جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

خلود الكفار بالنار ودعوى فناء النار

 خُلُودُ الكُفَّارِ فِي النَّارِ وَصَرِيحُ القُرْآنِ فِي بُطْلَانِ دَعْوَى انْقِطَاعِ العَذَابِ

هذا رد على ابن تيمية الحراني وابن عربي الحاتمي في زعمهما انقطاع العذاب عن الكفار سواء بفناء النار كما عند ابن تيمية أو بانقلاب العذاب الى عذوبة عند ابن عربي

من المسائل التي دلَّ عليها القرآن الكريم دلالةً متكررةً ظاهرةً: خلود الكفار في النار، وعدم انقطاع عذابهم.

وليس المقام محتاجًا إلى التعلُّق بنصٍّ واحدٍ محتمل الدلالة، بل القرآن جمع في مواضع كثيرة بين إثبات الخلود، ونفي الموت، ونفي التخفيف، ونفي التفريج، وذكر مكوثهم في النار، حتى تتضافر هذه المعاني جميعًا في تقرير الحقيقة نفسها.

ومن أصرح المواضع في ذلك قول الله تعالى في سياق الرد على دعوى اليهود:

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۗ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 80-82].

دعوى المدة المحدودة

كان من دعوى اليهود أن النار لا تمسهم إلا مدةً محدودةً تنتهي بانتهاء تلك الأيام.

فأبطل الله تعالى دعواهم أولًا بقوله:

﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

ثم جاء البيان الحاسم:

﴿بَلَىٰ ... فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

فالسياق القرآني انتقل من دعوى الأمد المحدود إلى إثبات الخلود.

وليس هذا مجرد تشابه في الألفاظ؛ فإن مقابلة القول بانتهاء العذاب بإثبات الخلود تجعل دلالة السياق في غاية الوضوح: العذاب الذي أخبر الله عن خلود صاحبه فيه لا يصح حمله على عذاب له نهاية محددة ينتهي عندها.

ثم أكّد القرآن المعنى بذكر المقابل مباشرة:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

فذكر خلود أهل النار، ثم خلود أهل الجنة، في سياق واحد، يرفع توهُّم إرادة مجرد طول المكث دون بقاء.

الخلود ليس مجرد طول مدة

ومن الخطأ أن يُنظر إلى لفظ الخلود في هذه النصوص مجردًا عن القرائن التي أحاطت به.

فالقرآن لم يكتف بقوله:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾

بل ضم إليه نصوصًا تنفي انتهاء العذاب بطرق متعددة.

قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفْ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ۝ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ... فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 36-37].

فتأمل اجتماع:

عدم الموت، وعدم تخفيف العذاب، واستمرار المكوث في النار.

وهذا أبعد ما يكون عن صورة عذاب مؤقت ينتهي بانتهاء مدته.

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۝ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ۝ ... وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 74-77].

فهنا يجتمع الخلود مع نفي الفتور، ثم يأتي طلبهم إنهاء العذاب بالموت، فيكون الجواب:

﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.

فأيُّ معنى لبقاء العذاب إلى أمد ينتهي، مع هذا السياق الذي ينفي الموت والفتور ويثبت المكوث؟

تكرار النفي في القرآن

وتتكرر هذه المعاني في مواضع متعددة، قال تعالى:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162].

وقال:

﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: 88].

وقال سبحانه:

﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69].

وقال:

﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [النحل: 85].

وهذه النصوص لا تذكر مجرد أصل العذاب، وإنما تصف استمراره وتنفي وجوه الانقطاع والتخفيف.

الاستغاثة من داخل النار

ومن أبلغ ما يرد في هذا الباب أن القرآن حكى لنا أحوال أهل النار وهم فيها، فقال:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ۝ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَىٰ قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49-50].

فهم لا يطلبون نعيمًا، وإنما يطلبون تخفيف العذاب يومًا واحدًا، ويأتي الجواب بما يدل على أن دعاءهم لا يحقق لهم ما يريدون.

