التفصيل في أحكام الشك في الطهارة عند السادة المالكيةللشك في الطهارة عند المالكية ثلاث صور، ولكل صورة حكمها، ويختلف الحكم قبل الصلاة عنه أثناءها، وهو من دقائق المذهب التي انفرد بها عن الجمهور في بعض المسائل.الصورة الأولى: الشك في الوضوءوهي أن يتيقن الحدث، ثم يشك: هل توضأ بعده أم لا؟فهذه الصورة يجب فيها الوضوء اتفاقًا، ولو كان الشخص مستنكحًا؛ لأنه متيقن من وجود المانع، شاك في وجود الشرط، ولا تصح العبادة مع الشك في تحقق شرطها.الصورة الثانية: الشك في الحدثوهي أن يتيقن الطهارة، ثم يشك: هل أحدث بعدها أم لا؟وهذه هي الصورة التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، والمشهور في مذهب المالكية أن عليه إعادة الوضوء، إلا إذا كان مستنكحًا؛ لأن الأصل عندهم أن الذمة مشغولة بوجوب الصلاة المشروطة بالطهارة، فلا تبرأ إلا بيقين بتحقق شرطها.وأصل هذا المذهب ما جاء في المدونة، قال مالك:«من توضأ فشك في الحدث، فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا، فإنه يعيد الوضوء.»وقال ابن القاسم في المدونة:قلت: أرأيت من توضأ فأيقن بالوضوء، ثم شك بعد ذلك فلم يدر أحدث أم لا؟ قال: إن كان ذلك يستنكحه كثيرًا فهو على وضوئه، وإن كان لا يستنكحه فليعد وضوءه، وهو قول مالك، وكذلك كل مستنكح مبتلى في الوضوء والصلاة.ولم يقتصر ترجيح هذا المذهب على المالكية، بل وافقهم عليه بعض كبار المحققين من غيرهم.قال الحافظ العراقي الشافعي:«ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل.»وقال ابن القيم الحنبلي:«فإن قلتم: لا نخرجه من الطهارة بالشك، قال مالك: ولا ندخله في الصلاة بالشك، فيكون قد خرج منها بالشك. فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم: ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك.»فإن قيل: كيف جعل المالكية مجرد الشك مؤثرًا هنا، مع أن الشك في المانع ملغى في نظائره، كالطلاق والظهار والعتاق والرضاع؟فالجواب: أن المالكية إنما استثنوا هذه المسألة؛ مراعاةً لسهولة الوضوء وكثرة نواقضه، فاحتاطوا للصلاة؛ لأنها المقصودة، كما ذكره الصاوي.الصورة الثالثة: الشك في السابق من الحدث والطهارةوهي أن يتيقن أنه توضأ وأحدث، لكنه يجهل أيهما كان آخرًا.فهذه الصورة يجب فيها الوضوء، ولو كان مستنكحًا؛ لأنه شاك في بقاء شرط الصلاة، ولا سبيل إلى استصحاب أحد الأمرين دون الآخر.أحكام هذه الصور أثناء الصلاةما سبق إنما هو قبل الدخول في الصلاة، أما إذا طرأ الشك أثناء الصلاة، فالحكم يختلف.ففي الصورة الأولى: إذا تيقن الحدث وشك في الوضوء، وجب عليه قطع الصلاة وإعادة الوضوء؛ لأنه شاك في تحقق شرطها.وفي الصورة الثالثة: كذلك يقطع الصلاة؛ لأن الطهارة غير متيقنة.أما في الصورة الثانية، وهي أن يدخل الصلاة متيقنًا للطهارة، ثم يطرأ عليه أثناءها شك: هل أحدث أم لا؟ فإنه يمضي في صلاته وجوبًا؛ لأنه دخلها بيقين، فلا يقطع حرمة الصلاة بمجرد الشك.فإن استمر شكه بعد الفراغ من الصلاة أعادها على المشهور؛ لأنه تبين أنه أوقعها مع الشك في شرطها.أما إذا لم يطرأ الشك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فلا أثر له، ولا تلزمه الإعادة، ما لم يتيقن الحدث؛ لأن العبادة وقعت بيقين، فلا تبطل بشك حادث بعدها.والله تعالى أعلم وأحكم.
جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
⏳
جاري المعالجة...
يرجى الانتظار لحين ترحيل البيانات السحابية...
📢 جَدِيدُنَا:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين، ، والحمد لله رب العالمين ، لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نفسه
أَهْلًا وَسَهْلًا بِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْأَثَرِ، وَمَرْحَبًا بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى دِرَاسَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ الْمَعْمُورِ بِأَنْوَارِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، حَيْثُ نَسْعَى فِي هَذَا الْمَوْقِعِ إِلَى تَقْرِيبِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَتَحْرِيرِ أَدِلَّتِهَا النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، مُعْتَمِدِينَ فِي مَنْهَجِنَا تَتَبُّعَ أَقْوَالِ الْمُتُونِ الْمُعْتَمَدَةِ وَشُرُوحِهَا الْمُعْتَبَرَةِ دُونَ تَحَيُّزٍ، مَعَ الْعِنَايَةِ التَّامَّةِ بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِيةِ وَتَوْجِيهِ الْأَقْيِسَةِ الْفِقْهِيَّةِ كَقِيَاسِ الطَّرْدِ وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ عَلَى مَشْهُورِ مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ، لِيَجِدَ الْبَاحِثُ بُغْيَتَهُ وَالْمُتَفَقِّهُ طَرِيقَهُ الصَّحِيحَ فِي دَرْكِ مَآخِذِ الْأَحْكَامِ وَتَنْقِيحِهَا. ،
وبه استعين، ، والحمد لله رب العالمين ، لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نفسه
أَهْلًا وَسَهْلًا بِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْأَثَرِ، وَمَرْحَبًا بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى دِرَاسَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ الْمَعْمُورِ بِأَنْوَارِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، حَيْثُ نَسْعَى فِي هَذَا الْمَوْقِعِ إِلَى تَقْرِيبِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَتَحْرِيرِ أَدِلَّتِهَا النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، مُعْتَمِدِينَ فِي مَنْهَجِنَا تَتَبُّعَ أَقْوَالِ الْمُتُونِ الْمُعْتَمَدَةِ وَشُرُوحِهَا الْمُعْتَبَرَةِ دُونَ تَحَيُّزٍ، مَعَ الْعِنَايَةِ التَّامَّةِ بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِيةِ وَتَوْجِيهِ الْأَقْيِسَةِ الْفِقْهِيَّةِ كَقِيَاسِ الطَّرْدِ وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ عَلَى مَشْهُورِ مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ، لِيَجِدَ الْبَاحِثُ بُغْيَتَهُ وَالْمُتَفَقِّهُ طَرِيقَهُ الصَّحِيحَ فِي دَرْكِ مَآخِذِ الْأَحْكَامِ وَتَنْقِيحِهَا. ،
خَصَائصُ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ
مَسْأَلَةُ اتِّهَامِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ بِالتَّضْيِيقِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَدَى انْعِكَاسِ ذَلِكَ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ (أَيْ الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا عَنِ الْبَقِيَّةِ)، هِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْكِيكٍ مَوْضُوعِيٍّ بَعِيداً عَنِ الْأَحْكَامِ السَّطْحِيَّةِ. وَظَاهِرُ التَّحْقِيقِ فِي هَذَا الْجَانِبِ يَنْقَسِمُ إِلَى مِحْوَرَيْنِ:
أَوَّلًا: هَلْ يُضَيِّقُ الْمَالِكِيَّةُ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ؟
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُضَيِّقُونَ فِي الْمُعَامَلَاتِ هُوَ وَصْفٌ غَيْرُ دَقِيقٍ؛ بَلْ وَاقِعُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقُومُ عَلَى دِعَامَتَيْنِ مُتَوَازِنَتَيْنِ تُعْطِيَانِهِ مُرُونَةً فَرِيدَةً مِنْ جِهَةٍ، وَانْضِبَاطاً صَارِماً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
1. الْمُرُونَةُ وَالتَّوْسِعَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ وَالْأَعْرَافِ: الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ مِنْ أَوْسَعِ الْمَذَاهِبِ فِي اعْتِبَارِ عِلَلِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَقَاصِدِهَا. فَهُمْ يَأْخُذُونَ بِـ (الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) وَ(الْعُرْفِ) وَ(الِاسْتِحْسَانِ)، وَيُجِيزُونَ مِنَ الْعُقُودِ مَا تَشْتَدُّ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ الظَّاهِرَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ تَوَسُّعُهُمْ فِي إِجَازَةِ عَقْدِ الْجَعَالَةِ، وَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَكِراءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي جَوَانِبَ مُحَدَّدَةٍ، وَمُرُونَتُهُمْ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ.
