جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة والتوحيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة والتوحيد. إظهار كافة الرسائل

الأشعرية حتمية الظهور في السياق التاريخي

لم يكن ظهور المدرسة الأشعرية ترفاً فكرياً أو محض إضافة عددية للفرق الإسلامية، بل كان "استجابة قدرية وحتمية تاريخية" لإنقاذ العقل المسلم من فكي كماشة خطيرين هددا بنيان الإسلام من القواعد:
عبثية التأويل المعتزلي: الذي جعل العقل البشري القاصر نداً للوحي الإلهي، ففرغ النصوص من مضامينها.
سذاجة الجمود الحشوي: الذي تعامل مع المتشابهات بسطحية أفقدت الذات الإلهية قدسية التنزيه.
فكان لا بد من ظهور "نسق معرفي صارم" يعيد للنص هيبته وللعقل وظيفته، فكانت المدرسة الأشعرية هي "طوق النجاة" الذي حفظ بيضة الإسلام.
2. الأشعرية: الصياغة العلمية لعقيدة السلف (المنهج لا المذهب):
يجب ترسيخ حقيقة أن الإمام أبا الحسن الأشعري لم يبتدع مذهباً جديداً، بل قام بـ "هندسة عقيدة السلف" وصياغتها في قوالب برهانية محكمة. إن الأشعرية ليست مقابلاً للسلفية الحقة، بل هي "السلفية المستنيرة" التي امتلكت أدوات الجدل والمناظرة. لقد حول الأشاعرة العقيدة من "إيمان فطري" -قد يتزعزع أمام الشبهات- إلى "يقين علمي" مؤسس على البراهين القطعية التي لا يطالها الشك، فكانوا بذلك حراس العقيدة وورثة الأنبياء في الذود عن الشريعة.
3. السواد الأعظم والمرجعية الحصرية:
تكتسب المدرسة الأشعرية (والماتريدية) شرعيتها ورسوخها من كونها "المظلة الجامعة" لسواد الأمة الأعظم عبر القرون. فهي المذهب الرسمي الذي تبناه فحولة العلماء، وأساطين الفقهاء، وحفاظ الحديث، وقادة الفتح (كصلاح الدين ومحمد الفاتح).
إن التزام المنهج الأشعري هو انحياز لخط الجمهور الذي يمثل "العصمة الجماعية" للأمة من الضلال، حيث تلاحمت هذه المدرسة مع المذاهب الفقهية الأربعة تلاحماً عضوياً، فكان الشافعية والمالكية، وجل الحنفية وفضلاء الحنابلة، يصدرون عن مشكاة عقدية واحدة، مما يجعل الأشعرية هي "الممثل الشرعي والوحيد" لمصطلح أهل السنة والجماعة في باب المعتقد ونظريات المعرفة.
4. القوة البنيوية (التكامل بين النقل والعقل):
إن سر بقاء وهيمنة المدرسة الأشعرية يكمن في "توازنها الديناميكي"؛ فهي لم تنتصر للنقل بإلغاء العقل، ولم تقدس العقل بإهدار النقل، بل صاغت "قانون التأويل" و"قواعد النظر" التي جعلت العقل خادماً أميناً للشرع. هذا البناء المحكم جعل المذهب عصياً على الهدم، وقادراً على استيعاب النوازل الفكرية في كل عصر، من الفلسفة اليونانية قديماً إلى الإلحاد والعدمية حديثاً.

نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ

[مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1. يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2. يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3. ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4. بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5. وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6. يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

[فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7. وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8. فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9. فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11. وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12. وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

[فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13. وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14. وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

[فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15. وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16. وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17. وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

[فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18. فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19. وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20. وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

[فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21. وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22. قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

[فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23. وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24. وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25. خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26. وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27. أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28. مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29. وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30. كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31. وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32. وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33. وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34. وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35. وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36. وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37. وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38. سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39. وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40. وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41. وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42. وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43. وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44. وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ] 

45. وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46. عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47. وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48. وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49. تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50. وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51. وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52. وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53. وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54. فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55. فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

56. وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57. وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58. وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59. وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60. عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي

.................................


 نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.

لزياد أبي رجائي المالكي

ردود على شبهات في العقيدة

 • الشُّبُهَةُ : إِذَا كَانَ الْجَائِزُ يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي آنٍ وَاحِدٍ؟

الْجَوَابُ: كَلَّا، الْقَبُولُ لِلْأَمْرَيْنِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ "الْبَدَلِ" لَا عَلَى سَبِيلِ "الْجَمْعِ"؛ فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ لِلْمُمْكِنِ أَنْ يُوجَدَ وَيُجَوِّزُ لَهُ أَنْ يُعْدَمَ، لَكِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ اجْتِمَاعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ "مُسْتَحِيلٌ" كَمَا سَبَقَ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ عَلَامَةً، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَنَا بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِنَا بِاللَّهِ؟

الْجَوَابُ: الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ؛ فَنَحْنُ نَعْرِفُ الْعَالَمَ بِالْحِسِّ، وَنَعْرِفُ حُدُوثَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ، ثُمَّ نَتَّخِذُهُ "عَلَامَةً" لِلْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، فَالْعَالَمُ وَسِيلَةٌ وَاللَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ الْوُجُودُ هُوَ عَيْنُ الذَّاتِ، فَلِمَاذَا جَعَلْتُمُوهُ "صِفَةً" وَالْأَصْلُ أَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ؟

الْجَوَابُ: الْعَدُّ هُنَا اعْتِبَارِيٌّ تَعْلِيمِيٌّ؛ فَالْعَقْلُ يَحْتَاجُ لِتَفْكِيكِ الْمَفَاهِيمِ لِيَسْتَوْعِبَهَا، فَنَحْنُ نَصِفُهُ بِالْوُجُودِ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ لِنَفْيِ الْعَدَمِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتاً ثُمَّ حَلَّ فِيهَا وُجُودٌ زَائِدٌ، فَاللَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ.

