَعَذَّرُ وُصُولُ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ إِلَى الْجَوْفِ، فَيَبْقَى نَجِساً بِالْأَصَالَةِ وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ.
~~*~~
 2. بَابُ السِّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (مَادَّةُ آلَةِ السِّوَاكِ)
 الْمَسْأَلَةُ (اسْتِعْمَالُ خَشَبِ الزَّيْتُونِ فِي الِاسْتِيَاكِ):
عِنْدَ تَفْصِيلِ آلَةِ السِّوَاكِ الْمَنْدُوبِ، حَرَّرَ الدَّسُوقِيُّ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اسْتِعْمَالُ عُودِ الْأَرَاكِ، فَإِنْ عُدِمَ، جَازَ الِاسْتِيَاكُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ خُشُونَةٌ تُذْهِبُ الصُّفْرَةَ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ خَشَبَ الزَّيْتُونِ مَكْرُوهٌ لِلِاسْتِيَاكِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْأُكْلَةَ (وَهِيَ مَرَضٌ يَنْخَرُ الْأَسْنَانَ وَيَكْسِرُهَا)، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْجَرِيدُ وَالتُّوتُ وَالْجُمَّيْزُ وَطَرَفُ الثَّوْبِ خَشْيَةَ الضَّرَرِ الصِّحِّيِّ.
~~*~~
 3. بَابُ الْمُعَاوَضَاتِ النَّقْدِيَّةِ (مَنَعُ التَّرْكِيبِ الْمِعْيَارِيِّ فِِي الصَّرْفِ)
 الْمَسْأَلَةُ (دَفْعُ الزَّيْتُونِ مَعَ أُجْرَتِهِ لِلْمُعْصِرِ لِأَخْذِ زَيْتٍ عَاجِلٍ):
حَرَّرَ الدَّرْدِيرُ صُورَةً يَقَعُ فِيهَا النَّاسُ؛ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَيْتُوناً لِلْمُعْصِرِ وَيَدْفَعَ لَهُ أُجْرَةَ الْعَصْرِ نَقْداً، وَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَهُ "زَيْتاً حَاضِراً عِنْدَ الْجَزَّارِ أَوْ الْمُعْصِرِ" بِالتَّحَرِّي وَالتَّخْمِينِ. وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْمَنْعُ وَالْفَسَادُ لِلْعَقْدِ مُطْلَقاً، لِأَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ فِيهَا شَكٌّ فِي تَمَاثُلِ الزَّيْتِ (رِبَا الْجِنْسِ)؛ إِذِ الشَّكُّ فِِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الْجَائِزَةُ نِظَاماً فَهِيَ أَنْ يَعْصِرَ لَهُ زَيْتُونَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْتِبْدَالٍ، أَوْ يَخْلِطَ الزَّيْتُونَ مَعَ زَيْتُونِ غَيْرِهِ ثُمَّ يَقْسِمَا الزَّيْتَ النَّاتِجَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَسَبَ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
~~*~~
 4. بَابُ الرِّبَا وَالْأَقْوَاتِ (اتِّحَادُ الصِّنْفِ وَالْجِنْسِ)
 الْمَسْأَلَةُ 1 (الزَّيْتُونُ وَالزُّيُوتُ كَأَجْنَاسٍ رِبَوِيَّةٍ):
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً أَنَّ الزَّيْتُونَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (ذَوَاتِ الزَّيْتِ) الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ مَنَعِ النَّسِيئَةِ وَالْتَّفَاضُلِ، وَالزُّيُوتُ الْخَارِجَةُ مِنْهَا تُعْتَبَرُ أَصْنَافاً وَأَجْنَاساً مُخْتَلِفَةً تَبَعاً لِأُصُولِهَا (فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ السِّمْسِمِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ الْفُجْلِ جِنْسٌ)؛ وَبِنَاءً عَلَيْهِ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهَا مُنَاجَزَةً يَداً بِيَدٍ (كَلِتْرِ زَيْتِ زَيْتُونٍ بِلِتْرَيْنِ مِنْ زَيْتِ السِّمْسِمِ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَيُمْنَعُ التَّأْخِيرُ.
 الْمَسْأَلَةُ 2 (مُعَاوَضَةُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ رَطْباً أَوْ يَابِساً):
أَلْحَقَ الدَّسُوقِيُّ حُكْمَ الزَّيْتُونِ بِبَابِ اللَّحْمِ؛ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ جِنْساً بِجِنْسِهِ بِشَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ إِذَا كَانَا مَعاً رَطْبَيْنِ أَوْ يَابِسَيْنِ، وَيُمْنَعُ مَنعاً بَاتّاً بَيْعُ رَطْبِهِمَا بِبَابِسِهِمَا؛ لِأَنَّ جَفَافَ أَحَدِهِمَا يُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِي الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْقَاعِدَةُ تَمْنَعُهُ.
~~*~~
 5. بَابُ الرُّخَصِ وَالْعَرَايَا (اسْتِثْنَاءُ الثِّمَارِ الَّتِي تَيْبَسُ)
 الْمَسْأَلَةُ (جَوَازُ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الزَّيْتُونِ خَارِجَ مِصْرَ):
بَحَثَ الدَّرْدِيرُ شُرُوطَ رُخْصَةِ (الْعَرِيَّةِ) وَهِيَ شِرَاءُ الثَّمَرَةِ الْوَاهِبَةِ بِخَرْصِهَا تَمْراً لِلْحَاجَةِ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الثَّمَرَةِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَا يَقَعَ الرِّبَا. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ زَيْتُونَ غَيْرِ مِصْرَ (كَزَيْتُونِ الشَّامِ وَالْمَغْرِبِ الَّذِي يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ) تَجُوزُ فِيهِ رُخْصَةُ الْعَرِيَّةِ بِالشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ، بَيْنَمَا زَيْتُونُ مِصْرَ لَا تَجُوزُ فِيهِ الْعَرِيَّةُ؛ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ فِِي تِلْكَ الْبِيئَةِ لَا تَيْبَسُ بَلْ يُؤْكَلُ رَطْباً أَوْ يَفْسَدُ، فَمَا لَا يَيْبَسُ تَسْقُطُ عَنْهُ رُخْصَةُ الِاسْتِثْنَاءِ الْقَضَائِيِّ.
~~*~~
 6. بَابُ السَّلَمِ وَصِيَاغَةِ الشُّرُوطِ 
