جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

أَلْفَاظِ الصّرِيحِ فِي الطّلَاقِ

 أَشَارَ الشّيْخُ خَلِيلٌ إِلَيْهِ بقَوْلِهِ: (وَلَفْظُهُ طَلّقْت، وَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ، أَوْ مُطَلّقَةٌ أَوْ الطّلَاقُ لِي لَازِمٌ، لَا مُنْطَلِقَةٌ. وَتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ)

َهِيَ مَسْأَلَةٌ مَبْنِيّةً عَلَى قَاعِدَةِ (الصّرِيحِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النّيّةِ لِلْإِيقَاعِ وَيَتَعَيّنُ فِي أَلْفَاظٍ مَحْصُورَةٍ)

وَاُصولُنا فيها : 

الْأَصْلُ الْأَوّلُ (حَصْرُ أَلْفَاظِ الصّرِيحِ فِي الأَرْبَعَةِ): أَنّ الصّرِيحَ المُنْحَصِرَ فِي عُرْفِ الشّرْعِ وَالمَذْهَب هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى حُرُوفِ (الطّاءِ وَاللّامِ وَالقَافِ) وَجَرَى العُرْفُ باسْتِعْمَالِهِ ، وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ: (طَلّقْتُ، وَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ مُطَلّقَةٌ، أَوْ الطّلَاقُ لِي لَازِمٌ)، بَيْنَمَا تَبْقَى أَلْفَاظٌ كَـ (مُنْطَلِقَةٍ وَمَطْلُوقَةٍ وَمُطْلَقَةٍ بسُكُونِ الطّاءِ) مِنَ الكِنَايَاتِ أَوِ الإِخْبَارِ الخَالِصِ فَلَا يَقَعُ بهَا طَلَاقٌ إِلّا بنِيّةٍ.

الْأَصْلُ الثّانِي (لُزُومُ الوَاحِدَةِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ وَاعْتِبَارِ النّيّةِ): أَنّ صَدُورَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الأَرْبَعَةِ يُوجِبُ وُقُوعَ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ رَجْعِيّةٍ إِذَا لَمْ يَنْوِ الزّوْجُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ لو لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيّةٌ، بَيْنَمَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ إِنْ نَوَى الاثْنَتَيْنِ أَوِ الثّلَاثَ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الشّرّاحِ فِي إِيجَاب اليَمِينِ لِلتّهْمَةِ أَوْ عَدَمِهَا عِنْدَ الإنْكَارِ (عَلَى المَشْهُورِ

 الصَّرِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (مَادَّةُ الطَّلاَقِ فَقَطْ): اللَّفْظُ الصَّرِيحُ: هُوَ لَفْظُ «الطَّلاَقِ» وَتَصَارِيفُهُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْهُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الإِنْشَاءِ (مِثْلُ: «أَنْتِ طَالِقٌ»، «طَلَّقْتُكِ»، «عَلَيَّ الطَّلاَقُ»). 

حُكْمُهُ: يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (قَضَاءً وَدِيَانَةً) بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهِ، وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى عَدَمِ القَصْدِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَنُوِ الطَّلاَقَ. يَخْتَلِفُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْدِيدِ الأَلْفَاظِ؛ فَالْمَالِكِيَّةُ يَخُصُّونَ الصَّرِيحَ بِلَفْظِ «الطَّلاَقِ» وَمَا اشْتُقَّ مِنْهُ فَقَطْ، وَيَجْعَلُونَ «الْفِرَاقَ» وَ«السَّرَاحَ» مِنَ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.

