جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة والتوحيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة والتوحيد. إظهار كافة الرسائل

ابن عربي ليس أشعريًا في باب الوجود

 لا يكفي أن يُنقل عن ابن عربي لفظ "الجوهر" و"العرض" لإثبات أنه يقرر مذهب المتكلمين  في الجوهر والعرض؛ لأن ابن عربي يستعمل كثيرًا من المصطلحات الكلامية والفلسفية، لكنه يعيد توظيفها بدلالات خاصة داخل نسقه العرفاني. ومن هنا يقع الخلط بين اشتراك الألفاظ واتحاد المعاني.
فالفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي والمتكلمون يستعملون أحيانًا ألفاظًا واحدة لكن ضمن رسوم مفاهيمية مختلفة.
فمثلًا:
لفظ الوجود عند المتكلم ليس هو بالضرورة الوجود عند ابن سينا.
لفظ التجلي عند الصوفي ليس هو مجرد الظهور الحسي.
لفظ العين عند ابن عربي ليس هو العين الموجودة عند المتكلمين.
فمنهج قراءة ابن عربي لا يكون بجمع الألفاظ، بل بفهم البنية الكلية لمذهبه.
ولقد ذكرت ذلك للشيخ أيمن حمدي شيخ الطريقة الأكبرية في مصر حال نقاشنا ورددته كثيرا ان ما بين ابن عربي والأشعرية أزمة مصطلحات وما زلت ارددها لاني قرأت الفتوحات بعين الباحث عن الحق لا بعين المتلقي المسلّم بكل ما يقول.
العجيب في مقال الاخ عبدالناصر حدارة أنه يريد أن يدافع عن ابن عربي، فإذا به يثبت عليه ما ينفيه عنه! فهو يظن أن إثبات "الجواهر والأعراض" عند الشيخ الأكبر يعني أنه صار من أهل النظر الكلامي، وغفل أن محل النزاع ليس: هل ذكر ابن عربي لفظ الجوهر والعرض؟ بل: ما حقيقة العالم عنده؟ وهل هو موجود مستقل مغاير للحق، أم هو تجلٍّ وظهور للحق؟
وعليه فان نتائج ما يقول في سائر المقال بناء خطأ
1.  قول الشيخ الأكبري حدارة : "إذن ثبت وجودان: الحق والعالم" ليس لازمًا؛ لأن النزاع أصلاً في معنى وجود العالم. هل هو وجود استقلال، أم وجود تبعي ظهوري؟ وابن عربي نفسه يصرح في مواضع كثيرة بأن الموجودات ما شمّت رائحة الوجود من أنفسها، وأن وجودها عارية محضة. ويقول : إن الحق سبحانه هو الوجود المحض، وإن الممكنات وجودها مستفاد من الحق، فهي قائمة به لا بأنفسها.
فإذا قال ابن عربي: "الجواهر لا تفنى والأعراض تتجدد"، فالسؤال العلمي ليس: هل قال هذه العبارة؟ بل السؤال: ما مراده بالجوهر؟ وما مراده بالعرض؟
عند الأشاعرة:
الجوهر: موجود مخلوق قائم بنفسه، وإن كان مفتقرًا إلى الله في الإيجاد.
عند ابن عربي:
 قد يدخل الجوهر عند ابن عربي في باب الأعيان الممكنة. استعمال ابن عربي للجوهر لا يلزم أن يكون مطابقًا للجوهر عند المتكلمين، بل يُفهم في سياقه الخاص، وقد يرتبط عنده بمفهوم العين الممكنة والتعين."
لأن ابن عربي لا يجعل "الجوهر" مصطلحًا مركزيًا في مذهبه مثل "العين الثابتة" و"التجلي" و"الحقيقة المحمدية". 
 فالعين الممكنة : لها تعين وثبوت، لكن ليس لها قيام وجودي مستقل، بل وجودها من الحق وبالحق. بحسب اصطلاح ابن عربي في الأعيان الممكنة فـ"العين الممكنة" عنده هي:
ما تعيّن في العلم الإلهي من حقائق الممكنات قبل وجودها الخارجي.
أي أن لها ثبوتًا علميًا لا وجودًا خارجيًا مستقلًا.
فإذا قال: "الأعيان" فلا يقصد مباشرة "الجواهر" عند الأشاعرة.
فمحل النزاع ليست في إثبات حدوث العالم أو افتقاره، فهذا يقر به الأشاعرة وغيرهم، وإنما المشكلة في نوع العلاقة بين وجود الحق ووجود الخلق.
الأشاعرة لا يختلفون مع ابن عربي فقط في الاصطلاح، بل في تصور حقيقة العالم.
فالأشعري يقول:
العالم موجود حادث، مخلوق، مركب من جواهر قائمة بأنفسها وأعراض قائمة بها ، والله مباين للعالم، ليس شيء من العالم قائمًا بذاته الإلهية.
أما ابن عربي ففي كثير من نصوصه يُفهم من كلامه أن العلاقة بين الحق والعالم علاقة تجلٍّ وظهور، لا مجرد علاقة صانع بمصنوع.
ولهذا فالنزاع ليس في:
هل العالم محتاج إلى الله؟
فهذه مسألة متفق عليها.
بل في:
هل وجود العالم وجود حادث مستقل عن وجود الحق، أم هو ظهور للحق في صور الممكنات؟
وهنا أصل الخلاف.

2. أما استدلاله بموضع يثبت قول ابن عربي بأنه قول الأشاعرة ففيه مغالطة ظاهرة؛ لأن ابن عربي قد يستعمل لغة الجوهر والعرض على طريقة أهل الكلام في مواضع، لكنه لا يلتزم نتائجهم. 
فمن أخذ لفظ "جوهر" من ابن عربي ثم حمّله معنى الجوهر عند أبي الحسن الأشعري أو الجويني فقد نسب إليه ما لم يقله.
وإلا فليجب: هل الجوهر عند ابن عربي قائم بذاته حقيقة، أم هو عين من أعيان الممكنات لا قيام له إلا بالحق؟
ومنها هل الجوهر قائم بذاته؟
فالجواب عنده :
إن قصدتَ قيامًا ذاتيًا مستقلًا لا يفتقر في أصل وجوده إلى الحق: فلا.؛ لأن الممكن لا قيام له بنفسه، بل هو فقير إلى الحق في كل آن.
وإن قصدتَ أنه محل لقيام الأعراض والصور في عالم الإمكان: فنعم، بهذا الاعتبار يسميه جوهرًا.
الجوهر عند الأشاعرة هو: الموجود المتحيز بذاته، القائم بنفسه، الذي لا يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به. وأما العرض فهو: الموجود الذي لا يقوم بنفسه، بل يحتاج إلى محل يقوم به.
وعلى هذا الأصل بنى الأشاعرة قولهم: إن العالم مركب من جواهر وأعراض؛ فالجواهر مخلوقة قائمة بأنفسها، والأعراض مخلوقة قائمة بالجواهر، والله تعالى هو الموجد لها جميعًا، ولا يقوم شيء من الحوادث بذاته سبحانه.

أما عند ابن عربي فالأمر مختلف؛ لأن "الجوهر" عنده لا يدل على موجود مستقل قائم بنفسه في مقابل الحق، بل هو من أعيان الممكنات التي لا تستقل بالوجود عن الحق.
فإن قال ابن عربي: "الأعيان جواهر"، فليس مراده بالضرورة جوهر الأشاعرة الذي له قيام ذاتي في الخارج، بل مراده عين الممكن التي لها تعين وتميز، ثم يفيض عليها الحق الوجود.
فغالبًا يريد به محل الصور والأعراض في عالم الخلق، أي الشيء الذي تظهر فيه التعينات والصور، وليس بالضرورة الجوهر الكلامي الذي قام بنفسه استقلالًا.

