جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

بيع ما ليس عندك متى تجوز ومتى لا تجوز

 بيع ما ليس عندك
 تعقيب على  فتوى  يُوضح فيها الشيخ محمد الحسن الددو وفقه الله أن النهي في حديث «لا تبِعْ ما ليس عندك» لا يقصد به مطلق عدم الملك، بل يتعلق ببيع الأعيان المقومة النادرة أو ما فيه غرر وجهالة يعرض الطرفين للنزاع. أما بيع ما ليس في الملك مع وجود نظائره في السوق أو القدرة على تسليمه (كالوكالة أو السلم أو الموصوف في الذمة)، فهو جائز شرعاً ولا يدخل في التحريم
والرد على هذه النفطة بالتحديد وبيان القول المعتمد عند المالكية قال الشيخ :  كثير من الناس يظن أن "ما ليس عندك" يعني "ما لا تملكه"، وهذا غير صحيح تماماً، إذ يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا التزم بتسليمه وكان من المثليات أو المتوافر في الأسواق
أقول وأجول وبالله وحده أصول :
الإشكال في الكلام المنقول عن الشيخ أنه خلط بين الملك، والوجود في السوق، والقدرة على التسليم، وكون المبيع موصوفًا في الذمة، ثم جعل هذه الأشياء كلها مناطًا واحدًا لجواز البيع، وهذا ليس تحريرًا للمذهب المالكي.
هذا الكلام لا يصح أن يُنسب إلى «ضوابط المذهب المالكي» بهذه الصياغة؛ لأنه يخلط بين مسائل متباينة خلطًا ظاهرًا، ثم يجعل مجرد وجود السلعة في السوق أو إمكان شرائها لاحقًا سببًا لجواز بيعها، وهذا قلبٌ للبحث الفقهي لا تحريرٌ له.
المذهب المالكي لا يقول: «كل ما كان موجودًا في السوق ويمكن تحصيله يجوز بيعه ولو لم يكن مملوكًا للبائع». هذه قاعدة لا تعرف في باب البيوع المالكية بهذا الإطلاق، بل هي مصادمة لأصلٍ ظاهر: أن البائع لا يبيع عينًا لا ملك له فيها ثم يذهب فيشتريها ليسلمها للمشتري.
والحديث نفسه جاء في صورة تكاد تكون أصرح من أن تحتمل هذا التوسع: سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه عن الرجل يأتيه فيطلب منه سلعة ليست عنده، فيشتريها له من السوق ثم يبيعها له، فقال له النبي ﷺ: «لا تبع ما ليس عندك».
فما الذي يُفعل بهذا السبب الصريح للورود؟ هل يُقال: لا بأس، ما دامت السلعة من المثليات وموجودة في السوق؟!
ثم إن المثليّة لا تجعل العين المملوكة للغير ملكًا للبائع. كون السلعة مثلية يفيد في أبواب أخرى، كالسلم والضمان والديون، ولا يحوّل من لا يملك العين إلى مالك لها. فهناك فرق بين أن تقول:
«بعتك مائة كيلو من القمح موصوفة في الذمة على وجه السلم»
وبين أن تقول:
«بعتك هذا القمح/هذه السلعة التي سأذهب فأشتريها من السوق ثم أسلمها لك».
الأول سلم استثناه الشارع بشروطه، والثاني بيع عين لم تدخل في ملك البائع. ولا يصح أن نجعل وجود الأول مبررًا لتصحيح الثاني.
وأما قولهم:
«الفرق بين الملك والوجود: يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا التزم بتسليمه وكان من المثليات أو المتوافر في الأسواق»
فهذه العبارة هي موضع الخلل الأكبر؛ لأنها تجعل القدرة على تحصيل المبيع قائمة مقام الملك، مع أن القدرة على الشراء من السوق ليست ملكًا، وإلا لكان كل تاجر يستطيع أن يبيع ما شاء قبل أن يشتريه، ما دام يتوقع وجوده عند التجار!
وهذا تحديدًا هو الذي يفتح باب بيع السلع على الهاتف والمنصات والمتاجر الإلكترونية قبل التملك، ثم يقال: السلعة موجودة في السوق، إذن لا بأس! وهذا ليس تحريرًا فقهيًا، بل إسقاطٌ لحكم عقد على عقد آخر.
ثم هناك خلط آخر بين الحيازة والملك.
نعم، لا يلزم في كل بيع أن تكون العين في يد البائع لحظة العقد؛ فقد يملكها وهي عند غيره، وهذه مسألة تختلف عن أن لا يملكها أصلًا.
فالقول:
«ليس عنده» لا يعني دائمًا «ليس في يده»
شيء،
والقول:
«ليس عنده، ولكنه لا يملكه أصلًا، ويستطيع شراءه من السوق»
شيء آخر تمامًا.
والخلط بينهما هو الذي أفسد العبارة كلها.
بل حتى القبض باب مستقل عن الملك؛ فقد يملك المشتري السلعة بالعقد ثم يمنع من بعض التصرفات فيها قبل القبض بحسب نوع المبيع وحكمه، كما أن البائع قد يكون مالكًا لسلعة ليست في حيازته. فلا يجوز جمع «الملك» و«الحيازة» و«القبض» و«القدرة على التسليم» في معنى واحد ثم بناء الحكم عليها جميعًا.
وأما الاستدلال بـ السلم، فهو أشد غرابة؛ لأن السلم ليس ترخيصًا عامًا في بيع كل ما لا يملك الإنسان، وإنما هو عقد مخصوص مستثنى بضوابطه: مبيع موصوف في الذمة، معلوم الصفات، معلوم القدر، مؤجل، مع تعجيل رأس المال، وغير ذلك من شروطه. فإذا خرجت المعاملة عن حقيقة السلم وشروطه لم تتحول إلى سلم لمجرد أننا سمينا السلعة «موصوفة».
وكذلك الاستصناع له حقيقته وشروطه، والوكالة لها حقيقتها، والوعد بالشراء له حكمه؛ فلا يصح أن نأخذ إباحة هذه العقود ثم نصبّها غطاءً لبيعٍ آخر حقيقته: «بعتك شيئًا لا أملكه، ثم سأذهب فأشتريه».
وهنا يظهر الفرق بين الفقه الحقيقي وبين التوسع في تخريج الصور:
العبرة بحقيقة العقد، لا بإمكان إيجاد مخرج لفظي له.
فإن كان الرجل وكيلًا عن المالك فهذه وكالة، وليس بائعًا لنفسه.
وإن كان واعدًا بالشراء فهذه مواعدة، وليست بيعًا.
وإن كان عقد سلم مستوفيًا لشروطه فهذا سلم، وليس بيع عين معينة غير مملوكة.
وإن كان استصناعًا مستوفيًا لشروطه فهذا استصناع، وليس بيعًا عاديًا.
أما أن ينعقد البيع ابتداءً على عين ليست في ملك البائع، ثم يقال: «لكنها موجودة في السوق، وأنا قادر على شرائها»، فهذا هو محل المنع الذي لا ينبغي أن يُمحى من الصورة بهذه العبارات.
والأعجب من ذلك جعل الندرة هي مدار التحريم؛ وكأن السلعة إذا كانت شائعة في الأسواق خرجت من حكم بيع ما ليس عند البائع!
فالندرة قد تؤثر في الغرر وإمكان التسليم، لكنها ليست هي التي تنشئ الملك للبائع. سلعة نادرة مملوكة للبائع يصح أن تكون مبيعًا مع بحث شروطها، وسلعة شائعة في ألف متجر لا يملك البائع منها شيئًا لا تصبح ملكًا له بكثرة وجودها في السوق.
فليكن التفريق دقيقًا:
الملك شيء.  والحيازة شيء. والقبض شيء.  والقدرة على التسليم شيء.  ووجود أمثال المبيع في السوق شيء. وكون المبيع موصوفًا في الذمة شيء. والسلم شيء.
والوكالة شيء. والوعد بالشراء شيء.
ومن لم يفرّق بين هذه الحقائق، ثم جمعها تحت عبارة «ما دام موجودًا في السوق ويمكن تسليمه فهو جائز»، فقد سوّى بين عقود مختلفة وأحكام مختلفة، ثم نسب هذا الخلط إلى الفقه المالكي!
والمالكية أضبط من ذلك بكثير.
فالمسألة ليست في أن نقول: «هل أستطيع أن أحصل على السلعة؟»
بل السؤال الأول: «بأي صفة تعاقدت عليها؟ وهل كنت مالكًا لها حين بعتها؟ وما حقيقة العقد الذي جرى بين الطرفين؟»
ومن هنا يظهر أن العبارة المنقولة تحتاج إلى إعادة بناء من أصلها، لا إلى مجرد إضافة استثناءات إليها؛ لأن إمكان الشراء من السوق ليس ملكًا، ووجود السلعة ليس قبضًا، والقدرة على التسليم ليست إجازة للبيع، والسلم ليس بيعًا عاديًا، والوعد ليس بيعًا، والوكالة ليست ملكًا.
ومن أراد أن ينسب حكمًا إلى المذهب المالكي فليأتِ بنصوص المالكية وضوابطهم، لا بقاعدة إنشائية من نوع: «الموجود في السوق يجوز بيعه وإن لم تملكه»؛ فهذه العبارة بهذا الإطلاق لا تمثل تحرير المذهب، بل تهدم الفروق التي أقام الفقهاء الأحكام عليها.
توصيف المسألة : 
شخص يتصل عليك و يقول لك أريد سلعة مواصفاتها كذا و كذا فتقول له موجودة و ثمنها كذا و هي ليست عندك بل ستذهب لتشتريها من عند آخر و تدفعها له بالثمن الذي اتفقتما عليه و تارة يقدم لك هو الثمن أو بعضه قبل أن تأتيه بالسلعة و تارة تقدم له أنت السلعة أولا ثم يدفع لك هو الثمن الذي اتفقتما عليه
صورتان تختلف أحكامهما باختلاف تقديم الثمن أو تأخيره:
الصورة الأولى: بيع ما ليس عند الإنسان مع تأخير الثمن والسلعة
هذه الصورة هي أن يتفق الطرفان على الأوصاف وعلى الثمن، وتكون السلعة غير موجودة عند العاقد حين العقد، مع تأخير الثمن والسلعة معاً؛ وهذا هو الشرط الأول من المنهي عنه، وهو بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين)، وهو غير جائز، وتندرج أيضاً تحت نهي النبي × عن «بيع الإنسان ما ليس عنده».
الصورة الثانية: تعجيل الثمن أو بعضه قبل إحضار السلعة
وهذا هو الشرط الثاني، وفيه صورتان:
إن كان الثمن المعجل كاملاً أو جمهرة الثمن (مع اشتراط التأجيل في الباقي لأجل معلوم)، وتحددت السلعة بالأوصاف والأنشاط دون تعيين أعيانها، فهذا هو بيع السلم؛ وهو جائز إذا استوفى شروط السلم المعروفة (كضبط الصفة، وأجل المعلوم، وقبض رأس المال في المجلس أو تأخيره بشرط ألا يتجاوز ثلاثة أيام).
إن تعجل بعض الثمن واشترط تأخير الباقي بلا أجل محدد، أو وقع العقد على سلعة معينة بذاتها لا توجد في ملك العاقد، دخل ذلك في بيع ما لا يملك وفي فساد السلم.
الصورة الثالثة: تقديم السلعة أولاً ثم دفع الثمن
وهذا هو الشرط الثالث، وفيها تفصيل:
إن كان القصد مجرد "الوعد غير الملزم" بحيث يتفقان على الأوصاف والثمن على وجه المواعدة، ثم يذهب العاقد فيشتريها لنفسه أولاً وتدخل في ضمانه وملكِيته، ثم يحضرها فينعقد البيع عليها بيعاً جديداً برضا الطرفين وخيارهما؛ فهذا جائز.
أمّا إن وقع العقد جازماً ملزماً في الأول على سلعة معينة غير مملوكة للعاقد، ثم ذهب ليشتريها ويسلمها؛ فهذا هو بيع ما ليس عندك المنهي عنه شرعاً.
تصنيف هذه المسألة وما يتفرع عنها إلى صور ممنوعة وصور جائزة:
الصور الممنوعة
