جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

أعلام المذهب المالكي التونسيون

 أقول كما قال نزار :  يا تونس الخضراء جئتك عاشقا..
سلام تعظيم لكل تونسي مالكي حَملة المذهب للأجيال القادمة
#أعلام
من  رحاب القيروان وجامع الزيتونة المعمور، أشرقت شمس الفقه المالكي لتملأ الآفاق علماً وتحقيقاً. لم تكن تونس مجرد معبرٍ للمذهب، بل كانت قلعته الحصينة ومدرسة ترجيحه وضبطه، بما أثرت به فكر السادة المالكية من أمهات الكتب ومحررات المسائل.
وهؤلاء من أبرز أعلام المالكية الذين ارتقى بهم المذهب من تونس، وتركوا بصماتهم الواضحة على فقه السادة المالكية عبر العصور:
أولاً: أئمة القيروان والمتقدمون (عصر التأسيس والتدوين)
1. الإمام سحنون (عبد السلام بن سعيد التنوخي): إمام المذهب في إفريقية، وصاحب "المدونة" التي هي أصل المذهب المالكي وعمدته الأولى.
2. الإمام ابن أبي زيد القيرواني: الملقب بـ "مالك الصغير"، صاحب "الرسالة" الشهيرة، وكتاب "النوافل والزيادات".
3. الإمام أبو الحسن القابسي: من كبار فقهاء القيروان ومحدثيها، وصاحب المحررات الفقهية والحديثية النافعة.
4.  الإمام المازري (أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري): إمام المالكية في عصره، نزل المنستير وتونس، وهو صاحب "شرح التلقين" و"المعلم بفوائد مسلم"، وأحد الأئمة الأربعة الذين يعتمد الشيخ خليل ترجيحاتهم.
ثانياً: شراح الأمهات  (عصر التحقيق والنوازل)
1. الإمام ابن عرفة الورغمي التونسي: شيخ المالكية وإمام جامع الزيتونة، صاحب "الحدود الفقهية" و"التفسير"، وتحريراته هي المعيار الدقيق لدى متأخري المالكية.
2. الإمام ابن عبد السلام التونسي (محمد بن عبد السلام الأموي): القاضي والفقيه صاحب الشرح الكبير على ابن الحاجب، وهو من أكثر من ينقل عنه الشيخ خليل والشراح.
3.  الإمام ابن هارون الكناني التونسي: فقيه تونس ومحققها، صاحب "مختصر النهاية والتمام (مختصر المتيطية)".
ثالثاً: أعلام العصر الحديث (جامع الزيتونة)
1. الإمام محمد الطاهر بن عاشور: شيخ جامع الزيتونة، وإمام الفقه والأصول والمقاصد في العصر الحديث، صاحب "مقاصد الشريعة الإسلامية" وتفسير "التحرير والتنوير".
2. الإمام محمد العزيز جعيط: مفتي الديار التونسية، ومن كبار علماء المالكية ومحققي الفتاوى في العصر الحديث

تعليق على تضعيف الشيخ عداب الحمش حديث

 أرسل لي أحد طلبة العلم مقالا للشيخ  عداب الحمش واراد تعليقي عليه
يمكن الرد عليه بقوة علمية، دون الوقوع في  التجريح الشخصي، لأن هذا أنفع وأبقى. ومن ذلك:
وهذا الرد يضرب أصل استدلاله من جهة أصول علم الحديث، دون الحاجة إلى الانجرار إلى عبارات شخصية قد تضعف قوة الحجة.
أقولُ وبالله أصول وأجول :
العجيب في هذا المقال أنه طويلٌ في السرد، قصيرٌ في التحقيق، كثيرُ النقول، قليلُ الفهم لصناعة الحديث.
فالكاتب لم يأت بعلةٍ حديثية واحدةٍ قادحة في الحديث، وإنما كرر كلمة: "فرد غريب"، وكأن الغرابة عند أهل الحديث مرادفة للضعف! وهذه من أبين الأخطاء؛ فإن الصحيحين مليئان بالأحاديث الغرائب، وقد اتفق أهل هذا الشأن على أن الغرابة ليست علة، وإنما العلة تكون بوجود ضعف في الراوي أو شذوذ أو علة خفية، فأين ذلك؟