• الشُّبْهَةُ : قَدْ يُوجَدُ الْأَثَرُ بِطَرِيقِ "الطَّبْعِ" أَوْ "الْمُصَادَفَةِ" دُونَ حَاجَةٍ لِمُؤَثِّرٍ مُخْتَارٍ؟

• الْجَوَابُ : الطَّبْعُ وَ الْمُصَادَفَةُ لَيْسَا عِلَلًا وُجُودِيَّةً بَلْ هِيَ مَفَاهِيمُ عَدَمِيَّةٌ؛ فَالْمُصَادَفَةُ هِيَ وُقُوعُ الشَّيْءِ بِلَا سَبَبٍ، وَهَذَا يَنْفِيهِ الْعَقْلُ بِالْبَدَاهَةِ بُطْلَانُ التَّرَجُّحِ بِلَا مُرَجِّحٍ. أَمَّا الْأَثَرُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ "مُؤَثِّرٍ" قَائِمٍ بِذَاتِهِ مُغَايِرٍ لِلْأَثَرِ.

• الشُّبْهَةُ: كَيْفَ تُسَمُّونَ "الْعَدَمَ" السَّلْبَ صِفَةً، وَالصِّفَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا وُجُودِيًّا؟

• الْجَوَابُ: التَّسْمِيَةُ هُنَا "مَجَازِيَّةٌ" أَوْ "اصْطِلَاحِيَّةٌ"؛ فَالْعَقْلُ يُسَمِّيهَا صِفَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ الْمَوْصُوفَ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِيقَتِهَا عِبَارَةً عَنْ سَلْبِ نَقَائِصَ، فَهِيَ "صِفَاتٌ تَنْزِيهِيَّةٌ" لَا تَقُومُ بِالذَّاتِ قِيَامَ الْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةِ كَالْعِلْمِ.

• الشُّبْهَةُ: كَيْفَ تَقُولُونَ بِالْمُخَالَفَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقُرْآنُ نَسَبَ لِلَّهِ الْيَدَ وَ الْوَجْهَ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَوَادِثِ؟

• الْجَوَابُ: هَذِهِ مُشَاكَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ؛ فَاللَّفْظُ وَاحِدٌ وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ تَمَاماً؛ فَيَدُ اللهِ صِفَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَيْسَتْ جَارِحَةً وَلَا مَادَّةً، وَتَحْرِيرُ النَّاظِمِ بِقَوْلِهِ تَخَالُفٌ لِلْغَيْرِ قَاطِعٌ لِكُلِّ تَوَهُّمٍ حِسِّيٍّ، فَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ مَعَ سَلْبِ كَيْفِيَّةِ الْحَوَادِثِ.

• الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الْمُؤَثِّرَ الْوَحِيدَ، فَمَا فَائِدَةُ الْجَهْدِ الْبَشَرِيِّ وَلِمَاذَا نُعَاقَبُ عَلَى أَفْعَالِنَا؟

• الْجَوَابُ: اللهُ خَلَقَ الْفِعْلَ وَأَعْطَى الْعَبْدَ الْكَسْبَ؛ وَهُوَ "تَوْجِيهُ الْإِرَادَةِ" نَحْوَ الْفِعْلِ، فَالْمُحَاسَبَةُ تَقَعُ عَلَى الْكَسْبِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، لَا عَلَى الْإِيجَادِ الَّذِي هُوَ سِرُّ الرُّبُوبِيَّةِ.

• الشُّبْهَةُ: نَحْنُ نَرَى بِالْحِسِّ أَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ دَائِمًا، فَلِمَاذَا نُكَفَّرُ بِمَا تَرَاهُ أَعْيُنُنَا؟

• الْجَوَابُ: الْحِسُّ رَأَى الِاقْتِرَانَ لَا التَّأْثِيرَ؛ فَالنَّارُ مَوْجُودَةٌ وَالْإِحْرَاقُ مَوْجُودٌ، لَكِنَّ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا هُوَ خَلْقُ اللهِ لِفِعْلِ الْإِحْرَاقِ "عِنْدَ" لَمْسِ النَّارِ لَا "بِالنَّارِ". وَالدَّلِيلُ أَنَّ اللهَ سَلَبَ هَذَا الْأَثَرَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ u، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ "طَبْعًا" ذَاتِيًّا لَمَا تَخَلَّفَ أَبَدًا.

• الشُّبْهَةُ : كَيْفَ نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ وَنَحْنُ نَرَى فِي الرِّيَاضِيَّاتِ أَنَّ الْأَعْدَادَ لَا نِهَايَةَ لَهَا؟

• الْجَوَابُ: الِانْتِهَاءُ الْعَدَدِيُّ أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ بَحْتٌ، بَيْنَمَا الْكَلامُ هُنَا عَنِ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْأَسْبَابُ وَالْمُسَبَّبَاتُ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَيَالِ وَالْوَاقِعِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمْكَانِ وَالِاسْتِحَالَةِ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ نَصِفُ اللهَ بِأَنَّهُ "جَمِيلٌ" وَالْجَمَالُ يُوهِمُ الصُّورَةَ وَالتَّنَاسُبَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ وَهِيَ سِمَاتُ الْحَوَادِثِ؟

الْجَوابُ: الْجَمَالُ فِي حَقِّ اللهِ يُرَادُ بِهِ جَمَالُ الذَّاتِ الَّذِي لَا يُكَيَّفُ، وَجَمَالُ الصِّفَاتِ بِمَعْنَى كَمَالِهَا، وَجَمَالُ الْأَفْعَالِ بِمَعْنَى إِحْسَانِهَا؛ فَالتَّسْمِيَةُ لَا تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ فِي الذَّاتِ، بَلْ هِيَ تَنْزِيهٌ لِلْمَعْنَى عَنِ الْمَبْنَى.

• الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ اللهُ لَا فِي جِهَةٍ وَلَا مُتَّصِلًا وَلَا مُنْفَصِلًا، فَهَذَا يُشْبِهُ وَصْفَ "الْمَعْدُومِ"؟

• الْجَوَابُ : الْوُجُودُ لَا يَنْحَصِرُ فِي "الْمَادَّةِ"؛ فَالْعَقْلُ يُدْرِكُ وُجُودَ الرُّوحِ مَعَ عَدَمِ اتِّصَافِهَا بِأَلْوَانِ الْأَجْسَامِ، فَكَيْفَ بِخَالِقِ الرُّوحِ؟ فَالنَّفْيُ هُنَا لِلَّوَازِمِ الْحِسِّيَّةِ لَا لِأَصْلِ الْوُجُودِ الْيَقِينِيِّ.

• الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ مَا سَيَقَعُ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ لِيُطَابِقَ الْعِلْمَ؟

• الْجَوَابُ: الْعِلْمُ صِفَةٌ "كَاشِفَةٌ" لَا "مُؤَثِّرَةٌ"؛ فَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَبْدَ سَيَفْعَلُ كَذَا بِاخْتِيَارِهِ، فَالْعِلْمُ تَبِعَ الْمَعْلُومَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ، فَلَا جَبْرَ هُنَا، بَلْ هُوَ كَمَالُ انْكِشَافٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَالْحَاضِرِ.

• الشُّبْهَةُ : كَيْفَ نُثْبِتُ "الْحَيَاةَ" وَهِيَ مِمَّا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ إِلَّا بِمَا نَرَاهُ فِي أَنْفُسِنَا؟

• الْجَوَابُ : إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ لِلَّهِ هُوَ إِثْبَاتُ "أَصْلِ الصِّفَةِ" الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْفِعْلُ، وَلَيْسَ إِثْبَاتًا لِلْكَيْفِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَالْعَقْلُ يَضْطَرُّ لِإِثْبَاتِ كَوْنِهِ حَيًّا لِيَصِحَّ كَوْنُهُ قَادِرًا، فَالِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِاللَّازِمِ لَا بِالْمُمَاثَلَةِ.

الشُّبْهَةُ : لَوْ كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَهَلْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ "إِلَهٍ مِثْلِهِ" أَوْ "خَلْقِ جِرْمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكِهِ"؟

• الْجَوَابُ : الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بـ الْمُمْكِنَاتِ فَقَطْ، أَمَّا خَلْقُ إِلَهٍ مِثْلِهِ أَوْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ "الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةِ"؛ وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ "شَيْئًا" حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْقُدْرَةُ، فَالْعَجْزُ هُنَا فِي الْمَحَلِّ لَا فِي الصِّفَةِ.

• الشُّبْهَةُ : لَوْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ كُلَّ "كَائِنٍ"، فَكَيْفَ يُرِيدُ "الْمَعَاصِيَ" وَهُوَ لَا يُحِبُّهَا؟

• الْجَوابُ : هُنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَالْوُقُوعُ فِي الْكَوْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِإِرَادَتِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ وَهُوَ نَقْصٌ، أَمَّا الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ فَلَا تَتَعَلَّقَانِ إِلَّا بِمَا أَمَرَ بِهِ، فَالْإِرَادَةُ تَخْصِيصٌ وُجُودِيٌّ لَا حُكْمٌ أَخْلَاقِيٌّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَأْمُرُ اللهُ بِمَا لَا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، أَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ أَوْ فِعْلِ مَا لَا حِكْمَةَ فِيهِ؟

• الْجَوَابُ: الْأَمْرُ هُنَا لِلِابْتِلَاءِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ؛ فَاللَّهُ أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ لِيُظْهِرَ عِنَادَهُ وَيَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ وَيُرِيدُ عَدَمَ إِيمَانِهِ كَوْنًا لِيَتِمَّ وَعِيدُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَالْحِكْمَةُ فِي "الْأَمْرِ" غَيْرُ الْحِكْمَةِ فِي "الْقَصْدِ".

• الْجَوَابُ : الْقِسْمَةُ هُنَا "ثُنَائِيَّةٌ مَنْطِقِيَّةٌ"؛ فَإِمَّا أَمْرٌ أَوْ لَا، وَإِمَّا إِرَادَةٌ أَوْ لَا  فَالْعَقْلُ لَا يُجَوِّزُ غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ نَقِيضَ كُلِّ حَالَةٍ مَوْجُودٌ فِي الْأُخْرَى، فَالْحَصْرُ هُنَا حَصْرٌ عَقْلِيٌّ قَطْعِيٌّ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ.

الشبهة يُقَالُ كَيْفَ نُسَمِّي مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامَ اللهِ وَهُوَ حُرُوفٌ؟ الْجَوَابُ: هُوَ كَلَامُ اللهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، كَمَا نَقُولُ هَذَا "نَارٌ" لِلَفْظِ الْمَكْتُوبِ الدَّالِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُحْرِقَةِ.

الشبهة كَيْفَ يَسْمَعُ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ؟ الْجَوَابُ: السَّمْعُ الْإِلَهِيُّ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ "مَوْجُودٍ" وَلَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْأَمْوَاجِ الصَّوْتِيَّةِ كَسَمْعِ الْبَشَرِ.

الشبهة: كَيْفَ يَرَى الذَّرَّةَ السَّوْدَاءَ فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؟ الْجَوَابُ: الظَّلَامُ "مَوْجُودٌ" وَالذَّرَّةُ "مَوْجُودَةٌ"، وَبَصَرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ لَا يَحْجِبُهُ شَيْءٌ.

٤. الثَّمَرَةُ السُّلوكيَّةُ: الْحَيَاءُ مِنَ اللهِ؛ فَالْ لَا يَعْصِي فِي الْخَلَوَاتِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ "الْإِبْصَارَ" الْإِلَهِيَّ مُحِيطٌ بِهِ.

