صفة غسل المبت كغسل الجنابة

  • صفَةُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الَّتِي يُغَسَّلُ بِهَا الْمَيِّتُ
  • تَتَمَثَّلُ صِفَةُ الْغُسْلِ الْمَسْنُونَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا يَلِي:
  •  غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ ثَلَاثاً
  •  غَسْلُ الْأَذَى الْفَرْجِ وَمَا حَوْلَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ
  •  الْوُضُوءُ كَامِلاً مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ
  •  تَخْلِيلُ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى بَشَرَةُ الرَّأْسِ
  •  إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ ثَلَاثاً
  •  غَسْلُ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، مَعَ ضَرُورَةِ الدَّلْكِ تَمْرِيرِ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَتَعَاهُدِ مَعَاطِفِ الْجَسَدِ مِثْلَ الْإِبْطَيْنِ وَالسُّرَّةِ وَخَلْفَ الرُّكْبَتَيْنِ
  •  كَيْفَ يَكُونُ "تَعَبُّداً بِلَا نِيَّةٍ"؟
  • الْمَعْنَى أَنَّ الْغُسْلَ فِي ذَاتِهِ شَعِيرَةٌ "تَعَبُّدِيَّةٌ" لِأَنَّنَا نَغْسِلُ الْمَيِّتَ وَإِنْ كَانَ نَظِيفاً، وَنُوَضِّئُهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ الْمَحْضِ بَلْ بِالتَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ أَمَّا كَوْنُهُ "بِلَا نِيَّةٍ"، فَلِأَنَّ الْمَيِّتَ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ، وَالْغَاسِلَ قَائِمٌ بِتَنْفِيذِ حَقٍّ لِلْمَيِّتِ، فَالنِّيَّةُ هُنَا لَيْسَتْ شَرْطاً فِي صِحَّةِ التَّطْهِيرِ كَغَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَمَتَى مَا عَمَّ الْمَاءُ الْجَسَدَ بِالْهَيْئَةِ الْمَطْلُوبَةِ، حَصَلَتِ الطَّهَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِلْمَيِّتِ وَجَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ
  • تُؤَدَّى صِفَةُ غُسْلِ الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِ التَّكْرِيمِ وَالرِّفْقِ، وَالْمَشْهُورُ فِي صِفَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَتَلَخَّصُ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
  • سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَتَهْيِئَةُ الْمَيِّتِ: يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرِ الْغُسْلِ مُسْتَوْرَ الْعَوْرَةِ بِخِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ، وَتُجَرَّدُ ثِيَابُهُ بِرِفْقٍ، وَيُوضَعُ فِي مَكَانٍ سَاتِرٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يُعِينُهُ
  • عَصْرُ الْبَطْنِ بَرْقٍ: يَرْفَعُ الْغَاسِلُ رَأْسَ الْمَيِّتِ قَلِيلًا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَى بَطْنِهِ بِيَدِهِ مَسْحاً رَفِيقاً لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ مِنَ الْفَضَلَاتِ، مَعَ صَبِّ الْمَاءِ بِكَثْرَةٍ لِتَطْهِيرِ مَا يَخْرُجُ
  • الِاسْتِنْجَاءُ: يَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً غَلِيظَةً، ثُمَّ يُنَظِّفُ مَخَارِجَ الْمَيِّتِ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ تَحْتَ السِّتْرِ دُونَ أَنْ يَمَسَّ الْعَوْرَةَ أَوْ يَرَاهَا، حَتَّى يَتَحَقَّقَ النَّقَاءُ
  • تَوْضِئَةُ الْمَيِّتِ: يُوَضِّئُ الْغَاسِلُ الْمَيِّتَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَمَنْخَرَيْهِ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ دُونَ إِدْخَالِ الْمَاءِ فِي جَوْفِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ
  • غَسْلُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ: يُغْسَلُ رَأْسُ الْمَيِّتِ وَلِحْيَتُهُ بِرَغْوَةِ السِّدْرِ أَوْ الصَّابُونِ حَتَّى يَنْقَى، مَعَ الْحِرْصِ عَلَى عَدَمِ تَمْشِيطِ الشَّعْرِ بِقُوَّةٍ لِكَيْلَا يَتَسَاقَطَ
  • غَسْلُ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ: يُبْدَأُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنَ الْعُنُقِ إِلَى الْقَدَمِ مِنَ الْأَمَامِ وَالْخَلْفِ، مَعَ تَمْرِيرِ الْيَدِ عَلَى الْجَسَدِ الدَّلْكِ لِتَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ بِيَقِينٍ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مَخْلُوطاً بِالسِّدْرِ
  • غَسْلُ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ: يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِالْأَيْمَنِ، بِصَبِّ الْمَاءِ وَتَدْلِيكِ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْأَمَامِ وَالْخَلْفِ رِفْقاً بِالْمَيِّتِ كَمَا يُرْفَقُ بِالْحَيِّ
  • الْغَسْلَةُ الْأَخِيرَةُ الْكَافُورُ: يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي غَسْلَةٍ شَامِلَةٍ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُوضَعَ فِيهَا قَلِيلٌ مِنَ الْكَافُورِ لِتَصْلِيبِ الْجِلْدِ وَتَطْيِيبِ الرَّائِحَةِ وَطَرْدِ الْهَوَامِّ
  • تَنْشِيفُ الْمَيِّتِ: بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ، يُنْدَبُ تَنْشِيفُ جَسَدِ الْمَيِّتِ بِثَوْبٍ نَقِيٍّ قَبْلَ وَضْعِهِ فِي أَثْوَابِ الْكَفَنِ، لِكَيْلَا تَبْتَلَّ الْأَكْفَانُ فَيَتَسَارَعَ إِلَيْهَا التَّغَيُّرُ
  • يُسْتَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ وِتْراً ثَلَاثاً أَوْ خَمْساً حَسَبَ الْحَاجَةِ لِلِانْقَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ أَمِيناً يَسْتُرُ مَا قَدْ يَرَاهُ مِنَ الْعُيُوبِ وَيُظْهِرُ مَا يَرَاهُ مِنَ الْعَلَامَاتِ الطَّيِّبَةِ