حُكْمُ لَفْظَيْ «الْفِرَاقِ» وَ«السَّرَاحِ» عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُرُودِ اللَّفْظَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ / أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَعْتَبِرُونَهُمَا صَرِيحًا كَالشَّافِعِيَّةِ، بَلْ يُدْخِلُونَهُمَا فِي «الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ»:

سَبَبُ عَدَمِ جَعْلِهِمَا صَرِيحًا: لِأَنَّ عُرْفَ الاِسْتِعْمَالِ فِي لِسَانِ النَّاسِ لاَ يَجْعَلُهُمَا خَالِصَيْنِ فِي حَلِّ عِقْدَةِ النِّكَاحِ مِثْلَ لَفْظِ «الطَّلاَقِ»، بَلْ يَحْتَمِلاَنِ الْفِرَاقَ فِي الأَبْدَانِ أَوْ السَّرَاحَ مِنَ المَحْبِسِ أَوْ الْمَنْزِلِ.

حُكْمُهُمَا (حُكْمُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ):

يَفْتَقِرَانِ إِلَى النِّيَّةِ: وَتَكُونُ نِيَّتُهُ حَاكِمَةً فِي عَدَدِ الطَّلَقَاتِ. وإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرُدِ الطَّلاَقَ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي القَضَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ كِنَايَةٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الطَّلاَقِ 

وَمَعْنَاهَا : أَنّ أُصُولَ الْمَذْهَب الْمَالِكِيّ فِي بَاب «تَعْيِينِ أَلْفَاظِ الإِنْشَاءِ الصّرِيحِ» بَيّنَتْ أَنّ الشّارِعَ وَالعُرْفَ الفِقْهِيّ ضَبَطَا الصّرِيحَ بمَا لَا يَقْبَلُ الصّرْفَ عَنْ مَعْنَى الطّلَاقِ بمُجَرّدِ الدّعْوَى:

فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَاحِدًا مِنَ الأَلْفَاظِ الأَرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الطّلَاقُ حَتْمًا وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَنّهُ أَرَادَ غَيْرَهُ (كَأَنْ يَدّعِيَ أَنّهُ أَرَادَ الخُرُوجَ أَوْ فَكَّ الوِثَاقَ)؛ لِأَنّ العُرْفَ نَقَلَهَا مِنَ المَعْنَى اللّغَوِيّ إِلَى الإِنْشَاءِ الصّرِيحِ.

وَيَتَرَتّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنّ تِلْكَ الصّيغَةَ مَحْمُولَةٌ شَرْعًا عَلَى إِيقَاعِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ إِذَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، وَتَكُونُ رَجْعِيّةً فِي المَدْخُولِ بهَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهَا الطّلَاقُ، وَهَذَا هُوَ التّحْقِيقُ المُعْتَمَدُ عِنْدَ الإِمَامِ الدّرْدِيرِ وَالشّيْخِ الدّسُوقِيّ وَ.

أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ :

• مِثَالٌ 1 (إِطْلَاقُ لَفْظِ الصّرِيحِ بلَا نِيّةٍ): أَنْ يَقُولَ الزّوْجُ لِزَوْجَتِهِ فِي حَالَةِ خِصَامٍ: "أَنْتِ طَالِقٌ"، ثُمّ يَدّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يُرِدْ إِيقَاعَ الطّلَاقِ الحَقِيقِيّ بَلْ أَرَادَ المَزَاحَ أَوِ الخُرُوجَ.

o حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَب : يَقَعُ الطّلَاقُ وَتَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيّةٌ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى صَرْفِهِ عَنِ المَعْنَى العُرْفِيّ.

• مِثَالٌ 2 (اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِ الخَبَرِ غَيْرِ الصّرِيحَةِ): أَنْ يَقُولَ لَهَا: "أَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ" أَوْ "مُطْلَقَةٌ" (بسُكُونِ الطّاءِ).

o حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَب : لَا يَقَعُ الطّلَاقُ بهَا إِلّا إِذَا نَوَى بهَا الحَلّ؛ لِكَوْنِهَا مِنَ الكِنَايَاتِ أَوْ الأَلْفَاظِ الخَبَرِيّةِ غَيْرِ المَنْقُولَةِ عُرْفًا.