 الْمَسْأَلَةُ (تَعْيِينُ نَوْعِ الزَّيْتِ بِأَصْلِهِ وَآلَتِهِ فِي السَّلَمِ):
عِنْدَ كِتَابَةِ عُقُودِ السَّلَمِ فِِي الزُّيُوتِ، قَرَّرَ الدَّرْدِيرُ أَنَّ لَفْظَ "الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ" يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ الْبَلَدِ، لَكِنْ يَجِبُ فِِي صِيغَةِ الْعَقْدِ بَيَانُ النَّوْعِ الْمُعْصَرِ مِنْهُ كَوْنِهِ زَيْتُوناً (لِتَمْيِيزِهِ عَنِ السِّمْسِمِ وَالْكَتَّانِ)، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَرْطُ ذِكْرِ الْآلَةِ الَّتِي عُصِرَ بِهَا (مَعْصَرَةً كَانَتْ أَوْ مَاءً) لِأَنَّ النَّوْعَ الْغَالِبَ أَوْ الْوَسَطَ يَقُومُ مَقَامَ التَّفْصِيلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قَضَاءً عَنِ الْمَازِرِيِّ.
~~*~~
 7. بَابُ الْقِسْمَةِ وَالنِّظَامِ الْقَضَائِيِّ
 الْمَسْأَلَةُ (حُكْمُ قِسْمَةِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ الْمُشْتَرَكَةِ):
نَقَلَ الدَّرْدِيرُ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ إِذَا مَلَكُوا أَصْلَ شَجَرٍ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءً قِسْمَةُ (زَيْتُونَةٍ وَنَخْلَةٍ) مُشْتَرَكَتَيْنِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جُزَافاً بِتَعْيِينِ الْأَعْيَانِ، بِشَرْطِ اعْتِدَالِ الْقِيمَةِ الْمَالِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَتَرَاضِي الشَّرِيكَيْنِ؛ بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ وَالْآخَرُ النَّخْلَةَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ هِيَ قِسْمَةُ قُرْعَةٍ وَتَبْيِيضٍ تَرْفَعُ الضَّرَرَ وَالِاشْتِرَاكَ .
~~*~~
 8. بَابُ الْمُسَاقَاةِ (شُرُوطُ اِتِّحَادِ الْجُزْءِ فِي الْحَائِطِ)
 الْمَسْأَلَةُ 1 (مَنَعُ تَبْعِيضِ النِّسَبِ بَيْنَ الثِّمَارِ):
يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ  أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْعَامِلِ مُسْتَوِياً فِي كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَزْرَعَةِ؛ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ فِي التَّمْرِ النِّصْفُ وَفِِي الزَّيْتُونِ الرُّبُعُ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ وَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ تَفَاوُتَ النِّسَبِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَةِ وَتَرْكِيزِ الْعَامِلِ عَلَى الشَّجَرِ ذِي الْحِصَّةِ الْأَكْبَرِ، فَيَخْتَلُّ مَقْصِدُ الْعَقْدِ.
 الْمَسْأَلَةُ 2 (اشْتِرَاطُ عَصْرِ الزَّيْتُونِ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ):
الْمُعْتَمَدُ فِِي عَقْدِ مُسَاقَاةِ الزَّيْتُونِ أَنَّ النِّهَايَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْعَمَلِ تَكُونُ بِالْجُذَاذِ وَالْلَّقْطِ حَبّاً، لَكِنْ يَجُوزُ نِظَاماً اشْتِرَاطُ (عَصْرِ الزَّيْتُونِ) عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ، وَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ فِي السُّوقِ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عُرْفٌ، كَانَتْ أُجْرَةُ الْعَصْرِ وَعَمَلِهِ عَلَيْهِمَا مَعاً بِحَسَبِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ فِِي الزَّيْتِ.
~~*~~
 9. بَابُ الْإِجَارَةِ (مَنَعُ الصَّفَقَاتِ الْمُرَكَّبَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْفَسَادِ)
 الْمَسْأَلَةُ (شِرَاءُ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ عَصْرِهِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ):
حَرَّرَ الدَّرْدِيرُ فَرْقاً دَقِيقاً بَيْنَ جَوَازِ جَمْعِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ (كَشِرَاءِ جِلْدٍ عَلَى أَنْ يَخْرُزَهُ الْبَائِعُ نَعْلاً) لِإِمْكَانِ إِعَادَتِهِ عِنْدَ الْخَطَأِ، وَبَيْنَ تَمْنِيعِهِ فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي تَتَحَوَّلُ صِفَتُهَا كُلِّيّاً. وَالْمُعْتَمَدُ فَسَادُ وَبُطْلَانُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ عَلَى أَنْ يَعْصِرَهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ فَقْدَ شَرْطِ إِمْكَانِ الْإِعَادَةِ يَجْعَلُ الصَّفْقَةَ وَارِدَةً عَلَى مَخْرُجٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ فِِي عَيْنِهِ، فَيَسْرِي فَسَادُ جَهَالَةِ الْإِجَارَةِ إِلَى أَصْلِ عَقْدِ الْبَيْعِ.
~~*~~
 10. بَابُ الْأُجُورِ وَالْجِعَالَةِ (أُجْرَةُ الْعَامِلِ مِنَ الْمَحْصُولِ نَفْسِهِ)
 الْمَسْأَلَةُ 1 (أُجْرَةُ الْمُعْصِرِ صَاعاً مِنَ الزَّيْتِ النَّاتِجِ):
قَرَّرَ الدَّرْدِيرُ رُخْصَةً عُرْفِيَّةً لِلْمُزَارِعِينَ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الزَّيْتُونِ صَاعاً أَوِ رِطْلاً مِنَ "الزَّيْتِ" لِلْعَامِلِ فِي نَظِيرِ أُجْرَةِ عَصْرِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الزَّيْتُونُ مَعْرُوفاً عِنْدَ النَّاسِ لَا يَخْتَلِفُ خُرُوجُهُ؛ فَإِنْ كَانَ يُشَكُّ فِِي خُرُوجِ زَيْتِهِ (كَالْقَدِيمِ أَوِ الْمُصَابِ بِعَاهَةٍ) مُنِعَ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ، لِأَنَّ الْأَجِيرَ قَدْ يَعْمَلُ وَلَا يَخْرُجُ زَيْتٌ فَيَكُونُ غَرَراً.
 الْمَسْأَلَةُ 2 (الْجِعَالَةُ عَلَى لَقْطِ الزَّيْتُونِ بِنِصْفِ مَا يُجْمَعُ):