وهذا كله ينسجم مع قوله تعالى:

﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ﴾.

الاستدلال من مجموع النصوص

وعند جمع هذه النصوص بعضها إلى بعض تظهر بنية الاستدلال القرآني بوضوح:

إثبات الخلود
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

ونفي الموت
﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾.

ونفي التخفيف
﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.

ونفي الفتور
﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾.

وإثبات المكوث
﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.

فليس الاستدلال إذن قائمًا على لفظ واحد يمكن عزله عن سياقه، وإنما على تراكم نصوص متضافرة المعنى.

وأما دعوى أن العذاب ينقطع

فإذا قيل: إن الكافر يخلد في النار، ولكن العذاب نفسه ينقطع في وقت من الأوقات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما معنى الخلود الذي أثبته القرآن في هذه المواضع، مع نفي الموت والتخفيف والفتور، وإثبات المكوث؟

ثم إن القول بأن العذاب له نهاية يجعله عذابًا محدود الأمد، فيكون من جنس الدعوى التي أبطلها القرآن في قوله تعالى:

﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.

والفارق بين مجرد اختلاف التفاصيل وبين أصل المعنى لا ينبغي أن يحجب دلالة النص: القرآن أبطل تحديد عذاب الكافر بمدة تنتهي، وأثبت بدل ذلك الخلود.

الخلاصة

الذي يقرأ مجموع الآيات الواردة في هذا الباب يجد أن القرآن يقرر خلود الكفار في النار بعبارات متعددة، ويقرن الخلود بنفي الموت، ونفي التخفيف، ونفي الفتور، وإثبات المكوث.

ومن ثم فدعوى انتهاء عذاب الكفار لا تنسجم مع هذا البناء القرآني المتضافر، ولا يكفي في دفع هذه النصوص تأويل لفظ «الخلود» إلى مجرد المكث الطويل؛ لأن القرآن نفسه قرن هذا اللفظ بقرائن أخرى تنفي ما يقتضي انتهاء العذاب أو زواله.

وهذه المسألة من مسائل الاعتقاد التي تضافرت فيها نصوص الوحي، فلا يصح التعامل مع آية واحدة بمعزل عن سائر الآيات، بل الواجب جمع النصوص وردُّ المتشابه إلى المحكم، وفهم بعضها في ضوء بعض.

والقرآن في هذا الباب واضح في تقرير أصل جامع:

﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

ثم يفسر معنى هذا الخلود بسائر نصوصه:

﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.

فمن أراد إثبات انتهاء العذاب بعد ذلك، فعليه أن يبين وجه الجمع بين هذا التقرير القرآني المتكرر وبين دعوى الانقطاع، لا أن يكتفي بإثبات إمكان التأويل من جهة اللغة أو بنقل بعض الأقوال المجردة عن مجموع سياقات الوحي.

صناعة الاستنباط : حديث مَن أحدث في أمرنا

  استخراج المسائل المسكوت عنها من النصوص فالأدق أن يُبنى المقال على هذا النسق التحليلي؛ لأنه يميز بين مجرد المعنى المستنبط وبين المسلك الأصولي الذي أنتجه.

 المسكوت عنه في حديث «مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد»

 دراسة أصولية في المفاهيم والدلالات ومسالك العلة

النص : قال رسول الله ﷺ: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

يمثل هذا الحديث نموذجًا صالحًا للتدريب على استخراج الأحكام المسكوت عنها من النصوص الشرعية؛ إذ إن دلالته لا تقف عند الحكم المنطوق، وهو ردُّ ما أُحدث في أمر الدين مما ليس منه، بل تتضمن بنيته التركيبية عددًا من القيود والأوصاف التي يمكن أن يستنبط منها أحكام أخرى بطريق المفاهيم، بشرط مراعاة القواعد الأصولية في حجية كل مفهوم وحدود دلالته.