3. ثم إن قوله: "الشيخ الأكبر يثبت وجودين" يحتاج إلى تحرير شديد؛ فإن قول ابن عربي: "الحق في الدرجة الأولى والعالم في الدرجة الثانية" لا يعني بالضرورة إثبات وجودين مستقلين، بل يعني تفاوت الرتبة بين الوجود الواجب والوجود الممكن. وهذا المعنى قال به الفلاسفة أيضًا من جهة الوجوب والإمكان، وليس هو نفس تقرير مذهب أهل السنة في حدوث العالم وانفصاله عن الخالق.
واعلموا ان ابن عربي يفرق بين وجود الحق من حيث هو واجب بذاته، وبين وجود العالم من حيث هو ممكن بغيره، لكنه لا يجعل العالم وجودًا مستقلًا في مقابل الحق كما هو تقرير أهل السنة، بل يجعله وجودًا مستفادًا قائمًا بالله.

4. أما قوله: "ليس العالم مع الباري في وجوده" فهذا لا يكفي لإثبات أنه يخالف القائلين بوحدة الوجود؛ لأن القائل بوحدة الوجود لا يقول إن العالم مساوٍ لله أو أنه هو الله من جهة التعيين، وإنما يقول إن وجود العالم ليس وراء وجود الحق، بل هو ظهور وتعين لذلك الوجود.

5. ثم إن احتجاجه بعبارة ابن عربي عن الجوهر والعرض لا يخدمه؛ لأن ابن عربي نفسه يقول في الفصوص والفتوحات ما يدل على أن العالم ظل للحق وصورة لتجلياته، وأن الحق يظهر في صور الموجودات، وأن الممكنات لا وجود لها إلا باعتبار نسبتها إلى الحق.

فإن كان المراد بالجواهر والأعراض عند ابن عربي ما يفهمه المتكلمون من موجودات حادثة مستقلة عن الذات الإلهية في الحقيقة الخارجية، فهذا لا يثبت. وإن كان المراد مجرد تعينات وتجليات وأعيان ثابتة، فهذا عين محل النزاع ولا يخرج عن مذهبه.
6. وأما قوله: "هذان دليلان ينسفان زعمك" فهو من باب المصادرة؛ لأنك أثبتَّ محل النزاع بالنقل المختلف في اصطلاحه، ثم جعلت ذلك دليلاً قاطعًا.
فابن عربي ليس كتابًا في صفحة واحدة، ولا يصح أن يُنتزع منه ما يوافق المتكلم ويترك ما يخالفه.
فمن أراد إثبات أن ابن عربي على طريقة الأشاعرة في باب الوجود فعليه أن يأتينا بنص يقول فيه: إن العالم موجود بوجود مستقل حادث، وأن وجوده مغاير لوجود الحق مغايرة تامة، وأن الموجودات ليست تعينات وتجليات للحق. أما جمع ألفاظ الجوهر والعرض من هنا وهناك فهو عمل غير سديد .

والإشكال أن الشيخ حدارة يتهم الدكتور سعيد فودة بالتخبط، مع أن التخبط الحقيقي هو أن يقرأ ابن عربي بجزئيات، ثم يغض الطرف عن عشرات النصوص التي أسس فيها ابن عربي مذهبه الخاص في العلاقة بين الحق والخلق.

فليس كل من قال "جوهرًا وعرضًا" صار أشعريا
فالمسألة ليست: هل قال ابن عربي "جوهر" و"عرض"؟
بل: هل بقي الجوهر عنده جوهرًا مستقلًا على طريقة المتكلمين، أم صار مظهرًا من مظاهر التجلي الإلهي؟
وهنا يقع أصل الخلاف.
والمنهج غير المنضبط هو قراءة ابن عربي بانتزاع جزئيات اصطلاحية دون جمع نصوصه الكلية في باب الوجود والخلق والتجلي."

فالمقال لم يثبت أن ابن عربي أشعري في باب الوجود، وإنما أثبت أن ابن عربي استعمل ألفاظًا كلامية، وهذا أمر لا نزاع فيه. أما تحويل ذلك إلى نفي وحدة الوجود عنه فهو يحتاج إلى مواجهة نصوصه الكثيرة في الفصوص والفتوحات، لا مجرد جمع ألفاظ "جوهر" و"عرض".

زياد حبوب أبو رجائي
عمان - الاردن

آراء شيخ الإسلام مصطفى صبري في الصوفية

القول بوحدة الوجود ليس ثمرة كشفٍ صوفي صحيح ولا ذوقٍ إيماني، وإنما هو فلسفة عقلية دخيلة تسربت إلى بعض كتب التصوف، وأصلها مأخوذ من فلسفات سابقة، فإذا بطل الأصل بطل ما تفرع عنه.

ثم يفرق بين:

  • وحدة الشهود: وهي أن يغيب السالك عن ملاحظة المخلوقات لاستغراقه في شهود عظمة الله، مع بقاء اعتقاده بأن الله غير العالم، وأنه يرى الله ولا يرى العالم في تلك الحال. وهذا يعده المؤلف مقامًا من مقامات التصوف السني.

  • وحدة الوجود: وهي القول بأن وجود العالم هو عين وجود الله، أو أن العالم ليس له وجود مستقل، بل وجوده هو وجود الله. ويرى المؤلف أن هذا القول ناشئ عن الفلسفة لا عن التجربة الصوفية.

ويقرر أن من قال: «الله هو الوجود» على المعنى الذي يساوي بين الخالق والمخلوق فقد وقع في أصل فلسفة وحدة الوجود، لأن هذا يؤدي إلى اعتبار جميع الموجودات مظاهر للوجود الإلهي، وهو ما يرفضه المؤلف ويعده باطلًا.

فالخلاصة النهائية: الصفحة تميز بين وحدة الشهود المقبولة عند كثير من أهل التصوف، ووحدة الوجود التي يعدها المؤلف مذهبًا فلسفيًا دخيلًا مخالفًا لعقيدة الإسلام.

من كلام شيخ الإسلام مصطفى صبري، وهي من كتابه «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين»، في الجزء الثالث، ضمن المباحث التي ناقش فيها وحدة الوجود وردَّ عليها. وقد نقلت دراسات أكاديمية عديدة عبارات من هذا الموضع نفسه مع الإحالة إلى الجزء الثالث من الكتاب. 