 الصورة الأولى: العقد الجازم على غير المملوك مع تأخير الثمن والسلعة
وهي أن يقع العقد ملزماً بين الطرفين على السلعة الوصفية أو المعينة والثمن غير مقبوض، مع كون السلعة غير مملوكة للعاقد وقتئذٍ؛ فهذا شرط أول يقع في النهي عن «بيع ما ليس عندك»، ويلزم منه بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين)، وهو ممنوع.
 الصورة الثانية: العقد الجازم على عين معينة لا يملكها العاقد
وهي أن يلتزم العاقد ببيع عين شخصية محددة بذاتها (كرقم هيكل سيارة معينة أو دار محددة) وهي ليست في ملكه وقت العقد، سواء تعجل الثمن أو تأخر؛ فهذا شرط ثاني ممنوع لكونه بيعاً لما لا يملك.
 الصورة الثالثة: تعجيل بعض الثمن مع الإلزام وإهمال شروط السلم
وهي أن يأخذ العاقد جزءاً من الثمن على وجه العقد اللازم لسلعة موصوفة في الذمة، مع اشتراط تأخير باقي الثمن لغير أجل معلوم، أو تأخير رأس مال السلم لأكثر من ثلاثة أيام؛ فهذا شرط ثالث فاسد لتخلف شروط السلم الشرعية.
الصور الجائزة
 الصورة الأولى: عقد السلم المستوفي لشروطه
وهي أن يقع الاتفاق على سلعة موصوفة في الذمة ضبطاً تاماً، مع تعجيل رأس المال كاملاً (أو جلّه بشرط ألا يتأخر بقية رأس المال عن ثلاثة أيام)، وتأجيل تسليم السلعة إلى أجل معلوم؛ فهذا شرط رابع جائز شرعاً لاستيفائه أحكام باب السلم.
 الصورة الثانية: المواعدة غير الملزمة ثم إنشاء عقد جديد
وهي أن يقتصر الطرفان على مجرد التواعد والرغبة دون وقوع عقد جازم أو التزام بينهما، فيذهب العاقد ويشتري السلعة لنفسه لتenter في ملكه وضمانه، ثم يحضرها للمشتري وينشئان بعد ذلك عقداً جديداً برضاهما وخيارهما؛ فهذا شرط خامس جائز لا حرج فيه.
الدعوى الثانية :
الرد على هذه الدعوى، وبيان المعتمد عند المالكية
قولهم:
«يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا التزم بتسليمه وكان من المثليات أو المتوافر في الأسواق»
قولٌ غير صحيح على إطلاقه، ولا يصح نسبته إلى المذهب المالكي.
بل لا بد أولًا من التفريق بين صورتين:
الأولى: أن يبيع الإنسان عينًا معينة لا يملكها، ثم يذهب فيشتريها ويسلمها للمشتري.
فهذه هي الصورة التي يدخل فيها النهي عن بيع ما ليس عنده، وهي ليست جائزة لمجرد أن السلعة موجودة في السوق أو أنها مثلية أو أن البائع قادر على تحصيلها.
فلو قال رجل لآخر: «بعتك هذه الثلاجة المعينة بمائة»، والثلاجة ليست ملكه، ثم قال: «سأذهب إلى السوق فأشتريها لك»، لم يصحح العقد كون الثلاجة متوافرة في الأسواق؛ لأن وجود المبيع عند غيره لا يجعله ملكًا للبائع.
وكذلك لو قال: «بعتك عشرة أكياس من الأرز بهذه المواصفات، وليس عندي منها شيء، ولكنها موجودة دائمًا في السوق وسأشتريها بعد العقد»، فلا يقال لمجرد ذلك: هذا بيع صحيح؛ بل ينظر في حقيقة العقد: فإن كان بيعًا حالًّا لموصوف في الذمة فهذه ليست الصورة التي يصححها وجود السلعة في السوق.
الثانية: أن يعقد عقدًا شرعيًا آخر له حكمه وشروطه، كالسَّلَم.
فإذا كان العقد سلمًا مستوفيًا لشروطه، جاز أن يكون المسلم فيه غير موجود عند البائع وقت العقد؛ لأن السلم ليس بيعًا عاديًا لعين غير مملوكة، وإنما هو بيع موصوف في الذمة بشروطه المعتبرة.
وهنا يقع الغلط في العبارة المذكورة: أخذُ جواز السلم، ثم تحويله إلى قاعدة عامة تقول:
«كل ما لا أملكه يجوز لي بيعه إذا كان مثليًا وموجودًا في السوق».
وهذا لا يقول به المالكية.
فالمالكية لا يجعلون المثلية سببًا لإباحة بيع ما لا يملك البائع، وإنما المثلية قد تكون معتبرة في باب السلم؛ لأن المسلم فيه دين موصوف في الذمة، لا عين معينة مملوكة للبائع وقت العقد.
وكذلك توفر السلعة في السوق ليس هو مناط الجواز.
فلو كانت السلعة موجودة في كل متجر في البلد، لكنها ليست في ملك البائع، فإن مجرد وجودها لا ينقل الملك إليه.
ولهذا فالصياغة الصحيحة ليست:
«يجوز بيع ما لا يملك الإنسان إذا كان قادرًا على تسليمه».
بل يقال:
لا يجوز للإنسان أن يبيع عينًا لا يملكها، لمجرد قدرته على تحصيلها وتسليمها، إلا إذا كانت المعاملة داخلة في عقد شرعي مستثنى أو جائز بشروطه، كالسلم ونحوه.
وهذا فرق جوهري.
فالقدرة على التسليم ليست بديلًا عن الملك.
ووجود المبيع في السوق ليس ملكًا للبائع.
وكون المبيع مثليًا لا يجعله مملوكًا له.
وإنما قد تنتقل المسألة إلى باب آخر إذا صيغ العقد على وجه شرعي آخر، كأن يكون سلمًا مستوفيًا لشروطه.
وأما عبارة «ما ليس عندك»
فلا يصح جعلها مرادفة دائمًا لـ«ما لا تملكه»، لأن «عندك» قد يراد بها الحضور والحيازة، وقد يكون الإنسان مالكًا لشيء وهو غائب عنه.
لكن النتيجة الخطأ هي أن يقال: بما أن «ما ليس عندك» لا يساوي دائمًا «ما لا تملكه»، إذن يجوز بيع ما لا تملكه إذا كان موجودًا في السوق!
هذه قفزة لا دليل عليها.
فعدم كون الشيء «عندك» أوسع من عدم ملكه، نعم؛ لكن هذا لا يعني أن عدم الملك جائز في البيع لمجرد القدرة على الشراء.
والضابط الذي ينبغي أن يقال في المذهب المالكي هو:
الملك والحيازة ليسا شيئًا واحدًا، والقدرة على التسليم ليست ملكًا، ووجود المثل في السوق ليس ملكًا، ولا يجوز جعل هذه الأمور بدائل عن الملك في البيع. وإنما يستثنى ما استثناه الشرع أو صححه الفقهاء بعقد مستقل، كالسلم بشروطه.
فمن أراد أن يستدل بالمذهب المالكي على جواز الصورة، فعليه أن يثبت صحة نفس البيع قبل التملك، لا أن يثبت فقط أن السلعة موجودة في السوق وأنه قادر على شرائها؛ فهذه مقدمة لا تنتج المدعى.
وهذا هو موضع الغلط في العبارة المنقولة: إنها جعلت «إمكان تحصيل المبيع» مناطًا للجواز، بينما الكلام الفقهي أولًا في: هل انعقد للبائع حق بيع هذا المبيع أصلًا أم لا؟
هذه النقطة تحديدًا باطلة على إطلاقها عند المالكية؛ لأن جعل «وجود السلعة في السوق» أو «كونها مثلية» مسوغًا لبيع ما لا يملكه البائع يخلط بين بيع العين غير المملوكة وبين السلم في موصوف في الذمة.
قولنا «يمكن أن تكون المعاملة سلمًا» لا يعني أن مجرد تغيير الوصف يجعل البيع سلمًا.
أولًا: متى تتحول الصورة إلى سَلَم؟
لو قال لك شخص:
«أريد منك 100 كيس أرز، بالمواصفات الفلانية، وسعرها 1000، وسلّمني إياها بعد شهر».
فلكي يكون هذا سَلَمًا لا بد أن تتوافر شروطه، وأهمها:
أن يكون المبيع في الذمة، لا عينًا معينة.
فلا يقول: «بعتك هذا الأرز الموجود عند فلان»، بل: «بعتك مائة كيلو أرز من الصفة الفلانية في ذمتي».
أن يكون مما يصح فيه السلم عند المالكية، بأن يكون مما تنضبط صفاته ويُضبط قدره بحيث لا يؤدي اختلاف الأفراد إلى نزاع معتبر.
ضبط الجنس والنوع والصفة والقدر ضبطًا يرفع الجهالة المؤثرة؛ فلا يكفي أن تقول: «أرز جيد»، بل تحدد ما يحتاج إليه العقد بحسب السلعة وعرفها.
ضبط الأجل إذا كان السلم مؤجلًا، بحيث يكون الأجل معلومًا.
تعجيل رأس مال السلم على الوجه المعتبر عند المالكية؛ فليس المقصود أن تقول: «سأعطيك الألف بعد أسبوع أيضًا»، ثم تسمي العقد سلمًا.
أن يكون المسلم فيه قابلًا للتسليم في وقته، وألا يكون مما يفضي إلى غرر أو نزاع بسبب تعذر ضبطه أو انقطاعه على وجه معتبر.
والأهم من ذلك كله:
السلم ليس بيع السلعة التي سأشتريها لاحقًا، وإنما هو بيع شيء موصوف في الذمة.
وهذه نقطة فاصلة جدًا في نقاشنا.
مثال يوضح الفرق
الصورة الأولى — ليست سلمًا بمجرد هذا الوصف:
«بعتك سيارة تويوتا كورولا موديل 2026، وسأذهب غدًا إلى المعرض وأشتريها لك.»
هذه ليست سلمًا لمجرد أنك قادر على شرائها.
الصورة الثانية — قد تكون سلمًا من حيث الأصل:
«بعتك 100 كيلو من أرز بسمتي، نوع كذا، وصفته كذا، بثمن معلوم، تدفعه الآن، على أن يكون التسليم في تاريخ معلوم.»
هنا لم تبع عينًا موجودة عند فلان، وإنما التزمت بمقدار موصوف في ذمتك.
ثانيًا: ماذا قصدت بعبارة «السلم ونحوه»؟
هنا أريد أن أصحح عبارتي السابقة حتى لا تكون أوسع مما ينبغي.
لم أقصد أن هناك قائمة طويلة من العقود التي تقول ببساطة: «يجوز لك أن تبيع ما لا تملك».
بل قصدت العقود التي تختلف حقيقتها عن البيع المعتاد لعين غير مملوكة، ومن أبرزها:
السَّلَم: تبيع موصوفًا في الذمة بالشروط السابقة.
الاستصناع: إذا تحققت حقيقته وشروطه المعتبرة، كأن تطلب من صانع أن يصنع لك شيئًا موصوفًا على وجه مخصوص.
الوكالة: وهذه ليست بيعًا لما لا تملك أصلًا؛ لأن الوكيل يبيع عن المالك، لا يبيع ملكًا لنفسه.
الوعد بالشراء: وهذا ليس بيعًا أصلًا في مرحلة الوعد؛ فإذا اشترى الواعد السلعة وملكها، جاء بعد ذلك البيع.
ولذلك الأدق في عبارتي السابقة أن أقول:
«إلا إذا كانت الصورة داخلة في عقد آخر مشروع له أحكامه وشروطه، كالسلم أو الاستصناع، أو كان المتعاقد يتصرف عن المالك بوكالة، أو كانت مجرد مواعدة لم ينعقد بها البيع.»
أما أن يقول شخص:
«بعتك السلعة الآن، وأنا لا أملكها، لكنني أستطيع شراءها من السوق غدًا، وهي متوفرة دائمًا»
فلا أرى أن يصحح هذه الصورة بمجرد قولنا: «هذا يشبه السلم».
لأن الشبه لا يغيّر حقيقة العقد.
وهذا بالضبط هو الذي ينبغي أن نرجع إليه في النقاش الذي بدأناه: هل الصورة التي يدافع عنها الكلام المنقول هي فعلًا سلم، أم هي بيع عادي لسلعة غير مملوكة ثم شراء السلعة بعد العقد؟
إذا كانت الثانية، فوجود السلعة في السوق لا يكفي لجعلها سلمًا.
د. زياد حبُّوب أبو رجائي
x