التسمية عند الوضوء عند المالكية: هل هي خصوص البسملة؟

التسمية عند المالكية: دراسة في مدلول اللفظ ومراتب الحكم ومواضع المشروعية
يقوم هذا البحث في تحرير مدلول «التسمية» عند المالكية على جملة من الأصول المذهبية الحاكمة، أولها: اعتبار القدر الذي يتحقق به أصل الحكم الشرعي، سواء أكان الحكم وجوبا أم سنة أم ندبا؛ إذ لا يكفي إثبات الحكم في الجملة، بل لا بد من تحرير القدر الذي يصدق به مسماه وتحصل به آثاره الشرعية، وقد جرى فقهاء المذهب على هذا المسلك، ومن شواهده ما نقل عن القابسي في التشهد من تحديد القدر المجزئ الذي تحصل به السنة.
وثانيها: اعتبار اصطلاح خليل نفسه ودلالة عبارته في «المختصر»، ولا سيما إذا عدل في موضع الاختصار عن عبارة مفصلة إلى لفظ مطلق، كما في قوله: «وتسمية»، دون أن يقيدها بقول «بسم الله». فلا يصح إهدار هذا الاختيار اللفظي بمجرد استحضار تفصيل سابق له في «التوضيح»، بل ينظر في دلالة الإطلاق، وفي مدى اعتماد خليل له في اختياره الأخير.
وثالثها: جمع النظائر الفقهية المتقاربة ومقارنة استعمال لفظ التسمية بينها؛ إذ لا يستقيم تحرير مدلول اللفظ في باب بمعزل عن استعماله في سائر أبواب المذهب، ولا سيما أن شراح المالكية صرحوا في الذكاة والصيد بأن المراد بالتسمية «ذكر الله من حيث هو، لا خصوص بسم الله»، مع اختلاف العبارات والأحكام في سائر المواضع.
ورابعها: التزام تقرير الشراح المحققين أصلا في فهم المذهب، مع عدم إغلاق باب التحقيق فيما لم يستوفوه بالبيان؛ فلا يخرج البحث عن المذهب بمجرد الاحتمال، ولا يجعل إطلاق خليل منشئا لقول جديد، وإنما يستقرأ نصوص المتقدمين والشراح، ويوازن بينها، ويبحث عن القرينة الفارقة بين المواضع، حتى ينتهي إلى ما يشهد له مجموع أصول المذهب وعبارات أئمته.