وحدة الوجود وإن جملوها بالوحدة المطلقة

 هذه المصطلحات قد تُستعمل بمعانٍ مختلفة عند الفلاسفة والمتصوفة، لذلك لا يمكن الحكم عليها بمجرد الاسم، بل لا بد من معرفة المراد بها.
لكن إذا قصد بها المعاني الشائعة في الدراسات العقدية، فيمكن التفريق كالآتي:
وحدة الوجود: وهي القول بأن الوجود الحقيقي واحد، وأن الخالق والمخلوق ليس بينهما تغاير حقيقي، وإنما الكثرة مجرد مظاهر أو تجليات. وهذا من أخطر المذاهب، وقد حكم علماء أهل السنة ببطلانه وكفر من اعتقد حقيقته؛ لأنه يزيل الفرق بين الرب والعبد.
الوجود الواحد: ليس اسماً لمذهب مستقل، وإنما قد يكون مجرد تعبير آخر عن وحدة الوجود عند بعض الكتّاب، وقد يراد به معنى فلسفي مختلف. فإن أريد به أن الوجود الحقيقي واحد هو الله، وأن الموجودات ليست مباينة له، فهو عين وحدة الوجود في المعنى.
الوحدة المطلقة: هذا أيضاً اصطلاح مجمل. فإن أريد به نفي كل تمايز على الإطلاق، وأن الحقيقة واحدة لا ثنائية فيها بين الخالق والمخلوق، فهو أعم وأشد غلواً؛ لأنه ينفي كل صور التغاير، ويُعد أساساً فلسفياً تنبني عليه وحدة الوجود.
فالترتيب - إذا أريد بهذه المصطلحات معانيها الوجودية الشائعة - يكون تقريباً:
الوحدة المطلقة (إن قصد بها نفي كل تغاير مطلقاً) هي الأعم والأشد.
ثم وحدة الوجود، وهي التطبيق العقدي لهذا الأصل.
أما "الوجود الواحد" فغالباً هو مجرد تسمية أخرى لوحدة الوجود، وليس مذهباً مستقلاً.
أتباع ابن عربي وعبد الكريم الجيلي، فإن هذه المصطلحات متقاربة جداً، لكن بينها فروق في مستوى التنظير:
الوحدة المطلقة: هي الأصل الفلسفي الأعلى عندهم، ومعناها أن الحقيقة في نفسها واحدة لا يقابلها شيء على الحقيقة، وأن كل ما يظهر من كثرة ليس إلا اعتبارات أو تجليات. فهي الأساس الذي تُبنى عليه بقية النظريات.
الوجود الواحد: هو التعبير عن أن الوجود في الحقيقة واحد، وليس هناك وجودان مستقلان: وجود للخالق ووجود للمخلوق، بل الموجودات كلها ظهورات لذلك الوجود الواحد.
وحدة الوجود: هو الاسم الأشهر للمذهب كله، ويُطلق على النتيجة العقدية المترتبة على الأصلين السابقين، وهي أن الوجود واحد، وأن التعدد إنما هو في الصور والتعينات لا في حقيقة الوجود.
ولهذا فإن كثيراً من الباحثين يرون أن:
الوحدة المطلقة هي الجذر النظري.
الوجود الواحد هو تقرير لهذا الجذر بلغة الوجود.
وحدة الوجود هي الاسم المشهور للمذهب عند المتأخرين.
ولذلك لا يصح عدُّها ثلاثة مذاهب مستقلة، بل هي حلقات في بناء فكري واحد عند المدرسة الوجودية.
ومن جهة العقيدة السنية، فإن ما ينتهي إليه هذا المذهب من نفي المباينة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، وجعل الكثرة مجرد تجليات أو تعينات، قد أنكره علماء أهل السنة وعدّوه من أبطل الأقوال لمخالفته النصوص القطعية الدالة على تمييز الخالق عن خلقه واستوائه على عرشه مع مباينته لمخلوقاته.

شرح قصيدة لذاتي بذاتي - 2

 قال الشيخ النابلسي : 
وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ
 أولًا: غريب الألفاظ
 الأكوان: جمع كون، والمراد بها جميع الموجودات المخلوقة، كالسموات والأرض والإنسان وسائر المخلوقات.
 مظاهر: جمع مَظْهَر، وهو محل الظهور والتجلِّي، أي ما يظهر فيه الشيء أو يُعرف به.
 ثانيًا: إعراب العجز
 الواو: للاستئناف.
 ما: نافية تعمل عمل ليس عند بعض النحاة، أو حرف نفي لا عمل له عند آخرين.
 هذه: اسم إشارة في محل رفع اسم (ما) أو مبتدأ.
 الأكوان: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة.
 إلا: أداة حصر.
 مظاهر: خبر (ما) أو خبر المبتدأ، مرفوع.
والأسلوب يفيد القصر، أي: ليس للأكوان وصفٌ معتبر هنا إلا أنها مظاهر.
 ثالثًا: المعنى اللغوي
المعنى اللغوي للجملة:
 ليست هذه المخلوقات إلا مواضع يظهر فيها أمرٌ آخر أو يدل عليها.
ولا يقتضي اللفظ بمجرده بيان ما الذي يظهر فيها؛ وإنما يتحدد ذلك بحسب اعتقاد القائل وسياق كلامه.
 رابعًا: تفسيره عند التصوف السني
يفسر كثير من أهل التصوف السني هذه العبارة على معنى صحيح إذا قُيِّدت بالضوابط الشرعية، فيقولون:
إن الأكوان مظاهر لأسماء الله وصفاته وآثار قدرته وحكمته، فهي تدل على الخالق وتشهد بعظمته، لا أنها ذاته ولا أنها جزء منه.
فالسماوات مثلًا مظهر لقدرته، والرزق مظهر لاسمه الرزاق، والرحمة بين الخلق مظهر لآثار اسمه الرحيم، والعدل مظهر لآثار اسمه العدل، وهكذا.
وهذا المعنى موافق لقوله تعالى:
 ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53].
وقوله:
 ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190].
فالمخلوقات آيات ودلالات على الله، وليست هي الله، ولا حالًّا فيها، ولا متحدًا بها.
 خامسًا: تفسيره عند أصحاب وحدة الوجود
أما عند أصحاب وحدة الوجود، فإن لفظ المظاهر يُحمل على معنى آخر، وهو أن الموجود الحقيقي واحد، وأن هذه الأكوان ليست إلا مظاهر أو تجليات لذلك الوجود الواحد.
وعلى هذا التفسير لا تكون الموجودات مجرد مخلوقات تدل على الله، بل تكون صورًا أو تعينات للوجود الإلهي عندهم، وإن اختلفت عباراتهم في صياغة ذلك.
ولذلك يفسرون قولهم: "الأكوان مظاهر" بأنها مظاهر للحق نفسه لا مجرد مظاهر لآثار أسمائه وصفاته.
 سادسًا: خطورة هذا الاعتقاد
إذا أُريد بالمظاهر المعنى الذي يقوله أصحاب وحدة الوجود، فإنه يفضي إلى لوازم خطيرة، منها:
 إلغاء الباينة بين الخالق والمخلوق.
 جعل الفرق بين الرب والعبد فرقًا في المظاهر لا في الحقيقة.
 إبطال حقيقة الخلق والإيجاد، إذ تصير الموجودات مجرد تجليات للوجود الواحد.
 معارضة النصوص الكثيرة الدالة على أن الله سبحانه خالقٌ والعالم مخلوق، وأنه سبحانه بائنٌ عن خلقه، ليس حالًّا فيهم ولا متحدًا بهم.

ولهذا أنكر جمهور علماء أهل السنة هذا الفهم، وعدّوه مخالفًا لأصل التوحيد الذي يقرر التمييز بين الخالق والمخلوق، مع الإيمان بأن المخلوقات كلها آيات دالة على ربها، وآثار لقدرته وحكمته، لا أنها ذاته أو تجليات لعين وجوده.

