أوَّلاً: مَسْأَلَةُ الكَلَامِ والذِّكْرِ والمُحْدَثِ
يَرَى الإمامُ أبو الحسنِ الأشعريُّ في "الإبانةِ" أنَّ كَلَامَ اللهِ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ نَفْسِيَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، لا تَتعلَّقُ بالمشيئةِ مِنْ جِهَةِ الحُدوثِ، بَلْ هُوَ مُتَكَلِّمٌ كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ. ويُنْزِهُ اللهَ عَنِ "السُّكُوتِ" الذي هو ضِدُّ الكلامِ (بمعنى الخَرَسِ)، مُعتبِراً أنَّ كَلَامَ اللهِ لا يَصْمُتُ. أمَّا قوله تعالى {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}، فقد أوَّلَهُ الأشعريُّ بأنَّ المُرادَ به "كلامُ الرسولِ" أو بَلاغُهُ، لأنَّ كَلَامَ اللهِ القَديمَ لا يُوصَفُ بالحُداثَةِ.
في المُقابِلِ، يُؤكِّدُ ابنُ تيميةَ أنَّ الكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ تَتعلَّقُ بمشيئةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ؛ فهو يَتكلَّمُ مَتَى شَاءَ وكيفَ شَاءَ. ويُثْبِتُ "السُّكُوتَ" للهِ كصِفَةِ كمالٍ (أي تَرْك الكلامِ مع القُدْرَةِ عليه)، ويَرَى أَنَّ القولَ بِقِدَمِ الآحادِ يَمنعُ مَعنى التَّجدُّدِ في الخطابِ الإلهيِّ. كما يَرَى أَنَّ "الذِّكْرَ المُحْدَثَ" هو كلامُ اللهِ الذي أَنْزَلَهُ نُجوماً (مُفرَّقاً) بِمشيئتِهِ، وليسَ مَخلوقاً، فالحادِثُ عِندَهُ غَيْرُ المَخلوقِ.
ثانياً: الصِّفاتُ الخَبَرِيَّةُ (الوجهُ، اليدانِ، والعينانِ)
في كتابِ "الإبانةِ"، يُثْبِتُ أبو الحسنِ الأشعريُّ للهِ تعالى وَجْهاً ويَدَيْنِ وعَيْنَيْنِ، مُشدِّداً على أَنَّها صِفاتٌ حَقِيقيَّةٌ لَا تُكَيَّفُ وَلَا تُشَبَّهُ بصِفاتِ المَخلوقينَ، ويَرفُضُ تَأويلَ "اليَدِ" بالنِّعْمَةِ أو القُدْرَةِ، وهو بذكلكَ يُخالِفُ المُعتزلةَ ومُتأخِّري الأشاعرةِ.
أَمَّا ابنُ تيميةَ، فموقفُهُ يَتطابقُ مع الأشعريِّ في الإثباتِ، لَكنَّهُ يُفصِّلُ في مَسألةِ "الكَيْفِ"؛ فهو يَرى أَنَّ الصِّفَةَ لها "كَيْفٌ" يَلِيقُ بجلالِ اللهِ، لَكِنَّ هَذا الكَيْفَ "مجهولٌ لَنَا"، فنحنُ نَنْفِي عِلْمَنَا بالكَيْفِ لَا نَفْيَ أَصْلِ الكَيْفِيَّةِ، لأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَيْفِيَّةٍ صَمَدِيَّةٍ.
ثالثاً: الاستواءُ والفَوْقيَّةُ والنزولُ
يُصَرِّحُ الأشعريُّ في "الإبانةِ" (ص 102) بِأنَّ اللهَ مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ بلا كَيْفٍ، ويَعتبرُ تَأويلَ "الاستواءِ" بـ "الاستيلاءِ" قولاً ضَعيفاً مَردوداً. ويَرى أَنَّ "الفَوْقيَّةَ" و"النزولَ" هما فِعلانِ يَفعلُهُما اللهُ في العَرْشِ أو السَّماءِ، دُونَ مُمَاسَّةٍ أو حُلولٍ.