 من المسائل التي تحتاج إلى شيء من التحرير في فقه الطهارة عند المالكية: ما المراد بالتسمية عند الوضوء؟ وهل المقصود بها خصوص قول المتوضئ: «بسم الله»، أم أن لفظ التسمية أوسع من ذلك؟
وهذه المسألة لها أثر في فهم عبارة مختصر خليل، وفي تحديد رتبة التسمية من فضائل الوضوء، وفي فهم العلاقة بين التسمية والبسملة، بل يظهر نظير هذا المعنى بصورة أوضح في باب الذكاة.
 أولا: التسمية من فضائل الوضوء عند المالكية
قال خليل في جملة فضائل الوضوء: «وتسمية».
وهذا التعبير مهم؛ لأن خليل لم يقل: «وبسملة»، وإنما عبر بلفظ التسمية.
وقد صرح الدسوقي بأن جعلها من فضائل الوضوء هو المشهور من المذهب، فقال عند شرح عبارة خليل: «وتسمية»، أي بأن يقول عند الابتداء: «بسم الله»، وفي زيادة «الرحمن الرحيم» قولان.
وعليه فالتسمية عند الوضوء عند المالكية من الفضائل، لا من السنن الاصطلاحية للوضوء.
وهذا التفصيل ينبغي المحافظة عليه في التعبير؛ فلا يقال بإطلاق: «التسمية سنة الوضوء» إذا أريد بالسنة المرتبة الاصطلاحية عند المالكية، بل الأدق أن يقال:
التسمية من فضائل الوضوء على المشهور عند المالكية.
 ثانيا: لماذا عبر خليل بالتسمية ولم يقل البسملة؟
هذه الملاحظة تستحق النظر.فإن خليل قال:«وتسمية» ولم يقل: «وبسملة».
وقد يقال إن الشراح فسروا التسمية بالبسملة، كما قال الدردير: «بأن يقول عند الابتداء: بسم الله»، لكن يبقى السؤال: هل تفسير التسمية بقول «بسم الله» يعني أن لفظ التسمية في نفسه موضوع خصوصا لهذه العبارة؟
والذي يظهر أن الأمر يحتاج إلى التفريق بين جنس التسمية وبين أشهر أفرادها وأفضلها.
فالتسمية من حيث أصل معناها هي ذكر اسم الله تعالى، والبسملة أخص أفراد ذلك، بل هي الصيغة التي ينصرف إليها إطلاق التسمية في كثير من الاستعمالات.
ومن هنا يمكن فهم عبارة خليل على أن التسمية هي الأصل، والبسملة هي الصورة المشهورة التي يتحقق بها هذا الأصل.
ولا يلزم من كون الشُّراح فسروا التسمية بقوله «بسم الله» أن تكون التسمية والبسملة مترادفتين من كل وجه؛ فقد يفسر اللفظ العام بأشهر أفراده وأظهرها في مقام العمل.
 ثالثا: الحديث الوارد في التسمية عند الوضوء
أشهر ما ورد في الباب حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
وقد رواه الترمذي، وذكر أن في الباب أحاديث عن عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة وسهل بن سعد وأنس رضي الله عنهم.
لكن الحديث لم يسلم من الكلام الحديثي. فقد نقل الترمذي عن الإمام أحمد قوله:
«لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد». كما نقل عن البخاري أن أحسن ما في الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.
ومن ثم فالتحقيق أن أحاديث التسمية عند الوضوء ليست في درجة الأحاديث التي سلمت أسانيدها من المقال، وإن كان بعض أهل العلم قد قواها بمجموع طرقها، فلا يصح إطلاق القول بأن الباب خال من كل أصل حديثي، كما لا يصح القول إن فيه حديثا صحيحا متفقا على صحته.
 رابعا: ولفظ الحديث نفسه له دلالة
الملاحظ أن الحديث لم يقل: «لا وضوء لمن لم يقل بسم الله» وإنما قال: «لمن لم يذكر اسم الله عليه».
وهذا التعبير أوسع من مجرد التلفظ بصيغة معينة؛ لأن المدار في اللفظ النبوي على ذكر اسم الله.
وهذا يتفق من جهة الدلالة مع النظر إلى التسمية على أنها فرد من أفراد ذكر الله تعالى، وأن البسملة أشهر صيغها وأظهرها، لا أنها هي المعنى الوحيد الممكن للفظ التسمية.
وهنا تظهر فائدة اختيار خليل لفظ «التسمية» دون لفظ «البسملة».
فإن قلنا إن التسمية اسم لجنس ذكر اسم الله، كانت البسملة فردا منه، وكان قول «بسم الله» هو الصورة التي نص عليها المذهب في بيان كيفية تحصيل هذه الفضيلة.
أما جعل لفظ التسمية مرادفا للبسملة على وجه لا يحتمل غيرها، فيحتاج إلى دليل أقوى من مجرد كون الشراح فسروها بأشهر أفرادها.
 خامسا: ضعف الحديث لا يثبت وحده هذا المعنى بل يهبط المدرك الفقهي من كونه سنة الى مندوب لعدم الثبوت الصحيح وان التحسين بمجموع الطرق ليس منهج المالكية في اعتماد الحديث في السنن. وعليه؛ ينبغي مع ذلك الاحتراز فلا يصح أن يقال: «لما كان حديث التسمية ضعيفا ثبت أن التسمية مطلق الذكر».