ويمكن تحليل النص على النحو الآتي:


 أولًا: المنطوق

محل الدلالة: قوله ﷺ: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

نوع الدلالة: المنطوق الصريح.

وجه الدلالة: علَّق الشارع الحكم على مَن أحدث في أمر الدين شيئًا ليس منه، ورتب عليه وصف الرد.

الحكم المستنبط: أن المحدث في أمر الدين إذا كان مما ليس منه فهو مردود غير معتبر شرعًا.

قيد الاستنباط: أن مناط الحكم ليس مجرد الحدوث، بل الحدوث في أمر الدين مع كون المحدث ليس منه.


 ثانيًا: مفهوم الصفة في قوله «ما ليس منه»

محل الدلالة: قوله ﷺ: «ما ليس منه».

نوع المفهوم: مفهوم الصفة، أو مفهوم القيد باعتبار اختلاف اصطلاح الأصوليين في تسمية هذا النوع.

وجه الدلالة: لما قُيِّد المحدث الموجب للرد بكونه «ليس منه»، دل ذلك على أن الحكم المترتب في النص مرتبط بهذا الوصف.

الحكم المستنبط: أن ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور في الحديث من جهة هذا الوصف.

قيد الاستنباط: لا يلزم من انتفاء وصف «ليس منه» ثبوت حكم معين كالوجوب أو الندب أو الإباحة؛ لأن المفهوم هنا يرفع حكم الرد عن محل انتفى عنه قيده، ولا ينشئ حكمًا شرعيًا آخر بنفسه.

وهذه نقطة مركزية في تحرير المفاهيم؛ إذ لا يصح الانتقال من:

 ليس مردودًا بهذا الحديث

إلى: فهو مشروع أو مندوب

إلا بدليل زائد.

 ثالثًا: مفهوم الشرط في قوله «مَن أحدث... فهو رد»

محل الدلالة: تركيب الشرط في قوله ﷺ: «مَن أحدث... فهو رد».

نوع المفهوم: مفهوم الشرط، على القول بحجيته.

وجه الدلالة: عُلِّق الحكم، وهو الرد، على تحقق الشرط، وهو الإحداث الموصوف في الحديث.

الحكم المستنبط: أن من لم يتحقق منه الإحداث الموصوف في الحديث لا يثبت في حقه حكم الرد المعلق بهذا الشرط.

قيد الاستنباط: لا يدل ذلك على صحة ما لم يكن محدثًا؛ لأن انتفاء سبب معين للرد لا يستلزم انتفاء سائر أسباب البطلان أو التحريم.

فالمفهوم هنا ليس:

كل ما لم يكن محدثًا فهو صحيح.

وإنما:  لا يثبت له حكم الرد من الجهة التي علق الحديث عليها الرد.

وهذا فرق أصولي دقيق بين رفع الحكم وبين إثبات حكم مقابل له.


 رابعًا: دلالة القيد في قوله «في أمرنا»


محل الدلالة: قوله ﷺ: «في أمرنا».

نوع الدلالة: مفهوم القيد، بالنظر إلى تقييد محل الإحداث بأمر الدين.

وجه الدلالة: جعل الحديث محلَّ الحكم ما أُحدث في أمر الدين، فلم يتناول بمجرده ما كان خارجًا عن هذا المحل.

الحكم المستنبط: أن المحدثات في الأمور الدنيوية والعادية لا تدخل في حكم هذا الحديث لمجرد كونها مستحدثة.

قيد الاستنباط: هذا لا يعني الحكم على جميع الأمور الدنيوية بالإباحة؛ وإنما يعني أنها ليست داخلة في محل هذا الحديث من حيث دلالته المباشرة.

ومن ثم لا يصح جعل الحديث دليلًا على أن كل جديد في حياة الناس مردود شرعًا؛ لأن النص لم يعلق الرد على مطلق الجديد، وإنما على ما أُحدث في أمر الدين مما ليس منه.