حَرَّرَ الدَّسُوقِيُّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ فِي الْمَزَارِعِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ نِظَاماً أَنْ يَقُولَ لِلْعَامِلِ: "الْقُطْ زَيْتُونِي هَذَا، وَمَا لَقَطْتَهُ فَلَكَ نِصْفُهُ"؛ وَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ جِعَالَةٌ اسْتُخِفَّتْ لِلْحَاجَةِ، وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ بِمَحْضِ اللَّقْطِ لَا بِالْعَقْدِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَنَعُ تَعْيِينِ الزَّمَنِ (فَلَا يَقُولُ الْقُطْ الْيَوْمَ) لِأَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَنِ مَعَ جَهَالَةِ النَّاتِجِ يُحَوِّلُهَا إِلَى إِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا يُمْنَعُ فِيهِ شَرْطُ قِسْمَتِهِ حُزَماً أَوْ قَتّاً بَلْ يَجِبُ تَعْيِينُ قِسْمَتِهِ حَبّاً بَعْدَ الْجَمْعِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْعَامِلِ.
~~*~~
 11. بَابُ الرُّخَصِ وَالْعَرَايَا (شَرْطُ لَفْظِ الْعَقْدِ لِلِاسْتِثْنَاءِ)
 الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ إِجْرَاءِ عَقْدِ الْعَرِيَّةِ فِي زَيْتُونِ غَيْرِ مِصْرَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوِ الْعَطِيَّةِ.
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رُخْصَةَ الْعَرِيَّةِ فِي الزَّيْتُونِ (الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ) مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَلْفِظَ الْمُعْرِي حِينَ الْإِعْطَاءِ بِلَفْظِ (الْعَرِيَّةِ) كَأَعْرَيْتُكَ، فَلَوْ لَفَظَ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الْمِنْحَةِ لَمْ تَصِحَّ الرُّخْصَةُ وَسَقَطَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ الِاسْتِثْنَائِيَّةَ الَّتِي تُخَالِفُ الْقِيَاسَ (لِوُقُوعِ الرِّبَا فِيهَا خَرْصاً) يَجِبُ فِيهَا الِالْتِزَامُ بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ سُنَّةً وَتَضِيقُ عَنِ التَّوَسُّعِ اللَّفْظِيِّ قَضَاءً.
~~*~~
 12. بَابُ السَّلَمِ وَصِيَاغَةِ الشُّرُوطِ (حُكْمُ الْإِطْلَاقِ عِنْدَ غِيَابِ التَّفْصِيلِ)
 الْمَسْأَلَةُ: كَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ فِِي عَقْدِ السَّلَمِ إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ "الْجَيِّدِ" أَوْ "الرَّدِيءِ" فِي زَيْتِ الزَّيْتُونِ دُونَ تَحْدِيدٍ.
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَفْسَدُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ، بَلْ يُحْمَلُ فِِي الْقَضَاءِ عَلَى النَّوْعِ الْغَالِبِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ غَالِبٌ يُعْرَفُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَلَدِ غَالِبٌ وَاسْتَوَتِ الْأَنْوَاعُ، قَضَى الْحَاكِمُ بِالْوَسَطِ (أَيِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ)؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ نَزَاهَةُ الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ غِيَابِ الشَّرْطِ التَّفْصِيلِيِّ مَنْعاً لِلْمُنَازَعَةِ.
~~*~~
 13. بَابُ الْأُجُورِ وَالْجِعَالَةِ (مَنَعُ تَعْيِينِ الزَّمَنِ مَعَ جَهَالَةِ النَّاتِجِ)
 الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ قَوْلِ رَبِّ الْحَقْلِ لِلْعَامِلِ: "الْقُطْ زَيْتُونِي (الْيَوْمَ) وَمَا اجْتَمَعَ فَلَكَ نِصْفُهُ".
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: فِِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَةَ فَاسِدَةٌ وَلَا خَيْرَ فِيهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ إِدْخَالَ تَعْيِينِ الزَّمَنِ (كَالْيَوْمِ) يُخْرِجُ الصَّفْقَةَ عَنْ بَابِ الْجِعَالَةِ الْمُوَسَّعَةِ وَيُدْخِلُهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِجَارَةُ لَا تَجُوزُ إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً فِِي نَفْسِهَا (إِذْ لَا يُدْرَى كَمْ سَيَجْمَعُ فِي الْيَوْمِ فِعْلًا)، فَلَمَّا تَرَاكَبَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ لَزِمَ الْفَسْخُ وَضَعاً.
~~*~~
 14. بَابُ الْإِجَارَةِ وَالْخُصُومَاتِ (مَنَاطُ الْقَوْلِ فِي قَبْضِ الْأُجْرَةِ)
 الْمَسْأَلَةُ: تَنَازُعُ صَاحِبِ الزَّيْتُونِ مَعَ صَاحِبِ الدَّابَّةِ الَّتِي نَقَلَتْ مَحْصُولَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي دَعْوَى قَبْضِ الْأُجْرَةِ.
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَمَّالِ (أَجِيرِ النَّقْلِ) بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبَضْ أُجْرَتَهُ، وَلَوْ بَلَغَا الْغَايَةَ الْمَكَانِيَّةَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأُجْرَةِ فِي الذِّمَّةِ، إِلَّا إِذَا وُجِدَ عُرْفٌ بِبَلَدِ النَّقْلِ يَقْضِي بِتَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ فِِي الزَّيْتُونِ، أَوْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفاً بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَحْمَالِ لِرَبِّهَا (بِمَا زَادَ عَلَى الْيَوْمَيْنِ)، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الْقَوْلُ لِلْمُكْتَرِي بِيَمِينِهِ تَبَعاً لِلِاسْتِقْرَارِ الْعُرْفِيِّ.