حكم من دفن بلا غسل وبلا صلاة ميت

 مَن دُفِنَ بلا غُسْلٍ أو بلا صلاةٍ

تُعدُّ هذه المسألةُ من دقيقِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ في الجمعِ بينَ "تعظيمِ الحُرْمَةِ" وبينَ "استدراكِ الفريضةِ" فالأصلُ أنَّ الغُسْلَ والصلاةَ حقَّانِ للمؤمنِ على إخوانِهِ، فإذا فاتَ مَحَلُّهُما بالدَّفنِ، وقَعَ التعارُضُ بينَ نبشِ القبرِ لاستدراكِ ما فاتَ، وبينَ كرامةِ الميِّتِ في عدمِ انتهاكِ سِتْرِهِ بعدَ مُواراتِهِ والضابطُ المشتَرَكُ عندَ المالكيةِ هو "حصولُ التغيُّرِ" في الجسدِ؛ فهو المِعْيارُ الفاصلُ بينَ الاستدراكِ وبينَ السُّقوطِ

النَّظرُ الفقهيُّ يرى أنَّ الغُسْلَ يُرادُ بهِ النظافةُ الشرعيةُ والتكريمُ، فإذا دُفِنَ الميِّتُ بلا غُسْلٍ نُبِشَ ما لم يُخَفْ عليهِ التفسُّخُ وتغيُّرُ الرائحةِ؛ لأنَّ بَقاءَهُ نَجِساً حُكماً في مَحَلِّ القُربِ القبرِ مُنافٍ للتكريمِ أمَّا الصلاةُ، فهي شفاعةٌ ودُعاءٌ، فإذا دُفِنَ بلا صلاةٍ، فالمذهبُ على أنَّ القبرَ لا يُنبَشُ لأجلِ الصلاةِ وحدَها، بل يُكتَفى بالصلاةِ عليهِ وهو في لَحْدِهِ الصلاةُ على القبرِ؛ لأنَّ مقصودَ الشفاعةِ يَحْصُلُ بالوقوفِ عندَ مَحَلِّهِ، بخلافِ الغُسْلِ الذي لا يَقْبَلُ النيابةَ عن بُعْدٍ

مَا رَواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما: "أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ المَرْأَةِ التي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ بَعْدَمَا دُفِنَتْ"؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ استدراكِ الصلاةِ على القبرِ لِمَنْ فَاتَتْهُ، وهوَ أصْلُ المالكيةِ في عدمِ الحاجةِ للنبشِ لأجلِ الصلاةِ

مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحابةِ في تركِ نبشِ مَنْ دُفِنَ لِعلَّةٍ أو ضَرورةٍ إذا خِيفَ عليهِ التغيُّرُ؛ لأنَّ حُرْمَةَ الميِّتِ مَيِّتاً كَحُرْمَتِهِ حَيّاً، والنبشُ معَ التفسُّخِ انتهاكٌ صريحٌ لِهذهِ الحُرْمَةِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّ الاستدراكَ مَشروطٌ بسلامةِ الجسدِ