 خامسًا: المسكوت عنه المستفاد من الجمع بين «أحدث» و«ما ليس منه»

محل الدلالة: الجمع بين قوله ﷺ: «أحدث» وقوله: «ما ليس منه».

نوع الدلالة: دلالة تركيبية مؤيدة بمفهوم القيد والصفة.

وجه الدلالة: لو كان مجرد الحدوث موجبًا للرد لما كان لقيد «ما ليس منه» معنى زائد؛ فالنص لم يقل: «من أحدث في أمرنا فهو رد»، وإنما جعل مناط الرد الإحداث المقترن بكون المحدث ليس من الدين.

الحكم المستنبط: أن مجرد الحدوث ليس مناط الرد، وإنما مناطه الإحداث في أمر الدين مع انتفاء كونه منه.

قيد الاستنباط: لا ينبغي تحويل هذه الدلالة إلى قاعدة مطلقة في كل حادث؛ إذ الحكم على الشيء بأنه مشروع أو غير مشروع يحتاج إلى النظر في الأدلة والقواعد الشرعية المتعلقة به.


 سادسًا: المسكوت عنه من جهة انتفاء وصف «ليس منه»

يمكن صياغة النتيجة المفهومية بصورة مقابلة:

ما كان من أمر الدين لا يتناوله حكم الرد الثابت في الحديث.

وهذه الصياغة أدق من قول:

كل ما كان من الدين فهو سنة.

لأن الأولى تقف عند مقدار الدلالة، أما الثانية فتثبت حكمًا زائدًا لا يدل عليه الحديث بمجرده.

فقد يكون الشيء من أمر الدين واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو غير ذلك بحسب الدليل؛ وإنما الحديث هنا يرفع عنه وصف الرد من جهة كونه ليس من الدين.


 سابعًا: ما لا يصح استخراجه من الحديث


ومن تمام التحقيق في استخراج المسكوت عنه أن يُذكر ما لا تدل عليه ألفاظ الحديث.

فلا يصح استخراج مفهوم الغاية؛ لعدم وجود غاية في النص.

ولا مفهوم العدد؛ لعدم وجود عدد.

ولا يصح بناء حكم على مفهوم اللقب من مجرد لفظ «أمرنا»؛ لأن مفهوم اللقب ليس حجة عند من لا يقول به.

كما لا يصح أن يقال: «كل ما لم يرده الحديث فهو جائز».

لأن الحديث إنما دل على حكم مخصوص، وهو الرد عند تحقق الوصف المذكور، ولا يستوعب جميع الأحكام الشرعية للأفعال.

وَعليه؛ فالتحقيق الأصولي

يكشف تحليل الحديث عن مجموعة من الأحكام المسكوت عنها، يمكن ترتيبها بحسب مسالك الدلالة:

1. المنطوق: المحدث في أمر الدين بما ليس منه مردود.

2. مفهوم الصفة/القيد: ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور من جهة هذا القيد.

3. مفهوم الشرط: من انتفى عنه الإحداث الموصوف لا يثبت في حقه حكم الرد المعلَّق عليه.

4. مفهوم القيد في «في أمرنا»: ما كان خارجًا عن أمر الدين لا يتناوله الحديث بهذا القيد.

5. الدلالة التركيبية: ليس مطلق الحدوث مناطًا للرد، وإنما الحدوث المقترن بكون المحدث ليس من أمر الدين.

ويبقى الضابط الجامع لهذه الاستنباطات:

أن المفهوم لا يثبت أكثر مما يقتضيه قيده؛ فانتفاء الرد لا يساوي ثبوت المشروعية، وانتفاء وصف البدعة في هذا الحديث لا يساوي ثبوت حكم شرعي معين، وإنما يُرجع في ذلك إلى الأدلة الأخرى.


