جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر

 العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر: ثلاث وقائع مالكية

من المسائل المهمة في فقه الفتوى أن المفتي قد لا يقتصر في بعض الوقائع على القول المشهور أو الأيسر، بل يعدل إلى قول آخر أشد؛ نظرًا إلى حال المستفتي، أو إلى مآل الفتوى، أو قصدًا إلى الزجر والمنع من التمادي في المعصية أو الظلم.

وقد حفظت لنا كتب الفقه والأصول عددًا من الوقائع المالكية التي تكشف عن هذا المعنى، ومن أبرزها ثلاث وقائع:

 أولًا: فتوى المازري في زرع الغاصب

صورة المسألة أن شخصًا غصب أرضًا فزرعها، ثم استحق صاحب الأرض أرضه بعد فوات إبان الزرع، أي بعد انتهاء الوقت الذي يمكن فيه الانتفاع بالأرض بزرع آخر في ذلك الموسم.

والمشهور في المذهب المالكي أن الزرع يكون للغاصب، وعليه كراء الأرض، ولا يُجبر على قلعه بعد فوات الإبان.

لكن رُويت عن الإمام مالك رواية أخرى، نقلها الداودي، تجعل الزرع لصاحب الأرض. وقد وصف الشاطبي هذه الرواية بالشذوذ، ونقل أن المازري أفتى بها، مع علمه بضعفها وشذوذها.

ولم يكن ذلك من المازري جهلًا بالمشهور، ولا انتقالًا إلى مذهب فقهي آخر، وإنما كان عدولًا عن المشهور إلى رواية أخرى عن الإمام مالك؛ لأن المقام مقام تشديد على الغاصب الظالم.

وقد علل الشاطبي هذا المسلك بقوله: «التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف من الشرع وقواعد المذهب».

فهذا المثال يمثل صورة واضحة للعدول عن المشهور إلى قول أشد، لمقصد الزجر والتشديد على المعتدي.

 ثانيًا: فتوى يحيى بن يحيى الليثي لأمير الأندلس

ومن أشهر الوقائع المنقولة في هذا الباب قصة يحيى بن يحيى الليثي، صاحب مالك وعالم الأندلس، مع أميرها عبد الرحمن بن الحكم.

فقد جامع الأمير جارية له في نهار رمضان، فسأل الفقهاء عن كفارة ذلك. فبادر يحيى بن يحيى فأفتاه بأن يصوم شهرين متتابعين.

وكان ذلك مغايرًا لما جرى عليه المذهب المالكي في هذه المسألة من التخيير بين خصال الكفارة؛ فسأله الفقهاء: لم خصصته بالصيام ولم تخيره؟

فقال بمعنى: لو فتحت له هذا الباب، لوطئ كل يوم وأعتق رقبة، فلا يكون في العتق زاجر له؛ أما الصيام فإنه أشق عليه فيمنعه من العود.

وقد نقلت كتب الفقه هذه القصة عن يحيى بن يحيى، ونقل ابن عرفة مضمونها في التاج والإكليل.

وهذه الواقعة أوضح في قصد الزجر؛ إذ لم يكتف المفتي ببيان ما يجزئ في أصل الحكم، وإنما نظر إلى خصوص حال المستفتي ومآل الفتوى عليه، فاختار له ما هو أشد وأبلغ في الردع.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذه الواقعة وقع الكلام في توجيهها عند العلماء؛ ولذلك لا يصح جعلها دليلًا على أن للمفتي أن يخالف النص أو الحكم المقرر لمجرد الاستحسان، وإنما هي واقعة فقهية تحتاج إلى حملها على أصل معتبر في النظر إلى حال المستفتي ومآل الفتوى.

 ثالثًا: عبد الرحمن بن القاسم مع ابنه

ومن الوقائع الدالة على هذا المعنى ما نُقل عن عبد الرحمن بن القاسم، من كبار أصحاب الإمام مالك.

فقد حنث ابنه في يمين تعلقت بالمشي إلى بيت الله الحرام، فاستفتى أباه، فأفتاه أولًا بقول الليث بن سعد: عليه كفارة يمين، ثم قال له: «إن عدت أُفتيك بقول مالك»، أي بالقول الذي يوجب عليه الوفاء بالمشي.

وهذه القصة مهمة؛ لأن عبد الرحمن بن القاسم لم يكن يجهل مذهب مالك، بل كان من أخص أصحابه، ومع ذلك عدل في هذه الواقعة إلى قول الليث، ثم هدده بأنه إن عاد إلى الأمر أفتاه بقول مالك، وهو الأشد عليه. وقد نقلت كتب الأصول والفتاوى هذه القصة في سياق الكلام على اختلاف الفتوى باختلاف حال المستفتي والمصلحة المترتبة عليها.

فهي تمثل صورة أخرى من صور استعمال اختلاف الأقوال في الفتوى لتحقيق مقصد خاص، لا على سبيل التشهي وتتبع الرخص، وإنما مع ملاحظة حال المستفتي وما يترتب على الفتوى.