تَنْبيهاتٌ مُهِمَّةٌ :
تَحْدِيدِ مَوَاضِعِ الْمُخَالَفَةِ وَالدِّقَّةِ الْأُصُولِيَّةِ فِي خُصُوصِ الْمَسَائلِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ الَّتِي حَرَّرْنَاهَا أَنْفاً فِي فِقْهِ الزَّيْتُونِ، حَيْثُ نَفْرِزُهَا مَنَاطِيّاً إِلَى قِسْمَيْنِ 


 أَوَّلًا: الْمَسَائِلُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الدَّرْدِيرُ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ
 مَسْأَلَةُ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ لِدَارِ الضَّرْبِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي السِّيَاقِ السَّابِقِ):
عِنْدَ ذِكْرِ صُورَةِ الْمُسَافِرِ الَّذِي يَدْفَعُ ذَهَباً غَيْرَ مَسْكُوكٍ (تِبْراً) مَعَ أُجْرَةِ الصَّكِّ لِيَأْخُذَ مَسْكُوكاً حَاضِراً يَداً بِيَدٍ؛ جَزَمَ الدَّرْدِيرُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَشْرُوطٌ بِـ "اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ"، وَأَنَّ جَوَازَهُ مَعَ مُجَرَّدِ الْحَاجَةِ دُونَ اشْتِدَادٍ هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ.
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ وَابْنِ غَازِي هُوَ جَوَازُ هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْمُسَافِرِ "وَإِنْ لَمْ تَشْتَدَّ الْحَاجَةُ" لِمُجَرَّدِ خَوْفِ فَوَاتِ الرُّفْقَةِ أَوِ الرَّحِيلِ، فَتَقْيِيدُ الدَّرْدِيرِ بِالِاشْتِدَادِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَمَدِ الْمَنْصُوصِ قَضَاءً.
 مَسْأَلَةُ مِلْكِ الْأَجِيرِ لِحِصَّتِهِ فِي جِعَالَةِ اللَّقْطِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ - وَالَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الْعَاشِرَةِ):
مَشَى الدَّرْدِيرُ عَلَى طَرِيقَةِ عَبْدِ الْبَاقِي (عَبَقٍ) فِِي أَنَّ الْأَجِيرَ أَوِ الْجَاعِلَ لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْمَلْقُوطِ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَغِ مِنَ الْعَمَلِ كُلِّيّاً (بِاللَّقْطِ الْفِعْلِيِّ).
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: حَقَّقَ الدَّسُوقِيُّ نَقْلاً عَنِ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ وَبْنٍ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَجِيرَ "يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالْعَقْدِ لَا بِالْحَصَادِ وَاللَّقْطِ"، وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِِي أَنَّ مَا هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ اللَّقْطِ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا مَعاً لَا مِنْ رَبِّ الْحَقْلِ وَحْدَهُ.