شرح قصيدة لِذَاتِي بِذَاتِي - 1

  تمهيد
هذه القصيدة من أشهر القصائد الصوفية المنسوبة إلى الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (ت 1143هـ)، الفقيه الحنفي، والمفسر، والأديب، وأحد أبرز أعلام التصوف في القرن الثاني عشر الهجري. والمشهور أن هذه القصيدة لا يُعرف لها عنوان أصلي وضعه عبد الغني النابلسي نفسه، وإنما اشتهرت بين الناس والمحققين بمطلعها، فيقال:  قصيدة: لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرُ
والتصوف السني يسميها قصيدة في التوحيد. ، أما التصوف الوجودي  يزعم بتسميتها قصيدة في الحقيقة المحمدية أو التجليات
وقد عُرف النابلسي بسعة علمه وكثرة مؤلفاته، إلا أنه تأثر في كثير من تقريراته العقدية والذوقية بمدرسة محيي الدين ابن عربي، ولا سيما في مباحث التجليات ووحدة الوجود.
وتُعد هذه القصيدة من النصوص التي تكثر فيها المصطلحات الصوفية الدقيقة، كالتجلي، والمظاهر، والظهور، وغيرها من الألفاظ التي قد تُحمل على معانٍ صحيحة إذا فُسرت بما يوافق عقيدة أهل السنة، وقد تُحمل على معانٍ باطلة إذا فسرت على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود.
ولهذا كان من الواجب أن تُقرأ قراءةً علميةً ناقدة، لا قراءةً قائمة على التسليم بكل ألفاظها، ولا على ردها جميعًا دون تمييز.
وسيكون منهج هذا الشرح في كل بيت على النحو الآتي:
 ذكر البيت.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)، وهو حمل اللفظ - متى أمكن - على معنى يوافق أصول أهل السنة والجماعة.
 التفسير الوجودي، وهو بيان المعنى الذي يحمله عليه أصحاب وحدة الوجود، أو ما يدل عليه اصطلاحهم.
 بيان فساد التفسير الوجودي بالأدلة الشرعية وأقوال أئمة أهل السنة، مع التنبيه إلى ما في العبارة من إجمال أو إيهام.
ليس كل بيت في القصيدة يُحكم عليه بالخطأ، وإنما يُوزن كل بيت بميزان الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة الأشاعرة، 
وبذلك يتبين للقارئ مواضع الصواب والخطأ، ويظهر الفرق بين التصوف السني المبني على الكتاب والسنة، وبين المصطلحات الفلسفية التي دخلت على بعض المتأخرين من المنتسبين إلى التصوف.
 البيت الأول

 لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرٌ               وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ

لِذاتي : الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر على معنى: ظاهرٌ لذاتي
بذاتي : الجار والمجرور متعلقان أيضًا بـ ظاهر، والباء تحتمل السببية أو الملابسة، أي: ظاهر بذاتي لا بغيري.
لا لكم :  الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر، أي: لست ظاهرًا لكم
يجوز أن يتعلق الجاران معًا بـ ظاهر، وهو الأظهر، فيكون المعنى اللغوي:  أنا ظاهرٌ لذاتي، وبذاتي، لا بغيري، ولا لكم.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)
يمكن حمل هذا البيت  على أن الله تعالى ظاهر الدلالة على وجوده وكماله بما أظهره من آثار قدرته وآيات حكمته، لا أنه ظاهر بذاته في المخلوقات.
ومعنى قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ﴾ أي: مظاهر لآثار القدرة الإلهية، ومجالٍ لظهور آثار أسمائه الحسنى؛ فالخلق يدل على الخالق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾.
وعلى هذا التفسير يبقى الفرق محفوظًا بين الخالق والمخلوق؛ فالكون ليس إلا آيةً ودليلًا، وليس جزءًا من ذات الله ولا مظهرًا لذاته.
قال الإمام البيهقي : وهو أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها، بمعنى أنها لا تحلّه ولا يحلّها، ولا يمسّها ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة، تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسّة علواً كبيراً
تفسير التصوف الوجودي
أما على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود، فالبيت يُفهم على أن الأكوان ليست مجرد دلائل على الله، بل هي تجلّيات ومظاهر للوجود الإلهي نفسه، وأن الكثرة المشاهدة في العالم ليست إلا مظاهر للوجود الواحد، فلا يكون بين الخالق والمخلوق تغاير حقيقي، وإنما اختلاف في مراتب الظهور والتجلي.
وهذا هو الاصطلاح الذي شاع عند محيي الدين ابن عربي ومن تأثر به، حيث يُطلق لفظ المظاهر والتجليات بمعانٍ تتجاوز مجرد الدلالة إلى اعتبار الموجودات ظهورًا للحق.
 بيان فساد التفسير الوجودي
هذا الفهم باطل عند أهل السنة، ومنهم الأشاعرة؛ لأنه يصادم أصلًا من أعظم أصول العقيدة، وهو المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق.
فالله تعالى هو الخالق، والعالم كله مخلوق حادث، قال تعالى:
 ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فلو كانت الأكوان هي ظهور الذات الإلهية أو تجلياتها بالمعنى الوجودي، لانتفى الفرق الحقيقي بين الخالق والمخلوق، ولأصبح العالم في حقيقته هو عين الوجود الإلهي أو مظهرًا له، وهذا يناقض النصوص القطعية وإجماع أهل السنة.
ولهذا قرر الأشاعرة أن الله تعالى ليس حالًّا في خلقه، ولا الخلق حالون فيه، ولا ذاته متحدة بشيء من مخلوقاته، وأن ما في الكون إنما هو آثار صنعه ودلائل ربوبيته، لا ظهور ذاته ولا انكشافها في الموجودات.

تنبيه لك أيها السُّنّي : هذا البيت وحده يمكن أن يُحمل على معنى صحيح إذا فُسر بأن الأكوان مظاهر للقدرة والحكمة والآيات

تنبيه :
ليسَ الأصلُ في منهجِ أهلِ السنةِ أنْ كلَّ كلامٍ موهمٍ يجبُ أنْ يُؤوَّلَ مهما بلغَ.
فما يقومُ به الشيخُ د. سعيدُ فودةُ صحيحٌ، ولو كانَ كلامُ ابنِ عربي او الحلاج أو النابلسي قابلًا للتأويلِ؛ وكثيرٌ منه لا يندفعُ ظاهرُه إلا بتكلُّفٍ في التأويلِ بعيد. ولأنَّ إحسانَ الظنِّ لا يقتضي تصحيحَ كلِّ عبارةٍ، ولا إلزامَ الناسِ بتأويلِها.
فإذا كانتِ العبارةُ مخالفةً لظاهرِ الكتابِ والسنةِ، وتحتملُ معنًى باطلًا ظاهرًا، ولم يقمْ دليلٌ قويٌّ على إرادةِ معنًى صحيحٍ، فإنَّ الواجبَ ردُّ ظاهرِها، والتحذيرُ منها، ولا يُكلَّفُ الناسُ بالبحثِ عن مخارجَ بعيدةٍ.
لذا نحملُ المتكلمَ على أحسنِ المحاملِ ما أمكنَ، لكنْ لا نحملُ كلامَهُ على أحسنِ المحاملِ إذا كانَ في ذلكَ إقرارٌ لانتشارِ ألفاظٍ موهمةٍ، أو معانٍ تخالفُ العقيدةَ.
وقد أوَّلتُ صدرَ قصيدةِ «لِذاتي بذاتي» للشيخِ عبدِ الغنيِّ النابلسيِّ على وجهٍ يوافقُ عقيدةَ أهلِ السنةِ، لا لأنِّي أجزمُ بأنَّه مرادُ الناظمِ في مجموعِ القصيدةِ، وإنما لبيانِ أنَّ البيتَ الأولَ إذا أُفردَ عن سياقِه يحتملُ هذا الوجهَ. أمَّا إذا نُظرَ إلى القصيدةِ كلِّها، فإنَّ سياقَها يجعلُ هذا التأويلَ متكلَّفًا عندي، ويقوِّي احتمالَ المعاني التي نُسبت إلى مذهبِ ابنِ عربي الوجودي ، 
ولذلكَ لا أدعو إلى نشرِ القصيدةِ، بل أرى أنَّ فيها أبياتًا مشكلةً يجبُ التحذيرُ منها، كما يجبُ التحذيرُ من العباراتِ المشكلةِ في «الفصوصِ» و«الفتوحاتِ» إذا أفضتْ إلى نشرِ معانٍ تخالفُ ما استقرَّ عليه اعتقادُ أهلِ السنةِ.
فإحسانُ الظنِّ بالمتكلمِ شيءٌ، وتصحيحُ كلامِه أو إلزامُ الناسِ بتأويلِه شيءٌ آخرُ، والواجبُ حفظُ عقائدِ أهلِ السنةِ، مع العدلِ في الحكمِ على الأشخاصِ.
#زياد_حبوب_أبورجائي