ثم إن قوله إن الحديث "لا يصلح لبناء عقيدة عليه لأنه فرد" قول باطل مخالف لإجماع أهل السنة؛ فإنهم يحتجون بخبر الآحاد الصحيح في العقائد والأحكام جميعاً، وقد بنى البخاري ومسلم وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم أبواب الاعتقاد على أخبار آحاد.

وأما استدلاله بأن الإمام مسلم لم يخرج الحديث، فهو من أضعف ما يكون؛ إذ متى صار ترك مسلم للحديث علة فيه؟! وهل التزم مسلم إخراج كل صحيح؟! هذا ما لم يقله مسلم نفسه، ولا قاله أحد من أئمة الحديث.

ثم جعل اختلاف ألفاظ الرواية سبباً للطعن فيها، مع أن ألفاظ: (لم يكن شيء غيره) و**(لم يكن شيء قبله)** و**(كان الله قبل كل شيء)** لا تعارض بينها، بل هي ألفاظ متقاربة المعنى، وقد بين الحافظ ابن حجر وغيره أنها محمولة على الرواية بالمعنى، وهو أمر معروف عند المحدثين.

وأغرب من ذلك أنه يطعن في فهم ابن تيمية، ثم يجعل ابن حجر والألباني وغيرهما قد تبعوه في "الوهم"، وكأن أئمة الحديث عبر سبعة قرون لم ينتبهوا لما انتبه إليه هو! وهذه دعوى تحتاج إلى برهان، لا إلى جرأة في العبارة.

ثم إن الكاتب خلط بين مسألتين مختلفتين:

جملة: "كان الله ولا شيء معه".
وزيادة: "وهو الآن على ما عليه كان".

فابن تيمية إنما حكم بالوضع على الزيادة الثانية، وهذا معروف مشهور، أما أصل الحديث فقد احتج به، وإنما ناقش اختلاف ألفاظه. فجمع الأمرين في سلة واحدة تلبيس لا تحقيق.

وأما قوله إن الحديث لا يبنى عليه اعتقاد لأنه غريب، فهذا يهدم قسماً كبيراً من السنة، ويستلزم رد عشرات الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، وهو منهج لم يقل به أئمة الحديث.

والحق أن المقال لم يقدم علة حديثية واحدة معتبرة، وإنما اعتمد على:

التهويل بكثرة الصفحات.
والإكثار من أسماء العلماء.
ثم الخروج بنتيجة لا يدل عليها شيء من تلك النقول.

ولو كان الحديث معلولاً كما زعم، لسبق إلى بيان علته أئمة النقد الكبار: كالبخاري، وعلي بن المديني، وأحمد، وأبي حاتم، والدارقطني، ولم ينتظروا بعد أكثر من ألف سنة حتى يكتشفها كاتب معاصر!

إن احترام العلم يقتضي أن نفرق بين البحث العلمي، وبين صناعة الإثارة، فليس كل من أكثر من الإحالات صار محققاً، ولا كل من خالف الأئمة صار مجدداً، وإنما يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.