 الجامع بين هذه الوقائع

هذه الوقائع الثلاث، مع اختلاف صورها، تكشف عن أصل مهم في فقه الفتوى عند المالكية:

أن المفتي قد يعدل في واقعة مخصوصة عن القول الذي يجري عليه عادةً، إلى قول آخر أشد، إذا قام موجب شرعي لذلك، كالتشديد على الظالم، أو زجر المتعدي، أو مراعاة مآل الفتوى على المستفتي.


فالمازري عدل عن المشهور إلى رواية شاذة عن مالك للتشديد على الغاصب.

ويحيى بن يحيى اختار للأمير الصيام، وهو الأشد عليه، قصدًا إلى زجره عن معاودة الجماع في رمضان.

وعبد الرحمن بن القاسم أفتى ابنه أولًا بقول الليث، ثم هدده بالرجوع إلى قول مالك، ليحمله بذلك على التحرز من العود.

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

العدول عن المشهور لمسوغ معتبر، وهذا له نظائر في كلام فقهاء المالكية؛ وبين اتباع الأقوال لمجرد التشهي أو طلب الأسهل، وهو أمر آخر لا تدل عليه هذه الوقائع.

ولذلك فإن العبارة الأدق في وصف هذا المسلك ليست: «مخالفة المذهب»، وإنما:

العدول في الفتوى عن القول المعتاد أو المشهور إلى قول آخر معتبر، لمصلحة شرعية، ومن ذلك قصد الزجر والتشديد على المعتدي أو المتهاون.

وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الشاطبي عند حديثه عن فتوى المازري، حين جعل التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد من المآخذ المعتبرة في هذا الباب.


مسائل في أحكام النكاح

 المجموعة الأولى: شروط النكاح وأحكام الشرط المفسد والخيار

1. . مسألة : تزوجها على أن لا يأتيها إلا نهارا أو على أن له الخيار ثلاثة أيام أو على أنه إن لم يأت بالمهر لآخر الشهر فلا نكاح وجاء بالمهر في آخر الشهر، فيفسخ قبل الدخول وجوبا ويثبت بعده بمهر المثل أو المسمى

2. . مسألة : تزوجها على خمر أو على كلب أو على شرط أن لا يقسم لها ليلة أو على أن يفضل ضرتها عليها بليلتين، فيفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل ويبطل الشرط وتكون النفقة على الزوج

3. . مسألة : صبي مميز عقد على امرأة بغير إذن أبيه فرد أبوه نكاحه فلا مهر ولا عدة، وآخر زوجه أبوه على أن إن تزوج عليها فهي طالق فبلغ وكره الشرط فله أن يطلق وتسقط الشروط

4. . مسألة : صبي زوجه وليه على شرط أن إن تزوج عليها فهي طالق فبلغ وكره الشرط فطلق قبل الدخول، فهل عليه نصف الصداق أو لا شيء عليه قولان عمل بهما

5. . مسألة : ادعت الزوجة أن زوجها تزوجها وهو بالغ على شرط أن إن تزوج عليها فهي طالق وادعى هو أنه تزوجها وهو صغير فالقول لها بيمين وعليه إثبات صغره وقت العقد

المجموعة الثانية: الأنكحة الملغاة وأحكام نكاح المتعة والمحلل

6. . مسألة : قال لوليها زوجني ابنتك إلى سنة أو قال إن مضى شهر فأنا أتزوجك ورضيت ووليها وجعلا ذلك هو الصيغة، فيفسخ قبل الدخول وبعده ويعاقبان

7. . مسألة : امرأة بتت فتزوجها رجل بنكاح فاسد لا يثبت بالدخول كنكاح المحلل الذي قصد التحليل فأولج فيها فلا تحل لباتها، وإن كان النكاح الفاسد مما يثبت بعد الدخول كنكاح بغير ولي فأولج فيها فثبت النكاح فلا تحل بهذا الإيلاج الأول بل لا بد من وطء ثان بعد الثبوت، وفي كون الأول كافيا بناء على أن النزع وطء تردد للباجي) :

8. . مسألة : رجل تزوج مبتوتة بنية أن يحللها لزوجها الأول فقط أو مع نية أن يمسكها إن أعجبته وإلا طلقها فيفرق بينهما بطلقة بائنة ولا تحل للأول، ولو نوى المطلق الأول أو المرأة التحليل ولم ينوه الثاني فإن نيتهما لغو وتحل) :

المجموعة الثالثة: الطلاق البائن وموجبات الفسخ وحرمة الصهر

9. . مسألة : تزوج وهو محرم بحج أو قال زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك بلا مهر، فإذا أراد الولي فسخه فتفاسخهما يكفي ويكون طلاقا بائنا، فإن فسخ قبل الدخول حرمت عليه أم المرأة ولا تحرم بنتها، وإن فسخ بعد الدخول حرمت عليه بنتها أيضا

10. . مسألة : تزوج خامسة على أربع في عصمته أو تزوج أخت زوجته أو أمها وهما في عصمته، فإذا مات أحدهما قبل الفسخ فلا إرث ولا طلاق في فسخه بل هو فسخ بلا طلاق

11. . مسألة : تزوج خامسة وهي في عدته من الرابعة أو تزوج امرأة بصداق خمر ودخل بها ثم فسخ، فإن كان المسمى حلالا فلها المسمى وإن كان حراما أو لا مسمى فلها صداق المثل، وإن فسخ قبل الدخول سقط الصداق مطلقا