بيان حقيقة ما يقرره الدواني

إن من يطالع كلامه في "إثبات الواجب الزوراء والحوراء" يجد أنه لا يتحدث عن مجرد علاقة العلة بالمعلول على الطريقة المعروفة عند المتكلمين، وإنما يجعل المعلول وجهًا من وجوه العلة واعتبارًا من اعتباراتها، وينفي عنه الوجود المستقل، حتى تنتهي القضية إلى أن الكثرة ليست إلا تعينات واعتبارات للوجود الواحد.
وهذا ليس هو مذهب أهل السنة، ولا هو مذهب جمهور المتكلمين، بل هو أقرب إلى الأصول التي قامت عليها نظرية وحدة الوجود، وإن اختلفت العبارات أو امتزجت ببعض المصطلحات الإشراقية والفلسفية.
أما تصور أهل السنة : وهو مذهب المتكلمين 
المتكلمون يقولون: إن العلة -أي المؤثر- غير المعلول، فالفاعل غير المفعول، والخالق غير المخلوق. فالعلة تُوجد المعلول، لكن بعد وجوده يكون للمعلول وجود حقيقي يغاير وجود علته، وإن كان مفتقرًا إليها في الإيجاد والإبقاء. فإذا خلق الله تعالى العالم، فالعالم موجود حقيقة، لكنه ليس عين الله، ولا جزءًا منه، ولا وجهًا من وجوه ذاته، بل هو مخلوق منفصل عنه، قائم بإيجاده سبحانه. ولهذا يقررون أن بين الخالق والمخلوق المغايرة، وإن كان المخلوق مفتقرًا إلى خالقه في كل لحظة.
أما الدواني :  يزيد على ذلك بأن المعلول ليس له وجود مستقل مغاير للعلة أصلاً، بل هو وجه من وجوهها، واعتبار من اعتباراتها، وشأن من شؤونها. ومعنى هذا أن الكثرة التي نراها في الموجودات ليست عنده موجودات مباينة للعلة، وإنما هي تجليات أو تعينات أو اعتبارات لذلك الوجود الواحد.
فهو لا يتحدث عن مجرد علاقة العلة بالمعلول؛ لأن العلاقة عند المتكلمين تكون بين شيئين متغايرين: علة ومعلول. أما هنا فالمغايرة تكاد ترتفع، ويصبح المعلول ليس شيئًا آخر غير العلة، وإنما هو كيفية من كيفيات ظهورها أو اعتبار من اعتباراتها.
لذلك فلو ثبت أن الدواني يقول بالفعل: "المعلول وجه من وجوه العلة واعتبار من اعتباراتها وليس له وجود مغاير لها"، فإن الاعتراض لا يكون على مجرد استعمال لفظ "العلة والمعلول"، وإنما على المضمون الذي يرفع التغاير الحقيقي بين المؤثر والأثر، وهو ما يخالف ما عليه أهل السنة من إثبات المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، مع افتقار المخلوق إلى خالقه في إيجاده وبقائه.

ولهذا فإن الاحتجاج بكلام الدواني لمجرد مكانته العلمية لا يستقيم؛ إذ العالم قد يصيب في مسائل ويخطئ في أخرى، والعبرة بالدليل لا بالأسماء. فلا يلزم من تعظيم الدواني في علوم كثيرة قبول جميع ما قرره في هذه المباحث الفلسفية والعرفانية، كما لا يلزم من نقد هذه الأقوال الطعن في منزلته العلمية.