الشبهة: لَوْ كَانَ مُخْتَارًا فَلِمَاذَا يَخْلُقُ الشَّرَّ؟ الْجَوَابُ: اخْتِيَارُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ عَمِيَقَةٍ تَجْعَلُ الشَّرَّ الْجُزْئِيَّ خَيْرًا كُلِّيًّا فِي مِيزَانِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ تَقُولُونَ بِتَعَلُّقِ الصِّفَاتِ فِي الْأَزَلِ وَلَا مَوْجُودَ مَعَ اللهِ؟ أَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمَقْدُورِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَزَلًا؟

الْجَوَابُ : التَّعَلُّقُ فِي الْأَزَلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صُلُوحِيًّا أَيْ صَلَاحِيَّةُ الذَّاتِ لِلْفِعْلِ، أَوْ تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا كَتَعَلُّقِ الْعِلْمِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ "وُجُودَ" الْمَعْلُومِ فِي الْخَارِجِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَكْفِي "انْكِشَافُهُ" أَوْ "تَخْصِيصُهُ" فِي عِلْمِ اللهِ، فَلَا يَلْزَمُ قِدَمُ الْعَالَمِ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَتَعَلَّقُ الْعِلْمُ بِـ "الْمُسْتَحِيلِ" وَهُوَ مَعْدُومٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؟

الْجَوَابُ : الْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُسْتَحِيلاً؛ أَيْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيكَ لَا وُجُودَ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ، فَهَذَا "تَعَلُّقُ تَمْيِيزٍ" وَإِحَاطَةٍ، وَنَفْيُ هَذَا التَّعَلُّقِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهْلِ بِمَاهِيَّةِ الْمُمْتَنِعَاتِ.

الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلِمَاذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ "شَرِيكٍ" لَهُ؟

الْجَوَابُ : الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِـ "الْأَشْيَاءِ"، وَالشَّرِيكُ "مُسْتَحِيلٌ"، وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِهِ لَيْسَ لِعَجْزٍ فِيهَا، بَلْ لِكَوْنِ الْمُسْتَحِيلِ لَا يَقْبَلُ أَثَرَ الْقُدْرَةِ، كَمَا أَنَّ الْأُذُنَ لَا "تُبْصِرُ" لَا لِعِلَّةٍ فِيهَا بَلْ لِأَنَّ الصَّوْتَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلرُّؤْيَةِ.

الشُّبْهَةُ : لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرِيدَ الْإِرَادَةُ "الْمُسْتَحِيلَ"؟

الْجَوَابُ : لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةُ "تَرْجِيحٍ"، وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ لَهُ كِفَّةٌ أُخْرَى يُرَجَّحُ عَلَيْهَا، فَهُوَ سَاقِطٌ عَنِ الِاعْتِبَارِ الْوُجُودِيِّ، فَالْتِفَاتُ الْإِرَادَةِ إِلَيْهِ تَنَاقُضٌ عَقْلِيٌّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَسْمَعُ اللهُ الْأَلْوَانَ وَهِيَ لَا صَوْتَ لَهَا؟

• الْجَوَابُ : السَّمْعُ الْإِلَهِيُّ صِفَةُ كَشْفٍ لَا تَتَقَيَّدُ بِقُيُودِ الْحَوَاسِّ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَمَا دَامَ اللَّوْنُ "مَوْجُودًا" فَقَدْ جَازَ تَعَلُّقُ السَّمْعِ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّمْعُ مَحْدُودًا بِالْمَادَّةِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُدُودِ.

الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ الْبَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، فَهَلْ يَرَى اللهُ الْأَصْوَاتَ؟

الْجَوَابُ : نَعَمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ "مَوْجُودٌ"، وَمَنَاطُ الْبَصَرِ الْوُجُودُ، فَاللَّهُ يَرَى الْأَصْوَاتَ كَمَا يَسْمَعُ الْأَلْوَانَ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الْبَصَرِ لَا بِطَرِيقِ السَّمْعِ، وَعَقْلُنَا لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَإِنْ قَصُرَ عَنْ تَصَوُّرِ كَيْفِيَّتِهِ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَتِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ، فَقَدْ أَثْبَتُّمْ غَيْرِيَّةً تَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ؟

الْجَوَابُ: نَحْنُ نَنْفِي "الْغَيْرِيَّةَ الِانْفِصَالِيَّةَ" الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا وُجُودُ أَحَدِ الْغَيْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَالصِّفَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَتَعَدُّدُ الصِّفَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الذَّوَاتِ، كَمَا أَنَّ لِلْإِنْسَانِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَهُوَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الْفَارِقِ فِي التَّنْزِيهِ.

رَابِعًا: الثَّمَرَةُ السُّلُوكِيَّةُ:

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ نَقُولُ "لَيْسَ بِحُرُوفٍ" وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ حُرُوفًا؟

الْجَوَابُ: الْمَقْرُوءُ بِالْأَلْسِنَةِ وَالْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ دَالٌّ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ، وَالتَّقَدُّسُ لِلْمَدْلُولِ لَا لِلْآلَةِ الَّتِي نُقِلَ بِهَا، كَمَا أَنَّ لَفْظَ اللَّهِ حُرُوفٌ، لَكِنَّ الذَّاتَ الْمُسَمَّاةَ لَيْسَتْ حُرُوفًا.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا نُفَصِّلُ فِي الْمُسْتَحِيلَاتِ وَيَكْفِي إِثْبَاتُ الْوَاجِبَاتِ؟

الْجَوَابُ: التَّفْصِيلُ فِي التَّنْزِيهِ يَقْطَعُ مَادَّةَ التَّشْبِيهِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ لِلْعَامَّةِ، فَذِكْرُ الِاسْتِحَالَةِ تَأْكِيدٌ لِلثُّبُوتِ، كَمَا يُقَالُ: بِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا لَا يَكُونُ خَالِيًا مِنَ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ مَعًا؟

الْجَوَابُ: هَذَا يُسَمَّى "ارْتِفَاعَ النَّقِيضَيْنِ"، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ مَنْطِقِيًّا؛ فَالْمَوْجُودُ لَا يَخْلُو عَنِ اتِّصَافٍ، وَخُلُوُّهُ عَنِ الْكَمَالِ هُوَ بِذَاتِهِ عَيْنُ النَّقْصِ، فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا لَا يَكُونُ "السِّوَى" عَدَمًا لَا صِفَةً نَقْصٍ أَيْ لَا عِلْمَ وَلَا جَهْلَ؟

