جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

مَتَى يَعُودُ الْحَيَوَانُ لِصَاحِبِهِ وَمَتَى تَجِبُ قِيمَتُهُ

كَيْفَ يُقَدِّرُ الْمَالِكِيَّةُ فَوْاتَ الْحَيَوَانِ
 لَوْ أَنَّ رَجُلاً اشْتَرَى دِيكاً بِعَقْدٍ فَاسِدٍ شَرْعاً (كَأَنْ يَكُونَ بِشَرْطِ سَلَفٍ مَالِيٍّ مَمْنُوعٍ، أَوْ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ)، فَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الدِّيكَ وَمَكَثَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ (أَيْ قَرِيباً مِنَ الشَّهْرِ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُوتَ الدِّيكُ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ سِعْرُ الدُّيُوكِ فِي السُّوقِ، ثُمَّ عُثِرَ عَلَى الْفَسَادِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ النَّازِلَةِ حَسَبَ الْخِلَافِ التَّوْجِيهِيِّ بَيْنَ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ مَا يَلِي:
عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيِّ: يَنْظُرُ إِلَى التَّقْدِيرِ الرَّقَمِيِّ لِزَمَنِ الْمُدَوَّنَةِ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الشَّهْرَ هُوَ الطُّولُ، فَلَنْ يَجْعَلَ الثَّلَاثَةَ أَسَابِيعَ فَوْتاً لِأَنَّهَا دُونَ الشَّهْرِ، فَيَحْكُمُ بِوُجُوبِ رَدِّ عَيْنِ الدِّيكِ إِلَى الْبَائِعِ وَفَسْخِ الْعَقْدِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَسَابِيعَ قَرِيبَةٌ مِنَ الشَّهْرِ فَتُعَدُّ طُولاً (فَوْتاً)، فَيَمْنَعُ رَدَّ عَيْنِ الدِّيكِ، وَيَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إِلَى الْبَدَلِ الْمَالِيِّ.
عَلَى طَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) : النَّظَرُ لَيْسَ إِلَى الْأَيَّامِ جَامِدَةً، بَلْ إِلَى مَظِنَّةِ التَّغَيُّرِ فِى طَبِيعَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ؛ فَلَمَّا كَانَ الدِّيكُ طَائِراً صَغِيرَ الْبِنْيَةِ، يَتَبَدَّلُ حَالُهُ سَرِيعاً فِي اللَّحْمِ وَالْوَزْنِ وَالصِّيَاحِ خِلَالَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، فَإِنَّ مُرُورَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِيَدِ الْمُشْتَرِي يُعَدُّ فَوْتاً قَاطِعاً لِلْرَّدِّ الْعَيْنِيِّ.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفَوَاتِ هُنَا لِلْعَاقِدَيْنِ؟
بِمَا أَنَّ النَّقْلَ وَالزَّمَنَ قَدْ أَحْدَثَا الْفَوَاتَ فِي الدِّيكِ حُكْمِيّاً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَا يَحِقُّ لِلْبَائِعِ اِسْتِرْدَادُ دِّيكِهِ عَيْناً، بَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الدِّيكِ لِلْمُشْتَرِي، وَيُفْسَخُ الْأَثَرُ التَّعَاقُدِيُّ بِإِلْزَامِ الْمُشْتَرِي دَفْعَ قِيمَتِهِ النَّقْدِيَّةِ يَوْمَ الْقَبْضِ فِى الْأَسْوَاقِ (إِنْ كَانَ الْبَيْعُ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى فَسَادِهِ)، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ تَمَاماً لِانْقِطَاعِ عَيْنِ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ.

يجوز للمرأة شرعاً أن تتزين للخُطّاب

 نعم، يجوز للمرأة في المذهب المالكي أن تتزين للخُطّاب إذا كان القصد إظهار ما يدعو إلى النكاح، لكن ذلك مقيد بضوابط شرعية، منها:

  • أن يكون التزين بقدر المعتاد، لا بما فيه تدليس أو خداع.
  • ألا يكون فيه كشف ما لا يجوز كشفه شرعًا؛ فيقتصر على ما يجوز للخاطب النظر إليه عند المالكية، وهو الوجه والكفان على المشهور.
  • ألا يكون التزين متضمنًا لمحرم، كاستعمال ما هو نجس أو فيه تشبه محرم أو إسراف.