فهذا لا يلزم. وإنما وجه الاستفادة أن النص الذي ورد في الباب لم يثبت بلفظ يقتضي تعيين صيغة «بسم الله» تعيينا لا يحتمل غيرها، بل جاء اللفظ المشهور فيه بذكر اسم الله.
فاجتماع أمرين يقوي هذا الفهم:
أحدهما: اختيار خليل لفظ «التسمية».
والثاني: أن الحديث الوارد في الباب عبر عن الأمر بـ ذكر اسم الله، مع ما في أسانيده من الكلام.
وهذا كله ينسجم مع حمل التسمية على أصلها الأوسع، مع كون البسملة هي الصورة المشهورة والأكمل في مقام الأداء.
 سادسا: ماذا عن قول «بسم الله» وقول «بسم الله الرحمن الرحيم»؟
قال الدردير في شرح عبارة خليل:
«وتسمية، بأن يقول عند الابتداء: بسم الله، وفي زيادة الرحمن الرحيم قولان».
وهذا النص مهم في تحرير محل النزاع.
فأصل التسمية يحصل بقول: «بسم الله». وأما زيادة: «الرحمن الرحيم» 
فليست داخلة في أصل التسمية عند من فسرها بهذا الوجه، وإنما وقع الخلاف في استحباب الزيادة.
وعليه لا يصح أن يقال إن من اقتصر على «بسم الله» قد ترك التسمية؛ بل قد أتى بأصل الفضيلة.
أما من ترك التسمية بالكلية فقد فاته ما عده المالكية من فضائل الوضوء.
والأدق في العبارة أن نقول: من ترك التسمية فقد ترك فضيلة من فضائل الوضوء، وأما الاقتصار على «بسم الله» فهو محصل لأصل التسمية، وأما إتمامها بـ«الرحمن الرحيم» ففيه الخلاف المنقول.
 سابعا: نظير هذه المسألة في باب الذكاة
ويظهر هذا المعنى بصورة أوضح في باب الذكاة.
فقد نقل الحطاب في مواهب الجليل عن ابن حبيب أن الذابح إذا قال:
«بسم الله» أجزأه، وكذلك إذا قال: «الله أكبر» فقط، أو قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، أو: «لا إله إلا الله»، أو: «سبحان الله» من غير تسمية،  أجزأه، ثم قال إن ما مضى عليه الناس أحسن، وهو: «بسم الله والله أكبر». كما نقله الشيخ عليش في المنح
وهذا النص شديد الأهمية؛ لأنه يبين أن البحث في التسمية عند المالكية لا ينحصر بالضرورة في الصيغة اللفظية «بسم الله».
بل إن بعض النقل المالكي عبر عن ذلك بعبارة أوضح، وهي أن المقصود ذكر الله من حيث هو، لا خصوص «باسم الله»، لكنه الأفضل.
وهذا يؤيد من جهة أصل الاستعمال الفقهي أن التسمية أوسع من البسملة، وأن البسملة هي الصورة الأفضل والأشهر من أفرادها.
 ثامنا: النتيجة في تحرير المسألة
بناء على ما تقدم يمكن تحرير المسألة في نقاط متتابعة:
1. التسمية عند الوضوء فضيلة من فضائل الوضوء عند المالكية على المشهور، وليست من سننه الاصطلاحية.
2. وعبارة خليل جاءت بلفظ «التسمية»، لا بلفظ «البسملة».
3. والحديث الأشهر في الباب: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، وقد تكلم أئمة الحديث في أسانيده، حتى نقل الترمذي عن الإمام أحمد أنه لا يعلم في الباب حديثا له إسناد جيد.
أ ) ليس في ذلك ما يثبت وحده أن التسمية أعم من البسملة، لكنه يتفق مع هذا الفهم من جهة أن اللفظ النبوي جاء بذكر اسم الله لا بتعيين صيغة «بسم الله».
ب) ويزداد هذا المعنى قوة من جهة الاستعمال الفقهي المالكي في باب الذكاة، مما يدل على أن مناط التسمية عند ذلك الاعتبار هو ذكر الله، وإن كانت صيغة «بسم الله والله أكبر» هي التي جرى عليها عمل الناس والأحسن في الأداء.
وعليه فالأقرب في تحرير العبارة:
التسمية جنس من ذكر الله تعالى، والبسملة أحد أفرادها وأشهرها، ولفظ «بسم الله» هو الصورة التي نص عليها المذهب لتحصيل فضيلة التسمية في الوضوء، وأما الزيادة بـ«الرحمن الرحيم» ففيها الخلاف المنقول.
وهذا يفسر بدقة لماذا عبر خليل عن المسألة بـ «التسمية»، ولم يعبر عنها بلفظ «البسملة».
ومواضع التسمية مع حكمها هكذا:
1. الوضوء: مندوبة، وهي من فضائل الوضوء على المشهور.
2. الغسل: مندوبة.
3. التيمم: مندوبة.
4. الأكل والشرب: سنة.
5. الذكاة: واجبة مع الذكر والقدرة.
6. الركوب: مندوبة.
7. دخول المنزل والخروج منه: مندوبة.
8. دخول المسجد والخروج منه: مندوبة.
9. لبس الثوب ونزعه: مندوبة.
10. غلق الباب وفتحه: مندوبة.
11. إيقاد المصباح وإطفاؤه: مندوبة.
12. الوطء المباح: مندوبة.
13. صعود الخطيب المنبر: مندوبة.
14. تغميض الميت: مندوبة.
15. إلحاد الميت في قبره: مندوبة.
16. تلاوة القرآن: مندوبة.
17. النوم: مندوبة.
18. ابتداء الطواف: مندوبة.
19. دخول الخلاء: مندوبة.
20. السواك: مندوبة.