أسئلة فقهية متنوعة

سؤال 1
ما هو النقاء المعتبر طهراً بين الدمين في الحيض
بارك الله فيكم جميعا
اخواني الافاضل 
هذا السؤال يسأل عن حقيقة النقاء ووصفه، لا عن مدته. ولذلك لا تكون الإجابة بالمدة.
ففي المذهب المالكي النقاء المعتبر بين الدمين هو:
1. الجفوف: بأن تخرج الخرقة أو القطنة جافة لا أثر عليها من دم أو صفرة أو كدرة.
2. القصة البيضاء: وهي السائل الأبيض الذي تعرفه النساء علامة لانتهاء الحيض.
3. الصفرة والكدرة فليستا نقاءً إذا كانتا في زمن الحيض، بل هما من الحيض عند المالكية، فلا يقال إن النقاء هو الصفرة أو الكدرة، بل النقاء هو انقطاع جميع ذلك.
لذلك فالصواب هو:
أن يجف الدم تمامًا، ويظهر الجفوف أو القصة البيضاء.
وأما الأيام فهي تدخل في مسألة أخرى، وهي أقل الطهر بين الحيضتين، أو في بعض أحكام ضم الدم إلى الدم، وليست تعريفًا للنقاء نفسه. #وجب_التنبيه
أما الاختلاف بين المذاهب فليس في تعريف النقاء فهو اتفاقا بين الأربعة
وإنما في الأحكام المترتبة عليه، مثل: 
هل النقاء المتخلل بين الدمين في مدة الحيض يعد طهرًا حقيقيًا أم هو تابع للحيض؟
وهل يجب فيه الصلاة والصيام والجماع؟
وكيف يضم الدم إلى الدم؟ .....الخ الخ
سؤال 2
حكم دم الحيض الخارج من الحامل بعد ستة أشهر
الجواب :
في المذهب المالكي، إذا رأت الحامل الدم بعد ستة أشهر من الحمل فإن هذا الدم لا يُعدُّ حيضًا على المشهور، بل يُحكم له بأنه دم فساد (استحاضة)، فتجب عليها الصلاة والصيام، ويجوز لزوجها وطؤها
خلافا للمذاهب فاتفقوا معنا انه ليس حيضا وانها مستحاضة.
سؤال

سؤال 4
ما حكم الخمر إذا تخللت بنفسها دون إضافة شيء إليها
الجواب : تطهر

سؤال 5
حكم الماء اليسير حلت فيه نجاسة ولم تغير أحد أوصافه
اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على أن الماء الذي حلت فيه نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة باقٍ على طهوريته، وإنما وقع الخلاف بينهم في ضابط الماء اليسير؛ فالمالكية يحدونه بما كان بقدر آنية الوضوء أو الغسل تقريبًا، والشافعية والحنابلة يحدونه بما دون القلتين.
سؤال 6
ما هو حكم بول وعذرة ما يؤكل لحمه إذا لم تتغذى بالنجس
الجواب : طاهران، فلا يحكم بنجاستهما إذا كان الحيوان مأكول اللحم ولم يكن جَلَّالًا (أي لم يتغذَّ غالبًا على النجاسات). وهذا هو المشهور في المذهب المالكي.
وهذا قول الحنابلة في المعتمد
خلافا للشافعية والاحناف فهو نجس

سؤال 7
إذا تغير الماء بمقره أو ممره كالكبريت والزرنيخ فما حكمه
على المذهب المالكي: إذا تغيَّر الماء بمقرِّه أو ممرِّه، كأن يتغيَّر بسبب ما في الأرض التي ينبع منها أو يمر بها من الكبريت أو الزرنيخ أو الملح أو غير ذلك من المعادن، فإن هذا لا يضرُّه، ويبقى طهورًا مطهِّرًا، ويجوز الوضوء والغسل به.
والسبب : 
لأن هذا التغيُّر
1.  لا يمكن الاحتراز منه غالبًا،
2. وهو من أصل خلقته 
3. أو مما يلازمه عادة، 
فلم يسلبه اسم الماء. فلا يخرجه عن اسم الماء المطلق
.
وهذا اتفاقا بين المذاهب الاربعة

سؤال 8
دم البراغيث هل يُعفى عن يسيرها في الصلاة ؟
نعم
يُعفى عن يسير دم البراغيث في الصلاة عند كثير من الفقهاء؛ لأنه مما يعسر الاحتراز منه، ولقلّته عادة. وهذا اتفاقا بين الاربعة
المالكية: يُعفى عن يسير الدم مطلقًا مما يشق التحرز منه، ومنه دم البراغيث ونحوها، فلا تبطل الصلاة به إذا كان يسيرًا. أما الكثير فيعتبر على حكم النجاسة. والضابط عندهم في اليسير يرجع إلى العرف وما يعدّه الناس قليلًا.