وقد نص الفقهاء على أن للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها ليكون ذلك أدعى إلى دوام الألفة، ولذلك لا حرج أن تتجمل له بما يظهر محاسن وجهها وهيئتها المعتادة، من غير مبالغة ولا تدليس.

أما التزين المبالغ فيه الذي يغيّر الحقيقة، أو إخفاء العيوب المؤثرة في النكاح، فلا يجوز؛ لأنه من الغش المنهي عنه.

أحكام الشك في الطهارة عند السادة المالكية

  التفصيل في أحكام الشك في الطهارة عند السادة المالكية
للشك في الطهارة عند المالكية ثلاث صور، ولكل صورة حكمها، ويختلف الحكم قبل الصلاة عنه أثناءها، وهو من دقائق المذهب التي انفرد بها عن الجمهور في بعض المسائل.
 الصورة الأولى: الشك في الوضوء
وهي أن يتيقن الحدث، ثم يشك: هل توضأ بعده أم لا؟
فهذه الصورة يجب فيها الوضوء اتفاقًا، ولو كان الشخص مستنكحًا؛ لأنه متيقن من وجود المانع، شاك في وجود الشرط، ولا تصح العبادة مع الشك في تحقق شرطها.
 الصورة الثانية: الشك في الحدث
وهي أن يتيقن الطهارة، ثم يشك: هل أحدث بعدها أم لا؟
وهذه هي الصورة التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، والمشهور في مذهب المالكية أن عليه إعادة الوضوء، إلا إذا كان مستنكحًا؛ لأن الأصل عندهم أن الذمة مشغولة بوجوب الصلاة المشروطة بالطهارة، فلا تبرأ إلا بيقين بتحقق شرطها.
وأصل هذا المذهب ما جاء في المدونة، قال مالك:
 «من توضأ فشك في الحدث، فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا، فإنه يعيد الوضوء.»
وقال ابن القاسم في المدونة:
 قلت: أرأيت من توضأ فأيقن بالوضوء، ثم شك بعد ذلك فلم يدر أحدث أم لا؟ قال: إن كان ذلك يستنكحه كثيرًا فهو على وضوئه، وإن كان لا يستنكحه فليعد وضوءه، وهو قول مالك، وكذلك كل مستنكح مبتلى في الوضوء والصلاة.
ولم يقتصر ترجيح هذا المذهب على المالكية، بل وافقهم عليه بعض كبار المحققين من غيرهم.
قال الحافظ العراقي الشافعي:
 «ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل.»
وقال ابن القيم الحنبلي:
 «فإن قلتم: لا نخرجه من الطهارة بالشك، قال مالك: ولا ندخله في الصلاة بالشك، فيكون قد خرج منها بالشك. فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم: ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك.»
فإن قيل: كيف جعل المالكية مجرد الشك مؤثرًا هنا، مع أن الشك في المانع ملغى في نظائره، كالطلاق والظهار والعتاق والرضاع؟
فالجواب: أن المالكية إنما استثنوا هذه المسألة؛ مراعاةً لسهولة الوضوء وكثرة نواقضه، فاحتاطوا للصلاة؛ لأنها المقصودة، كما ذكره الصاوي.
 الصورة الثالثة: الشك في السابق من الحدث والطهارة
وهي أن يتيقن أنه توضأ وأحدث، لكنه يجهل أيهما كان آخرًا.
فهذه الصورة يجب فيها الوضوء، ولو كان مستنكحًا؛ لأنه شاك في بقاء شرط الصلاة، ولا سبيل إلى استصحاب أحد الأمرين دون الآخر.
 أحكام هذه الصور أثناء الصلاة
ما سبق إنما هو قبل الدخول في الصلاة، أما إذا طرأ الشك أثناء الصلاة، فالحكم يختلف.
 ففي الصورة الأولى: إذا تيقن الحدث وشك في الوضوء، وجب عليه قطع الصلاة وإعادة الوضوء؛ لأنه شاك في تحقق شرطها.
 وفي الصورة الثالثة: كذلك يقطع الصلاة؛ لأن الطهارة غير متيقنة.
 أما في الصورة الثانية، وهي أن يدخل الصلاة متيقنًا للطهارة، ثم يطرأ عليه أثناءها شك: هل أحدث أم لا؟ فإنه يمضي في صلاته وجوبًا؛ لأنه دخلها بيقين، فلا يقطع حرمة الصلاة بمجرد الشك.
فإن استمر شكه بعد الفراغ من الصلاة أعادها على المشهور؛ لأنه تبين أنه أوقعها مع الشك في شرطها.
أما إذا لم يطرأ الشك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فلا أثر له، ولا تلزمه الإعادة، ما لم يتيقن الحدث؛ لأن العبادة وقعت بيقين، فلا تبطل بشك حادث بعدها.