~~*~~

 ثَانِيًا: الْمَسَائِلُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الدَّرْدِيرُ نَصَّ خَلِيلٍ أَوْ ظَاهِرَهُ
 مَسْأَلَةُ بَيْعِ الزَّيْتِ قَبْلَ عَصْرِهِ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ):
نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي الْمَتْنِ هُوَ: (وَزَيْتِ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ؛ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا أَنْ يُخَيَّرَ)، حَيْثُ أَطْلَقَ خَلِيلٌ جَوَازَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْخِيَارِ دُونَ تَقْيِيدٍ لِلْنَّقْدِ. لَكِنَّ الدَّرْدِيرَ زَادَ قَيْداً صَارِماً فِي الشَّرْحِ وَهُوَ: "وَأَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ".
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: هَذَا تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ لَمْ يَنُصَّ هُنَا عَلَى حَظْرِ النَّقْدِ، وَإِنَّمَا زَادَهُ الدَّرْدِيرُ إِصْلَاحاً لِلْمَتْنِ لِكَيْ لَا يُظَنَّ جَوَازُ تَعْجِيلِ الثَّمَنِ مَعَ الْخِيَارِ فِِي الْمَجْهُولِ، لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ تَمْنَعُ تَرَدُّدَ الْمَالِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ، فَصَنِيعُ الدَّرْدِيرِ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ الْخَلِيلِيِّ لِتَقْوِيمِ الْمَنَاطِ.
 مَسْأَلَةُ قَسْمِ الزَّرْعِ قَتّاً (تَابِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ):
جَزَمَ الدَّرْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: "وَيُمْنَعُ قَسْمُهُ قَتّاً وَإِنَّمَا يُقْسَمُ حَبّاً" تَقْيِيداً لِصُوَرِ اللَّقْطِ وَالْحَصَادِ.
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: هَذَا الْجَزْمُ خَالَفَ فِيهِ ظَاهِرَ نَصِّ خَلِيلٍ فِِي أَبْوَابٍ أُخْرَى تُجِيزُ قَسْمَ الْأَعْيَانِ وَالزَّرْعِ قَائِماً إِذَا يَبِسَ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ، وَالدَّرْدِيرُ بَنَى مَنَعَهُ هُنَا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَقْضِي بِمَنَعِ قَسْمِ الزَّرْعِ قَائِماً، وَحَقَّقَ الدَّسُوقِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ خَلِيلٍ الْجَوَازُ، وَأَنَّ اشْتِرَاطَ قَسْمِهِ حَبّاً هُوَ الَّذِي يُمْنَعُ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى الْأَجِيرِ.
 مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ الْعَصْرِ (الْمَسْأَلَةُ الْإِحْدَى عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ):
وَضَعَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِِي بَابِ الْإِجَارَةِ لِتَبْيِينِ فَسَادِ "تَرَاكُبِ الْعُقُودِ" (اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ مَعَ الْجُعْلِ فِِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ). لَكِنَّ الدَّرْدِيرَ عَلَّلَ الْفَسَادَ بِـ "جَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَصَالَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ".
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: الدَّرْدِيرُ هُنَا خَالَفَ ظَاهِرَ تَبْوِيبِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَتَرْتِيبِ مَسَائِلِهِ هَنْدَسِيّاً؛ لِأَنَّ صَنِيعَ خَلِيلٍ يُوهِمُ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَحْضُ الِاجْتِمَاعِ التَّنَافُرِيِّ بَيْنِ الْعُقُودِ، بَيْنَمَا نَقَلَ الدَّرْدِيرُ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ قَضَاءً هِيَ (جَهَالَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الزَّيْتِ)، فَهَدَّ ظَاهِرَ تَرْتِيبِ الْمَتْنِ لِيَنْتَصِرَ لِلْأَصْلِ الْمَذْهَبِيِّ الصَّحِيحِ رَدّاً عَلَى شُبْهَةِ ابْنِ عَاشِرٍ.
~~*~~
 فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِلافُ بَيْنَ لَفْظِ الْمَتْنِ وَتَوْجِيهِ شَرْحِ الدَّرْدِيرِ، وَبَيَانُ مَنْ مِنْهُمَا الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ :

 1. مَسْأَلَةُ بَيْعِ الزَّيْتِ قَبْلَ عَصْرِهِ (مَنْ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ: الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ)
 تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: لَفْظُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي إِطْلَاقِ جَوَازِ الْخِيَارِ دُونَ ذِكْرِ مَنَعِ النَّقْدِ هُوَ ظَاهِرٌ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ فَسَادُ الْعَقْدِ إِذَا نُقِدَ الثَّمَنُ بِشَرْطٍ مَعَ قِيَامِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِي الْمَجْهُولِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الدَّرْدِيرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ وَأَصْلَحَ الْمَتْنَ بِقَيْدِهِ الزَّائِدِ (وَأَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ) نَفْياً لِعِلَّةِ تَرَدُّدِ النَّقْدِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ خَلِيلٌ كَانَ مَحَلَّ اعْتِرَاضِ الشُّرَّاحِ لِإِيهَامِهِ الْجَوَازَ مُطْلَقاً.

~~*~~

 2. مَسْأَلَةُ قَسْمِ الزَّرْعِ قَتّاً (مَنْ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ: الشَّيْخُ خَلِيلٌ)
 تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: جَزَمَ الدَّرْدِيرُ بِمَنَعِ الْقِسْمَةِ قَتّاً لِلْزَّرْعِ بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَمْنَعُ قَسْمَ الزَّرْعِ قَائِماً خَشْيَةَ الْغَرَرِ. لَكِنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ وَالْمَشْهُورِ فِي نُصُوصِ الْمَذْهَبِ هُوَ جَوَازُ قَسْمِ الْأَعْيَانِ وَالزَّرْعِ قَائِماً مَحْصُوداً إِذَا يَبِسَ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ خَلِيلٍ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ. إِذَنْ، الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي ظَاهِرِهِ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ ، بَيْنَمَا ضَيَّقَ الدَّرْدِيرُ فِِي شَرْحِهِ بِنَاءً عَلَى فَرْعٍ مَرْجُوحٍ، فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْقَسْمِ حَبّاً هُوَ الْمَمْنُوعُ قَضَاءً لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى الْأَجِيرِ.

~~*~~
 3. مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ الْعَصْرِ (الْوِفَاقُ مَنَاطِيٌّ: الْمَتْنُ فِي الْحُكْمِ وَالشَّرْحُ فِي الْعِلَّةِ)
 تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ؛ فَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ الْقَضَائِيُّ لِلْمَنْعِ كِلَاهُمَا وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ (فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ اتِّفَاقاً عَنِ الْمُدَوَّنَةِ). لَكِنْ مِنْ حَيْثُ تَحْرِيرِ الْعِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الدَّرْدِيرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ تَمَاماً؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ هِيَ (جَهَالَةُ الْمَبِيعِ أَصَالَةً لِأَنَّهُ مَخْرُجٌ مَجْهُولٌ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ) كَمَا عَلَّلَ الدَّرْدِيرُ، أَمَّا تَرْتِيبُ خَلِيلٍ لِلْمَسْأَلَةِ فِِي أَبْوَابِ التَّرَاكُبِ الْعَقْدِيِّ (بَيْعٌ وَجُعْلٌ) فَقَدْ جَرَّ خَلَافاً نَظَرِيّاً لَمْ يَرْتَضِهِ الشُّرَّاحُ وَتَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ عَاشِرٍ خَطَأً، فَالْمُعْتَمَدُ تَعْلِيلُ الشَّرْحِ لَا هَنْدَسَةُ الْمَتْنِ.