صلاة الجمعة إذا أقيمت في موضعين متقاربين

 شروط صلاة الجمعة وما يتعلق بتعددها في الموضع الواحد أو المواضع المتقاربة:
أن صلاة الجمعة من شرط وجوبها وصحتها عند جماهير الفقهاء أن لا تتعدد في المصر أو البلد الواحد إلا لحاجة ظاهرة.
أولا: أصل المذهب المالكي
المشهور عند المالكية أن الجمعة لا تصح إلا في مسجد واحد في البلد، وهو المسجد العتيق (القديم)، فلا يجوز تعدد المساجد للجمعة في البلد الواحد أو المواضع المتقاربة إلا لضرورة أو حاجة شديدة، كضيق المسجد الأول عن الزوار أو لخوف فتنة.
حكم الصلاة إذا أقيمت في موضعين متقاربين لغير حاجة:
الجمعة الصحيحة: هي جمعة المسجد العتيق (القديم)، حتى لو أقيمت بعد الجمعة الثانية زمنا.
الجمعة الباطلة: هي جمعة المسجد الجديد (المحدث)، ويلزم أهله إعادتها ظهرا؛ لأن الصلاة في المحدث لم تصادف شرط الصحة مع وجود العتيق من غير حاجة.
حكم الصلاة إذا كانت لحاجة (كالضيق):
إذا كانت هناك حاجة داعية للتعدد، جاز التعدد وصحت صلاة الجمعة في الموضعين معا.
ثانيا: تفريع قول الشافعية على المسألة
يتفق الشافعية مع المالكية في أن الأصل امتناع تعدد الجمعة في البلد الواحد أو المواضع المتقاربة لغير حاجة، لكنهم يفرعون في معيار التمييز بين الصحيحة والباطلة على "السبق في الزمن" لا على "قدم المسجد":
إذا أقيمت في موضعين لغير حاجة:
الجمعة الصحيحة: هي جمعة الموضع الذي سبق بالتكبير (تكبيرة الإحرام)، سواء كان المسجد قديما أو جديدا.
الجمعة الباطلة: هي جمعة الموضع الذي تأخر عن الأول، ويجب على أهله إعادتها ظهرا.
إن اقترنتا أو إذا لم يعلم السابق منهما: بطلت الصصلاتان في Mوضعين معا، ووجب على الجميع إعادتها إما جمعة جديدة مجتمعة إن بقي الوقت، أو صلاة ظهر.
إذا أقيمت لحاجة (كعسر الاجتماع أو الضيق):
إذا كبرت البلدة أو ضاقت المساجد فيجوز التعدد للحاجة، وتصح الصصلاتان في الموضعين جميعا بلا إعادة.
موقف الفقه المعاصر والفتوى الهيئاتية من مسألة تعدد الجمعة في الموضع الواحد أو المواضع المتقاربة لغير حاجة:
تتجه الفتوى الفقهية المعاصرة وقرارات المجامع الفقهية إلى التوسع والتيسير في جواز تعدد الجمعة، مع وقوع الخلاف في ضابط المنع والجواز عند انتفاء الحاجة:
أولا: الاتجاه المعاصر الأوسع (الجواز المطلق أو الملحق بالحاجة العامة)
يرى جمع من العلماء والباحثين المعاصرين جواز أداء صلاة الجمعة في متعدد المساجد ولو كانت متقاربة لغير حاجة ملحة تدعو لذلك، واستندوا في فتح باب الجواز إلى الوجوه الآتية:
تغير مفهوم "المصر" والتمدن الحديث: العلة التي من أجلها اشترط المتقدمون وحدة الجمعة هي إظهار شعار الاجتماع وعدم التفرق. ومع اتساع المدن المعاصرة وكثرة السكان وترابط الأحياء، أصبح التعدد يلبي مقصد الشريعة في تيسير أداء الشعيرة وإحياء المساجد بالذكر والخطبة في كل حي ومحلة.
إلحاق التيسير بالحاجة العامة: المصلحة المشتركة في رفع المشقة عن عموم الناس (كالزحام المروري، وبعد السفر في أطراف المدن، واختلاف اللغات بين الجاليات في البلدان الغربية) تنزل منزلة الحاجة الشاملة التي تبيح التعدد دون تدقيق في مدى ضيق المسجد الأول.
الأخذ بروايات في الفقه: استأنسوا بما روي عن بعض السلف وفي بعض الروايات كقول ابن عمر رضي الله عنهما بترخيص الجمعة في القرى والمساجد المتعددة، ومذهب ابن حزم الظاهري الذي يرى صحة الجمعة في كل مسجد أقيمت فيه.
ثانيا: اتجاه المجامع الفقهية والهيئات الرسمية (الجواز بالحاجة العرفية)
تذهب المجامع الفقهية المعاصرة (كمجمع الفقه الإسلامي الدولي، وهيئة كبار العلماء) إلى أن الأصل هو عدم التعدد لغير حاجة، ولكنهم وسعوا مفهوم "الحاجة" توسعة عرفية تمنع الإبطال أو وجوب الإعادة:
ضابط التعدد عند الهيئات المعاصرة: لا يشترط للقول بالحاجة أن يضيق المسجد الأول حتى يخرج الناس إلى الطرقات، بل يكفي المشقة الحاصلة بالازدحام، أو بعد المسافة بين الأحياء، أو تباين لغات المصلين، أو الخوف من الفتن والمشاحنات.
حكم الصلاة الواقعة في مساجد متقاربة بلا حاجة عند المعاصرين:
اتفقوا على أن أصل التعدد بلا حاجة مكروه أو خلاف الأولى سدا لذريعة تشتت الكلمة.
صحة الصلاة للعامة: ترجح عند غالب الفتاوى المعاصرة صحة صلاة الجميع في المساجد القائمة وعدم لزوم الإعادة ظهرا؛ رفصا للحرج والفتنة عن عامة المصلين الذين يصلون خلف أئمة معتمدين من وزارات الأوقاف، ولأن الإذن الصادر من السلطة ولي الأمر برفع الجمعة في تلك المساجد ينزل منزلة الترخيص الشرعي الذي يرفع الخلاف ويصحح العقد والصلاة.
قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بمسقط (سلطنة عمان):
الجهة الصادرة: مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة التعاون الإسلامي).
رقم القرار: القرار رقم 42 (5/5) بشأن «صلاة الجمعة في المسجد الواحد وفي مساجد متعددة».
نص خلاصة القرار المرجعي:
1. الأصل في صلاة الجمعة: أن تقام في مسجد واحد في البلدة أو الحي لإظهار وحدة المسلمين واجتماعهم.
2. ضابط التعدد المأذون فيه: يجوز تعدد الجمعة في البلدة الواحدة أو الأحياء المتقاربة إذا دعت إلى ذلك حاجة أو مصلحة راجحة؛ كضيق المسجد، أو بعد المسافة، أو خوف الفتنة، أو عدم إمكان اجتماع المصلين في مكان واحد.
3. التعدد عند السعة (لغير حاجة): إذا أقيمت الجمعة في مساجد متعددة دون حاجة داعية، فالمشروع تنظيم ذلك عبر الهيئات والجهات المختصة (كوزارات الأوقاف)؛ وتعتبر صلاة المصلين صحيحة في جميع تلك المساجد ولا تجب عليهم إعادتها ظهرا، رفصا للحرج والشقاق بين المسلمين، وإعمالا لإذن ولي الأمر المنظم لإقامة الشعيرة.
إذن :
لا يقع الخلاف بين الفقهاء في جواز تعدد صلاة الجمعة في المسجدين المتقاربين إذا دعت إلى ذلك حاجة أو ضرورة كضيق المسجد أو خوف فتنة؛ ففي هذه الحالة تصح الصلاة فيهما معا بلا نزاع. وإنما يتوجه محل الإشكال وتحرير النزاع في حال انتفاء الحاجة، كأن يكون أحد المسجدين يسع لجميع المصلين فيهما.
وبيان حكم هذه المسألة عبر المراحل الفقهية كالتالي:
 أولا: مذهب المتقدمين (ومنهم الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)
اتفق جمهور المتقدمين على منع تعدد الجمعة في المصر الواحد أو المواضع المتقاربة عند عدم الحاجة، حتى لو فصل بينهما نهر أو طريق. وعليه فإن صلاة أحد المسجدين تبطل ويلزم أصلها إعادتها ظهرا، وتمييز الصحيحة من الباطلة يكون:
 إما بالمسجد العتيق (القديم) كما هو شرط عند المالكية، فتصح في العتيق وتبطل في المحدث.
 وإما بالسبق في تكبيرة الإحرام كما هو المعتمد عند الشافعية، فتصح للمتقدم وتبطل للمتأخر.
 ثانيا: مذهب المتأخرين من الأئمة
مع توسع المتأخرين في إجازة التعدد عند وجود الشروط والدواعي، إلا أنهم طردوا القول بمنع التعدد إذا انتفت الحاجة زاهدة؛ فبقي حكم صلاة المسجد الثاني عندهم هو البطلان ووجوب الإعادة ظهرا، اتباعا لأصل المتقدمين في اعتبار أن شرط صحة الجمعة الانفراد فيها إلا لعذر.