2. الْحَيْطَةُ وَالتَّشْدِيدُ بِاعْتِبَارِ الذَّرَائِعِ وَالْغَرَرِ: فِي الْمُقَابِلِ، يَظْهَرُ الْمَذْهَبُ "مُشَدِّداً" فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِسَبَبِ إِعْمَالِهِمْ لِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ هُمَا: (سَدُّ الذَّرَائِعِ) وَ(مَنْعُ الْغَرَرِ وَالرِّبَا). فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى صُوَرِ الْعُقُودِ الظَّاهِرَةِ فَحَسْبُ بَلْ يَنْفُذُونَ إِلَى الْمَقَاصِدِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمُوا بُيُوعَ الْآجَالِ (كَالْعِينَةِ) سَدّاً لِذَرِيعَةِ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْعَقْدِ صَحِيحاً. كَمَا أَنَّهُمْ دَقِيقُونَ جِدّاً فِي مَنْعِ أَيِّ جَهَالَةٍ قَدْ تُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ (كَمَسْأَلَةِ إِجَارَةِ السَّمْسَارِ بِمَا زَادَ عَنِ الثَّمَنِ).
فَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ لَيْسَ تَضْيِيقاً لِمُجَرَّدِ التَّضْيِيقِ، بَلْ هُوَ حِمَايَةٌ لِلنِّظَامِ الْمَالِيِّ وَاسْتِقْرَارِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَنْعِ الْخُصُومَاتِ.
ثَانِيًا: هَلْ يَكْثُرُ مُفْرَدَاتُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْكِتَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟
إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِـ "الْكِتَابِ" هُوَ مَتْنُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ أَوْ مُصَنَّفَاتِ الْمَذْهَبِ التَّقْرِيرِيَّةِ، فَإِنَّ طَبِيعَةَ صِيَاغَةِ الْمَسَائِلِ فِيهَا تَعْكِسُ تَمَاماً هَذَا التَّوَازُنَ الْأُصُولِيَّ. وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ وُرُودِ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ إِلَى نَوْعَيْنِ:
مُفْرَدَاتُ التَّيْسِيرِ: حَيْثُ يَنْفَرِدُ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ (كَالشَّافِعِيَّةِ مِثْلًا) بِإِجَازَةِ بُيُوعٍ أَوْ شُرُوطٍ تَسْهِيلاً عَلَى النَّاسِ، مِثْلَ إِجَازَةِ بَيْعِ الْعَقَارِ الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي مَفْهُومِ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ بِحَصْرِهِ فِي (الِاقْتِيَاتِ وَالِادِّخَارِ) فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، مِمَّا أَخْرَجَ الْفَوَاكِهَ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْمَكْسَرَاتِ عَنْ دَائِرَةِ الرِّبَوِيَّاتِ، وَهَذَا فِيهِ تَوْسِعَةٌ كَبِيرَةٌ لَا تَضْيِيقٌ.