الْجَوَابُ: هَذَا مَحَالٌ؛ لِأَنَّ الْخُلُوَّ عَنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِيمَا شَأْنُهُ قَبُولُهُمَا مُرْتَفِعٌ عَقْلًا، وَالذَّاتُ الْعَلِيَّةُ صَالِحَةٌ لِلِاتِّصَافِ بِالْمَعَانِي قَطْعًا لِوُجُودِ آثَارِهَا فِي الْكَوْنِ، فَالْخُلُوُّ عَنْهَا عَدَمٌ لِلْكَمَالِ، وَعَدَمُ الْكَمَالِ نَقْصٌ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا، فَلِمَاذَا طَلَبَ مِنَّا الْعِبَادَةَ وَالذِّكْرَ؟

الْجَوَابُ: الطَّلَبُ هُنَا لَيْسَ لِحَاجَةٍ فِي الذَّاتِ الْأَقْدَسِ لِيَكْمُلَ بِعِبَادَتِنَا، بَلْ هُوَ لِحَاجَتِنَا نَحْنُ لِنَكْمُلَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ؛ فَالْمُحْتَاجُ هُوَ "الْعَبْدُ" لِيَنَالَ الثَّوَابَ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ لَا يَفْتَقِرُ لِلْغَيْرِ وَهُوَ يَخْلُقُ الْأَسْبَابَ لِتَحْقِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ؟

الْجَوَابُ: خَلْقُ الْأَسْبَابِ لَيْسَ عَنْ حَاجَةٍ، بَلْ هُوَ إِظْهَارٌ لِلْحِكْمَةِ؛ فَاللَّه قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ دُونَهَا، فَالِافْتِقَارُ مَنْفِيٌّ ذَاتًا، وَوُجُودُ السَّبَبِ مَحْضُ تَعَلُّقٍ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ يَجُوزُ فِي حَقِّ الْحَكِيمِ إِشْقَاءُ مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَتِهِ، أَلَيْسَ هَذَا ظُلْمًا؟ الْجَوَابُ: الظُّلْمُ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ، وَالْكَوْنُ كُلُّهُ مُلْكٌ لِلَّهِ، فَأَيُّ تَصَرُّفٍ فِيهِ هُوَ عَدْلٌ، وَلَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، لَكِنَّ كَرَمَهُ سَبَقَ غَضَبَهُ.

الشُّبْهَةُ: لَوْ لَمْ يَجِبِ الصَّلَاحُ لَجَازَ عَلَيْهِ الظُّلْمُ وَفِعْلُ الْقَبِيحِ؟

الْجَوَابُ: اللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْقَبِيحِ لِكَمَالِهِ الذَّاتِيِّ لَا لِوُجُوبٍ عَقْلِيٍّ، وَالظُّلْمُ فِي حَقِّهِ مُحَالٌ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ وَالْكُلُّ مُلْكُهُ، فَنَحْنُ نَنْفِي الْقَبِيحَ عَنْهُ "وَصْفًا" لَا "إِلْزَامًا".

الشُّبْهَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَنْ تَرَانِي، وَ"لَنْ" لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ؟

الْجَوَابُ: "لَنْ" لَيْسَتْ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ لُغَةً بدليل قوله: ولن يتمنوه أبداً، مع تمنيهم له في النار، وَسُؤَالُ مُوسَى لِلرُّؤْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِهَا، إِذْ لَا يَجْهَلُ النَّبِيُّ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَمَنْعُهُ فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُ فِي الْآخِرَةِ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ جَائِزَةً عَقْلًا، فَلِمَاذَا لَا نَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا؟

الْجَوَابُ: الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ يَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ "قَابِلَةٌ لِأَنْ تُرَى"، وَعَدَمُ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ لِاسْتِحَالَةٍ فِي ذَاتِ الْمَرْئِيِّ، بَلْ لِضَعْفٍ فِي آلَةِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الرَّائِي، وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فِي دَارِ الِابْتِلَاء، وَسَيَخْلُقُ الْقُوَّةَ فِي الْآخِرَةِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ.


الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

 تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ" وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ في الخَريدَةِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:

فَالوَاجِبُ العَقْلِيّ مَا لَمْ يَقْبَلِ ... الانْتِفَا فِي ذَاتِهِ فَابْتَهِلِ

ويَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِتَصَوُّرِ انْتِفَائِهِ أَوْ عَدَمِهِ، بَلْ يَجْزِمُ بِثُبُوتِهِ جَزْمًا لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الشَّيْءِ دُونَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ.

وَيُنَاظِرُهَا فِي مُتُونِ النَّظْمِ الْعَقَدِيَّةِ:

الْمُرْشِدُ الْمُعِينُ لِابْنِ عَاشِرٍ:

فَوَاجِبٌ لَا يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحال ... وَمَا أَبَى الثُّبُوتَ عَقْلاً المُحال

إِضَاءَةُ الدُّجُنَّةِ لِلْمَقَّرِيِّ:

فَوَاجِبٌ لَا يَنْتَفِي، وَمَا أَبَى ... ثُبُوتَهُ فَمُسْتَحِيلٌ لَقَبَا

وَقُلْتُ فِي نَظْمِ الْمَعَالِي:

فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا:

إِنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ يُبَيِّنُ تَبَايُنَ الْمَسَالِكِ فِي تَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ الْحُكْمِ؛ فَقَدْ جَحَدَ ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمَقَّرِيُّ الِانْتِفَاءَ عَنِ الْوَاجِبِ بِمَعْنَى "عَدَمِ الْقَبُولِ"، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ. أَمَّا مَا قَصَدْتُهُ فِي (نَظْمِ الْمَعَالِي) فَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ "النَّفْيِ" إِلَى "الْإِحَالَةِ"؛ إِذْ جَعَلْتُ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ النَّفْيِ هِيَ (الْإِحَالَةُ لِلذَّاتِ)، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوَاجِبُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي (الْمُرْشِدِ) وَ(الْإِضَاءَةِ).