عدد تكبيرات الركعة الثانية بصلاة العيد

قالَ  الشَّيْخُ خَلِيلٌ ( وَهَلْ بِغَيْرِ الْقِيَامِ تَأْوِيلَانِ )

أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي فَهْمِ عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ الْمَسْنُونَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ هَلْ تَكُونُ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ سِتّاً أَمْ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ هِيَ إِحْدَى هَذِهِ الْخَمْسِ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ خَمْساً وَهَذَا النِّزَاعُ يَرْجِعُ إِلَى فَهْمِ مَقْصُودِ النَّقْلِ عَنِ السَّلَفِ فِي مِقْدَارِ الزِّيَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِتَمْيِيزِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ

مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الْعِيدِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ فَدَلَّ إِطْلَاقُ هَذَا الْعَدَدِ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ وَبِمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَكْبِيرِ انْتِقَالٍ تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي دُخُولِهِ فِيهَا رِعَايَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ الْعَدَدِيِّ الْمَنْقُولِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ

 مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي صِفَةِ تَكْبِيرِهِمْ حَيْثُ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ كَبَّرَ خَمْساً فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا الظَّرْفُ الزَّمَانِيُّ بَعْدَ الِاسْتِتْمَامِ قَائِماً يُقَوِّي تَأْوِيلَ مَنْ جَعَلَهَا خَمْساً زَائِدَةً عَلَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ تَقَعُ حَالَ الشُّرُوعِ فِي النُّهُوضِ لَا بَعْدَ تَمَامِهِ

يَنْقَسِمُ فَهْمُ الشَّارِحِينَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى قَوْلَيْنِ:

التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَهْمُ ابْنِ رُشْدٍ وَسَنَدٍ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، حَيْثُ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ تَكْبِيرَةَ الِانْتِقَالِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَى قَائِماً أَتَى بِسِتِّ تَكْبِيرَاتٍ زَائِدَةٍ تَكْبِيرُ الْعِيدِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ سَبْعاً بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ

التَّأْوِيلُ الثَّانِي فَهْمُ عَبْدِ الْحَقِّ وَاللَّخْمِيِّ: أَنَّهُ يَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَجْمُوعُ سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَدُّ بِالتَّكْبِيرَةِ الَّتِي كَبَّرَهَا حِينَ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ لِيَجْلِسَ، فَلَا يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ عِنْدَ اسْتِئْنَافِ الرَّكْعَةِ الْمَقْضِيَّةِ، بَلْ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ ثُمَّ يَأْتِي بِالسِّتِّ

ثَانِيًا: الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ

الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَهْمُ ابْنِ رُشْدٍ وَسَنَدٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ سَبْعاً بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ؛ وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِتَقْدِيمِهِ فِي الذِّكْرِ، وَبِاعْتِبَارِهِ الْأَصْلَ فِي صِفَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى

ثَالِثًا: التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ

يَتَرَجَّحُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لِعِدَّةِ اعْتِبَارَاتٍ فِقْهِيَّةٍ وَقَاعِدِيَّةٍ:

قُوَّةُ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ نَصُّ "الْأُمِّ": كَمَا نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ، نَصُّ اللَّفْظِ فِي "الْأُمِّ" فَإِذَا قَضَى الْإِمَامُ صَلَاتَهُ قَامَ فَكَبَّرَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْبِيرِ؛ وَبِمَا أَنَّهُ كَبَّرَ وَاحِدَةً لِلدُّخُولِ، فَإِنَّ تَمَامَ السَّبْعِ يَقْتَضِي سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ أُخْرَى وَلَكِنَّ فِقْهَ الْمَالِكِيَّةِ يَقْصِدُ بِهَذَا أَنْ يَقُومَ بِتَكْبِيرَةٍ ثُمَّ يُكْمِلُ، لِيَبْقَى نَظْمُ الصَّلَاةِ مُتَّسِقاً، فَلَا يَخْلُو الِانْتِقَالُ مِنْ رُكْنٍ لِرُكْنٍ الْقِيَامُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ ذِكْرٍ مَشْرُوعٍ


حكم أكل المضطر لحم الانسان الميت

 أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ والنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ، وصُحِّحَ أَكْلُهُ أَيْضا 

إِلَى نَازِلَةٍ مِنْ أَصْعَبِ النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ، وَهِيَ تَعَارُضُ "ضَرُورَةِ حِفْظِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ الْحَيِّ" مَعَ "حُرْمَةِ وَكَرَامَةِ الْجَسَدِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ"

 أَوَّلًا: عَرْضُ الْقَوْلَيْنِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُصَحَّحِ

 الْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ: عَدَمُ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا

 وَهُوَ مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي أُمَّهَاتِ الْمَذْهَبِ كَالْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ عَرَفَةَ

 وَجْهُهُ: أَنَّ كَرَامَةَ الْآدَمِيِّ مَانِعَةٌ مِنِ ابْتِذَالِهِ بِالْأَكْلِ، وَلَا تُنْتَهَكُ حُرْمَةُ آدَمِيٍّ لِأَجْلِ بَقَاءِ آخَرَ؛ لِأَنَّ "الْحُرْمَةَ" هُنَا لَا تَقْبَلُ التَّفْضِيلَ، فَالْمَيِّتُ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا كَالْحَيِّ

 الْقَوْلُ الْمُصَحَّحُ: جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ صُلْبَهُ

 وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الْقَصَّارِ، وَهُوَ "الظَّاهِرُ" مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْمَقَاصِدِيُّ

 وَجْهُهُ: أَنَّ الْحَيَّ مَعْصُومُ الدَّمِ بِيَقِينٍ، وَالْمَيِّتَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَرَمًا إِلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ، وَحِفْظُ حَيَاةِ الْحَيِّ أَوْجَبُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ مِنْ صِيَانَةِ جُثَّةٍ تَتَحَلَّلُ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ الْمَذْهَبِ

إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَبَانِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، نَجِدُ الصِّرَاعَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْنِ كُبْرَيَيْنِ:

وَالتَّرْجِيحُ الْمَذْهَبِيُّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ: هُوَ الْبَدْءُ بِالْمَنْعِ وَالنَّصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّقْلِ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ لِلْقَوْلِ "الْمُصَحَّحِ" بَعْدَهُ يُشِيرُ إِلَى قُوَّةِ النَّظَرِ فِيهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ ضَبَطُوا هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَأْكُلَ "بَعْضَ نَفْسِهِ" كَقَطْعِ أُصْبُعِهِ لِيَأْكُلَهُ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ مُحَقَّقَةٌ عَلَى حَيٍّ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِهِ الْمَيِّتِ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ

بِالنَّظَرِ إِلَى قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ الْمُصَحَّحَ هُوَ الْأَقْوَى لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

 تَقْدِيمُ الْحَيَاةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ: كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي "الْبَقْرِ"؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ الْمُضْطَرِّ أَقْوَى بِيَقِينٍ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ قَاتِلَ الْحَيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ إِجْمَاعًا، بَيْنَمَا لَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ نَبَشَ مَيِّتًا أَوْ جَرَحَهُ

 خُرُوجُ الْآدَمِيِّ عَنْ مُسَمَّى "الْمَيْتَةِ" الرِّجْسِ: كَمَا حَقَّقَ ابْنُ الْقَصَّارِ؛ فَالْآدَمِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي حُرِّمَتْ إِنَّمَا لِنَجَاسَتِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْمَيِّتُ الْآدَمِيُّ طَاهِرًا، بَطَلَتْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ "النَّجَاسِيَّةُ"، وَبَقِيَتْ عِلَّةُ "الْإِكْرَامِ"، وَالْإِكْرَامُ مَصْلَحَةٌ تَنْحَنِي أَمَامَ ضَرُورَةِ "إِحْيَاءِ النَّفْسِ"

 عُمُومُ آيَاتِ الِاضْطِرَارِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا عُمُومٌ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُنْقِذُ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَخُصَّ الشَّارِعُ مَيْتَةً دُونَ مَيْتَةٍ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَدِيلِ وَخَوْفِ الْهَلَاكِ

 الْخُلَاصَةُ: الْأَرْجَحُ دَلِيلًا هُوَ جَوَازُ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صِيَانَةِ جَسَدِ الْمَيِّتِ


لماذا اخترت المنهج الأشعري

 
لماذا اخترت المنهج الاشعري
جديد الإصدارات: الكتاب الذي يضع النقاط على الحروف في باب المعتقد
هذا الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي للفرق، ولا انتصارا عاطفيا لمذهب دون آخر. إنه رحلة عقلية فاحصة، ومحاكمة منطقية دقيقة  أمام براهين التنزيه وقواطع العقل والنقل.
إن انحيازي للمنهج الأشعري لم يكن تقليدا، بل ضرورة عقلية.. فالإمام الأشعري لم يخترع دينا جديدا، بل صاغ حجج السلف بقوالب البرهان، ليبقى التنزيه نقيا كما نزل به الوحي".
أبرز ما يتناوله الكتاب: ✅ فك الاشتباك: هل الأشعرية مذهب جديد أم أنها مجرد تدوين لعقيدة السلف كما دون مالك والشافعي الفقه؟

https://t.me/majalesalmazaheb/284