مُفْرَدَاتُ الِاحْتِيَاطِ: وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي مَنَعَهَا الْمَالِكِيَّةُ وَانْفَرَدُوا بِتَشْدِيدِ الضَّوَابِطِ فِيهَا لِأَجْلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ (مِثْلَ التَّوَسُّعِ فِي صُوَرِ مَنْعِ بُيُوعِ الآجَالِ، وَمَنْعِ بَعْضِ صُوَرِ الشَّرِكَاتِ الَّتِي فِيهَا خَطَرٌ أَوْ غَرَرٌ).
وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ وُرُودَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لَا يَسِيرُ فِي اتِّجَاهِ التَّضْيِيقِ الْمُطْلَقِ، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِتَطْبِيقِ أَدِلَّةِ الْمَذْهَبِ خُصُوصاً (قِيَاسَ الْعِلَّةِ) الْمَبْنِيَّ عَنِ الْغَرَرِ أَوِ الرِّبَا، وَمُرَاعَاةِ (قِيَاسِ الطَّرْدِ) فِي إِبْقَاءِ الْأُصُولِ مُطَّرِدَةً. فَمَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ تَضْيِيقاً هُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ضَبْطٌ لِلْعُقُودِ حَتَّى لَا تَتَحَوَّلَ إِلَى نِزَاعَاتٍ، وَمَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ تَسَاهُلًا هُوَ عِنْدَهُمْ فِقْهُ وَاقِعٍ وَمُرَاعَاةٌ لِحَاجَاتِ النَّاسِ وَمَعَايِشِهِمْ.
... القسم :
خصائص المذهب المالكي
أقسام البدعة
أقسام البدعة عند من يقسمها إلى الأحكام الخمسة
يظن بعض الناس أن لفظ البدعة إذا أطلق فلا يراد به إلا المحرم، وهذا ليس على إطلاقه، بل هو مبني على اختلاف العلماء في تعريف البدعة.
فمن عرَّف البدعة بأنها: كل أمر مُحدث لم يكن في العهد الأول، سواء كان في العبادات أو الوسائل أو العادات، قسَّمها بحسب حكمها الشرعي إلى خمسة أقسام.
أما من عرَّف البدعة بأنها: ما أُحدث في الدين مما لا أصل له في الشرع، فإنه يقول: البدعة الشرعية كلها ضلالة، ولا يدخل في اسم البدعة ما كان له أصل شرعي أو كان من المصالح المرسلة أو الوسائل.
ولذلك فالنزاع في كثير من صوره اصطلاحي أكثر منه حقيقي.
وقد قال العلامة ابن غازي المكناسي المالكي:
تابعًا وفاقًا لِمَنْ قَسَّمَا هذي البدعَ خمسةً فانظما
واجبةٌ كنقطِ كتبِ العلمِ ومصحفٍ لأجلِ حفظِ الفهمِ
ومستحبةٌ كالمحاريبِ والجسورِ والمدارسِ وما أشبهها من الأمورِ
ثم مباحةٌ كدقيقِ المنخولِ وما جرى مجراه من المأكولِ
وذاتُ كرهٍ نحوُ أكلِ الخِوانِ على مثالٍ ذكره بعضُ أهلِ الشأنِ
ثم حرامٌ كالتشبُّهِ بالكفارِ فيما هو من خصائصِ شعارِهم الظاهرِ
شرح الأقسام
أولًا: البدعة الواجبة
وهي ما كان إحداثه وسيلةً لا بد منها لحفظ الدين وإقامة الواجبات، مثل:
نقط المصحف وشكله.
تدوين علوم العربية.
تدوين مصطلح الحديث وأصول الفقه وغيرها من العلوم الخادمة للشريعة.
وهذه لم تكن في عصر النبوة بهذه الصورة، ثم أُحدثت لمصلحة شرعية راجحة.
ثانيًا: البدعة المستحبة
وهي ما كان فيه مصلحة راجحة دون أن يبلغ حد الوجوب، كإنشاء:
المدارس. الجسور.