المجموعة الرابعة: أحكام التوارث والإرث في العقود الفاسدة والمجهولة

12. . مسألة : تزوج وهو محرم أو تزوج شغارا ومات أحدهما قبل أن يفسخ فإن الآخر يرثه، بخلاف ما لو تزوج في مرضه المخوف ومات قبل الفسخ فلا يرثه الآخر، وكذا لو عقد العبد على بنته أو عقدت المرأة على نفسها ومات أحد الزوجين قبل الفسخ فلا إرث على قول أصبغ

13. . مسألة : سفيه تزوج بغير إذن وليه فماتت زوجته قبل فسخ وليه فلوليه أن يفسخ ويرد ميراثه منها لورثتها لأن صداقها قد يكون أكثر، فإن مات هو قبل فسخ وليه تعين فسخه شرعا فلا ترثه ولا صداق لها

14. . مسألة : رجل تزوج أما ثم تزوج ابنتها ولم يدخل بواحدة ومات ولم تعلم السابقة منهما فالإرث بينهما ولكل نصف صداقها، ورجل عنده أربع وتزوج خامسة ولم تعلم الخامسة ومات ولم يدخل فلهن أربعة أصدقة يقتسمنها أربعة أخماس صداقها على المشهور

المجموعة الخامسة: أحكام المهر والأرش والمتع قبل البناء

15. . مسألة : تزوجها بدرهمين وأبى أن يتم ربع دينار ففسخ قبل الدخول فعليه درهم، أو تزوجها فادعى أنها أخته من الرضاع بلا بينة وكذبته ففسخ قبل الدخول فعليه نصف الصداق، أو قبلها في نكاح فاسد ثم فسخ قبل الوطء فتعاض بشيء يجتهد فيه الحاكم

16. . مسألة : تزوجها بدرهمين وأبى أن يتم ربع دينار ففسخ قبل الدخول فعليه درهم، أو تزوجها فادعى أنها أخته من الرضاع بلا بينة وكذبته ففسخ قبل الدخول فعليه نصف الصداق، أو قبلها في نكاح فاسد ثم فسخ قبل الوطء فتعاض بشيء يجتهد فيه الحاكم

17. . مسألة : رشيد عقد له وهو حاضر وعلم وسكت حتى هنئ ودعي له ثم أنكر بعد طول كثير فيلزمه النكاح ولا يمكن منها إلا بعقد جديد ويلزمه نصف الصداق

المجموعة السادسة: أهلية العقد وولاية الحجر (العبد، السفيه، الصبي، المجنون)

18. . مسألة : عبد تزوج بغير إذن سيده فلسيده أن يرد نكاحه بطلقة بائنة ولا يلزم العبد إلا واحدة ولو أوقع اثنتين، فإن باعه سقط حقه في الرد

19. . مسألة : سيد قيل له أجز نكاح عبدك فقال لا أجيز ولم يقل فسخت ثم بعد يوم قال أجزت فتجوز إجازته إن لم يرد الفسخ ولم يشك، وسفيه تزوج بغير إذن وليه فلوليه أن يفسخ نكاحه بطلقة بائنة

20. . مسألة : مكاتب اشترى جارية من كسبه ليتسرى بها بلا إذن سيده فجاز، ومأذون له في التجارة وهب له مال فاشترى به جارية للتسري بلا إذن سيده فجاز، وقن غير مأذون أراد أن يشتري جارية من مال سيده للتسري فلا يجوز إلا أن يهبه السيد ثمنها أو يسلفه

21. . مسألة : أب زوج ابنه الصغير من شريفة أو موسرة أو ابنة عم لغبطة فجاز عليه ولا خيار له بعد بلوغه، ووصي زوج يتيمه الصغير الذي إليه نظره بإيصاء فجاز عليه، ومجنون مطبق احتاج للنكاح فجبره أبوه أو وصيه أو حاكمه فجاز

22. . مسألة : حاكم زوج مجنونا مطبقا احتاج للنكاح خيف عليه الزنا فجاز، وحاكم زوج صغيرا لغبطة كشريفة فجاز، وسفيه بالغ لم يخف عليه الزنا ولم تترتب مفسدة ففي جبره خلاف

المجموعة السابعة: عيوب النكاح في العبد وتصرفاته المالية

23. . مسألة : عبد تزوج بغير إذن سيده فباعه سيده وهو لا يعلم بتزويجه فرده المشتري بعيب التزويج فللسيد أن يرد نكاحه، فإن دخل بزوجته قبل الرد فلها ربع دينار في ذمته

24. . مسألة : عبد تزوج بغير إذن سيده وأوهم زوجته أنه حر ودخل بها فرد سيده نكاحه فلها ربع دينار من ماله ويتبع بباقي المسمى بعد عتقه إن غر ولم يبطله سيده

المجموعة الثامنة: النفقة والتزامات الصداق والضمان والحمالة

25. . مسألة : عبد قن تزوج بإذن سيده وله خراج يؤديه لسيده وكسب من تجارة بيده فنفقة زوجته لا تكون منهما إلا لعرف بل من هبة وهبت له، ومهرها كذلك، ولا يضمن السيد شيئا بمجرد إذنه

