أَهَمُّ الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ عَنْ جُمْهُورِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ فِي بَابِ الْخُلْعِ
تَمَيَّزَ المَذْهَبُ المَالِكِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ بِأُصُولٍ وَفُرُوعٍ فِقْهِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، تُعَبِّرُ عَنْ مَنْهَجِهِمْ فِي المَوَازَنَةِ بَيْنَ حِمَايَةِ الْعِصْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَإِعْمَالِ مَقَاصِدِ المُعَاوَضَاتِ المَالِيَّةِ وَإِلْغَاءِ الْغَرَرِ المَغْتَفَرِ.
وَتَتَلَخَّصُ أَبْرَزُ الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا المَالِكِيَّةُ أَوْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا مَسْلَكٌ مَخْصُوصٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَذَاهِبِ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ) فِي الفَصْلِ الْمَذْكُورِ فِي النِّقَاطِ الآتِيَةِ:
1. لُزُومُ الْبَيْنُونَةِ وَالطَّلَاقِ بِإِعْطَاءِ النَّقْدِ أَوْ النَّوْعِ الْغَالِبِ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْمَالِ
• مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: إِذَا خَالَعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى مَالٍ مُطْلَقٍ (كَأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ أَوْ شَاةٍ) وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ أَوْ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ فَإِنَّ الْخُلْعَ يَلْزَمُ وَيُنَفَّذُ حَتْمًا بِصَرْفِ اللَّفْظِ إِلَى النَّقْدِ أَوْ النَّوْعِ الْغَالِبِ فِي التَّعَامُلِ، وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى قَبُولِهِ.
• مَوْقِفُ الْجُمْهُورِ: يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الإِطْلَاقَ مَعَ اخْتِلَافِ النُّقُودِ يوجِبُ فَسَادَ الْمُسَمَّى، فَيَجِبُ «مَهْرُ الْمِثْلِ» مَكَانَ الْمُسَمَّى مَعَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، دُونَ جَبْرِهِ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ.
2. لُزُومُ الطَّلَاقِ بِصِيغَةِ «أُفَارِقُكِ» الْمُضَارِعَةِ أَوْ الْوَعْدِ عِنْدَ "التَّوْرِيطِ" المَالِيِّ
• مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: إِذَا اسْتَعْمَلَ الزَّوْجُ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ («أُفَارِقُكِ») أَوْ صِيغَةَ «الْوَعْدِ» الْمُعَلَّقَةِ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُهُ قَضَاءً صَرِيحًا فِي حَالَتَيْنِ:
1. إِذَا فُهِمَ مِنْهُ الِالْتِزَامُ بَسَاطًا أَوْ قَرِينَةً.
2. إِذَا فُهِمَ مِنْهُ الْوَعْدُ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ "تَوْرِيطُ الزَّوْجَةِ" (بِأَنْ أَدْخَلَهَا فِي كُلْفَةٍ مَالِيَّةٍ، كَبَيْعِ مَتَاعِهَا لِتَجْمَعَ الْمَالَ). فَإِنَّهُ يُجْبَرُ شَرْعًا عَلَى إِيقَاعِ الطَّلَاقِ رَفْعًا لِلضَّرَرِ المَالِيِّ.
• مَوْقِفُ الْجُمْهُورِ: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ؛ صِيَغُ الْمُضَارِعِ وَالْوَعْدِ (مِثْلُ: أُفَارِقُكِ أَوْ أَوْعِدُكِ) لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ وَلَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَفْعِ الْمَالِ وَلَوْ تَكَلَّفَتِ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الْوَعْدَ غَيْرُ مُلْزِمٍ قَضَاءً فِى إِسْقَاطِ الْعِصَمِ عِنْدَهُمْ.
3. لُزُومُ المَالِ كَامِلًا وَنَفَاذُ الْبَيْنُونَةِ إِذَا طَلَبَتْ «ثَلَاثًا بِأَلْفٍ» فَطَلَّقَهَا «وَاحِدَةً»
• مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ (قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَجَزْمُ خَلِيلٍ): إِذَا قَالَتِ الزَّوْجَةُ «طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ» فَأَوْقَعَ الزَّوْجُ «طَلْقَةً وَاحِدَةً»؛ تَبِينُ الْمَرْأَةُ فَوْرًا وَتَلْزَمُهَا الأَلْفُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الأصْلِيَّ هُوَ «الْبَيْنُونَةُ»، وَقَدْ حَصَلَتْ كَامِلَةً بِالْوَاحِدَةِ فِي الْخُلْعِ، وَالثَّلَاثُ زِيَادَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ شَرْعِيٌّ مُعْتَبَرٌ.