ويضاف إلى ذلك أن التسمية لا تشرع في بعض المواضع، منها: الحج والعمرة، والأذان، وذكر الصلاة، والدعاء.
وعليه؛
صرح شراح المالكية في باب الذكاة والصيد بأن المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو، لا خصوص قول: بسم الله، ونصوا على إجزاء أنواع من الذكر، كقول: الله أكبر، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، وإن جعلوا قول: بسم الله والله أكبر هو الأفضل. وأما سائر مواضع التسمية، كالوضوء والغسل والتيمم والأكل والشرب ونحوها، فلم أقف فيما تقدم من نصوص الشراح على تصريح مماثل بتفسير التسمية 
بمطلق الذكر، وإنما فسروا بعضها بقول: بسم الله.
موقف الشيخ خليل :
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن خليل بن إسحاق قد صرح في «التوضيح» عند حديثه عن التسمية في الوضوء بأن صفتها أن يقول: «بسم الله»، وهذا يفيد أن مراده بالتسمية في ذلك الموضع كان منضبطا بهذه الصيغة، ولم يصرح هناك بحملها على مطلق ذكر الله تعالى. غير أن محل بحثنا هنا ليس مجرد تحرير مذهبه في «التوضيح»، وإنما النظر في اختياره الأخير الذي استقر عليه في «المختصر»، حيث عدل عن هذا التفصيل فقال: «وتسمية» مطلقا.
وهذا العدول اللفظي لا يخلو من احتمالات ثلاثة: أولا: أن يكون اختصاره هنا لم يغير مراده السابق، وإنما حذف التفصيل اعتمادا على ما سبق تقريره في «التوضيح»، فيكون «وتسمية» محمولا على ما فسره به من قول «بسم الله». وثانيا: أن يكون هذا الإطلاق ناشئا عن طبيعة «المختصر»، إذ المقصود فيه جمع الأحكام بأوجز عبارة، فاقتضى ذلك حذف بيان الصفة والاكتفاء باسم الجنس الذي يندرج تحته التفصيل السابق. وثالثا: أن يكون عدوله عن التقييد في «التوضيح» إلى الإطلاق في «المختصر» مقصودا، بحيث لم يعد يريد حصر التسمية في خصوص لفظ «بسم الله»، ولا سيما أن لفظ «التسمية» أوسع من لفظ «البسملة» من جهة الوضع والاستعمال، وقد ثبت في مواضع أخرى من كلام أئمة المذهب حمل التسمية على مطلق ذكر الله تعالى.