26. . مسألة : أب زوج ابنه الصغير وهو عديم المال فالصداق على الأب وإن مات الأب ففي تركته، ولو أذن لولده الصغير فعقد وكتب المهر عليه ثم مات الزوج فلا شيء على الأب، وإن أيسر الصغير بعد العقد فالصداق على الأب وإن أيسر حال العقد ففي ماله

27. . مسألة : أب باشر عقد ابنه الرشيد بإذنه ولم يبين الصداق على أيهما ثم تطارحاه فقال الابن ظننت الصداق عليك وقال الأب بل عليك فيفسخ قبل الدخول ولا مهر إن حلفا على قول وإن نكل أحدهما لزم الناكل

28. . مسألة : أب عقد لابنه الرشيد والابن حاضر صامت فلما فرغ قال ما أمرته ولا أرضى فيحلف ويسقط النكاح، وكذا أجنبي عقد لأجنبي حاضر وادعى إذنه وأنكر فيحلف إن لم ينكر بمجرد علمه، وامرأة زوجها غير مجبر وهي حاضرة ساكتة ثم أنكرت فتحلف ويسقط

29. . مسألة : أب زوج ابنه وضمن صداقه فطلق الابن قبل البناء فالنصف يرجع للأب والنصف للزوجة، وذو قدر زوج غيره وضمن عنه فطلق قبل البناء فالنصف يرجع لذي القدر، وأب زوج بنته وضمن لها الصداق فطلقت قبل البناء فالنصف يرجع لأبيها

30. . مسألة : تحمل أب صداق ابنته وقال علي حمالة صداقك فدفعه ثم طلقها الزوج قبل البناء فللأب أن يرجع على الزوج بنصف ما دفع لتصريحه بالحمالة، ولو قال أنا أحمل عنك الصداق بلا رجوع فلا رجوع له، ولو ضمن بعد العقد بقوله أنا ضامن لصداقك فله الرجوع، ولو فسخ النكاح لفساده قبل البناء رجع الجميع للأب

31. . مسألة : تحمل أبوها صداقها مائة دينار نصفها نقد ونصفها مؤخر ثم تعذر أخذه لفلسه أو موته عديما فلها الامتناع من الدخول حتى يقرر لها صداق المثل إن كان تفويضا وحتى تأخذ الحال إن كان تسمية، فإن مات الحامل عن مال أخذت المائة لحلولها بموته وإن لم يخلف شيئا فللزوج إن أتى بالمعجل أن يبني بها، وإن كان جميع الصداق مؤجلا فللزوج البناء بها وليس لها منع نفسها

32. . مسألة : تحمل أبوها الصداق بلفظ الحمل أي بلا رجوع فتعذر أخذه منه لفلسه فامتنعت الزوجة من الدخول فللزوج أن يترك النكاح ويطلق ولا شيء عليه، ولو كان التحمل بلفظ الحمالة فإن طلق غرم نصف الصداق وإن دخل غرم الجميع

33. . مسألة : ضمن أب في مرض موته صداق ابنه الوارث بلفظ الحمل فالضمان باطل والنكاح صحيح، ولو ضمن في مرضه صداق زوج ابنته وهو أجنبي غير وارث فلا يبطل إلا فيما زاد على الثلث فإن لم يجزه الورثة خير الزوج بين أن يدفعه من ماله أو يترك النكاح

المجموعة التاسعة: الكفاءة في النكاح وولاية العضل وشروط الرضا

34. . مسألة : خطبها رجل سكير فاسق لكنه مأمون عليها أو به برص خفيف، فرضيت هي ووليها به فالنكاح صحيح على المشهور، فإن كان غير مأمون عليها رده الإمام وإن رضيت

35. . مسألة : زوج ولي موليته لرجل فاسق غير كفء لها برضاه ورضاها ثم طلقها ثم خطبها ثانيا ورضيت به فليس للولي أن يمتنع بلا سبب حادث فإن امتنع كان عاضلا وزوجها الحاكم، فإن حدث له فسق زائد أو عيب جديد فله الامتناع

36. . مسألة : بنت موسرة مرغوب فيها لمالها وجمالها أراد أبوها أن يزوجها لابن أخيه الفقير المعدم فقامت أمها المطلقة ورفعت للحاكم وقالت إن في ذلك ضررا عليها لأنه يأكل مالها فلها التكلم على رواية الإثبات ولا تكلم لها إلا لضرر بين على قول ابن القاسم

37. . مسألة : عتيق تزوج حرة قرشية شريفة فالنكاح صحيح وهو كفء لها، وحمار أو زبال تزوج شريفة فهو كفء، ورجل قليل الجاه تزوج امرأة ذات جاه ومنصب فهو كفء، وعبد خطب حرة فرضيت به وأبى وليها ففي كفاءته تأويلان

المجموعة العاشرة: موانع النكاح الصهرية والرضاعية ومقدمات اللذة

38. . مسألة : رجل زنى بامرأة فأتت ببنت من مائه فتحرم عليه أبدا ولا تحل له وتحرم على آبائه وأبنائه، ولو زنى بامرأة وهي ترضع طفلة فإن تلك الطفلة تحرم عليه لأن لبنها له فهي بنته رضاعا