ومن تأمل كلام أئمة أهل السنة وجد أنهم يقررون تغاير الخالق والمخلوق، وأن الله تعالى بائن عن خلقه، وأن المخلوقات موجودة بإيجاده وإرادته، لا أنها مجرد وجوه واعتبارات قائمة بذاته سبحانه. وهذا أصل قطعي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو مناقض للأساس الذي تقوم عليه نظريات وحدة الوجود.
فليس الإشكال في أن الدواني استعمل لفظ **العلة والمعلول**، فإن هذا اصطلاح معروف عند الفلاسفة والمتكلمين، وإنما الإشكال في حقيقة العلاقة التي قررها بينهما.
فالمتكلمون كافة، ومنهم أهل السنة، وإن قالوا إن المعلول مفتقر إلى علته، فإنهم يثبتون له وجودًا حقيقيًا مغايرًا لوجود علته؛ فالخالق غير المخلوق، والفاعل غير المفعول، والمؤثر غير الأثر، وهذه المغايرة أصل من أصول التوحيد دل عليه الكتاب والسنة والعقل السليم.
أما الدواني في هذا الموضع، فإنه لا يكتفي بإثبات الافتقار، بل يصرح بأن المعلول **وجه من وجوه العلة، واعتبار من اعتباراتها، وشأن من شؤونها، وليس له وجود مستقل عنها**. وهذا ليس مجرد تفسير للعلية، بل هو إلغاء للمغايرة بين العلة والمعلول، وردّ للكثرة إلى مجرد اعتبارات وتعينات للوجود الواحد.
وهذا بعينه هو الأصل الذي تقوم عليه وحدة الوجود؛ فإن أصحابها لا ينكرون ظهور الكثرة، وإنما ينكرون أن تكون لها حقيقة وجودية مباينة للوجود الواحد، ويجعلون الموجودات وجوهًا وتجليات واعتبارات لذلك الوجود. فاختلاف الألفاظ لا يغير من حقيقة المذهب شيئًا.
ومن هنا كان الاحتجاج بكلام الدواني على أنه يمثل مذهب أهل السنة من أعجب ما يكون؛ فإن أهل السنة يقررون أن الله سبحانه موجود، والعالم موجود، لكن وجود العالم مخلوق حادث، مباين لوجود خالقه، قائم بإيجاده سبحانه لا بذاته، وليس العالم صفة لله، ولا شأنًا من شؤونه، ولا وجهًا من وجوه ذاته، ولا تعينًا من تعيناتها، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومن زعم أن المخلوقات ليست إلا صورًا قائمة بالحق، أو اعتبارات فيه، أو شؤونًا له، فقد ناقض ما دلت عليه نصوص الوحي من إثبات الخلق الحقيقي، والربوبية الحقيقية، والمغايرة الحقيقية بين الرب وعباده، وإن تستر وراء ألفاظ فلسفية أو إشراقية أو عرفانية.
ولهذا فإن مجرد نسبة هذا القول إلى الدواني لا تكسبه صحة، كما أن موافقة ابن عربي له فيه ليست تزكية له، بل هي قرينة على أن المصدر الفكري واحد، وإن اختلفت العبارات والأساليب. والحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف بموافقته للوحي وإجماع الأمة، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد على قائله كائنًا من كان.
فمثلا من أخطر ما في مقدمته قوله في شرح عنوان الرسالة:
"قوله: (الحمد لله لوليه بذاته) أي الضمير الأول راجع إلى الحمد، والثاني إلى ذاته، وضمير بذاته راجع إلى الله تعالى، بمعنى أنه لا يحتاج في رجوعه إليه إلى وجه حامل يدل عليه، فإن حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية..." ثم يقرر أن جميع الكمالات راجعة إلى الحقيقة الإلهية، وأن الصور الظهورية متفرعة عنها.
وهذا ليس مجرد كلام في اللغة، بل هو تفسير مبني على مذهبه في الوجود، ويتضح ذلك من عباراته
وبيان عقيدته الفاسدة المخالفة لأهل السنة
النصوص بالفعل أخطر بكثير مما كنت أظن. فالدواني هنا لا يتكلم عن مجرد احتياج المعلول إلى العلة، بل يقرر عدة أصول متلازمة:
أن العلة هي الحقيقة، وما سواها ظهور لها، إذ يقول:  «العلة التي بحقيقتها ما يكون سببًا... فإن ما هو علة لظهور مثلاً فليس بحقيقة علة، بل هو صنف من أوصافه، وهو ظاهر...» فهو يجعل ما يسمى علة إنما هو ظهور للحقيقة لا شيئًا مباينًا لها.
ثم يصرح بأن:
«المعلول إذن ليس إلا اعتبارًا محضًا، فهو من حيث نسبته إلى العلة، وعلى النحو الذي انتسب إليها، كان له تحقق، وإن اعتبر ذاتًا مستقلة كان معدومًا باطلًا.» وهذه العبارة في غاية الخطورة؛ لأنه لا يقول: المعلول مفتقر، بل يقول: إذا اعتبرته ذاتًا مستقلة فهو معدوم باطل. أي إن استقلال المعلول بالوجود عنده أمر باطل.
ثم يقرر النتيجة صراحة:  «لما كان منتهى سلسلة العلة واحدًا... فهو الذات الحقيقية، والكل شؤونه وحيثياته ووجوهه...»  فهذه العبارة لا تحتمل كثيرًا من التأويل؛ لأنه جعل الكل شؤونًا للذات ووجوهًا لها، ولم يقل: مخلوقات أوجدها.
ثم يؤكد ذلك بقوله:
«فزوال المعلول بالحقيقة ظهور العلة بطور آخر، وكمال لوحدته... فهو إذن مزايلة العلة لاعتباراتها، وتطورها في شؤون ذاتها.»
أي إن الفناء والحدوث ليس انتقالًا بين موجودين متغايرين، وإنما تبدل أطوار واعتبارات للذات الواحدة.
لماذا يعد هذا من أصول وحدة الوجود؟
لأن أهل السنة يقولون:
الله موجود.  والعالم موجود.
لكن وجود العالم غير وجود الله، وهو مخلوق حادث أوجده الله من العدم.
أما الدواني فيقول:
الموجود بالحقيقة واحد. وما يسمى معلولًا ليس إلا اعتبارًا. وإذا اعتبرته ذاتًا مستقلة فهو باطل.
والكل شؤون الذات ووجوهها. وزوال المعلول انتقال العلة بين شؤونها.
وهذا ليس مجرد الافتقار، بل نفي للمغايرة الحقيقية بين العلة والمعلول.
ولهذا فإن من يعرف اصطلاح ابن عربي والقونوي لا يكاد يفرق بين هذه العبارات وبين قولهم: "الأعيان تعينات للوجود الواحد."
أو:  "الكثرة نسب وإضافات."
فالاختلاف في اللفظ، لا في أصل المعنى.
فمن أراد أن ينصر هذه الأقوال، فليأت بالدليل على صحتها، لا بمجرد نسبة القول إلى الدواني أو غيره؛ فإن الحق يعرف بدليله، لا بقائله.
ولهذا فإن من يحتج بكلام الدواني على أهل السنة، فكأنه يحتج على أهل السنة بما يخالف أصل مذهبهم؛ إذ لم يقل أحد من أئمة أهل السنة إن العالم صفات لله، أو شؤون له، أو تعينات لذاته، وإنما هذا من الألفاظ التي اشتهرت عند الاتحادية وأرباب وحدة الوجود.
وأهل السنة الأشاعرة براء من هذه التقريرات
إن من يزعم أن الدواني في هذه العبارات يقرر مذهب أهل السنة، فقد نسب إلى أهل السنة ما هم منه براء.
فأهل السنة لم يقولوا قط إن المخلوقات اعتبارات محضة، ولا إنها شؤون الذات الإلهية، ولا إنها وجوهها وحيثياتها، ولا أن استقلالها بالوجود باطل معدوم.
بل أجمعوا على أن الله سبحانه خالق، وأن الخلق غيره، وأن حقيقة الخلق هي إيجاد موجود مباين للخالق، لا ظهور الخالق بطور جديد، ولا انتقال الذات بين شؤونها.
ولهذا كانت عبارات الدواني هنا متفقة مع البناء الفلسفي العرفاني الذي قرره ابن عربي والقونوي، وإن صيغت بعبارات العلة والمعلول بدل التجليات والتعينات؛ إذ المدار ليس على الألفاظ، وإنما على المعاني. فإذا كان المعلول ليس له وجود مستقل، وإنما هو اعتبار، والكل شؤون الذات ووجوهها، وزواله انتقال للذات في أطوارها، فأي فرق جوهري بقي بين هذا وبين وحدة الوجود؟
ولهذا فلا يصح أن يُحتج بهذه العبارات على أهل السنة، بل هي من المواضع التي يظهر فيها تأثر الدواني بالإشراقية والعرفان النظري، وخروجه عن الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة من إثبات المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوقات أعيان موجودة خلقها الله، لا وجوهًا لذاته، ولا شؤونًا قائمة بها، ولا اعتبارات ذهنية لها.
والحمد لله على الاسلام والحمد لله على السنة كما قال سبدنا الإمام أحمد بن حنبل

ما معنى قولهم : المركب من القديم والحادث حادث

 شيخنا ، من فضلك ، ما معنى قولهم : المركب من القديم والحادث حادث ؟ 
بارك الله في علمكم
الجواب :  قول المتكلمين: «المركب من القديم والحادث حادث» معناه أن الشيء إذا كان مؤلفًا من جزء قديم أزلي (لم يسبقه عدم)، ومن جزء حادث (وجد بعد أن لم يكن)، فإن هذا المجموع المركب لا يكون قديمًا، بل يكون حادثًا.
ووجه ذلك عندهم أن المركب لا يوجد إلا بوجود جميع أجزائه، فإذا كان أحد الأجزاء لم يوجد إلا بعد عدم، فالمجموع قبل وجود ذلك الجزء لم يكن موجودًا، وما كان مسبوقًا بالعدم فهو حادث.
لو فرضنا شيئًا مكونًا من قطعتين:
قطعة موجودة منذ الأزل (على الفرض).
وقطعة وُجدت اليوم.
فإن هذا الشيء المركب بهاتين القطعتين لم يكن موجودًا قبل وجود القطعة الثانية، او موجودا لكنه ناقص فيكون حدوث الجزء الثاني مستلزمًا لحدوث المجموع. وهذا مذمة في حق الذات المقدسة حاشا لله