وعليه، فلا يصح أن نجزم بمجرد لفظ «وتسمية» بأن خليل قد عدل عن اختياره السابق، كما لا يصح أن نجزم بالعكس وأن نجعل الإطلاق مجرد اختصار لا دلالة له؛ بل الواجب أن يقرأ اختياره في «المختصر» في ضوء مجموع كلامه، مع استحضار الفرق بين مقام التفصيل في «التوضيح» ومقام الاختصار في «المختصر»، ثم النظر في القرائن الداخلية والخارجية التي يمكن أن ترجح أحد الاحتمالين.
خاتمة :
وعليه، فالأصل في تحقيق المذهب الالتزام بما قرره شراحه المحققون؛ لأنهم أدرى بمآخذ المذهب وأصوله، واجتهاد الباحث في تحرير المذهب لا يكون بالخروج عن تقريراتهم بمجرد الاحتمال. غير أن ذلك لا يمنع من إعادة النظر في المسائل التي لم يستوف الشراح تحقيق وجوهها، ولا سيما إذا ظهرت قرائن من عبارات أئمة المذهب نفسها تستدعي مزيد تحرير.

وختاما
ومما يقوي هذا المسلك في تحرير مدلول التسمية النظر في القدر الذي يتحقق به أصل الحكم الشرعي؛ فإن الفقيه قد يطلق الحكم على معنى له أفراد وصور متعددة، ثم يحتاج إلى بيان الحد الذي يصدق به الاسم ويحصل به أصل المقصود، وما زاد عليه يكون من تمام الصفة وكمالها. وقد نقل عن القابسي في التشهد أن القدر الذي تحصل به السنة هو الشهادتان دون سائر ألفاظ التشهد، وهو شاهد على اعتبار هذا الضابط في تحرير الألفاظ الشرعية وأقدارها المجزئة.

وبناء على ذلك، فإذا كان شراح المالكية قد صرحوا في التسمية عند الذكاة والصيد بأن المراد بها «ذكر الله من حيث هو، لا خصوص بسم الله»، فلا ينبغي الوقوف عند مجرد إثبات أن البسملة ليست متعينة، بل يتجه البحث إلى سؤال أدق: ما القدر الذي يتحقق به مسمى ذكر الله الذي عبر عنه الفقهاء بالتسمية؟ وهل كل ذكر لله يتحقق به هذا المسمى، أم أن له قيدا أو وصفا لا بد من اعتباره؟
وهذا التحقيق مهم؛ لأن الفرق بين أصل التسمية وبين الصيغة الأكمل لها قد يفسر اختلاف الألفاظ التي نص المالكية على إجزائها، مع كون «بسم الله» أو «بسم الله والله أكبر» هو الأكمل والأفضل. فإذا ثبت أن المقصود في هذا الباب هو تحقق أصل ذكر الله، أمكن بعد ذلك النظر في بقية المواضع التي عبر فيها خليل بلفظ «التسمية»، ومنها الوضوء، لمعرفة هل المراد فيها كذلك تحقق أصل الذكر، أم أن لكل باب قرينة تخصص مدلول التسمية فيه.

وبذلك لا يكون المقصود نقل حكم التسمية في الذكاة إلى الوضوء بلا دليل، وإنما استثمار طريقة المالكية في تحرير القدر المعتبر من الألفاظ الشرعية، ثم البحث عن القرينة التي تقتضي تخصيص مدلول التسمية أو إبقاءه على إطلاقه في كل موضع.