39. . مسألة : جدك الأقرب ولد بنتا فهي عمتك تحرم عليك لأنها أول فصل من أصلك الثاني، وبنت عمتك تحل لأنها فصل فصل تركب لفظها من الجانبين، وعقدت على امرأة فتحرم أمها بمجرد العقد ولا تحرم بنتها إلا إذا تلذذت بالأم ولو بنظر باطن ولو بعد موتها كما قال ابن القاسم إذا قبلها وهي ميتة حرمت ابنتها

40. . مسألة : رجل ملك أمة فتلذذ بها بنظر باطن فتحرم عليه أمها وبنتها وتحرم هي على أبيه وابنه، ووقع لبعض الأكابر أنه أهديت له جارية فتذكر أنه كان وطئ أمها بالملك فردها لمهديها، وعمر وهب لابنه جارية فقال لا تمسها فإني قد كشفتها

41. . مسألة : رجل أراد في ظلمة أن يقبل زوجته فوقعت يده على ابنتها فقبلها أو لمسها بلذة ظانا أنها زوجته فهل تحرم عليه زوجته أبدا (فيه تردد)، وكذا لو حاول تلذذا بزوجته فغلط في أمها على الراجح مما في الأصل ولو بمجرد اللمس قاله الشيخ الأمير

42. . مسألة : ابن قصد أن يتزوج امرأة فقال أبوه أنا نكحتها قبلك وأنكر الابن فيندب للابن أن يتنزه ولا يجب عليه، فإن فشا قول الأب قبل ذلك بتكراره ففي وجوب التنزه وفسخ النكاح إن وقع تأويلان، وابن أراد أن يطأ أمة فقال أبوه وطئتها وأنكر الابن فيندب له التنزه

المجموعة الحادية عشرة: محظورات الجمع بين النساء وأحكام المملوكات

43. . مسألة : حر تزوج خمسا في عصمته فنكاح الخامسة باطل ويفسخ أبدا، وعبد تزوج أربعا فجائز على المشهور، وحر جمع بين امرأة وعمتها أو خالتها أو أختها فيحرم لأنه لو قدرت العمة ذكرا حرم عليه نكاح بنت أخيه، وجمع بين امرأة وأمتها في النكاح فجائز لأنه لو قدرت المالكة ذكرا جاز وطء أمته بالملك، وجمع بين أختين بالملك ووطئهما فحرام

44. . مسألة : رجل تزوج هندا ثم تزوج أختها زينب فإن صدقت زينب أنها الثانية فسخ نكاحها بلا طلاق ولا مهر إن لم يدخل، وإن قالت زينب أنا الأولى وأنكرت أنها ثانية فسخ نكاحها بطلاق وحلف الزوج أنها الثانية لإسقاط نصف المهر، وإن نكل غرم النصف، ويبقى على هند الأولى ومثالها العقد بلا الوطء:رجل جمع بين أم وابنتها في عقد واحد ولم يدخل بواحدة منهما، يفسخ العقد صفرا بلا طلاق، وتحل له الأم (والبنت من باب أولى) بعقد شرعي جديد. ومثالها الدخول الممتد:رجل عقد على الأم ثم عقد على البنت ودخل بهما جاهلا، يفسخ النكاحان، وتتأبد حرمتهما عليه أبدا، ويلزمه صداق كل واحدة منهما ولا إرث بينهم.

45. . مسألة : رجل قال زوجتكما أما وابنتها بعقد واحد ولم يدخل بواحدة فيفسخ نكاحهما بلا طلاق وتحل له الأم بعقد جديد وأولى البنت، فإن دخل بالأم وحدها فيفسخ نكاحهما ويتأبد تحريم البنت وتحل الأم بعد الاستبراء بعقد جديد

46. . مسألة : رجل يطأ أمة له بالملك ثم أعتقها أو أعتق بعضها أو كاتبها أو زوجها لغيره بعد استبرائها فإنه يحل له حينئذ أن يتزوج أختها أو يطأها بالملك، ولو عجزت المكاتبة لم تحرم الثانية لأنه يكفي حصول التحريم ابتداء) :

47. . مسألة : رجل يطأ أمة له ثم أبقت إباق إياس لا يرجى عودها أو أسرها العدو فله أن يطأ أختها بملك أو نكاح، ولو باعها بيعا دلس فيه كتم عيبها فله وطء أختها، فإن باعها بيعا فاسدا ولم تفت بحوالة سوق فلا تحل له أختها) :

48. . مسألة : رجل يطأ أمة له فحاضت أو أحرمت بحج أو ظاهر منها أو وطئها غيره بشبهة فاستبرأها أو باعها بيع خيار أو بيع عهدة ثلاث فلا تحل له أختها لقصر زمان هذه الأمور ولقدرته على رفعها، بخلاف عهدة السنة فإنها تحل بها لطول زمنها) :

49. . مسألة : رجل يطأ أمة له فأخدمها لغيره سنة أو وهبها لولده الصغير أو الكبير أو لعبده الصغير أو ليتيمه الذي في حجره فلا تحل له أختها ولا من يحرم جمعها معها حتى تفوت عند الموهوب له، فإن وهبها لأجنبي لا يعتصرها منه لغير ثواب حلت له أختها) :