الأشعرية حتمية الظهور في السياق التاريخي

لم يكن ظهور المدرسة الأشعرية ترفاً فكرياً أو محض إضافة عددية للفرق الإسلامية، بل كان "استجابة قدرية وحتمية تاريخية" لإنقاذ العقل المسلم من فكي كماشة خطيرين هددا بنيان الإسلام من القواعد:
عبثية التأويل المعتزلي: الذي جعل العقل البشري القاصر نداً للوحي الإلهي، ففرغ النصوص من مضامينها.
سذاجة الجمود الحشوي: الذي تعامل مع المتشابهات بسطحية أفقدت الذات الإلهية قدسية التنزيه.
فكان لا بد من ظهور "نسق معرفي صارم" يعيد للنص هيبته وللعقل وظيفته، فكانت المدرسة الأشعرية هي "طوق النجاة" الذي حفظ بيضة الإسلام.
2. الأشعرية: الصياغة العلمية لعقيدة السلف (المنهج لا المذهب):
يجب ترسيخ حقيقة أن الإمام أبا الحسن الأشعري لم يبتدع مذهباً جديداً، بل قام بـ "هندسة عقيدة السلف" وصياغتها في قوالب برهانية محكمة. إن الأشعرية ليست مقابلاً للسلفية الحقة، بل هي "السلفية المستنيرة" التي امتلكت أدوات الجدل والمناظرة. لقد حول الأشاعرة العقيدة من "إيمان فطري" -قد يتزعزع أمام الشبهات- إلى "يقين علمي" مؤسس على البراهين القطعية التي لا يطالها الشك، فكانوا بذلك حراس العقيدة وورثة الأنبياء في الذود عن الشريعة.
3. السواد الأعظم والمرجعية الحصرية:
تكتسب المدرسة الأشعرية (والماتريدية) شرعيتها ورسوخها من كونها "المظلة الجامعة" لسواد الأمة الأعظم عبر القرون. فهي المذهب الرسمي الذي تبناه فحولة العلماء، وأساطين الفقهاء، وحفاظ الحديث، وقادة الفتح (كصلاح الدين ومحمد الفاتح).
إن التزام المنهج الأشعري هو انحياز لخط الجمهور الذي يمثل "العصمة الجماعية" للأمة من الضلال، حيث تلاحمت هذه المدرسة مع المذاهب الفقهية الأربعة تلاحماً عضوياً، فكان الشافعية والمالكية، وجل الحنفية وفضلاء الحنابلة، يصدرون عن مشكاة عقدية واحدة، مما يجعل الأشعرية هي "الممثل الشرعي والوحيد" لمصطلح أهل السنة والجماعة في باب المعتقد ونظريات المعرفة.
4. القوة البنيوية (التكامل بين النقل والعقل):
إن سر بقاء وهيمنة المدرسة الأشعرية يكمن في "توازنها الديناميكي"؛ فهي لم تنتصر للنقل بإلغاء العقل، ولم تقدس العقل بإهدار النقل، بل صاغت "قانون التأويل" و"قواعد النظر" التي جعلت العقل خادماً أميناً للشرع. هذا البناء المحكم جعل المذهب عصياً على الهدم، وقادراً على استيعاب النوازل الفكرية في كل عصر، من الفلسفة اليونانية قديماً إلى الإلحاد والعدمية حديثاً.

نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ

[مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1. يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2. يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3. ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4. بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5. وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6. يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

[فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7. وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8. فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9. فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11. وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12. وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

[فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13. وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14. وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

[فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15. وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16. وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17. وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

[فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18. فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19. وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20. وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

[فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21. وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22. قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

[فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23. وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24. وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25. خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26. وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27. أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28. مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29. وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30. كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31. وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32. وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33. وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34. وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35. وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36. وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37. وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38. سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39. وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40. وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41. وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42. وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43. وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44. وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ] 

45. وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46. عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47. وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48. وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49. تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50. وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51. وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52. وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53. وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54. فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55. فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

56. وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57. وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58. وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59. وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60. عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي

.................................


 نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.

لزياد أبي رجائي المالكي

ردود على شبهات في العقيدة

 • الشُّبُهَةُ : إِذَا كَانَ الْجَائِزُ يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي آنٍ وَاحِدٍ؟

الْجَوَابُ: كَلَّا، الْقَبُولُ لِلْأَمْرَيْنِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ "الْبَدَلِ" لَا عَلَى سَبِيلِ "الْجَمْعِ"؛ فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ لِلْمُمْكِنِ أَنْ يُوجَدَ وَيُجَوِّزُ لَهُ أَنْ يُعْدَمَ، لَكِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ اجْتِمَاعَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ "مُسْتَحِيلٌ" كَمَا سَبَقَ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ عَلَامَةً، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَنَا بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِنَا بِاللَّهِ؟

الْجَوَابُ: الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ؛ فَنَحْنُ نَعْرِفُ الْعَالَمَ بِالْحِسِّ، وَنَعْرِفُ حُدُوثَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ، ثُمَّ نَتَّخِذُهُ "عَلَامَةً" لِلْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، فَالْعَالَمُ وَسِيلَةٌ وَاللَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ الْوُجُودُ هُوَ عَيْنُ الذَّاتِ، فَلِمَاذَا جَعَلْتُمُوهُ "صِفَةً" وَالْأَصْلُ أَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ؟

الْجَوَابُ: الْعَدُّ هُنَا اعْتِبَارِيٌّ تَعْلِيمِيٌّ؛ فَالْعَقْلُ يَحْتَاجُ لِتَفْكِيكِ الْمَفَاهِيمِ لِيَسْتَوْعِبَهَا، فَنَحْنُ نَصِفُهُ بِالْوُجُودِ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ لِنَفْيِ الْعَدَمِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتاً ثُمَّ حَلَّ فِيهَا وُجُودٌ زَائِدٌ، فَاللَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ.

• الشُّبْهَةُ : قَدْ يُوجَدُ الْأَثَرُ بِطَرِيقِ "الطَّبْعِ" أَوْ "الْمُصَادَفَةِ" دُونَ حَاجَةٍ لِمُؤَثِّرٍ مُخْتَارٍ؟

• الْجَوَابُ : الطَّبْعُ وَ الْمُصَادَفَةُ لَيْسَا عِلَلًا وُجُودِيَّةً بَلْ هِيَ مَفَاهِيمُ عَدَمِيَّةٌ؛ فَالْمُصَادَفَةُ هِيَ وُقُوعُ الشَّيْءِ بِلَا سَبَبٍ، وَهَذَا يَنْفِيهِ الْعَقْلُ بِالْبَدَاهَةِ بُطْلَانُ التَّرَجُّحِ بِلَا مُرَجِّحٍ. أَمَّا الْأَثَرُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ "مُؤَثِّرٍ" قَائِمٍ بِذَاتِهِ مُغَايِرٍ لِلْأَثَرِ.

• الشُّبْهَةُ: كَيْفَ تُسَمُّونَ "الْعَدَمَ" السَّلْبَ صِفَةً، وَالصِّفَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا وُجُودِيًّا؟

• الْجَوَابُ: التَّسْمِيَةُ هُنَا "مَجَازِيَّةٌ" أَوْ "اصْطِلَاحِيَّةٌ"؛ فَالْعَقْلُ يُسَمِّيهَا صِفَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ الْمَوْصُوفَ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِيقَتِهَا عِبَارَةً عَنْ سَلْبِ نَقَائِصَ، فَهِيَ "صِفَاتٌ تَنْزِيهِيَّةٌ" لَا تَقُومُ بِالذَّاتِ قِيَامَ الْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةِ كَالْعِلْمِ.