ومن هنا يتبين أن التعامل مع النصوص الشرعية لا ينبغي أن يقف عند استخراج الحكم المنطوق، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل الشرط، والوصف، والقيد، والمحل، والجهة التي عُلِّق بها الحكم، ثم استخراج المسكوت عنه على قدر ما تسمح به القواعد الأصولية، مع الاحتراز من تحميل المفهوم أكثر مما يحتمل.

وهذا هو الفارق بين مجرد استنباط معنى من النص وبين استخراج حكم مسكوت عنه بطريق أصولي منضبط.

 هل يدل مفهوم الحديث على إباحة ما سكت عنه؟

من الأخطاء في التعامل مع المفاهيم الأصولية أن يُجعل كل ما سكت عنه النص مباحًا؛ لأن السكوت عن الحكم شيء، والحكم بالإباحة شيء آخر.

قال النبي ﷺ: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

فالحديث نصَّ على حكم معين، وهو ردُّ ما أُحدث في أمر الدين وكان ليس منه. فإذا استُخرج من قوله ﷺ: «ما ليس منه» مفهومٌ مفاده أن ما كان منه لا يكون مردودًا بهذا الحديث، فلا يصح أن ننتقل من هذه النتيجة إلى قولنا:  كل ما كان منه فهو مباح أو مشروع.

لأن هذا انتقال من نفي حكم معين إلى إثبات حكم آخر، ولا يلزم أحدهما من الآخر.

 مثال ذلك لو قلنا:  إن جاء زيد فأكرمه.

فمفهوم الشرط، أن عدم مجيء زيد لا يثبت معه حكم الإكرام المذكور في الجملة. لكن لا يصح أن نستنتج:

إذا لم يأت زيد فإنه يجب عدم إكرامه.

لأن النص إنما أثبت حكمًا عند تحقق الشرط، ولم يثبت حكمًا مضادًا عند انتفائه.

وكذلك حديث: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

فإذا انتفى وصف «ما ليس منه»، فإن غاية ما يدل عليه المفهوم أن حكم الرد المذكور في الحديث لا يثبت من هذه الجهة.

أما ما هو الحكم الثابت لذلك الفعل: أهو واجب؟ أم مندوب؟ أم مباح؟ أم مكروه؟ أم له حكم آخر؟ فذلك لا يُعرف من هذا المفهوم وحده، بل يحتاج إلى دليل مستقل.

 الفرق بين «ليس مردودًا» و«هو مباح»

وهنا تظهر قاعدة مهمة: نفي الحكم لا يستلزم إثبات نقيضه.

فإذا قيل: «هذا الفعل ليس مردودًا بهذا الحديث»

فلا يعني ذلك: «هذا الفعل مباح».

وإذا قيل: «هذا الفعل ليس حرامًا بهذا الدليل»

فلا يعني ذلك بالضرورة: «هذا الفعل مستحب».

لأن الأحكام الشرعية متعددة، وقد يكون الفعل واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، بحسب الأدلة المتعلقة به.

 تطبيق ذلك على الحديث

الحديث بنى الحكم على وصفين: 

1. الإحداث في أمر الدين.

2. كون المحدث ليس من الدين.

فإذا تحقق الوصفان ثبت الرد. أما إذا انتفى أحدهما، فلا يصح أن نجعل انتفاء الرد مساويًا تلقائيًا لإثبات حكم آخر.

ولهذا فقولنا:

«ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور في الحديث»

أدق أصوليًا من قولنا: «ما كان من أمر الدين فهو مشروع».

لأن العبارة الأولى تلتزم حدود الدلالة، أما الثانية فتتجاوزها إلى حكم يحتاج إلى دليل آخر.

والمقصود بـ«المسكوت عنه» إذن :

المسكوت عنه ليس بالضرورة حكمًا بالإباحة، بل قد يكون:

حكمًا يُستفاد من انتفاء القيد أو الشرط، دون أن يكون النص قد نطق به صراحة.