 ثالثا: مسلك الفقهاء المعاصرين والهيئات الفقهية
عمد الفقهاء المعاصرون والمجامع الفقهية إلى إعادة النظر في "مناط" التعدد؛ فرموا إلى توسعة مفهوم "الحاجة" توسعة عرفية تمنع إبطال صلاة العامة أو إلزامهم بالإعادة، وذلك استنادا إلى الأصول الآتية:
1. تغير مفهوم المصر والتمدن الحديث: العلة التاريخية في اشتراط وحدة الجمعة هي إظهار الشعار وجمع الكلمة. ومع اتساع المدن والكثافة السكانية، صار تكثير المساجد يمثل مقصد الشريعة في عمارة البيوت وعموم الدعوة في كل حي.
2. تنزيل المشقة العامة منزلة الحاجة: المصالح المرتبطة بدفع العسر (كالازدحام المروري، وبعد المسافات، وتعدد اللغات) نزلت منزلة الحاجة الشاملة المبيحة للتعدد دون شرط الضيق المادي المحض.
3. الاستئناس بالآثار والمذاهب الموسعة: الاعتماد على ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في ترخيص الجمعة في المواضع المتعددة، ومذهب ابن حزم الظاهري القائل بصحة الجمعة في كل مسجد أقيمت فيه.
4. أثر إذن ولي الأمر: تقرر عندهم أن إذن السلطة أو وزارات الأوقاف بإقامة الجمعة في تلك المساجد يعتبر ترخيصا شرعيا يرفع به الخلاف، وتصح به صلاة الجميع صيانة لعبادة المنصرفين وسدا لذريعة الشقاق.
أقول وبالله اصول وأجول:
تخريج الجواز في مسألة تعدد الجمعة عند انتفاء الحاجة الضيقة يمكن بناؤه على عدة أصول وقواعد فقهية وأصولية أخرى لم تستفرغ فيما سبق، ومن أبرز هذه التخريجات:
 1. التخريج على القول بأن شرط «عدم التعدد» شرط وجوب لا شرط صحة
شرط الوحده في الجمعة عند طائفة من الأصوليين إنما هو شرط لوجوب إقامتها على المجموع في مكان واحد لتحقيق الشعار، وليس شرطا لصحة الصلاة في ذاتها.
 وجه التخريج: إذا قلنا إن الوحده شرط وجوب لا شرط صحة، فإن إقامتها في مسجدين لغير حاجة يكون فيه إثم أو كراهة للمتسبب فيه (كمن فرق الكلمة)، لكن الصلاة نفسها تقع صحيحة وتجزئ عن فريضة الوقت، ولا يلزم المصلين إعادتها ظهرا؛ لأن العقد والصلاة استجمعا أركانهما وشروطهما الذاتية.
 2. التخريج على قاعدة: «مراعاة الخلاف» وقول أهل الظاهر
مراعاة الخلاف اصل أصولي مالكي معروف يستند إليه في تصحيح التصرفات بعد وقوعها للخروج من مشقة الإعادة.
 وجه التخريج: يرى الإمام ابن حزم وأهل الظاهر أن الجمعة تصلى في كل موضع أقيمت فيه (في المساجد والقرى والأسواق) بلا اشتراط عدد كبير ولا امتناع تعدد؛ لأن النص أمر بالصلاة إذا نودي لها عموما. فيمكن تخريج القول بالجواز والصحة بعد الوقوع على أنه إعمال لمقتضى "مراعاة الخلاف" مع المذهب الظاهري؛ سدا لباب إبطال عبادات المسلمين بعد الفراغ منها.
 3. التخريج على النظر المقاصدي في «تكثير النوادي والجماعات»
الأصل في الشريعة الترغيب في كثرة المصلين وعمارة المساجد (عموم الشعار).
 وجه التخريج: علة المنع عند المنقبين كانت خشية تفرق الكلمة أو خذلان المسجد الأصلي. فيقال: إذا كانت المدينة الكبيرة يتعذر فيها حصول الاجتماع الكلي حقيقة، فإن المقصد المطلوب (وهو الشعار والاجتماع) يتحقق في كل حي بمفرده؛ فيكون التعدد ناشئا عن تحقيق المقصد في نطاقه المحلي كلما نبتت محلة جديدة.
 4. التخريج على قاعدة: «يغتفر في الدوام والنهاية ما لا يغتفر في الابتداء»
في القواعد الفقهية أن الأمر إذا استقر وثبتت له حالة قائمة يتساهل فيه ما لا يتساهل فيه قبل شروعه.
 وجه التخريج: يفرق هنا بين "ابتداء" بناء مسجد جديد للتعدد المحض (فيمنع ابتداء لعدم الحاجة)، وبين "بعد وقوع الصلاة في المسجد القائم بالفعل"؛ فيغتفر التعدد استدامة وتصحح الصلاة فيه رعاية لاستقرار الشعائر وعدم إشاعة الإرباك بين المأمومين.
 5. التخريج على العفو عن التعدد الصغير (معاملة المماثل)
القول بأن المساجد المماثلة في الشأن والموقع لا تتباين أحكامها.
 وجه التخريج: إذا شرعت الجمعة في المسجد الثاني بإذن الجهة المنظمة، فإن المسجدين صارا في الرتبة الشرعية سواء، فلا معنى لترجيح أحدهما بالإبطال دون الآخر مع صدور الإذن لهما معا؛ إذ الترجيح بلا مرجح ممنوع عقلا وشرعا.
التخريجُ الفقهيُّ والأصوليُّ للخروج من عدم اشتراط المالكية لإذن الإمام في صلاة الجمعة (في مسألة التعدد لغير حاجة):
على الرغم من أن مشهور المذهب المالكي يُقرر أن إذن الإمام ليس شرطاً لصحة صلاة الجمعة في أصلها، إلا أن الاستدلال بإذن ولي الأمر أو الجهة المنظمة لتصحيح التعدد يمكن تخريجه وتوجيهه مالكياً من أربعة أبواب أصولية وقواعد مذهبية:
 1. باب «السياسة الشرعية وتنظيم المصالح العامة»
ميز المالكية بين شرط الصحة الذاتي للصلاة وبين تصرفات الإمام المُنظِّمَة للمصالح العامة؛ فإذا كان إذن الإمام ليس شرطاً لصحة أصل صلاة الجمعة للجمعة الواحدة، فإن المنع من التعدد كان لحفظ مقصد "وحدة الكلمة وعدم التفريق".
 وجه التخريج: إذن الإمام أو وزارات الأوقاف بالتعدد لا يُنشئ صحة الصلاة ذاتياً، ولكنه يُسقط علة المنع والحظر (وهي الشقاق وتفريق الجمع)؛ لأن الإمام هو المنوط به تقدير المصالح العامة وسد ذرائع الفتن. فإذا أذن بالتعدد في مسجد ثانٍ، ارتفع المانع الشرعي وأصبحت الصلاة صادر عن جهة ولاية لها الحق في تنظيم البيوت والمساجد.
 2. التخريج على قاعدة: «حكم الحاكم يرفع الخلاف»
هذه القاعدة الأصولية جارية عند المالكية وغيرهم.
 وجه التخريج: مسألة جواز التعدد عند انتفاء الحاجة الشديدة مسألة إجتهادية يقع فيها النزاع بين الحظر والإباحة، وتتجاذبها الأدلة. فإذا أصدرت السلطة الشرعية أو هيئة الفتوى الرسمية ترخيصاً بإقامة الجمعة في ذلك المسجد المحدث أو القريب، فإن هذا الإذن ينزل منزلة "حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية"، وحكمه يرفع الخلاف وينقل المسألة من الحظر إلى الصحة والإجزاء، وتصح الصلاة خلفه قطعاً للخلاف.
 3. التخريج على اعتبار «الإذن قرينةً وحجةً على وجود الحاجة»
المالكية يوجبون ألا تتعدد الجمعة إلا لحاجة؛ والمكلف الشارع أو العامي ليس من شأنه تقدير الحوائج العامة للمدن والقرى.
 وجه التخريج: يُعد صدور الإذن الرسمي من ولي الأمر أو وزارة الأوقاف ببناء المسجد أو إقامة الجمعة فيه قرينة شرعية وحجة ظاهرة على ثبوت "الحاجة" التي يشرع معها التعدد. فالإذن هنا ليس شرطاً ذاتياً للجمعة، بل هو "كاشف عن تحقق شرط الحاجة" المبيح للتعدد، فيُبنى الحكم بالصحة على أصل المذهب المالكي (وهو الصحة عند الحاجة) بناءً على هذه القرينة.
 4. التخريج على «مراعاة الخلاف والقول باشتراط الإذن»
المالكية من أكثر الفقهاء إعمالاً لأصل "مراعاة الخلاف"، وهناك روايات وأقوال داخل الفقه الإسلامي (كقول الحنفية ورواية عن أحمد) تجعل إذن الإمام شرطاً لإقامة الجمعة.
 وجه التخريج: يُستأنس بهذا الخلاف لتصحيح صلاة المصلين في المسجد الثاني؛ فمن صلى بناءً على إذن ولي الأمر فقد جرى على قول من يشترط إذنه، ومن يتأول الصحة فقد راعى الخلاف للخروج من مشقة إبطال صلاة جماهير الناس، وهو مسلك مالكي أصيل في استدامة العبادات بعد وقوعها.