بعض الأبنية التي تعين على إقامة شعائر الدين، كالمحاريب عند من عدها من هذا الباب.
ثالثًا: البدعة المباحة
وهي ما استحدث من أمور العادات التي لا يتعلق بها مدح ولا ذم شرعي، مثل:
استعمال الدقيق المنخول.
التوسع في أنواع الأطعمة والملابس والمراكب والمساكن مما أباحه الشرع.
رابعًا: البدعة المكروهة
ذكر بعض المتقدمين لها أمثلة كالأكل على الخوان، إلا أن هذا المثال محل خلاف، وليس من أقوى أمثلتها.
والأولى أن يقال:
هي كل أمر محدث لا مصلحة فيه، ويشتمل على مخالفة الأولى أو ترك هديٍ مستحب، من غير أن يبلغ حد التحريم.
خامسًا: البدعة المحرمة
وهي ما اشتمل على مخالفة الشرع أو أدى إلى تغيير الدين، كإحداث العقائد الفاسدة أو العبادات التي لا أصل لها.
وأما التشبه بالكفار فإنما يحرم إذا كان فيما هو من خصائصهم الدينية أو شعارهم المختص، وليس لأنه مجرد أمر محدث.
تنبيه مهم
هذا التقسيم ليس محل اتفاق بين العلماء.
فهو مشهور عند كثير من المالكية والشافعية وجماعة من الأصوليين، بناءً على تعريفهم الواسع للبدعة.
أما طائفة أخرى من العلماء، ككثير من الحنابلة، فلا يقسمون البدعة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنهم يقصرون اسم البدعة على ما أُحدث في الدين بلا أصل شرعي، ويقولون: البدعة الشرعية كلها ضلالة، أما هذه الأمثلة فهي عندهم من المصالح المرسلة أو الوسائل أو العادات المباحة، فلا يسمونها بدعة أصلًا.
... القسم :
الفــقـــه وأصوله
ضابط تقديم المشهور على الراجح والعكس في المذهب المالكي
ضابط تقديم المشهور على الراجح والعكس في المذهب المالكي
اشتهر عند بعض المتأخرين -كما في نظم الغلاوي وغيره- تقديم الراجح على المشهور بإطلاق، وهذا يحتاج إلى تقييد؛ لأن المعتمد عند أئمة المذهب فيه تفصيل.
فإن كان ضعف مأخذ المشهور متحققًا يقينًا بدليل قطعي لا يحتمل التأويل، جاز العدول عنه إلى الراجح، وهذه صورة نادرة؛ لأن المشهور ليس مجرد قول اشتهر، بل هو ثمرة نظر أئمة المذهب وترجيحاتهم.
أما إذا كان ضعف مدرك المشهور ظنيًّا، أو كان مأخذه غير ظاهر، فلا يُعدل عنه إلى الراجح بمجرد قوة الدليل الظاهرة؛ لأن شهرة القول وتلقي أهل المذهب له بالقبول قرينة معتبرة على وجود مستند قوي، وإن خفي وجهه.
ولهذا قال العدوي في حاشيته على الخرشي:
"فلو وجد الأمران وكان بينهما تنافٍ؛ فيقدم المشهور كما في مسألة الدلك".
وقال أيضًا:
"إذا تعارض المشهور والراجح بناء على اختلافهما... يقدم المشهور على الراجح".
وقال ابن فرحون:
"يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه".
وعليه فالضابط:
أن المشهور يقدم على الراجح عند التعارض، إلا إذا تحقق ضعف مأخذه يقينًا بدليل قطعي لا معارض له، وأما مجرد قوة دليل الراجح في نظر بعض المتأخرين فلا تكفي لترك المشهور؛ لأن المشهور في المذهب له اعتبار أصولي وعلمي.
والله أعلم.