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من كتابي :
إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل

كِتَابِ «تَحْلِيلِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ

بشْرَى لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ : 
رَفْعُ كِتَابِ «تَحْلِيلِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ - لِفَهْمِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»  لِلتَّحْمِيلِ  عَبْرَ قَنَاةِ مَجَالِسِ الْمَذَاهِبِ! 
 الْمُصَنَّفُ   هُوَ مَادَّةٌ  مًتَخَصِّصة  لِطَالِبِ الْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي يَبْغِي مَلَكَةَ التَّحْقِيقِ؛ إِذْ إِنَّ مُخْتَصَرَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابٍ صُفَّتْ مَسَائِلُهُ وَاخْتُصِرَتْ، بَلْ هُوَ دِيوَانٌ حَوَى مِنَ الْعُلُومِ الدَّقِيقَةِ مَا يَبْهَرُ الْعُقُولَ، وَقَدْ جَرَى فِيهِ تَقْرِيرُ الْفِقْهِ مَرْبُوطاً بِآلَاتِهِ 
وبَعْدَ أَنْ دَرَسْنَاهُ سَابِقاً بِمَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ وَالدَّلَالَاتِ، ثُمَّ الْبَلَاغَةِ وَالنَّحْوِ والْمَناطات الْفقْهيّة
وَالْآنَ نَشْرَعُ  فِي سَبْرِ أَغْوَارِه بِأَدَوَاتِ «عِلْمِ الْمَنْطِقِ»، حَيْثُ بَذَلْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مَنْهَجاً تَحْلِيلِيّاً  يَقُومُ عَلَى إِخْضَاعِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ لِلْقَوَاعِدِ وَالْأَقْيِسَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ لِتَدْرِيبِ الذِّهْنِ عَلَى عُمْقِ الِاسْتِدْلَالِ. الْكِتَابُ مُتَاحٌ الْآنَ بِصِيغَةِ PDF