وكتبه : د. زياد حبُّوب أبو رجائي

الفروق بين كفارة اليمين وكفارة الظهار

 جَدْوَلُ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ

وَجْهُ الْمُقَارَنَةِكَفَّارَةُ الْيَمِينِكَفَّارَةُ الظِّهَارِ
سَبَبُ الْوُجُوبِحِنْثٌ فِي يَمِينٍ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.لَفْظُ الظِّهَارِ (تَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ أَوْ عُضْوٍ مِنْهَا بِمُحَرَّمَةٍ) مَعَ الْعَوْدِ.
طَبِيعَةُ الْأَدَاءِ (التَّرْتِيبُ وَالتَّخْيِيرُ)التَّخْيِيرُ ابْتِدَاءً: بَيْنَ الإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ أَوْ الْعِتْقِ، ثُمَّ التَّرْتِيبُ: إِلَى الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا جَمِيعًا.التَّرْتِيبُ الْوُجُوبِيُّ حَتْمًا: عِتْقٌ، ثُمَّ صَوْمٌ، ثُمَّ إِطْعَامٌ (لَا يُجْزِئُ الْأَدْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَعْلَى).
الْحُكْمُ فِي زَمَانِنَا (عِنْدَ انْعِدَامِ الْعِتْقِ)الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ، وَلَا يَصُومُ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْهُمَا.يَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ وُجُوبًا حَتْمِيًّا عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ الِانْتِقَالُ إِلَى الْإِطْعَامِ.
عَدَدُ الْمَسَاكِينِ فِي الإِطْعَامِعَشَرَةُ مَسَاكِينَ فَقَطْ.سِتُّونَ مِسْكِينًا.
قَدْرُ الطَّعَامِ لِلْمِسْكِينِ الْوَاحِدِمُدٌّ وَاحِدٌ بِمُدِّ النَّبِيِّ × (مِنْ أَوْسَطِ الْقُوتِ).مُدٌّ وَثُلُثَا مُدٍّ (مِائَةُ مُدٍّ لِلْمَجْمُوعِ - شِبَعٌ كَامِلٌ).
مِقْدَارُ الصِّيَامِثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (يُنْدَبُ تَتَابُعُهَا وَلَا يَجِبُ).شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ (شَرْطُ التَّتَابُعِ فِيهِ وُجُوبًا).
الْكِسْوَةُخَصْلَةٌ مَشْرُوعَةٌ (كِسْوَةُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ثَوْبٌ تُصَحُّ بِهِ الصَّلَاةُ).لَا كِسْوَةَ فِيهَا (الْمَشْرُوعُ فِيهَا حَصْرًا: عِتْقٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ إِطْعَامٌ).
حُكْمُ الإِطْعَامِ بِالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِيُجْزِئُ فِيهَا صَنْعُ الطَّعَامِ وَدَعْوَةُ الْمَسَاكِينَ (إِبَاحَةً).لَا يُجْزِئُ بَلْ يَلْزَمُ التَّمْلِيكُ عَيْنًا (إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَ بُلُوغَ مُدٍّ وَثُلُثَيْنِ).
مَانِعِيَّةُ المَسِيسِ (الْوَطْءِ)لَا يُمْنَعُ الْوَطْءُ فِي أَثْنَاءِ أَدَائِهَا.يَحْرُمُ الْمَسِيسُ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُؤَدَّى التَّكْفِيرُ كَامِلًا ({مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}).
حُكْمُ إِخْرَاجِ الْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِيُجْزِئُ مَعَ كَرَاهَةٍ وَثِقَلٍ فِي النَّفْسِ (وَفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ).لَا يُجْزِئُ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَيُجْزِئُ لِلْعَاجِزِ فَقَطْ.
👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->