تفنيد دعوى «وحدة الأحكام» عند أتباع ابن عربي

 هل قال ابن عربي بوحدة الأحكام لا بوحدة الوجود؟ مناقشة علمية
نقض تأويل أتباع ابن عربي لوحدة الوجود
جوابات عن دعوى: «وحدة الوجود في الأحكام لا في الذوات»
قال أتباع ابن عربي:
«وأما الذات فلا يوجد وجه جامع بينها وبين العالم، بل إثبات الجامع بينهما محال... وأما الإلهية فلها أحكام هي نسب وإضافات... ويصح الاجتماع بينها وبين العالم.»
هذا التفريق لا يرفع الإشكال، بل هو عين تقرير مذهب ابن عربي.
فإن الإلهية عند ابن عربي ليست شيئًا خارجًا عن ذات الله، وإنما هي أسماؤه وصفاته القائمة به. فإذا قيل: إن العالم يجتمع مع الإلهية، أو إنه مظهر لها، أو إنها تتجلى فيه، فقد جعل العالم متعلقًا بما هو قائم بالله سبحانه، ولم يبق إلا تغيير الألفاظ.
ولهذا فإن أهل السنة لم يجعلوا النزاع في مجرد لفظ "الذات"، وإنما في جعل العالم مظهرًا للحق وتجليًا له.
«لا يصح أن يجتمع الحق والخلق من حيث الذات، وإنما يصح ذلك من حيث الألوهية.»
هذا تناقض ظاهر.
فإن الألوهية ليست موجودًا آخر غير الله حتى يصح الاجتماع بها دون الذات.
فإذا كانت الألوهية هي صفات الله وأسماؤه، فإثبات اجتماع الخلق بها هو إثبات نوع اتحاد أو اشتراك فيما هو قائم بالله سبحانه.
ولهذا لم يعرف أحد من أئمة السلف هذا التفريق.
«الإلهية هي التي استدعت وجود العالم.»
هذا ليس مذهب أهل السنة.
بل مذهب أهل السنة أن الله تعالى خلق العالم بمحض مشيئته وإرادته، لا لأن الأسماء اقتضت ذلك اقتضاءً ذاتيًا.
قال تعالى:
﴿يفعل الله ما يشاء﴾
وقال:
﴿فعال لما يريد﴾
أما جعل العالم لازمًا للأسماء أو مستدعًى منها، فهو من البناء الفلسفي الذي أدخله ابن عربي في الإلهيات.
«العالم آثار الأسماء والصفات.»
إن أريد بذلك أن الله خلق العالم بقدرته ورحمته وعلمه، فهذا حق يعرفه جميع المسلمين.
أما إن أريد أن الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية، وأنها تجلياتها، فهذا هو أصل وحدة الوجود.
ولهذا كان النزاع في معنى "المظهر" و"التجلي"، لا في مجرد إثبات الصفات.
«صفات العباد هي صور الصفات الإلهية، والتجلي إنما يقع في الأحكام لا في الذوات.»
هذا باطل من وجوه:
أولًا: صفات الله قديمة قائمة بذاته.
وصفات العباد مخلوقة حادثة.
فلا يجوز أن تكون الحادثة صورة للقديمة بهذا المعنى الفلسفي.
ثانيًا: أهل السنة يثبتون الاشتراك في الاسم فقط.
فالله حي، والعبد حي.
والله عليم، والعبد عليم.
لكن حقيقة حياة الله ليست حقيقة حياة العبد، ولا علمه كعلم العبد.
أما جعل صفات العبد ظهورًا أو صورة للصفات الإلهية، فهذا مذهب لم يقله أحد من السلف.
«إذا ارتقيت بقيت أوصافك التي هي صور أوصاف الرب، فعند ذلك تعلم أنك الحق بأوصافه، والحق أنت بأوصافك.»
هذه العبارة تهدم جميع محاولات التأويل السابقة.
فإنه لم يقل:
"تعلم أن الله وفقك."
ولا قال:
"تعلم أنك متخلق بأسماء الله."