ففي حديث: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

نستطيع أن نستخرج من مفهوم القيد أن:

ما كان منه لا يثبت فيه الرد الذي علقه الحديث على كونه «ليس منه».

وهذه مسألة مسكوت عنها بالنسبة إلى المنطوق؛ لأن النبي ﷺ لم يقل:

«وما كان منه فليس برد».

وإنما فهم هذا من تركيب النص وقيده.

لكن لا يجوز أن نزيد على ذلك فنقول: «وما كان منه فهو مباح أو مندوب».

إلا إذا دل دليل آخر على ذلك.

 إذن هناك فرق بين ثلاثة أمور:

الأول: المنطوق:

ما أُحدث في أمر الدين وليس منه فهو مردود.

الثاني: المفهوم:

ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور بهذا الحديث.

الثالث: الحكم الشرعي للفعل بعد انتفاء الرد:

هذا لا يحدده الحديث بمجرده، وإنما يحتاج إلى دليل آخر. حتى نحدد مدركه الفقهي كونه تعتريه الأحكام الخمسة (مباح-مكروه-مندوب-واجب-حرام)

وعليه فإن استخراج المسكوت عنه لا يعني اختراع حكم جديد، وإنما يعني الكشف عما دل عليه النص بطريق غير صريح، مع الوقوف عند مقدار دلالته وعدم تجاوزها.

وهذه من أهم القواعد في صناعة الاستنباط: أن المفهوم يثبت بقدر ما يقتضيه النص، لا بقدر ما نريد أن نرتبه عليه.


زياد حبوب أبو رجائي

عمان - المملكة الاردنية الهاشمية

حرسها الله

شبهات حول منهج كتاب «فقه الرق وتطبيقاته المعاصرة» والجواب عنها

شبهات حول منهج كتاب «فقه الرق وتطبيقاته المعاصرة» والجواب عنها

الشبهة الأولى: أحكام الرق موجودة في كتب الفقه، فما الجديد؟

وجود أحكام الرق في كتب المذاهب الأربعة أمر معلوم، وليس هو محل دعوى الكتاب أصلًا. فالمقصود ليس مجرد إعادة جمع ما تفرق في المطولات والمختصرات، وإنما جمع الأحكام بقصد استخراج المناطات والأصول الحاكمة لها، ثم دراسة إمكان تنزيل تلك المناطات على صور معاصرة.

فالفرق كبير بين جمع الفروع لمجرد الجمع، وبين استقراء الفروع لاكتشاف الأوصاف المؤثرة التي بُنيت عليها الأحكام، ثم اختبار مدى تحققها في النوازل المعاصرة.

الشبهة الثانية: الكتاب قاس الموظف على العبد!

هذه صياغة غير دقيقة لمحل البحث.

فالكتاب لا يقول: الموظف عبد، ورب العمل سيد، ولا يساوي بين العبد المملوك وبين الأجير، ولا بين ملك الرقبة وملك المنفعة.

وإنما البحث في جامع أصولي يتعلق بنقص الإرادة وعدم كمال التصرف في بعض الجهات بسبب تعلق حق الغير بتصرف الشخص.

فالفرق بين قولين واضح:

الأول: «الموظف عبد»؛ وهذا ليس قول الكتاب.

والثاني: «هل يمكن أن يتحقق في الموظف أو الأجير بعض الأوصاف والمناطات التي اعتبرها الفقهاء في بعض أحكام الرق؟»؛ وهذا هو محل البحث.

الشبهة الثالثة: لا جامع بين العبد والموظف؛ لأن العبد مملوك والموظف أجير!

الاختلاف في نوع العلاقة لا يمنع من البحث عن وصف مشترك في بعض الفروع.

فالعبد محل ملك رقبة، والأجير محل ملك منفعة، والفرق بينهما واضح. لكن البحث الأصولي لا يشترط أن تكون الصورتان متطابقتين من جميع الوجوه، وإنما يبحث في الوصف المؤثر في الحكم.