• مَوْقِفُ الْجُمْهُورِ: يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا خَالَفَ عَدَدَ الطَّلَاقِ الْمَطْلُوبِ فَلَمْ يُوَقِّعِ الثَّلَاثَ، لَا تَلْزَمُهَا الأَلْفُ كَامِلَةً؛ بَلْ إِمَّا أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بِنِصْفِ أَوْ ثُلُثِ الْمَالِ (بِالْحِسَابِ)، أَوْ يَقَعَ رَجْعِيًّا بِلَا مَالٍ لِعَدَمِ خُضُوعِ الْمُعَاوَضَةِ لِشَرْطِهَا.
4. صِحَّةُ الْخُلْعِ وَنَفَاذُهُ عَلَى «مَا فِي يَدِهَا» وَلَوْ خَلَتِ الْيَدُ مِنَ الْمَالِ (أَوْ لَا عَلَى الأَحْسَنِ)
• مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: إِذَا خَالَعَهَا الزَّوْجُ عَلَى «مَا فِي يَدِهَا» وَالْمَالُ مَجْهُولٌ عَنْهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ يَدَهَا خَالِيَةٌ أَوْ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُتَمَوَّلٌ (كَحَصَاةٍ أَوْ خِرْقَةٍ)؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَبِينُ مِنْهُ وَيَنْفُذُ الطَّلَاقُ عَلَى القَوْلِ الأَحْسَنِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ خَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ دَخَلَ عَلَى عَقْدِ الْغَرَرِ طَائِعًا وَأَبَانَهَا مُجَوِّزًا لِلْفَرَاغِ.
• مَوْقِفُ الْجُمْهُورِ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ) أَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، فَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى «مَا فِي يَدِهَا» فَظَهَرَتِ الْيَدُ خَالِيَةً، فَإِمَّا أَنْ يَبْطُلَ الْخُلْعُ أَوْ يَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ وُجُوبِ «مَهْرِ الْمِثْلِ» عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا يَصِحُّ إِسْقَاطُ المَالِ مَجَّانًا بِغَرَرِ الْيَدِ.
5. انْتِقَالُ الضَّمَانِ فِي المَالِ الْمُخَالَعِ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَسُقُوطُ العُهْدَةِ
• مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: الضَّمَانُ فِي بَابِ الْخُلْعِ يَنْتَقِلُ إِلَى الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الْعَقْدِ؛ فَإِذَا خَالَعَتْهُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ مَالٍ غَائِبٍ ثُمَّ ثَبَتَ مَوْتُهُ أَوْ تَلَفُهُ بَعْدَ عَقْدِ الْخُلْعِ؛ فَلَا عُهْدَةَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الزَّوْجَةِ أَبَدًا، وَتَكُونُ الْمُصِيبَةُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ.
• مَوْقِفُ الْجُمْهُورِ: يَقِيسُ الْجُمْهُورُ (وَخَاصَّةً الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَفِيَّةَ) الْخُلْعَ عَلَى الْبَيْعِ فِي حُكْمِ الْقَبْضِ؛ فَيَرَوْنَ أَنَّ المَالَ الْمُخَالَعَ بِهِ إِذَا تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الزَّوْجُ فِعْلًا (وَلَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ)، يَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
6. لُزُومُ الْبَيْنُونَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي أَصْلِ الْعِوَضِ نَظَرًا لإِقْرَارِ الزَّوْجِ
• مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: إِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ خُلْعٌ بِمَالٍ، وَادَّعَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ طَلَاقٌ مَجَّانِيٌّ بِلَا عِوَضٍ؛ تَحْلِيفُ الزَّوْجَةِ، وَتَبِينُ مِنْهُ فَوْرًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُقِرٌّ بِإِسْقَاطِ الْعِصْمَةِ وَالطَّلَاقُ مَتَى وَقَعَ لاَ يَرْتَفِعُ، وَالأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهَا مِنَ المَالِ.
• مَوْقِفُ الْجُمْهُورِ: عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ (كَالْحَنَابِلَةِ فِي وَجْهٍ أَوْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ)؛ إِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ العِوَضِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، بَطَلَتِ الدَّعْوَى وَبَقِيَتِ الزَّوْجِيَّةُ كَمَا كَانَتْ، أَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لِعَدَمِ ثُبُوتِ الصِّفَةِ المَالِيَّةِ المَانِعَةِ مِنَ الرَّجْعَةِ.
من كتاب إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - زياد حبوب أبو رجائي
باب الطلاق فصل أحكام الخلع - الجزء 38