كَمَا أَنَّ قَيْدَ (دُونَ اخْتِلَالِ) الَّذِي أَوْرَدْتُهُ، جَاءَ لِصِيَانَةِ مَفْهُومِ الْوُجُوبِ مِنْ تَوَهُّمِ طُرُوِّ التَّغَيُّرِ، بَيْنَمَا اقْتَصَرَ الْأَعْلَامُ عَلَى مُطْلَقِ نَفْيِ الِانْتِفَاءِ. وَفِي بَابِ الْمُمْتَنِعِ، لَمْ يَقِفْ تَعْرِيفِي عِنْدَ حُدُودِ "إِبَاءِ الثُّبُوتِ" كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَاشِرٍ، بَلْ أَرَدْتُ رَبْطَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَدْرَكِ التَّصَوُّرِيِّ بِقَوْلِي (يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ)؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا هُوِيَّةَ لَهُ تَتَحَقَّقُ فِي الذِّهْنِ فَضْلًا عَنِ الْخَارِجِ، وَهُوَ مَلْحَظٌ مَنْطِقِيٌّ يُقَوِّي تَعْرِيفَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْمَعْدُومِ الْمُمْتَنِعِ.

وَبِهَذَا تَمْتَازُ هَذِهِ (الْفَرِيدَةُ) بِأَنَّهَا لَمْ تَنْقُلِ التَّعَارِيفَ نَقْلًا، بَلْ مَحَّصَتْهَا مَحْصًا، وَقَابَلَتْ بَيْنَ أَلْفَاظِ النُّظَّارِ لِيَتَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ مَوَاضِعُ الْإِيجَازِ وَمَوَاضِعُ الْإِعْجَازِ فِي كُلِّ مَتْنٍ...


من كتاب  الفريدة في شرح الخريدو ص99-100




كتاب لماذا اخترت المنهح الأشعري

البراهين التي يستخدمها الأشاعرة لإثبات الحدوث

 تلخيص البراهين التي يستخدمها الأشاعرة لإثبات الحدوث (أي أن العالم له بداية وخالق):

١. برهان "الأعراض" (وهو العمدة)

الأشاعرة يقولون: نحن نرى في الأجسام صفات تتغير (حركة، سكون، ألوان، طعوم). هذه تسمى أعراضاً.

المنطق: العرض لا يبقى زمانين (يوجد وينعدم)، فهو حادث يقيناً. وبما أن الأجسام لا تنفك عن هذه الأعراض (لا يوجد جسم بلا لون أو مكان)، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث.

٢. برهان "الجوهر الفرد" (أداة إثبات التناهي)

هنا يأتي دور صديقنا "الجوهر الفرد". الفائدة منه هي الرد على من يقول إن المادة قديمة وممتدة للأزل.

المنطق: إذا أثبتنا أن الجسم ينتهي إلى "جزيئات صغيرة" (جواهر فردة) متناهية العدد، فقد أثبتنا أن الجسم نفسه "متناهٍ" ومحدود. وكل ما هو محدود ومتناهٍ لا بد له من "مخصص" (خالق) حدده بهذا الحجم والعدد دون غيره، وهذا هو الحدوث.

٣. برهان "التركيب" (دليل الهيئة)

الأشاعرة يرون أن العالم "مركب" (أي أجزاء مجتمعة).

المنطق: كل مركب يحتاج إلى من "ركبه" وجمعه، لأن الأجزاء في ذاتها لا تقتضي الاجتماع بغيرها. فاحتياج الجسم إلى "جامع" يثبت أنه ليس قديماً بذاته، بل مفتقر لغيره، والمفتقر حادث.

٤. برهان "التخصيص" (الإمكان)

لماذا السماء زرقاء وليست خضراء؟ ولماذا الكوكب في هذا المدار وليس غيره؟

المنطق: بما أن العالم يجوز عقلاً أن يكون على "غير هذه الصورة"، فإن ترجيح هذه الصورة المعينة على غيرها يحتاج إلى "مرجح" مختار. هذا المرجح هو الخالق، وهذا الاختيار يثبت أن العالم فعلٌ فاعله "مريد"، وكل فعل لمريد هو فعل حادث له بداية.

زبدة الكلام 

الجوهر الفرد بالنسبة للأشاعرة ليس "عقيدة" تعبدية، بل هو "برغي" (مسمار) في ماكينة الاستدلال. إذا ثبت الجوهر الفرد، ثبت أن المادة ليست "بسيطة أزلية"، بل هي "مركبة حادثة".

لذلك، عندما اعترض الرازي أو الغزالي، لم يعترضوا على "الحدوث"، بل حاولوا البحث عن "مَسانِدٍ" أخرى لا تصطدم بهندسة إقليدس وفلسفة أرسطو، مثل الاعتماد الكلي على دليل "التخصيص" أو "الإمكان".

و"توقف الرازي في المسألة هو في الحقيقة نقد للدليل وليس للمدلول"، أي أنه يبحث عن "إقامة الدليل" الأمتن

كلام الغزالي في "التهافت" كان ضربة معلم، لانه لم يرد فقط اثبات نظرية، بل اراد كسر "غرور" الفلاسفة الذين ادعوا ان براهينهم هندسية قطعية.

خلاصة فكرة الغزالي 

1. منطق "الخردلة والجبل" عند الغزالي:

الغزالي يقول للفلاسفة: انتم تقولون ان المادة تنقسم الى ما لا نهاية. حسنا، هذا يعني ان الاجزاء داخل حبة الخردل "غير متناهية"، والاجزاء داخل الجبل "غير متناهية". وفي الرياضيات، "اللانهاية" لا تزيد على "اللانهاية". اذن انتم تقولون ان حبة الخردل تساوي الجبل في عدد الاجزاء!