بل قال:
«أنك الحق.»
وهذا هو عين ما أنكره علماء الإسلام.
ولو صدرت هذه العبارة من أي شخص معاصر لما تردد هؤلاء في الحكم بفسادها، فكيف إذا كانت نصًا مقرَّرًا في مذهبه؟
«فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه.»
هذا من أوضح نصوص وحدة الوجود.
إذ لا معنى لكون الحق ظاهرًا تارة، والخلق ظاهرًا تارة أخرى، إلا أن الظاهر في الحالين حقيقة واحدة تظهر بصورتين.
ولو كان المراد مجرد التسديد أو الإعانة لما صح هذا التعبير أصلًا.
ولهذا احتج به القونوي والقاشاني وسائر الأكابر من أتباع المدرسة الأكبرية على وحدة الوجود.
«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.»
هذا استدلال في غير موضعه.
فالآية لم تقل إن الله هو عين النبي ﷺ.
ولا إن فعل النبي هو عين فعل الله.
بل أثبتت للنبي الرمي أولًا:
﴿إذ رميت﴾
ثم نفت استقلاله بالتأثير:
﴿ولكن الله رمى﴾
أي: الله هو الذي أوصل الرمية إلى غايتها وخلق أثرها.
وهذا تفسير جميع أئمة التفسير.
أما جعلها دليلًا على وحدة الوجود، فصرف للآية عن معناها.
«كنت سمعه الذي يسمع به...»
هذا الحديث لا علاقة له بوحدة الوجود.
فقد أجمع شراح الحديث من أهل السنة على أن المراد:
التسديد.
والحفظ.
والتوفيق.
والمعونة.
ولم يقل أحد من السلف إن الله يصير حقيقة سمع العبد أو بصره.
بل قال الإمام النووي وابن حجر وغيرهما: المعنى أن الله يحفظ جوارحه فلا يستعملها إلا في طاعته.
فأين هذا من تفسير ابن عربي؟
«وحدة الوجود إنما هي في أحكام الذوات لا في الذوات.»
هذه ليست عبارة ابن عربي، وإنما هي محاولة من بعض أتباعه لتلطيف مذهبه.
والعبرة في معرفة المذهب بكلام صاحبه، لا باعتذارات المنتسبين إليه.
فابن عربي نفسه يقول:
«سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها.»
ويقول:
«فما في الوجود إلا الله.»
ويقول:
«العبد رب والرب عبد.»
ويقول:
«فالحق خلق بهذا الوجه، فاعتبروا، وليس خلقًا بذاك الوجه فاذكروا.»
فهذه نصوص صريحة لا يمكن ردها إلى مجرد "وحدة الأحكام".
بل هي التي جعلت كبار العلماء؛ كابن تيمية، والبقاعي، وابن خلدون، وغيرهم، يقررون أن مذهبه هو القول بوحدة الوجود.
إن طريقة أتباع ابن عربي في الدفاع عنه تقوم غالبًا على انتقاء بعض العبارات المحتملة، ثم تفسير النصوص الصريحة على ضوئها، مع أن المنهج العلمي يقتضي العكس؛ وهو أن تُرد العبارات المحتملة إلى النصوص المحكمة المتكررة في كتبه.
ولذلك فإن دعوى أن ابن عربي لا يقول إلا بـ"وحدة الأحكام" دعوى لا تثبت أمام مجموع نصوصه، ولا أمام فهم أبرز تلامذته وشارحي مذهبه، الذين قرروا أن الوجود واحد، وأن الكثرة إنما هي في المظاهر والتعينات. ومن هنا أنكر علماء أهل السنة هذا المذهب وعدوه مخالفًا لأصل التوحيد القائم على المغايرة التامة بين الخالق والمخلوق، مع إثبات أن الله تعالى بائن من خلقه، ليس حالًا فيهم، ولا هم مظاهر لذاته أو لوجوده.