... القسم :
الفــقـــه وأصوله
ابن عربي ليس أشعريًا في باب الوجود
لا يكفي أن يُنقل عن ابن عربي لفظ "الجوهر" و"العرض" لإثبات أنه يقرر مذهب المتكلمين في الجوهر والعرض؛ لأن ابن عربي يستعمل كثيرًا من المصطلحات الكلامية والفلسفية، لكنه يعيد توظيفها بدلالات خاصة داخل نسقه العرفاني. ومن هنا يقع الخلط بين اشتراك الألفاظ واتحاد المعاني.
فالفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي والمتكلمون يستعملون أحيانًا ألفاظًا واحدة لكن ضمن رسوم مفاهيمية مختلفة.
فمثلًا:
لفظ الوجود عند المتكلم ليس هو بالضرورة الوجود عند ابن سينا.
لفظ التجلي عند الصوفي ليس هو مجرد الظهور الحسي.
لفظ العين عند ابن عربي ليس هو العين الموجودة عند المتكلمين.
فمنهج قراءة ابن عربي لا يكون بجمع الألفاظ، بل بفهم البنية الكلية لمذهبه.
ولقد ذكرت ذلك للشيخ أيمن حمدي شيخ الطريقة الأكبرية في مصر حال نقاشنا ورددته كثيرا ان ما بين ابن عربي والأشعرية أزمة مصطلحات وما زلت ارددها لاني قرأت الفتوحات بعين الباحث عن الحق لا بعين المتلقي المسلّم بكل ما يقول.
العجيب في مقال الاخ عبدالناصر حدارة أنه يريد أن يدافع عن ابن عربي، فإذا به يثبت عليه ما ينفيه عنه! فهو يظن أن إثبات "الجواهر والأعراض" عند الشيخ الأكبر يعني أنه صار من أهل النظر الكلامي، وغفل أن محل النزاع ليس: هل ذكر ابن عربي لفظ الجوهر والعرض؟ بل: ما حقيقة العالم عنده؟ وهل هو موجود مستقل مغاير للحق، أم هو تجلٍّ وظهور للحق؟
وعليه فان نتائج ما يقول في سائر المقال بناء خطأ
1. قول الشيخ الأكبري حدارة : "إذن ثبت وجودان: الحق والعالم" ليس لازمًا؛ لأن النزاع أصلاً في معنى وجود العالم. هل هو وجود استقلال، أم وجود تبعي ظهوري؟ وابن عربي نفسه يصرح في مواضع كثيرة بأن الموجودات ما شمّت رائحة الوجود من أنفسها، وأن وجودها عارية محضة. ويقول : إن الحق سبحانه هو الوجود المحض، وإن الممكنات وجودها مستفاد من الحق، فهي قائمة به لا بأنفسها.
فإذا قال ابن عربي: "الجواهر لا تفنى والأعراض تتجدد"، فالسؤال العلمي ليس: هل قال هذه العبارة؟ بل السؤال: ما مراده بالجوهر؟ وما مراده بالعرض؟
عند الأشاعرة:
الجوهر: موجود مخلوق قائم بنفسه، وإن كان مفتقرًا إلى الله في الإيجاد.
عند ابن عربي:
قد يدخل الجوهر عند ابن عربي في باب الأعيان الممكنة. استعمال ابن عربي للجوهر لا يلزم أن يكون مطابقًا للجوهر عند المتكلمين، بل يُفهم في سياقه الخاص، وقد يرتبط عنده بمفهوم العين الممكنة والتعين."
لأن ابن عربي لا يجعل "الجوهر" مصطلحًا مركزيًا في مذهبه مثل "العين الثابتة" و"التجلي" و"الحقيقة المحمدية".
فالعين الممكنة : لها تعين وثبوت، لكن ليس لها قيام وجودي مستقل، بل وجودها من الحق وبالحق. بحسب اصطلاح ابن عربي في الأعيان الممكنة فـ"العين الممكنة" عنده هي:
ما تعيّن في العلم الإلهي من حقائق الممكنات قبل وجودها الخارجي.
أي أن لها ثبوتًا علميًا لا وجودًا خارجيًا مستقلًا.
فإذا قال: "الأعيان" فلا يقصد مباشرة "الجواهر" عند الأشاعرة.