مسائل يجبر عليها بالبيع

 الْمَسَائِلُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ الَّتِي يُجْبَرُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ شَرْعًا
(وَهِيَ مَحَارِزُ الْجَبْرِ بِحَقٍّ الَّتِي تُخَالِفُ الْجَبْرَ الْحَرَامَ) تَعُودُ جَمِيعُهَا إِلَى مَنَاطِ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ وَالْجِنَايَةِ عَنِ الْغَيْرِ".
وَقّدْ نَظَمَها الإمامُ الرَّهونيُّ المالِكيُّ بأبْياتٍ
 1. جَبْرُ الْمِدْيَانِ لِوَفَاءِ الْغُرَمَاءِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: يُجْبِرُ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ (الْمُمَاطِلَ أَوِ الْمُفْلِسَ) عَلَى بَيْعِ عُرُوضِهِ وَعَقَارِهِ لِتَسْدِيدِ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ ظُلْمٌ لِحَدِيثِ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»، وَفِيهِ تَقْدِيمُ حَقِّ الْمَظْلُومِينَ عَلَى رِغْبَةِ الظَّالِمِ.
 2. بَيْعُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: مَنْ جَبُرَ نَفْسَهُ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجَتِهِ، أَوْ أَوْلَادِهِ، أَوْ أَبَوَيْهِ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ جَبْرًا لِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ عَنِ الْهَلَاكِ وَالضَّيَاعِ وَاجِبٌ مُقَدَّمٌ، وَالْإِنْفَاقُ حَقٌّ لَازِمٌ لَا يَسْقُطُ بِالِامْتِنَاعِ.
 3. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا ضَاقَ مَسْجِدُ الْجُمُعَةِ (الْجَامِعُ) بِالْمُصَلِّينَ، أُجْبِرَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ عَلَى بَيْعِهَا لِلْمَسْجِدِ بِقِيمَتِهَا؛ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ إِقَامَةِ الشَّعِيرَةِ الْعَامَّةِ لِلْأُمَّةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْفَرْدِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ تَعْوِيضِهِ الْعَادِلِ.
 4. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: يُجْبِرُ الْإِمَامُ صَاحِبَ الْعَقَارِ عَلَى دَفْعِ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِهِ لِتَوْسِعَةِ سَبِيلِ النَّاسِ إِذَا ضَاقَتْ بِهِمْ وَأَضَرَّتْ بِمُرُورِهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ لِلْكَافَّةِ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ حَقِّ الِاخْتِصَاصِ لِلْآحَادِ، وَالضَّرَرُ الْعَامُّ يُزَالُ بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْخَاصِّ.
 5. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ الْمَقْبَرَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا غَصَّتْ مَقَابِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُوجَدْ مَدْفَنٌ، أُجْبِرَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْمُلَاصِقَةِ عَلَى الْبَيْعِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ دَفْنَ الْمُسْلِمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، فَصَارَ الْبَيْعُ هُنَا مُتَعَيِّنًا لِلضَّرُورَةِ.
 6. جَبْرُ الْمُحْتَكِرِ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْحَاجَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: مَنْ حَبَسَ الْأَقْوَاتَ وَالطَّعَامَ عَنِ النَّاسِ فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ وَالضِّيقِ رَجَاءَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ إِلَى السُّوقِ وَبَاعَهُ جَبْرًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ زَجْرًا لَهُ عَنِ الْإِضْرَارِ، وَدَفْعًا لِلْمَخْمَصَةِ وَالْهَلَاكِ عَنِ الْأُمَّةِ.
 7. بَيْعُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ أَوْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمُصْحَفِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا مَلَكَ الْكَافِرُ مُصْحَفًا، أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ صَبِيًّا صَغِيرًا، أُجْبِرَ قَضَاءً عَلَى بَيْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَوْرًا؛ لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُوَ قَطْعُ سَبِيلِ الْوِلَايَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.
 8. بَيْعُ مَالِ مُلْتَزِمِ الْإِقْلِيمِ لِوَفَاءِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ الْحَقِّ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا جَبَى عَامِلُ الْبَلَدِ أَوِ الْمُلْتَزِمُ الْأَمْوَالَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ الْحَقِّ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، بَاعَ السُّلْطَانُ عُرُوضَهُ جَبْرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ الثُّغُورِ وَالْجُيُوشِ وَالْمَنَافِعِ الْكُلِّيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
 9. جَبْرُ صَاحِبِ الْمَاءِ عَلَى بَيْعِهِ لِمَنْ بِهِ عَطَشٌ أَوْ لِزَرْعِهِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا مَلَكَ رَجُلٌ بِئْرًا أَوْ عَيْنَ مَاءٍ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَاحْتَاجَ جَارُهُ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ لِسَقْيِ نَفْسِهِ أَوْ دَوَابِّهِ أَوْ زَرْعِهِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَصْلُ الْحَيَاةِ، وَالْمَنْعُ فِيهِ يُفْضِي إِلَى إِهْلَاكِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ مَعَ وُجُودِ الْغِنَى عَنْهُ.
 10. بَيْعُ مِلْكِ صَاحِبِ الْفَدَّانِ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ لِلْحِرَاسَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا احْتَاجَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلُ الثَّغْرِ إِلَى إِقَامَةِ حِصْنٍ أَوْ مَوْقِعٍ لِلْحِرَاسَةِ مِنَ الْعَدُوِّ فِي أَرْضِ رَجُلٍ (كَفَدَّانٍ فِي رَأْسِ جَبَلٍ)، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا لِلسُّلْطَانِ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ حِمَايَةَ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّ الْعَدُوِّ عَنِ الدِّمَاءِ أَعْظَمُ الْفُرُوضِ، فَتَبْطُلُ فِيهَا خُصُوصِيَّةُ الْمِلْكِ دَفْعًا لِلِاسْتِئْصَالِ.
 11. جَبْرُ صَاحِبِ الْفَرَسِ أَوِ الْجَارِيَةِ إِذَا طَلَبَهَا السُّلْطَانُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا تَعَيَّنَتْ دَابَّةُ رَجُلٍ (كَفَرَسٍ سَرِيعٍ لِلْبَرِيدِ) أَوْ أَمَتُهُ لِحَاجَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ قَاطِعَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ دَفْعِهَا إِضْرَارٌ عَامٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا بِالْقِيمَةِ؛ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ تَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا الَّتِي لَا تَنْدَفِعُ بِغَيْرِهَا.
 12. جَبْرُ صَاحِبِ الْعِلْجِ عَلَى بَيْعِهِ لِفِدَاءِ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا طَلَبَ الْعَدُوُّ عَلْجًا (أَسِيرًا أَوْ عَبْدًا كَافِرًا) مُعَيَّنًا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ، وَشَرَطُوا أَنَّهُ لَا فِكَاكَ لِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِهِ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ لِيُفَادَى بِهِ؛ لِأَنَّ فِكَاكَ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ يَتَعَلَّقُ بِحُرِّيَّتِهِ وَدِينِهِ، فَيُرْجَحُ عَلَى مِلْكِيَّةِ الرَّقِيبِ لِلْعَبْدِ، وَيُعْطَى سَيِّدُهُ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
 13. بَيْعُ مَسْلَكِ الْمَاءِ (مَجْرَى الْمَاءِ) لِلْقَوْمِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا احْتَاجَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى سَوْقِ الْمَاءِ لِأَرْضِهِمْ أَوْ بُيُوتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْلَكٌ إِلَّا فِي أَرْضِ رَجُلٍ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ مَوْضِعِ الْمَجْرَى بِثَمَنِ الْمِثْلِ شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ لِغَيْرِ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ (أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ)؛ لِأَنَّ مَنْعَ مَسْلَكِ الْمَاءِ فِيهِ تَعْطِيلٌ لِمَنَافِعِ الْأَرْضِ وَتَعْطِيشٌ لِلزُّرُوعِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا قِوَامُ الْمَعَاشِ.
.

لتفصيل المسألة انظر  كِتابي إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - كتاب البيةع ج 20

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.