جريان التردد المذهبي في اصطلاح المالكية

 لَا، لَيْسَ المَقْصُودُ أَبَداً أَنَّ الحُكْمَ يُتْرَكُ لِلْمُفْتِي لِيَخْتَارَ مَا يَشَاءُ أَوْ أَنَّ كِلَا القَوْلَيْنِ صَحِيحٌ فِي المَفْتَى بِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ!
المَقْصُودُ بِـ "جَرَيَانِ التَّرَدُّدِ المَذْهَبِيِّ" فِِي اصْطِلَاحِ المَالِكِيَّةِ هُوَ: تَرَدُّدُ المُأَخِّرِينَ مِنَ شُرَّاحِ المَذْهَبِ (كَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ بَشِيرٍ وَخَلِيلٍ) فِي كَشْفِ "القَوْلِ المَعْتَمَدِ" مِنْ قَوْلَيِ المُقَدِّمِينَ.
وَتَوْضِيحُ المَعْنَى المَنْطِقِيِّ وَالفِقْهِيِّ لِهَذَا التَّرَدُّدِ يَتَبَيَّنُ فِِي النَّقَاطِ الآتِيَةِ:
1. خَلْفِيَّةُ الخِلاَفِ فِِي المَسْأَلَةِ (قَوْلا المُقَدِّمِينَ):
فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الرَّقِيقِ أَوْ الجَارِيَةِ بِشَرْطِ التَّعْرِيَةِ (أَيْ أَنْ يَنْزِعَ البَائِعُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ):
القَوْلُ الأَوَّلُ (قَوْلُ أَِشْهَبَ وَنَصُّ المَدِينِيِّينَ وَالْمُدَوَّنَةِ): الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَيُلْزَمُ البَائِعُ بِإِعْطَائِهِ مَا يُوَارِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيَةَ وَكَشْفَ العَوْرَةِ حَرَامٌ شرْعاً، فَلاَ يُوفَّى بِالشَّرْطِ.
القَوْلُ الثَّانِي (رِوَايَةُ عِيسَى عَن ابْنِ القَاسِمِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ): يُوَفَّى بِالشَّرْطِ لِلبَائِعِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ المِهْنَةِ مَالٌ زَائِدٌ، وَمَالِكُهُ حُرٌّ فِي شَرْطِ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي العَقْدِ، وَالشَّرْطُ لاَ يُؤَدِّي إِلَى رِبًا أَوْ غَرَرٍ، لِقَوْلِهِ × «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».
2. مَاذَا يَعْنِي "التَّرَدُّدُ المَذْهَبِيُّ" هُنَا؟
حِينَ يَقُولُ خَلِيلٌ أَوْ الـُمُأَخِّرُونَ: (وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ؟ أَوْ لَا؟)؛ فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَِئِمَّةَ الـُمُأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ القَوْلَيْنِ هُوَ الرَّاجِحُ وَالـُمُتَمَدُ الَّذِي يَلْزَمُ القَضَاءُ وَالْفَتْوَى بِهِ:
طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ: رَجَّحَتْ أَنَّ الأَظْهَرَ جَوَازُ الشَّرْطِ وَاللُّزُومُ نَظَراً لِلْمَالِيَّةِ وَالعَقْدِ.
طَرِيقَةُ ابْنِ مُغِيثٍ وَابْنِ بَشِيرٍ: رَجَّحَتْ أَنَّ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الفَتْوَى وَالْعَمَلُ هُوَ إِبْطَالُ الشَّرْطِ لِصِيَانَةِ الكِسْوَةِ وَالسَّتْرِ.
3. النَّتِيجَةُ:
فَالْمُفْتِي لاَ يُخَيَّرُ خِيَاراً عَشْوَائِيّاً، وَلَا يُقَالُ إنَّ الصَّوَابَ مَعَ الكُلِّ فِي العَمَلِيَّةِ الإِفْتَائِيَّةِ؛ بَلِ المُرَادُ أَنَّ المَسْأَلَةَ مَجَالُ اجْتِهَادٍ أُصُولِيٍّ فِي تَرْجِيحِ المَعْتَمَدِ، وَالمَعْمُولُ بِهِ فِي الفَتْوَى المَالِكِيَّةِ عِنْدَ الشُّيُوخِ هوَ بُطْلاَنُ شَرْطِ التَّعْرِيَةِ لِمَنَعِ المَحْظُورِ، وَتَرْجِيحُ ابْنِ رُشْدٍ لِلصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ نَظَرٌ قِيَاسِيٌّ فِقْهِيٌّ.