فمحل النزاع ليست في إثبات حدوث العالم أو افتقاره، فهذا يقر به الأشاعرة وغيرهم، وإنما المشكلة في نوع العلاقة بين وجود الحق ووجود الخلق.
الأشاعرة لا يختلفون مع ابن عربي فقط في الاصطلاح، بل في تصور حقيقة العالم.
فالأشعري يقول:
العالم موجود حادث، مخلوق، مركب من جواهر قائمة بأنفسها وأعراض قائمة بها ، والله مباين للعالم، ليس شيء من العالم قائمًا بذاته الإلهية.
أما ابن عربي ففي كثير من نصوصه يُفهم من كلامه أن العلاقة بين الحق والعالم علاقة تجلٍّ وظهور، لا مجرد علاقة صانع بمصنوع.
ولهذا فالنزاع ليس في:
هل العالم محتاج إلى الله؟
فهذه مسألة متفق عليها.
بل في:
هل وجود العالم وجود حادث مستقل عن وجود الحق، أم هو ظهور للحق في صور الممكنات؟
وهنا أصل الخلاف.
2. أما استدلاله بموضع يثبت قول ابن عربي بأنه قول الأشاعرة ففيه مغالطة ظاهرة؛ لأن ابن عربي قد يستعمل لغة الجوهر والعرض على طريقة أهل الكلام في مواضع، لكنه لا يلتزم نتائجهم.
فمن أخذ لفظ "جوهر" من ابن عربي ثم حمّله معنى الجوهر عند أبي الحسن الأشعري أو الجويني فقد نسب إليه ما لم يقله.
وإلا فليجب: هل الجوهر عند ابن عربي قائم بذاته حقيقة، أم هو عين من أعيان الممكنات لا قيام له إلا بالحق؟
ومنها هل الجوهر قائم بذاته؟
فالجواب عنده :
إن قصدتَ قيامًا ذاتيًا مستقلًا لا يفتقر في أصل وجوده إلى الحق: فلا.؛ لأن الممكن لا قيام له بنفسه، بل هو فقير إلى الحق في كل آن.
وإن قصدتَ أنه محل لقيام الأعراض والصور في عالم الإمكان: فنعم، بهذا الاعتبار يسميه جوهرًا.
الجوهر عند الأشاعرة هو: الموجود المتحيز بذاته، القائم بنفسه، الذي لا يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به. وأما العرض فهو: الموجود الذي لا يقوم بنفسه، بل يحتاج إلى محل يقوم به.
وعلى هذا الأصل بنى الأشاعرة قولهم: إن العالم مركب من جواهر وأعراض؛ فالجواهر مخلوقة قائمة بأنفسها، والأعراض مخلوقة قائمة بالجواهر، والله تعالى هو الموجد لها جميعًا، ولا يقوم شيء من الحوادث بذاته سبحانه.
أما عند ابن عربي فالأمر مختلف؛ لأن "الجوهر" عنده لا يدل على موجود مستقل قائم بنفسه في مقابل الحق، بل هو من أعيان الممكنات التي لا تستقل بالوجود عن الحق.
فإن قال ابن عربي: "الأعيان جواهر"، فليس مراده بالضرورة جوهر الأشاعرة الذي له قيام ذاتي في الخارج، بل مراده عين الممكن التي لها تعين وتميز، ثم يفيض عليها الحق الوجود.
فغالبًا يريد به محل الصور والأعراض في عالم الخلق، أي الشيء الذي تظهر فيه التعينات والصور، وليس بالضرورة الجوهر الكلامي الذي قام بنفسه استقلالًا.
3. ثم إن قوله: "الشيخ الأكبر يثبت وجودين" يحتاج إلى تحرير شديد؛ فإن قول ابن عربي: "الحق في الدرجة الأولى والعالم في الدرجة الثانية" لا يعني بالضرورة إثبات وجودين مستقلين، بل يعني تفاوت الرتبة بين الوجود الواجب والوجود الممكن. وهذا المعنى قال به الفلاسفة أيضًا من جهة الوجوب والإمكان، وليس هو نفس تقرير مذهب أهل السنة في حدوث العالم وانفصاله عن الخالق.