50. . مسألة : رجل يطأ أمة له ثم تصدق بها على ولده وحازها الولد حوزا حسيا أو حكميا بأن أعتقها قبل الحوز فإنه تحل له أختها، ولو أخدمها أربع سنين فأكثر أو حياته حلت له أختها، بخلاف ما لو وهبها لولده أو أخدمها سنة فلا تحل) :

51. . مسألة : ملك أختين فوطئهما فيوقف عنهما حتى يبيع إحداهما، فإن أبقى الثانية التي وطئها آخرا وجب استبراؤها، ومن تزوج امرأة ثم اشترى أختها فالزوجة هي الحلال ولا يطأ المشتراة) :

52. . مسألة : ملك أمة فتلذذ بها ثم عقد على أختها فيوقف عنهما حتى يحرم إحداهما فإن أبقى المنكوحة استبرأ المملوكة إن كان وطئها، ومن عقد على امرأة ثم اشترى أختها ووطئها فيوقف أيضا حتى يحرم إحداهما) :

المجموعة الثانية عشرة: أحكام المبتوتة وشروط الإيلاج فيها للتحليل

53. . مسألة : رجل تحته هند فطلقها ثلاثا أو طلقها قبل الدخول فبانت منه فله أن يتزوج أختها زينب أو عمتها أو خالتها فورا، وإن طلق هندا رجعيا فلا تحل له أختها حتى تنقضي عدتها، فإن ادعت احتباس الدم صدقت بيمينها إلى سنة

54. . مسألة : حر طلق زوجته ثلاثا فلا تحل له حتى تتزوج زوجا غيره بالغا مسلما بنكاح لازم ويولج قدر الحشفة في قبلها بانتشار بلا منع شرعي ولا ينكران الإيلاج، فإن كان الإيلاج في دبر أو حيض أو أنكره أحدهما لم تحل) :

55. . مسألة : امرأة بتها زوجها ثلاثا فتزوجها رجل خصي مقطوع الأنثيين قائم الذكر وأولج فيها بعد علمها بخصائه وبخلوة ثابتة بامرأتين وهي عالمة بالوطء فإنها تحل لباتها، وذو قدر حلف ليتزوجن فتزوج مبتوتة دنية غير مشبهة لنسائه لأجل يمينه وأولج فيها فإنها تحل لباتها وإن لم يبر في يمينه) 


من كتابي الجزء 33

إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - باب النكاح الثاني


الثمرة الفقهية من معرفة مسالك العلة في المسألة

  تَكْمُنُ الأَهَمِّيَّةُ وَالثَّمَرَةُ الفِقْهِيَّةُ فِي مَعْرِفَةِ مَسَالِكِ العِلَّةِ (أَيْ الطُّرُقِ وَالْمَنَاهِجِ الأُصُولِيَّةِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ العِلَّةِ فِي الحُكْمِ، كَالنَّصِّ، وَالإِجْمَاعِ، وَالإِيمَاءِ، وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَالْمُنَاسَبَةِ) فِي عِدَّةِ رَكائِزَ عَمَلِيَّةٍ يَبْنِي عَلَيْهَا الفَقِيهُ وَالْمُجْتَهِدُ أَحْكَامَهُ:

التَّعْدِيَةُ وَتَخْرِيجُ الفُرُوعِ عَلَى الأُصُولِ (فِقْهُ النَّوَازِلِ):

الفَرْعُ الجَدِيدُ أَوْ النَّازِلَةُ المُعَاصِرَةُ لا يُمْكِنُ إِعْطَاؤُهَا حُكْمَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ الاِهْتِدَاءِ إِلَى عِلَّةِ الحُكْمِ الأَصْلِيِّ بِطَرِيقٍ يََقِينِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ مُعْتَبَرٍ.

التَّرْجِيحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَقْيِسَةِ وَالأَدِلَّةِ:

عِنْدَ خَفَاءِ الحُكْمِ أَوْ تَعَارُضِ الآَرَاءِ الفِقْهِيَّةِ، يُقَدَّمُ القِيَاسُ الَّذِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِمَسْلَكٍ أَقْوَى (كَالنَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ) عَلَى القِيَاسِ الَّذِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِمَسْلَكٍ أَضْعَفَ (كَالشَّبَهِ أَوْ الطَّرْدِ).

فَهْمُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ وَمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ:

تُوقِفُ البَاحِثَ عَلَى مَرَامِي الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتُخْرِجُ الفِقْهَ مِنْ جَمَادِ الظَّوَاهِرِ وَالرُّسُومِ إِلَى حَيَوِيَّةِ المَقَاصِدِ وَالرَّعَايَةِ لِمَصَالِحِ العِبَادِ.

مَعْرِفَةُ حُدُودِ الحُكْمِ (وُجُوداً وَعَدَماً):

الضَّبْطُ الدَّقِيقُ لِلْعِلَّةِ عَبْرَ مَسَالِكِهَا يُبَيِّنُ مَتَى يَدُورُ الحُكْمُ مَعَهَا؛ فَيُنِيطُ الحُكْمَ بِوُجُودِهَا وَيُسْقِطُهُ عِنْدَ زَوَالِهَا.