هذا الاحراج المنطقي هو الذي جعل نظرية الجوهر الفرد تبدو "اكثر عقلانية" من خيال الفلاسفة، لانها تضع حدا للتقسيم.
اما الشيخ د. سعيد فودة فنظره أقوى في المسألة بتداخل العلم فيه

الشيخ سعيد فودة يرى ان الاشاعرة بسبقهم لقول "الجوهر الفرد" كانوا اقرب لروح العلم الحديث من ارسطو وفلاسفة اليونان. كيف؟

الكم (كوانتم): الفيزياء الحديثة اثبتت ان المادة والطاقة ليست "سيولة مستمرة"، بل هي "دفقات" او "كمات" محددة. وهذا جوهر فكرة المتكلمين عن "التناهي". بل العلم اليوم يتحدث عن "الكواركات" الجسيمات الاولية واجزاء لا يمكن تقسيمها الى ما هو اصغر منها من نفس جنسها. الشيخ سعيد يقول ان هذا "تحقيق" فيزيائي لما قاله المتكلمون "عقليا" قبل الف سنة.

الممتنع ذاتيا والممتنع عرضيا

 قلت في نظم المعالي في أصول معتقد أهل السنة والجماعة:

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

الشرح:

(ذَاتِيًّا) فِي هَذَا السِّياقِ العَقَدِيِّ المَنْطِقِيِّ هُوَ بَيَانُ نَوْعِ الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ (الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ)؛ أَيِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ لِأَجْلِ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ، لَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهُ.

فَالْمُمْتَنِعُ قِسْمَانِ:

1. مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ (الذَّاتِيُّ): وَهُوَ مَا لَا يَتَصَوَّرُ الْعَقْلُ ثُبُوتَهُ أَصْلًا، كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ (كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي آنٍ وَاحِدٍ)؛ فَهَذَا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ وَالْعَقْلِ لِذَاتِهِ.

2. مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ (الْعَرَضِيُّ): وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِسَبَقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، كَإِيمَانِ أَبِي لَهَبٍ.

فبقولك :  (فَذَاتِيًّا) تُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا "الْمُمْتَنِعَ" الَّذِي "أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ" (أَيْ اسْتَحَالَ اسْتِقْرَارُهُ) هُوَ كَاذِبٌ بِمُقْتَضَى هُوِيَّتِهِ وَذَاتِهِ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ الْعَقْلُ لِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِبُطْلَانِهِ.

الْإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ:

(فَذَاتِيًّا): :  الْفَاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّعْقِيبِ (أَوْ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ).

ذَاتِيًّا: فِيهَا وَجْهَانِ إِعْرَابِيَّانِ سَدِيدَانِ: 

حَالٌ (مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ): مَنْصُوبَةٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهَا الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ فِي حَالِ كَوْنِهِ ذَاتِيًّا)، أَيْ مَنْسُوبًا إِلَى الذَّاتِ.

مَنْصُوبٌ عَلَى النَّزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ (بِذَاتِهِ)، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ انْتَصَبَ الِاسْمُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي نَظْمِ الْعُلُومِ.

مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَائِبٌ عَنِ الْمَصْدَرِ (لِبَيَانِ النَّوْعِ): وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ تَكْذِيبًا ذَاتِيًّا).

(فِي الْخَيَالِ):  جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ "يُكَذَّبُ".

فَائِدَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ:

اسْتِعْمَالُكَ لِـ "الْخَيَالِ" هُنَا بَدِيعٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الذَّاتِيَّ لَا تَقْبَلُ الْقُوَّةُ الْمُتَخَيِّلَةُ صُوَرَتَهُ حَتَّى كَوَهْمٍ مُسْتَقِرٍّ، فَالْخَيَالُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصُّوَرِ، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِ "مُمْتَنِعٍ" مَعَ "ثُبُوتٍ"، فَيَصِيرُ التَّكْذِيبُ فِيهِ "ذَاتِيًّا" جَبْرِيًّا.

وَهَذَا الْمِثَالُ التَّطْبِيقِيُّ الَّذِي يَفُكُّ عُقْدَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ "الذَّاتِيِّ" وَ"الْعَرَضِيِّ" لِيَتَّضِحَ قَصْدُ نََظْمِ المَعالي:

مِثَالُ: (الدَّائِرَةُ الْمُرَبَّعَةُ)هَذَا هُوَ عَيْنُ الْمُمْتَنِعِ الذَّاتِيِّ؛ فَإِذَا حَاوَلْتَ أَنْ تَتَصَوَّرَ فِي ذِهْنِكَ "دَائِرَةً" وَلَكِنَّ لَهَا "أَرْبَعَةَ زَوَايَا قَائِمَةٍ"، فَإِنَّ عَقْلَكَ سَيَتَوَقَّفُ.لِمَاذَا هُوَ ذَاتِيٌّ؟ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ "ذَاتِ" الدَّائِرَةِ وَ"ذَاتِ" الْمُرَبَّعِ؛ إِذْ هُمَا نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ.

كَيْفَ يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ؟ كَمَا قُلْتُ فِي النَظْمِ، الْخَيَالُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَرْسَمَ لَهَا "صُورَةً" مُسْتَقِرَّةً؛ فَكُلَّمَا رَسَمَهَا دَائِرَةً نَفَتِ التَّرْبِيعَ، وَكُلَّمَا رَسَمَهَا مُرَبَّعًا نَفَتِ التَّدْوِيرَ. فَهِيَ "مُكَذَّبَةٌ ذَاتِيًّا" قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ الْعَقْلُ فِي أَيِّ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.

بِالْمُقَابِلِ: مِثَالُ الْمُمْتَنِعِ الْعَرَضِيِّ (لِغَيْرِهِ) تَصَوَّرْ (طَيَرَانَ الْإِنْسَانِ بِجَنَاحَيْنِ)؛ هَذَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا.فِي الْخَيَالِ: يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ إِكْسَانًا يَطِيرُ (مِثْلَ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ )، فَالْخَيَالُ لَا يُكَذِّبُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِذَاتِهَا.لِمَاذَا امْتَنَعَ إِذًا؟ امْتَنَعَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ "قَانُونُ الْعَادَةِ" الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ لِفُلَانٍ أَنْ يَطِيرَ.