واعلموا ان ابن عربي يفرق بين وجود الحق من حيث هو واجب بذاته، وبين وجود العالم من حيث هو ممكن بغيره، لكنه لا يجعل العالم وجودًا مستقلًا في مقابل الحق كما هو تقرير أهل السنة، بل يجعله وجودًا مستفادًا قائمًا بالله.
4. أما قوله: "ليس العالم مع الباري في وجوده" فهذا لا يكفي لإثبات أنه يخالف القائلين بوحدة الوجود؛ لأن القائل بوحدة الوجود لا يقول إن العالم مساوٍ لله أو أنه هو الله من جهة التعيين، وإنما يقول إن وجود العالم ليس وراء وجود الحق، بل هو ظهور وتعين لذلك الوجود.
5. ثم إن احتجاجه بعبارة ابن عربي عن الجوهر والعرض لا يخدمه؛ لأن ابن عربي نفسه يقول في الفصوص والفتوحات ما يدل على أن العالم ظل للحق وصورة لتجلياته، وأن الحق يظهر في صور الموجودات، وأن الممكنات لا وجود لها إلا باعتبار نسبتها إلى الحق.
فإن كان المراد بالجواهر والأعراض عند ابن عربي ما يفهمه المتكلمون من موجودات حادثة مستقلة عن الذات الإلهية في الحقيقة الخارجية، فهذا لا يثبت. وإن كان المراد مجرد تعينات وتجليات وأعيان ثابتة، فهذا عين محل النزاع ولا يخرج عن مذهبه.
6. وأما قوله: "هذان دليلان ينسفان زعمك" فهو من باب المصادرة؛ لأنك أثبتَّ محل النزاع بالنقل المختلف في اصطلاحه، ثم جعلت ذلك دليلاً قاطعًا.
فابن عربي ليس كتابًا في صفحة واحدة، ولا يصح أن يُنتزع منه ما يوافق المتكلم ويترك ما يخالفه.
فمن أراد إثبات أن ابن عربي على طريقة الأشاعرة في باب الوجود فعليه أن يأتينا بنص يقول فيه: إن العالم موجود بوجود مستقل حادث، وأن وجوده مغاير لوجود الحق مغايرة تامة، وأن الموجودات ليست تعينات وتجليات للحق. أما جمع ألفاظ الجوهر والعرض من هنا وهناك فهو عمل غير سديد .
والإشكال أن الشيخ حدارة يتهم الدكتور سعيد فودة بالتخبط، مع أن التخبط الحقيقي هو أن يقرأ ابن عربي بجزئيات، ثم يغض الطرف عن عشرات النصوص التي أسس فيها ابن عربي مذهبه الخاص في العلاقة بين الحق والخلق.
فليس كل من قال "جوهرًا وعرضًا" صار أشعريا
فالمسألة ليست: هل قال ابن عربي "جوهر" و"عرض"؟
بل: هل بقي الجوهر عنده جوهرًا مستقلًا على طريقة المتكلمين، أم صار مظهرًا من مظاهر التجلي الإلهي؟
وهنا يقع أصل الخلاف.
والمنهج غير المنضبط هو قراءة ابن عربي بانتزاع جزئيات اصطلاحية دون جمع نصوصه الكلية في باب الوجود والخلق والتجلي."
فالمقال لم يثبت أن ابن عربي أشعري في باب الوجود، وإنما أثبت أن ابن عربي استعمل ألفاظًا كلامية، وهذا أمر لا نزاع فيه. أما تحويل ذلك إلى نفي وحدة الوجود عنه فهو يحتاج إلى مواجهة نصوصه الكثيرة في الفصوص والفتوحات، لا مجرد جمع ألفاظ "جوهر" و"عرض".
زياد حبوب أبو رجائي
عمان - الاردن
... القسم :
العقيدة والتوحيد
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.
يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.
يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.