بَيْنَمَا يَرى ابنُ تيميةَ أَنَّ الاستواءَ هو العُلُوُّ والارتفاعُ والاستقرارُ الذي يَلِيقُ بذاتِ اللهِ، ويُثْبِتُ النزولَ الإلهيَّ إلى السَّماءِ الدُّنيا في كُلِّ ليلةٍ حقيقةً كَمَا وَرَدَ، مُعتبِراً أَنَّ هَذهِ الأفعالَ تَقومُ بذاتِ اللهِ تعالى (مَسألةُ حُلولِ الحوادثِ بِمَعنى الأفعالِ الاختياريَّةِ)، وهو مَا يَراهُ الأشعريُّ تَمثيلاً أو تَجسيماً.
رابعاً: الرِّضا والغَضَبُ والإرادةُ
يَذهبُ الأشعريُّ إلى أَنَّ الرِّضا والغَضَبَ صِفتانِ قَديمتانِ أَزليَّتانِ، والإرادةُ عندَهُ صِفةٌ واحدةٌ تَتعلَّقُ بجميعِ المُراداتِ. أمَّا ابنُ تيميةَ، فَيُفرِّقُ بينَ "نَوْعِ الصِّفَةِ" (وهو قَديمٌ) وبينَ "آحادِ الفعلِ"؛ فاللهُ يَغضبُ إذا عُصِيَ ويَرْضى إذا أُطِيعَ، فغَضَبُهُ يَتجدَّدُ بتجدُّدِ سَبَبِهِ بمشيئتِهِ، وكذلكَ الإرادةُ عندَهُ تَنقسمُ إلى كونيَّةٍ (بمعنى المَشيئةِ) وشرعيَّةٍ (بمعنى المَحَبَّةِ).
خامساً: مَسْأَلَةُ "الجِسْمِ" والرُّؤْيَةِ
يَنْفي الأشعريُّ لَفْظَ "الجِسْمِ" مُطلقاً، ويَراهُ إطلاقاً فاسداً لَمْ يَأْذَنْ به الشَّرْعُ. وفي "الرُّؤْيَةِ"، يَرى أَنَّ اللهَ يُرى في الآخرةِ بالأبصارِ بلا جِهَةٍ ولا مُقابَلَةٍ، لأنَّ كُلَّ مَوجودٍ يَصِحُّ رُؤيتُهُ.
أَمَّا ابنُ تيميةَ، فيَتوقَّفُ في لَفْظِ "الجِسْمِ" نَفياً وإثباتاً لأنَّهُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ لَمْ يَرِدْ في الوَحْيَيْنِ؛ فإنْ قُصِدَ به التركيبُ والأعضاءُ نَفاهُ، وإنْ قُصِدَ به أَنَّ اللهَ "ذاتٌ" بائنةٌ عَنْ خَلْقِهِ يُشارُ إليها ويُرى في الآخرةِ في جِهَةِ العُلُوِّ، فهذا مَعنىً حَقٌّ عندَهُ، وإنْ سَمَّاهُ النَّاسُ تَجسيماً.
سادساً: خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ (الكَسْبُ)
يَنْفردُ الأشعريُّ بنظريَّةِ "الكَسْبِ"، وهي أَنَّ الفعلَ يُخْلَقُ مِنَ اللهِ ويُكْتَسَبُ مِنَ العبدِ، بمعنى أَنَّ قُدْرَةَ العبدِ لا تَأثيرَ لها في إيجادِ الفعلِ بَلْ هي مُقارِنَةٌ لَهُ فقط. بَيْنَمَا يَرى ابنُ تيميةَ أَنَّ العبدَ "فاعلٌ حقيقيٌّ" لِفعلِهِ، وله مَشيئةٌ وقُدْرَةٌ هي سَبَبٌ في الفعلِ، لَكِنَّ العبدَ وقُدْرَتَهُ ومَشيئتَهُ كُلُّها مَخلوقةٌ للهِ تعالى، فراراً مِمَّا وصفَهُ بـ "الجَبْرِ المَقْنُوعِ" في نَظريَّةِ الكَسْبِ.
من كتابي / لماذا اخترت المنهج الأشعري