شرح قصيدة لِذَاتِي بِذَاتِي - 3

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد.

 نُحرِّر المعنى من جهةٍ عقيدة أهل السنة والجماعة -  أشعرية، ثم نبيّن المعنى الذي يمكن أن يُراد في اصطلاح أهل وحدة الوجود، ثم نحدد موضع الخطر والمخالفة، مع عدم تحميل البيت ما لا يحتمل.

وبالنسبة إلى البيت الذي نحن بصدده

: البيت الثالث المشكل

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ أَظْهَرَتْ رَحْمَةً   ***   وَمَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ إِنِّي سَاتِرُ

أولًا: غريب الألفاظ

مَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ:

المرتبة هي الحال أو المقام الذي يُعبَّر عنه بهذا الاسم، والتقييد ضد الإطلاق، والمراد بالتقييد هنا ما كان متصفًا بحدٍّ أو تعيُّنٍ أو وصفٍ مخصوص.

أَظْهَرَتْ:

أبرزت وأبدت وأظهرت.

رَحْمَةً:

الرحمة هنا يمكن أن يراد بها الرحمة الإلهية وآثارها في الخلق، وما يترتب على الإيجاد من الإحسان والإنعام.

مَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ:

المرتبة المقابلة للتقييد، والإطلاق هو عدم التقييد بحدّ أو تعيُّن.

سَاتِرُ:

الساتر: الحاجب والمُغَطِّي، أي الذي يستر الشيء ويحجبه.

ثانيًا: المعنى اللغوي

ظاهر البيت أن الناظم يقابل بين مرتبتين:

مرتبة التقييد، وهي المرتبة التي يظهر فيها الشيء في صورة معينة محدودة متعينة، وينسب إليها ظهور الرحمة.

ومرتبة الإطلاق، وهي المرتبة التي لا يظهر فيها ذلك التعيين والتحديد، فوصفها بالستر.

والبيت بهذا القدر ليس صريحًا في مخالفة عقدية؛ لأن مجرد إثبات أن المخلوقات محدودة متعينة، وأن الله تعالى مطلق عن حدود المخلوقات، ليس فيه إشكال.

وإنما تظهر المشكلة عند معرفة ما المراد بالتقييد والإطلاق، وما الذي يظهر في مرتبة التقييد، وما الذي يستتر في مرتبة الإطلاق.

ثالثًا: التفسير الأشعري على اصطلاح التصوف السني

يمكن حمل البيت على معنى موافق لأصول أهل السنة إذا أُريد بـمرتبة التقييد عالم المخلوقات، باعتبار كونها محدودة بالماهية والزمان والمكان والصفات، وأُريد بـالإطلاق تنزيه الله تعالى عن هذه القيود.

فعلى هذا يكون معنى:

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ أَظْهَرَتْ رَحْمَةً

أن الله تعالى أظهر آثار رحمته في عالم المخلوقات؛ فأوجد الخلق بعد أن لم يكونوا، وأنعم عليهم، وأظهر فيهم آثار رحمته وحكمته وقدرته.

فالمخلوقات مقيدة؛ لأن كل مخلوق له حد وحقيقة وصفات وخصائص، وهي كلها دالة على خالقها.

وأما مرتبة الإطلاق فيمكن حملها على تنزيه الله تعالى عن حدود المخلوقين؛ فهو سبحانه ليس جسمًا ولا عرضًا، ولا تحيط به الجهات والأمكنة والأزمان، ولا تحده الحدود التي تحد المخلوقات.

وعلى هذا لا يكون التقييد والإطلاق مرتبتين في ذات الله تعالى، ولا يكون أحدهما حالًّا في الآخر، بل التقييد وصف لعالم الحدوث، والإطلاق وصف لله تعالى من حيث تنزهه عن خصائص الحوادث.

وهذا المعنى سليم إذا التزمنا بأن الخالق غير المخلوق، وأن المخلوقات آثار صنع الله ودلائل قدرته، لا مظاهر لذاته.

رابعًا: تفسير التصوف الوجودي

أما إذا حُمل البيت على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود، فالتقييد والإطلاق لا يعودان مجرد وصف للخالق والمخلوق، بل يدخلان في تصورهم لـالوجود الواحد ومراتب تعيُّنه وظهوره.

فعندهم يُعبَّر عن الوجود المطلق بأنه الوجود الذي لا يتقيد بتعين ولا بصورة ولا حد، ثم إذا ظهر في التعينات والمظاهر صار الوجود في مرتبة التقييد.

وعلى هذا يمكن أن يُفهم:

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ

بأنها مرتبة ظهور الوجود الواحد في التعينات والصور المختلفة.

فتكون الكائنات المتعددة عند هذا التصور مظاهر لذلك الوجود الواحد، والتقييدات والكثرة التي نشاهدها ليست تعددًا في أصل الوجود، وإنما هي تعينات ومراتب لظهوره.

وأما:

وَمَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ

فهي الوجود من حيث عدم تعيُّنه وتقيُّده بهذه الصور والحدود.