حكم التصوير والتماثيل ولعب الاطفال

 يمكن ترتيب الحكم في المذهب المالكي على النحو الآتي:
التماثيل المجسمة (ذات الظل): يحرم صنعها إذا كانت لذوات الأرواح، وهو المعتمد في المذهب، لورود النصوص الصحيحة في ذلك.
الصور المسطحة (غير المجسمة): المشهور عند المالكية كراهة تصوير ذوات الأرواح إذا كانت كاملة الخِلقة، والنهي فيها أخف من المجسمات، وإن كان بعض أهل المذهب يميل إلى التشديد.
الصور الممتهنة: كالموجودة في البسط والوسائد ونحوها مما يُوطأ أو يُستعمل استعمالًا فيه امتهان، فهي أخف حكمًا، وقد أجاز المالكية اقتناءها في الجملة.
لُعب الأطفال: رخَّص الفقهاء في لعب البنات بالعرائس ونحوها، واستدلوا بحديث لعب عائشة بنت أبي بكر بالبنات وإقرار النبي ﷺ لها، ولذلك استثنى كثير من أهل العلم لعب الأطفال من عموم النهي؛ لما فيها من تدريب الصغار وتعليمهم، وهو ما جرى عليه كثير من فقهاء المالكية.
التصوير الفوتوغرافي: لم يتكلم فيه فقهاء المذهب المتقدمون لأنه حادث بعد عصرهم، فلا يُنسب فيه قولٌ إلى المذهب المالكي. وإنما اختلف فيه العلماء المعاصرون:
فمنهم من رأى أنه ليس من التصوير المنهي عنه، وإنما هو حبسٌ للظل أو نقلٌ للصورة، فأجازه إذا خلا من المحرم.
ومنهم من ألحقه بالتصوير الوارد في الأحاديث فمنعه إلا لحاجة أو ضرورة.
وعليه، فلا يوجد في المذهب المالكي