القياس بقصة الغرانيق على اثبات الولاية للأولياء

لا يوجد حديث صحيح متصل الإسناد يثبت أن النبي ﷺ قال: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى". بل جميع الروايات المرفوعة إما مرسلة أو منقطعة أو فيها رواة متروكون أو ضعفاء.

  • أقدم من أوردها من المفسرين والمؤرخين -كالطبري- ذكرها بالأسانيد ولم يلتزم بصحتها، بل جمع ما روي في الباب.

  • انقسم العلماء إلى قولين:

    1. الجمهور من المحققين كالقاضي عياض، وابن العربي المالكي، والرازي، والبيضاوي، والألباني وغيرهم: يرون القصة باطلة سندًا ومتنًا، وأنها تخالف عصمة النبي ﷺ في تبليغ الوحي.
    2. وبعض العلماء كابن تيمية وابن حجر مالوا إلى أن للقصة أصلًا تاريخيًا اعتمادًا على كثرة المراسيل وتعدد الطرق، مع اختلافهم في تفسير كيفية وقوعها بما لا يقدح في العصمة.

الترجيح الحديثي

من جهة صناعة الحديث المحضة، لا يثبت في القصة إسناد صحيح تقوم به الحجة، ولذلك فالحكم الأقوى أن القصة لم تثبت، وإن كان ثبوت سجود المشركين مع النبي ﷺ عند قراءة سورة النجم صحيحًا في الصحيحين، لكنه لا يستلزم ثبوت قصة الغرانيق، إذ وردت تفسيرات أخرى لسجودهم.

فالخلاصة:

  • سجود المشركين: ثابت.
  • عبارة "تلك الغرانيق العلى...": غير ثابتة بإسناد صحيح، والجمهور من المحققين على ردها، مع وجود خلاف قديم في قبول أصل القصة.

إذا سلّمنا بقول من يرى أن لقصة الغرانيق أصلًا، فإن القياس الذي ذكرته ليس مستقيمًا.

فالقائلون بأن للقصة أصلًا -كابن حجر وابن تيمية- لم يقولوا إن النبي ﷺ أقرّ تلك الكلمات أو بقيت وحيًا، وإنما فسروها بأنها كانت فتنة عارضة ثم أبطلها الله، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. فهم يجعلون ذلك واقعًا قبل استقرار التبليغ، ولا يرون أنه يقدح في عصمة البلاغ.

أما الولي فليس معصومًا أصلًا، وقد يقع في الخطأ، بل قد يقع في تلبيس أو وسوسة، لكن لا يجوز الجزم بأن عبارة معينة قالها كانت من إلقاء الشيطان لمجرد أنها باطلة؛ لأن هذا دعوى غيبية لا دليل عليها. فيُقال ببساطة: أخطأ، أو ضل في هذه المسألة، أو هذا من تلبيس الشيطان عليه على سبيل الاحتمال لا الجزم.

إذًا:

  • من جهة الإمكان العقلي: نعم، يمكن أن يقال إن الولي قد يزل أو يلبس عليه الشيطان، وهذا لا يستلزم انتفاء ولايته.
  • أما تعيين كلام ابن حجر أو غيره بأنه أجراه الشيطان على لسانه فلا يصح الجزم به إلا بدليل، بل يقال: هذا كلام باطل، ونردّه، ولا نحكم على باطن قائله أو على ولايته بمجرد ذلك.

فالفرق أن قصة الغرانيق -على فرض ثبوت أصلها عند من قال به- استندوا فيها إلى نص قرآني وتفسير مخصوص، أما تنزيل ذلك على أشخاص آخرين في كل خطأ فلا دليل عليه.


تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.