والله تعالى أعلم وأحكم.

خَصَائصُ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ

 مَسْأَلَةُ اتِّهَامِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ بِالتَّضْيِيقِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَدَى انْعِكَاسِ ذَلِكَ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ (أَيْ الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا عَنِ الْبَقِيَّةِ)، هِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْكِيكٍ مَوْضُوعِيٍّ بَعِيداً عَنِ الْأَحْكَامِ السَّطْحِيَّةِ. وَظَاهِرُ التَّحْقِيقِ فِي هَذَا الْجَانِبِ يَنْقَسِمُ إِلَى مِحْوَرَيْنِ:
 أَوَّلًا: هَلْ يُضَيِّقُ الْمَالِكِيَّةُ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ؟
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُضَيِّقُونَ فِي الْمُعَامَلَاتِ هُوَ وَصْفٌ غَيْرُ دَقِيقٍ؛ بَلْ وَاقِعُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقُومُ عَلَى دِعَامَتَيْنِ مُتَوَازِنَتَيْنِ تُعْطِيَانِهِ مُرُونَةً فَرِيدَةً مِنْ جِهَةٍ، وَانْضِبَاطاً صَارِماً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:

1. الْمُرُونَةُ وَالتَّوْسِعَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ وَالْأَعْرَافِ: الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ مِنْ أَوْسَعِ الْمَذَاهِبِ فِي اعْتِبَارِ عِلَلِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَقَاصِدِهَا. فَهُمْ يَأْخُذُونَ بِـ (الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) وَ(الْعُرْفِ) وَ(الِاسْتِحْسَانِ)، وَيُجِيزُونَ مِنَ الْعُقُودِ مَا تَشْتَدُّ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ الظَّاهِرَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ تَوَسُّعُهُمْ فِي إِجَازَةِ عَقْدِ الْجَعَالَةِ، وَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَكِراءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي جَوَانِبَ مُحَدَّدَةٍ، وَمُرُونَتُهُمْ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ.
2. الْحَيْطَةُ وَالتَّشْدِيدُ بِاعْتِبَارِ الذَّرَائِعِ وَالْغَرَرِ: فِي الْمُقَابِلِ، يَظْهَرُ الْمَذْهَبُ "مُشَدِّداً" فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِسَبَبِ إِعْمَالِهِمْ لِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ هُمَا: (سَدُّ الذَّرَائِعِ) وَ(مَنْعُ الْغَرَرِ وَالرِّبَا). فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى صُوَرِ الْعُقُودِ الظَّاهِرَةِ فَحَسْبُ بَلْ يَنْفُذُونَ إِلَى الْمَقَاصِدِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمُوا بُيُوعَ الْآجَالِ (كَالْعِينَةِ) سَدّاً لِذَرِيعَةِ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْعَقْدِ صَحِيحاً. كَمَا أَنَّهُمْ دَقِيقُونَ جِدّاً فِي مَنْعِ أَيِّ جَهَالَةٍ قَدْ تُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ (كَمَسْأَلَةِ إِجَارَةِ السَّمْسَارِ بِمَا زَادَ عَنِ الثَّمَنِ).

فَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ لَيْسَ تَضْيِيقاً لِمُجَرَّدِ التَّضْيِيقِ، بَلْ هُوَ حِمَايَةٌ لِلنِّظَامِ الْمَالِيِّ وَاسْتِقْرَارِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَنْعِ الْخُصُومَاتِ.

 ثَانِيًا: هَلْ يَكْثُرُ مُفْرَدَاتُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْكِتَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟

إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِـ "الْكِتَابِ" هُوَ مَتْنُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ أَوْ مُصَنَّفَاتِ الْمَذْهَبِ التَّقْرِيرِيَّةِ، فَإِنَّ طَبِيعَةَ صِيَاغَةِ الْمَسَائِلِ فِيهَا تَعْكِسُ تَمَاماً هَذَا التَّوَازُنَ الْأُصُولِيَّ. وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ وُرُودِ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ إِلَى نَوْعَيْنِ:

 مُفْرَدَاتُ التَّيْسِيرِ: حَيْثُ يَنْفَرِدُ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ (كَالشَّافِعِيَّةِ مِثْلًا) بِإِجَازَةِ بُيُوعٍ أَوْ شُرُوطٍ تَسْهِيلاً عَلَى النَّاسِ، مِثْلَ إِجَازَةِ بَيْعِ الْعَقَارِ الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي مَفْهُومِ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ بِحَصْرِهِ فِي (الِاقْتِيَاتِ وَالِادِّخَارِ) فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، مِمَّا أَخْرَجَ الْفَوَاكِهَ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْمَكْسَرَاتِ عَنْ دَائِرَةِ الرِّبَوِيَّاتِ، وَهَذَا فِيهِ تَوْسِعَةٌ كَبِيرَةٌ لَا تَضْيِيقٌ.
 مُفْرَدَاتُ الِاحْتِيَاطِ: وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي مَنَعَهَا الْمَالِكِيَّةُ وَانْفَرَدُوا بِتَشْدِيدِ الضَّوَابِطِ فِيهَا لِأَجْلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ (مِثْلَ التَّوَسُّعِ فِي صُوَرِ مَنْعِ بُيُوعِ الآجَالِ، وَمَنْعِ بَعْضِ صُوَرِ الشَّرِكَاتِ الَّتِي فِيهَا خَطَرٌ أَوْ غَرَرٌ).

وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ وُرُودَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لَا يَسِيرُ فِي اتِّجَاهِ التَّضْيِيقِ الْمُطْلَقِ، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِتَطْبِيقِ أَدِلَّةِ الْمَذْهَبِ خُصُوصاً (قِيَاسَ الْعِلَّةِ) الْمَبْنِيَّ عَنِ الْغَرَرِ أَوِ الرِّبَا، وَمُرَاعَاةِ (قِيَاسِ الطَّرْدِ) فِي إِبْقَاءِ الْأُصُولِ مُطَّرِدَةً. فَمَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ تَضْيِيقاً هُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ضَبْطٌ لِلْعُقُودِ حَتَّى لَا تَتَحَوَّلَ إِلَى نِزَاعَاتٍ، وَمَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ تَسَاهُلًا هُوَ عِنْدَهُمْ فِقْهُ وَاقِعٍ وَمُرَاعَاةٌ لِحَاجَاتِ النَّاسِ وَمَعَايِشِهِمْ.