ومن ثم فإن القول بأن الموظف أجير إجارة خاصة لا ينقض البحث، بل هو جزء من التكييف الذي يُبنى عليه البحث في مقدار استقلال الأجير بتصرفاته، وحدود تعلق حق المستأجر بعمله ووقته وتصرفه.

الشبهة الرابعة: رب العمل لا يملك إلا ساعات العمل، بخلاف السيد الذي يملك العبد!

وهذا صحيح من حيث الفرق بين ملك الرقبة وملك المنفعة، لكنه لا ينقض أصل البحث؛ لأن الكتاب لا يدعي التماثل بينهما.

المقصود هو دراسة مدى تعلق حق الغير بإرادة الشخص وتصرفه، مع مراعاة اختلاف درجة هذا التعلق وصورته وآثاره.

فلا يلزم من وجود جامع في وصف معين أن تتطابق الصورتان في جميع الأحكام.

الشبهة الخامسة: التكييف الصحيح للموظف أنه أجير إجارة خاصة، فلماذا الرجوع إلى أحكام الرق؟

لأن التكييف العقدي شيء، وتحقيق المناط والتخريج الفقهي شيء آخر.

كون الموظف أجيرًا إجارة خاصة يحدد طبيعة العقد، لكنه لا يمنع من دراسة الأوصاف المؤثرة في الأحكام، ولا يمنع من مقارنة تلك الأوصاف بما ورد في أبواب أخرى من الفقه.

ولو كان مجرد معرفة اسم العقد كافيًا لاستنباط جميع فروعه، لما احتاج الفقهاء إلى استقراء الفروع، وتحرير المناطات، والتفريق بين العلل والأوصاف المؤثرة وغير المؤثرة.

وعليه ؛

ليس المقصود في الكتاب إثبات أن الموظف عبد، ولا أن رب العمل سيد، ولا أن عقد العمل هو عقد رق.

وإنما المقصود دراسة بعض المناطات والأوصاف الفقهية التي ظهرت في أحكام الرق، والنظر في إمكان تحققها في بعض صور العمل والعلاقات المهنية المعاصرة، ثم تخريج ما يصح تخريجه عليها مع مراعاة الفروق المؤثرة.

 فإن النقد العلمي للبحث ينبغي أن يتجه إلى الجامع الأصولي نفسه: هل هو متحقق؟ وهل هو مؤثر؟ وهل يمنع وجود فارق معتبر من إلحاق بعض الصور ببعض؟

أما مجرد القول بأن «العبد مملوك والموظف أجير» أو أن «أحكام الرق موجودة في كتب الفقه» فهذه أمور معلومة، ولا تمس أصل البحث ولا محل النزاع.






سن البلوغ 18 عام وهو سن التكليف بشرود

المعتمد عند ساداتنا  المالكية رضي الله عنهم أن سنَّ البلوغ عند فقد الاحتلام والإنبات والحيض هو ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: خمس عشرة. والمعتمد الأول

ومستند المالكية ليس رأيًا مجردًا، بل بنوه على:

1. نقول من السلف أئمة المذهب من مالك وابن القاسم 

2. الأثر عن ابن عباس في تحديد بلوغ الأشد بثماني عشرة سنة.

3. الاستقراء اللغوي والعرفي لانتقال الغلام إلى سن الشباب.

4. استصحاب الصغر عند الشك في حصول البلوغ.

وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما في إجازته للخندق وهو ابن خمس عشرة ( كما ذهب إليه الجمهور) ، فلا يلزم منه أن الخامسة عشرة حدٌّ للبلوغ؛ إذ يمكن حمل الإجازة على القدرة على القتال، وهو ما قرره القرافي وابن عاشور.

وأما حديث: «إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة...» فضعيف لا يصح الاحتجاج به.

فالقول المالكي في المسألة مؤصل بالنقل والأصول واللغة، وليس قولًا بلا دليل.

👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->