الْخُلَاصَةُ: فَطالِبُ العِلْمِ يقْصِدُ أَنَّ كُلَّ مَا يُحِيلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ (كَالشَّرِيكِ لِلَّهِ)، فَإِنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ لَيْسَ لِأَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ هُوَ "ذَاتِيٌّ" نَابِعٌ مِنْ بُطْلَانِ حَقِيقَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِدُ لَهُ مَكَانًا حَتَّى فِي "خَيَالِ" الْعَاقِلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْبَاطِلِ.

الانَ لِمَاذَا جَعَلْنَا "الشَّرِيكَ" مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا ؟
فَالْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ هُوَ مَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ مُجَرَّدًا، لَكِنَّ فِكْرَةَ "الشَّرِيكِ" لَا يَقْبَلُهَا الْعَقْلُ أَصْلًا بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ مَعْنَى "الْإِلَهِ" يَرُدُّهُ. بُرْهَانُ التَّمَانُعِ ومَفْهومُ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ
لَوْ فَرَضْنَا وُجُودَ إِلَهَيْنِ ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا أَوْ يَخْتَلِفَا:
فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ: لَوْ أَرَادَ1  تَحْرِيكَ جِسْمٍ، وَأَرَادَ 2 تَسْكِينَهُ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ -> مُحَالٌ ذَاتِيٌّ)
o إِمَّا أَنْ لَا يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (عَجْزُ الِاثْنَيْنِ -> نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْهُمَا)
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ: (فَالَّذِي نَفَذَ مُرَادُهُ هُوَ الْإِلَهُ، وَالْمَقْهُورُ لَيْسَ بِإِلَهٍ)
النَّتِيجَةُ: مَفْهُومُ "إِلَهٍ مَقْهُورٍ" هُوَ مَفْهُومٌ يَنْقُضُ نَفْسَهُ، مِثْلَ "أَعْزَبٌ مُتَزَوِّجٌ"؛ فَالِامْتِنَاعُ هُنَا نَابِعٌ مِنْ "ذَاتِ" مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ الْمُطْلَقَةَ.
٢. تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْوُجُودِ"
اللَّهُ تَعَالَى هُوَ "وَاجِبُ الْوُجُودِ" لِذَاتِهِ. وَمِنْ لَوَازِمِ وَاجِبِ الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ "غَنِيًّا عَنِ الْغَيْرِ" غِنًى مُطْلَقًا.
لَوْ وُجِدَ شَرِيكٌ، لَكَانَ الْإِلَهُ (مُفْتَقِرًا) لِهَذَا الشَّرِيكِ فِي تَعْيِينِ حُدُودِ تَصَرُّفِهِ، أَوْ كَانَ الْكَوْنُ مُوَزَّعًا بَيْنَهُمَا.
الِافْتِقَارُ يُنَاقِضُ "وُجُوبَ الْوُجُودِ"؛ فَإِذَا اجْتَمَعَ (وَاجِبُ وُجُودٍ) مَعَ (مُفْتَقِرٍ)، بَطَلَتْ حَقِيقَةُ الْأَوَّلِ.
________________________________________
٣. لِمَاذَا لَيْسَ عَرَضِيًّا؟
فالجَوبُ :  هُنَا نُفَرِّقُ بَيْن (التَّصَوُّرِ اللَّفْظِيّ)  و (َالتَّصَوُّرِ الْحَقِيقِيِّ)
أَنْتَ تَتَصَوَّرُ "شَخْصَيْنِ قَوِيَّيْنِ"، هَذَا مُمْكِنٌ لِأَنَّ قُوَّتَهُمَا مَحْدُودَةٌ.
لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَصَوَّرَ "إِرَادَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ" فِي آنٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
الْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ: هُوَ مَا لَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ لِذَاتِهِ (مِثْلَ دُخُولِ كَافِرٍ لِلْجَنَّةِ)، فَالْعَقْلُ لَا يَرَى تَنَاقُضًا فِي ذَاتِ "الْجَنَّةِ" أَوْ "الْكَافِرِ"، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ جَاءَ بِخِلَافِهِ.
أَمَّا الشَّرِيكُ، فَالْعَقْلُ يَمْنَعُهُ قَبْلَ وُرُودِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ "الْإِلَهَ" تَنْفِي مَعْنَى "الْمُزَاحَمَةِ".
فحِينَمَا قُلْتُ: "فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ"، قَصَدْتُ أَنَّ الْخَيَالَ إِذَا حَاوَلَ تَرْكِيبَ صُورَةِ (إِلَهٍ كَامِلٍ) مَعَ (وُجُودِ نِدٍّ لَهُ)، سَيَجِدُ أَنَّ كَمَالَ الْأَوَّلِ يَمْحُو وُجُودَ الثَّانِي، فَلَا تَسْتَقِرُّ الصُّورَةُ أَبَدًا، فَيَكُونُ التَّكْذِيبُ نَابِعًا مِنْ "ذَاتِ" الصُّورَةِ لَا مِنْ خَبَرٍ خَارِجِيٍّ.


نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ معتقد أهل السنة والجماعة

 



لزياد حبوب أبي رجائي المالكي 

 [مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1.    يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2.    يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3.    ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4.    بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5.    وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6.    يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7.    وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8.    فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9.    فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10.                      وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11.                      وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12.                      وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13.                      وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14.                      وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15.                      وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16.                      وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17.                      وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

 [فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18.                      فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19.                      وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20.                      وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21.                      وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22.                      قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

 [فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23.                      وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24.                      وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25.                      خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26.                      وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27.                      أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28.                      مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29.                      وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30.                      كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31.                      وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32.                      وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33.                      وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34.                      وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35.                      وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36.                      وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37.                      وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38.                      سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39.                      وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40.                      وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41.                      وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42.                      وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43.                      وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44.                      وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ]

45.                      وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46.                      عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47.                      وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48.                      وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49.                      تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50.                      وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51.                      وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52.                      وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53.                      وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54.                      فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55.                      فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

[الْخَاتِمَةُ]

56.                      وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57.                      وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58.                      وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59.                      وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60.                      عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي


عمان - المملكة الاردنية الهاشمية
في 22 شباط 2026م

 

 

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.