أقسام البدعة

 أقسام البدعة عند من يقسمها إلى الأحكام الخمسة
يظن بعض الناس أن لفظ البدعة إذا أطلق فلا يراد به إلا المحرم، وهذا ليس على إطلاقه، بل هو مبني على اختلاف العلماء في تعريف البدعة.
فمن عرَّف البدعة بأنها: كل أمر مُحدث لم يكن في العهد الأول، سواء كان في العبادات أو الوسائل أو العادات، قسَّمها بحسب حكمها الشرعي إلى خمسة أقسام.
أما من عرَّف البدعة بأنها: ما أُحدث في الدين مما لا أصل له في الشرع، فإنه يقول: البدعة الشرعية كلها ضلالة، ولا يدخل في اسم البدعة ما كان له أصل شرعي أو كان من المصالح المرسلة أو الوسائل.
ولذلك فالنزاع في كثير من صوره اصطلاحي أكثر منه حقيقي.
وقد قال العلامة ابن غازي المكناسي المالكي:
 تابعًا وفاقًا لِمَنْ قَسَّمَا    هذي البدعَ خمسةً فانظما
 واجبةٌ كنقطِ كتبِ العلمِ   ومصحفٍ لأجلِ حفظِ الفهمِ
 ومستحبةٌ كالمحاريبِ والجسورِ  والمدارسِ وما أشبهها من الأمورِ
 ثم مباحةٌ كدقيقِ المنخولِ  وما جرى مجراه من المأكولِ
 وذاتُ كرهٍ نحوُ أكلِ الخِوانِ  على مثالٍ ذكره بعضُ أهلِ الشأنِ
 ثم حرامٌ كالتشبُّهِ بالكفارِ  فيما هو من خصائصِ شعارِهم الظاهرِ

 شرح الأقسام

 أولًا: البدعة الواجبة

وهي ما كان إحداثه وسيلةً لا بد منها لحفظ الدين وإقامة الواجبات، مثل:
 نقط المصحف وشكله.
 تدوين علوم العربية.
 تدوين مصطلح الحديث وأصول الفقه وغيرها من العلوم الخادمة للشريعة.
وهذه لم تكن في عصر النبوة بهذه الصورة، ثم أُحدثت لمصلحة شرعية راجحة.

 ثانيًا: البدعة المستحبة

وهي ما كان فيه مصلحة راجحة دون أن يبلغ حد الوجوب، كإنشاء:
 المدارس.  الجسور.
 بعض الأبنية التي تعين على إقامة شعائر الدين، كالمحاريب عند من عدها من هذا الباب.

 ثالثًا: البدعة المباحة
وهي ما استحدث من أمور العادات التي لا يتعلق بها مدح ولا ذم شرعي، مثل:
 استعمال الدقيق المنخول.
 التوسع في أنواع الأطعمة والملابس والمراكب والمساكن مما أباحه الشرع.

 رابعًا: البدعة المكروهة
ذكر بعض المتقدمين لها أمثلة كالأكل على الخوان، إلا أن هذا المثال محل خلاف، وليس من أقوى أمثلتها.
والأولى أن يقال:
هي كل أمر محدث لا مصلحة فيه، ويشتمل على مخالفة الأولى أو ترك هديٍ مستحب، من غير أن يبلغ حد التحريم.

 خامسًا: البدعة المحرمة

وهي ما اشتمل على مخالفة الشرع أو أدى إلى تغيير الدين، كإحداث العقائد الفاسدة أو العبادات التي لا أصل لها.

وأما التشبه بالكفار فإنما يحرم إذا كان فيما هو من خصائصهم الدينية أو شعارهم المختص، وليس لأنه مجرد أمر محدث.



 تنبيه مهم

هذا التقسيم ليس محل اتفاق بين العلماء.
فهو مشهور عند كثير من المالكية والشافعية وجماعة من الأصوليين، بناءً على تعريفهم الواسع للبدعة.
أما طائفة أخرى من العلماء، ككثير من الحنابلة، فلا يقسمون البدعة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنهم يقصرون اسم البدعة على ما أُحدث في الدين بلا أصل شرعي، ويقولون: البدعة الشرعية كلها ضلالة، أما هذه الأمثلة فهي عندهم من المصالح المرسلة أو الوسائل أو العادات المباحة، فلا يسمونها بدعة أصلًا.


تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.