حكم بيع السلعة قبل تملكها وضوابط بيع ما لا يملك

 المسألة :   شخص يتصل عليك و يقول لك أريد سلعة مواصفاتها كذا و كذا فتقول له موجودة و ثمنها كذا و هي ليست عندك بل ستذهب لتشتريها من عند آخر و تدفعها له بالثمن الذي اتفقتما عليه و تارة يقدم لك هو الثمن أو بعضه قبل أن تأتيه بالسلعة و تارة تقدم له أنت السلعة أولا ثم يدفع لك هو الثمن الذي اتفقتما عليه
الجواب "  بسم الله والصلاة على رسول الله
على مذهب الإمام مالك وأصحابه
من اتفق مع غيره على سلعة لا يملكها فالمعاملة تدور بين الحظر والإباحة؛ فإن وقع بينهما عقد جازم وملزم على سلعة معينة أو على سلعة موصوفة مع تأخير الثمن والمثمن فهذا عقد ممنوع، وإن قدم الثمن كاملا في الذمة بأجل معلوم فهو سلم جائز، وإن كان الاتفاق على سبيل الوعد غير الملزم حتى يشتريها العاقد ثم يبيعها بعقد جديد فهو جائز أيضا.
تصنيف هذه المسألة وما يتفرع عنها إلى صور ممنوعة وصور جائزة:
الصور الممنوعة

 الصورة الأولى: العقد الجازم على غير المملوك مع تأخير الثمن والسلعة
وهي أن يقع العقد ملزماً بين الطرفين على السلعة الوصفية أو المعينة والثمن غير مقبوض، مع كون السلعة غير مملوكة للعاقد وقتئذٍ؛ فهذا شرط أول يقع في النهي عن «بيع ما ليس عندك»، ويلزم منه بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين)، وهو ممنوع.
 الصورة الثانية: العقد الجازم على عين معينة لا يملكها العاقد
وهي أن يلتزم العاقد ببيع عين شخصية محددة بذاتها (كرقم هيكل سيارة معينة أو دار محددة) وهي ليست في ملكه وقت العقد، سواء تعجل الثمن أو تأخر؛ فهذا شرط ثاني ممنوع لكونه بيعاً لما لا يملك.
 الصورة الثالثة: تعجيل بعض الثمن مع الإلزام وإهمال شروط السلم
وهي أن يأخذ العاقد جزءاً من الثمن على وجه العقد اللازم لسلعة موصوفة في الذمة، مع اشتراط تأخير باقي الثمن لغير أجل معلوم، أو تأخير رأس مال السلم لأكثر من ثلاثة أيام؛ فهذا شرط ثالث فاسد لتخلف شروط السلم الشرعية.

الصور الجائزة

 الصورة الأولى: عقد السلم المستوفي لشروطه
وهي أن يقع الاتفاق على سلعة موصوفة في الذمة ضبطاً تاماً، مع تعجيل رأس المال كاملاً (أو جلّه بشرط ألا يتأخر بقية رأس المال عن ثلاثة أيام)، وتأجيل تسليم السلعة إلى أجل معلوم؛ فهذا شرط رابع جائز شرعاً لاستيفائه أحكام باب السلم.

 الصورة الثانية: المواعدة غير الملزمة ثم إنشاء عقد جديد
وهي أن يقتصر الطرفان على مجرد التواعد والرغبة دون وقوع عقد جازم أو التزام بينهما، فيذهب العاقد ويشتري السلعة لنفسه اتدخل في ملكه وضمانه، ثم يحضرها للمشتري وينشئان بعد ذلك عقداً جديداً برضاهما وخيارهما؛ فهذا شرط خامس جائز لا حرج فيه.

القول المقابل :
أما الجمهور  يصح السلم وتجوز المعاملة جزئياً بقدر ما دُفع من الثمن فقط (وينفسخ العقد فيما لم يُقْبَض). أما المالكية يرون أن الصفقة لا تتجزأ؛ فمتى قُبض بعض الثمن وأُخّر البعض الآخر (فوق الأجل المغتفر شرعاً)، فسد العقد في الجميع ويبطل بطلاناً تاماً؛ لعلة جمع الصفقة بين جائز وممنوع، ولدخول دين بدين.  
تفنيد قول الجمهور والتنصير لمذهب المالكية أصوليا وفقهيا:
إن القول بتصحيح عقد السلم فيما قبض من الثمن وإبطاله فيما لم يقبض (تفريق الصفقة) أوردت عليه اعتراضات أصولية وفقهية قوية، ويتوجه الترجيح لمذهب المالكية القائل بفساد العقد كله؛ وبيان ذلك من خلال الوجوه الآتية:
 1. بناء العقد على أهلية الإرادة وامتناع إحداث عقد جديد
العقد شريعة المتعاقدين، وهو ينعقد بارتباط الإيجاب بالقبول على مجموع الصفقة (كمية السلعة كاملة في مقابلة كامل الثمن).
 تفنيد قول الجمهور: إن القول بتصحيح العقد في نصف المبيع مثلا وإبطاله في النصف الآخر، يلزم العاقدين بعقد لم تتجه إليه إرادتهما ابتداء؛ إذ قد يكون غرض المشتري شراء الكمية كاملة ولا يفيه بعضها، وقد يكون غرض البائع بيع الكل لا البعض. فتجزئة الصفقة قهرا إنشاء لعقد جديد لم يتراضيا عليه، وهو مخالف لأصل التراضي المشروط في البيوع.
 2. سراية الفساد من باب "ما بني على الفاسد فهو فاسد"
السلم رخصة استثنائية خرج بها عن أصل نهي "بيع ما ليس عندك"، وشرط هذه الرخصة الأعظم هو "تعجيل رأس المال كاملا" في المجلس كيلا يقع الملام في نهي "بيع الكالئ بالكالئ" (الدين بالدين).
 التنصير للمالكية: متى اشترط تأخير بعض الثمن أو دفع بعضه وتفرقا عن طوع قبل كماله، فقد دخل الفساد في العقد في لحظة انعقاده. والأصل الأصولي عند المالكية أن العقد وحدة حكمية واحدة لا تتجزأ إذا كان موجب الفساد مقارنا لأصله؛ فيسري الفساد من الشق الممنوع إلى الشق المأذون فيه لاشتراكهما في علة الصفقة الواحدة، فيفسد الجميع طردا لأصل الحظر.
 3. إعمال قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام»
هذه القاعدة الأصولية الترجيحية تقدم عند تعارض الممكنات في العقد الواحد.
 وجه الاستدلال: الصفقة هنا اشتملت على شقين: شق مأذون فيه (ما قبض ثمنه)، وشق حرام ممنوع شرعا لكونه دينا بدين (ما تأخر ثمنه). وتغليب جانب المنع والحظر أولى سدا لذريعة الربا ومنعا للمعاملات المغشوشة؛ فتبطُل الصفقة بكليتها رعاية لجانب النهي.
 4. قوة قياس المالكية على العبادات والمركبات
يقيس المالكية الصفقات المالية المشروطة بشروط محددة على العبادات المركبة؛ فكما أن الصلاة إذا بطل بعضها بطلت كلها لكونها عملا واحدا، فكذلك عقد السلم إذا بطل بعض رأس ماله المشروط شرعا بطل العقد برمته.
 خلاصة الموقف الأصولي
مذهب المالكية يمتاز بالاطراد الأصولي وسد الذرائع؛ فمتى خرج الممارس عن ضوابط الرخصة (وهي تعجيل كامل رأس المال)، عاد العقد إلى الأصل المنيع وهو حرمة بيع ما لا يملك وحرمة بيع الكالئ بالكالئ، ولا معنى لتجزئة العقد لتصحيح بعضه مع التلبس بالمنشئ للفساد في الصفقة ذاتها.