وعليه يكون الفرق بين الإطلاق والتقييد عندهم فرقًا في مرتبة الظهور والتعيّن، لا فرقًا بين موجودين مستقلين: خالق ومخلوق.

وهذا المعنى هو الذي يجعل العبارة خطرة إذا أُريد بها أن المخلوقات ليست موجودات حادثة مباينة للخالق، وإنما هي تعينات ومظاهر للوجود الواحد.

خامسًا: موضع الإشكال العقدي

ينبغي هنا أن نكون دقيقين:

ليس موضع المخالفة في قوله:

«أَظْهَرَتْ رَحْمَةً»

فإظهار الله تعالى آثار رحمته في خلقه معنى صحيح.

وليس مجرد لفظ:

«مَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ»  كافيًا للحكم بالمخالفة؛ لأن التقييد يمكن أن يراد به عالم المخلوقات المحدودة. وإنما موضع الخطر في جعل «التقييد» و«الإطلاق» مراتبَ للوجود نفسه، بحيث يكون العالم المقيد ظهورًا أو تعيُّنًا للوجود المطلق.

فإذا أُريد أن:

الوجود المطلق هو وجود الله، والتقييدات التي في العالم هي تعينات ذلك الوجود وظهوراته، فهذا ليس هو مذهب أهل السنة؛ لأن أهل السنة لا يجعلون وجود المخلوق تعيُّنًا للوجود الإلهي، وإنما يقولون:

الله موجود، والخلق موجودون بإيجاده، مع المغايرة الحقيقية بين وجود الخالق ووجود المخلوق.

سادسًا: بيان فساد التفسير الوجودي

هذا التفسير الوجودي يوقع في إشكال عظيم؛ لأنه يجعل الفرق بين الخالق والمخلوق فرقًا في التعيُّن والمرتبة والظهور بدل أن يكون فرقًا حقيقيًا بين:

خالقٍ واجب الوجود، ومخلوقٍ ممكن حادث الوجود. والله تعالى يقول:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾

فإذا كان العالم مجرد تعيّن للوجود الإلهي أو ظهورًا لذلك الوجود، لم يعد الخلق خلقًا بالمعنى الذي دلت عليه النصوص، بل صار العالم مرتبة من مراتب ظهور الوجود الإلهي.  وهذا مخالف لأصل التنزيه؛ لأن الله تعالى ليس هو العالم، ولا العالم هو الله، ولا شيء من المخلوقات جزء من ذاته، ولا حالًّا فيه، ولا متحدًا به.

فالمخلوق وإن كان مفتقرًا في وجوده إلى الله تعالى، فليس وجوده هو وجود الله.

والقول:  «المخلوق موجود بالله»

صحيح إذا أريد أنه موجود بإيجاد الله وإبقائه.

أما القول: «المخلوق هو تعيّن الوجود الإلهي»  فهذا معنى آخر، وهو الذي يردّه أهل السنة.

سابعًا: العلاقة بين هذا البيت والبيت السابق

وهنا تظهر أهمية قراءة الأبيات متصلة. فقد قال قبل ذلك:

تَقَيَّدْتُ، وَالإِطْلَاقُ وَصْفِي لِأَنَّنِي ** عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حِينَ لَا حِينَ قَادِرُ

ثم قال:

وَمَرْتَبَةُ التَّقْيِيدِ أَظْهَرَتْ رَحْمَةً ** وَمَرْتَبَةُ الإِطْلَاقِ إِنِّي سَاتِرُ

ثم يأتي بعده البيت الأشد إشكالًا:

وَتِلْكَ بِمَخْلُوقٍ وَهَذِي بِخَالِقٍ **  تَسَمَّتْ وَفِي التَّحْقِيقِ أَيْنَ التَّغَايُرُ

وهنا يتضح أن الكلام عن التقييد والإطلاق ليس كلامًا عارضًا، بل هو تمهيد لمسألة التغاير بين الخالق والمخلوق.

ولهذا فإن هذا البيت الذي نشرحه الآن مشكل من جهة اصطلاحه، لكن البيت الذي بعده أصرح وأخطر؛ لأن فيه السؤال: «وَفِي التَّحْقِيقِ أَيْنَ التَّغَايُرُ»

وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن نقف عنده وقفة عقدية أشد.

ثامنًا: تنبيه للقارئ السُّنِّي

هذا البيت لا ينبغي أن يُحكم عليه منفردًا بأنه مخالف؛ لأن ألفاظه تحتمل معنى صحيحًا، وهو أن: المخلوقات مقيدة محدودة، والله تعالى منزه عن حدود المخلوقات، وأن آثار رحمته تظهر في عالم الخلق.

لكن ينبغي التنبيه إلى اصطلاح «مرتبة التقييد» و«مرتبة الإطلاق»؛ فإن أريد بهما مراتب تعين الوجود الإلهي وظهوره في صور الموجودات، دخل الكلام في معنى وحدة الوجود، وهو معنى باطل عند أهل السنة.

والأهم: ألا يُفسَّر البيت بمعزل عن البيت الذي بعده؛ لأن البيت التالي هو الذي يكشف موضع الإشكال بصورة أوضح.

شرح البيت المشكل -1 هنا

شرح البيت المشكل - 2 هنا

👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->