تكييف المال الناشئ عن المعاملات الممنوعة والعذر بالجهل عند الجمهور:
 أولاً: حكم المال الأرباح والمكتسبات عند الجمهور
يفرق الجمهور بين أصل المال (الثمن) وبين الربح المكتسب من المعاملة الفاسدة:
1. أصل الثمن والسلعة (القبض في العقد الفاسد):
 القبض لا يفيد الملك التام: القبض الناشئ عن عقد فاسد أو بيع ممنوع لا ينقل الملكية نقل استقرار عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة).
 وجوب التراد: يجب شرعاً فسخ العقد وتراد العوضين؛ فيرجع المشتري بثمنه، ويرجع البائع بسلعته إن كانت قائمة. فإن تلفت السلعة لزم المشتري رد مثلها أو قيمتها يوم القبض.

2. حكم الأرباح الناشئة عن المعاملة (الربح والمكسب):

 عند الحنفية: الملك يثبت في العقد الفاسد بالقبض ملكاً خبيثاً غير طيب، وتطيب الأرباح إذا كانت ناتجة عن تصرف جديد أخرج السلعة عن يد المشتري، مع الإثم ووجوب الاستغفار.
 عند الشافعية والحنابلة: الغلة والربح يتبعان الضمان استناداً للحديث: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»؛ فما دام المشتري أو البائع هو الضامن للسلعة لو تلفت، فالربح يطيب له ولا يلزمه التصدق به بعد فسخ العقد ورد الأصول لصحابها، وإن كان أصل الفعل معصية يجب التوبة منها.

 ثانياً: هل يُعذر المتعاقد بالجهل في هذه المسائل؟
في مسألة العذر بالجهل بالتفاصيل الفقهية للمعاملات المال مع وجود الشبهة:
1. الجهل بالحكم الشرعي مع حسن النية:
 رفع الإثم: يُعذر الشخص بالجهل في الجانب الجنائي والإثم الشرعي إذا كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، أو كان من عامة الناس الذين يجهلون دقائق أحكام البيوع وتفاصيل شروط السلم وبيع ما لا يملك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقوله ×: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».

2. أثر الجهل على وضع المال والمعاملة:
 الجهل لا يقلب العقد الفاسد صحيحاً: الجهل يرفع الإثم والذنب عن المكلف، ولكنه لا يصحح العقد الفاسد ولا يغير حكمه الوضعِي؛ فالواجب متى علم بالحرمة والفساد أن يصحح معاطاته في المستقبل، ويلتزم بالصور الجائزة شرعاً.
 الطيب والحلية في الماضي: ما مضى وقُبض واستهلك بناءً على الجهل وعفوه قبل العلم بالحكم، فالأظهر عدم لزوم التصدق بأرباحه السابقة أو تتبع الصفقات القديمة للفسخ، لقوله تعالى في ربا المعاملات: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ فالجهل بالشرط يُسقط الإثم والتضمين المالي الفائض عن الأصول الماضية.

مسألة استظهار المعتادة بثلاثة أيام

من المسائل التي تحتاج إلى تحرير علمي، لا إلى مجرد التقليد، مسألة استظهار المعتادة بثلاثة أيام.
فإن كثيرًا من الشراح والمتأخرين يذكرون حديث أم سلمة رضي الله عنها في معرض الاستدلال على الاستظهار، مع أن المتأمل في لفظ الحديث لا يكاد يجد فيه إشارة إلى ذلك، فضلاً عن تحديده بثلاثة أيام.
فالحديث إنما يقول:
 «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك.»
وهذا نصٌّ ظاهر في الرجوع إلى العادة، لا في الزيادة عليها.
ولو تُرك الحديث وظاهره، لكان مقتضاه أن المرأة إذا انقضت عادتها اغتسلت وصلّت، ولم يذكر النبي ﷺ استظهارًا بيوم، ولا يومين، ولا ثلاثة.
ولهذا استدل به الشافعي ومن وافقه على عدم الاستظهار أصلًا.
أما المالكية، فإنهم لم يبنوا القول بالثلاثة على منطوق الحديث، وإنما جمعوا بينه وبين ما رأوه من أصول أخرى، كعمل أهل المدينة والاجتهاد في باب الحيض، فصار الحديث عندهم دليلًا على أصل اعتبار العادة، لا على مقدار الاستظهار.
والذي يلفت النظر أكثر أن الباحث إذا فتش عن مستند الثلاثة، لم يجد - فيما صح من الآثار - حديثًا مرفوعًا يحددها، ولا أثرًا صحيحًا صريحًا عن صحابي يقول: تستظهر ثلاثة أيام.
بل إن الأثر المشهور عن ابن عباس - إن ثبت - إنما فيه: يوم أو يومان، لا ثلاثة.
وهنا تظهر أهمية الأمانة العلمية؛ فليس من التحقيق أن يُقال: دل الحديث على الاستظهار بثلاثة أيام، لأن الحديث لا يدل على ذلك بلفظه، ولا بإشارته الظاهرة.
والصواب أن يقال:
 الحديث أصل في الرجوع إلى العادة، وأما الاستظهار بثلاثة أيام فهو حكم مذهبي استند فيه المالكية إلى أدلة أخرى، وليس إلى ظاهر هذا الحديث وحده.
وهذا التفريق هو الذي يحفظ للنص دلالته، وللاجتهاد منزلته؛ فلا يُحمَّل الحديث ما لا يحتمله، ولا يُنسب إلى النبي ﷺ ما لم يدل عليه كلامه.
والمالكية قالوا: الحديث سكت عما بعد العادة، وقد جاءت آثار أخرى من قول الإمام مالك نفسه، وهو آخر قوليه كما نقله معن بن عيسى ورواية ابن القاسم عن مالك، أن المعتادة تستظهر بثلاثة أيام، وهو الذي استقر عليه المذهب وعمل أهل المدينة تدل على أنها تستظهر بثلاثة أيام، فضموا هذه الأدلة إلى الحديث.
فليس معنى الحديث عند المالكية:
"اجلسي العادة مع الثلاثة."
بل معناه:
المرجع أولًا هو العادة، ثم ثبت عندنا بدليل آخر أن المرأة لا تنتقل مباشرة إلى حكم الاستحاضة، بل تستظهر ثلاثًا عند توفر شروط الاستظهار.
ولهذا لا يرون أن الحديث نفسه نص في الثلاثة.
فالعلم إنما يقوم على تحرير محل الاستدلال، لا على مجرد موافقة النتيجة للمذهب. ومن أعظم الإنصاف أن نفرق بين دليل الحكم، ووجه الاستدلال به، والدليل المكمل له؛ فبذلك تستقيم مناهج البحث، وتسلم نسبة الأحكام إلى أدلتها.
نقل  ابن المنذر في الأوسط:
«وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا استحيضت المرأة فلتقعد أيام أقرائها التي كانت تقعد، ثم تقعد بعده يوماً أو يومين، ثم تصلي.»
يثبت الاستظهار بأيام ، و أصل الاستظهار، لا في الثلاثة.
وقول الحسن البصري بمثل ذلك.
وقول الأوزاعي: تستظهر يومًا أو يومين.
أما الثلاثة فهي المشهور عن الإمام مالك، وآخر قوله
ولهذا قال شراح المالكية: إن الاستظهار زيادة ثبتت بعمل أهل المدينة، وليست مستفادة من منطوق هذا الحديث وحده.
وذكر المالكية لذلك عدة توجيهات، أشهرها:
أنه عمل أهل المدينة الذي رآه مالك حجة.
وأنه اجتهاد مبني على الاحتياط في الدماء والعبادات.
وأن الثلاثة ليست تعبدًا محضًا، بل تقديرًا فقهيًا لا يتجاوز به أكثر الحيض (خمسة عشر يومًا).

كتاب البيوع والمعاملات المالية اقامة الدلبل لمئل مختصر خليل

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.