• الشُّبْهَةُ: كَيْفَ تَقُولُونَ بِالْمُخَالَفَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقُرْآنُ نَسَبَ لِلَّهِ الْيَدَ وَ الْوَجْهَ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَوَادِثِ؟

• الْجَوَابُ: هَذِهِ مُشَاكَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ؛ فَاللَّفْظُ وَاحِدٌ وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ تَمَاماً؛ فَيَدُ اللهِ صِفَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَيْسَتْ جَارِحَةً وَلَا مَادَّةً، وَتَحْرِيرُ النَّاظِمِ بِقَوْلِهِ تَخَالُفٌ لِلْغَيْرِ قَاطِعٌ لِكُلِّ تَوَهُّمٍ حِسِّيٍّ، فَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ مَعَ سَلْبِ كَيْفِيَّةِ الْحَوَادِثِ.

• الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الْمُؤَثِّرَ الْوَحِيدَ، فَمَا فَائِدَةُ الْجَهْدِ الْبَشَرِيِّ وَلِمَاذَا نُعَاقَبُ عَلَى أَفْعَالِنَا؟

• الْجَوَابُ: اللهُ خَلَقَ الْفِعْلَ وَأَعْطَى الْعَبْدَ الْكَسْبَ؛ وَهُوَ "تَوْجِيهُ الْإِرَادَةِ" نَحْوَ الْفِعْلِ، فَالْمُحَاسَبَةُ تَقَعُ عَلَى الْكَسْبِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، لَا عَلَى الْإِيجَادِ الَّذِي هُوَ سِرُّ الرُّبُوبِيَّةِ.

• الشُّبْهَةُ: نَحْنُ نَرَى بِالْحِسِّ أَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ دَائِمًا، فَلِمَاذَا نُكَفَّرُ بِمَا تَرَاهُ أَعْيُنُنَا؟

• الْجَوَابُ: الْحِسُّ رَأَى الِاقْتِرَانَ لَا التَّأْثِيرَ؛ فَالنَّارُ مَوْجُودَةٌ وَالْإِحْرَاقُ مَوْجُودٌ، لَكِنَّ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا هُوَ خَلْقُ اللهِ لِفِعْلِ الْإِحْرَاقِ "عِنْدَ" لَمْسِ النَّارِ لَا "بِالنَّارِ". وَالدَّلِيلُ أَنَّ اللهَ سَلَبَ هَذَا الْأَثَرَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ u، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ "طَبْعًا" ذَاتِيًّا لَمَا تَخَلَّفَ أَبَدًا.

• الشُّبْهَةُ : كَيْفَ نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ وَنَحْنُ نَرَى فِي الرِّيَاضِيَّاتِ أَنَّ الْأَعْدَادَ لَا نِهَايَةَ لَهَا؟

• الْجَوَابُ: الِانْتِهَاءُ الْعَدَدِيُّ أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ بَحْتٌ، بَيْنَمَا الْكَلامُ هُنَا عَنِ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْأَسْبَابُ وَالْمُسَبَّبَاتُ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَيَالِ وَالْوَاقِعِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمْكَانِ وَالِاسْتِحَالَةِ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ نَصِفُ اللهَ بِأَنَّهُ "جَمِيلٌ" وَالْجَمَالُ يُوهِمُ الصُّورَةَ وَالتَّنَاسُبَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ وَهِيَ سِمَاتُ الْحَوَادِثِ؟

الْجَوابُ: الْجَمَالُ فِي حَقِّ اللهِ يُرَادُ بِهِ جَمَالُ الذَّاتِ الَّذِي لَا يُكَيَّفُ، وَجَمَالُ الصِّفَاتِ بِمَعْنَى كَمَالِهَا، وَجَمَالُ الْأَفْعَالِ بِمَعْنَى إِحْسَانِهَا؛ فَالتَّسْمِيَةُ لَا تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ فِي الذَّاتِ، بَلْ هِيَ تَنْزِيهٌ لِلْمَعْنَى عَنِ الْمَبْنَى.

• الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ اللهُ لَا فِي جِهَةٍ وَلَا مُتَّصِلًا وَلَا مُنْفَصِلًا، فَهَذَا يُشْبِهُ وَصْفَ "الْمَعْدُومِ"؟

• الْجَوَابُ : الْوُجُودُ لَا يَنْحَصِرُ فِي "الْمَادَّةِ"؛ فَالْعَقْلُ يُدْرِكُ وُجُودَ الرُّوحِ مَعَ عَدَمِ اتِّصَافِهَا بِأَلْوَانِ الْأَجْسَامِ، فَكَيْفَ بِخَالِقِ الرُّوحِ؟ فَالنَّفْيُ هُنَا لِلَّوَازِمِ الْحِسِّيَّةِ لَا لِأَصْلِ الْوُجُودِ الْيَقِينِيِّ.

• الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ مَا سَيَقَعُ، فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ لِيُطَابِقَ الْعِلْمَ؟

• الْجَوَابُ: الْعِلْمُ صِفَةٌ "كَاشِفَةٌ" لَا "مُؤَثِّرَةٌ"؛ فَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَبْدَ سَيَفْعَلُ كَذَا بِاخْتِيَارِهِ، فَالْعِلْمُ تَبِعَ الْمَعْلُومَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ، فَلَا جَبْرَ هُنَا، بَلْ هُوَ كَمَالُ انْكِشَافٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَالْحَاضِرِ.

• الشُّبْهَةُ : كَيْفَ نُثْبِتُ "الْحَيَاةَ" وَهِيَ مِمَّا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ إِلَّا بِمَا نَرَاهُ فِي أَنْفُسِنَا؟

• الْجَوَابُ : إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ لِلَّهِ هُوَ إِثْبَاتُ "أَصْلِ الصِّفَةِ" الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْفِعْلُ، وَلَيْسَ إِثْبَاتًا لِلْكَيْفِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَالْعَقْلُ يَضْطَرُّ لِإِثْبَاتِ كَوْنِهِ حَيًّا لِيَصِحَّ كَوْنُهُ قَادِرًا، فَالِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِاللَّازِمِ لَا بِالْمُمَاثَلَةِ.

الشُّبْهَةُ : لَوْ كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَهَلْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ "إِلَهٍ مِثْلِهِ" أَوْ "خَلْقِ جِرْمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكِهِ"؟

• الْجَوَابُ : الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بـ الْمُمْكِنَاتِ فَقَطْ، أَمَّا خَلْقُ إِلَهٍ مِثْلِهِ أَوْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ "الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةِ"؛ وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ "شَيْئًا" حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْقُدْرَةُ، فَالْعَجْزُ هُنَا فِي الْمَحَلِّ لَا فِي الصِّفَةِ.

• الشُّبْهَةُ : لَوْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ كُلَّ "كَائِنٍ"، فَكَيْفَ يُرِيدُ "الْمَعَاصِيَ" وَهُوَ لَا يُحِبُّهَا؟

• الْجَوابُ : هُنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَالْوُقُوعُ فِي الْكَوْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِإِرَادَتِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ وَهُوَ نَقْصٌ، أَمَّا الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ فَلَا تَتَعَلَّقَانِ إِلَّا بِمَا أَمَرَ بِهِ، فَالْإِرَادَةُ تَخْصِيصٌ وُجُودِيٌّ لَا حُكْمٌ أَخْلَاقِيٌّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَأْمُرُ اللهُ بِمَا لَا يُرِيدُ وُقُوعَهُ، أَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ أَوْ فِعْلِ مَا لَا حِكْمَةَ فِيهِ؟

• الْجَوَابُ: الْأَمْرُ هُنَا لِلِابْتِلَاءِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ؛ فَاللَّهُ أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ لِيُظْهِرَ عِنَادَهُ وَيَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ وَيُرِيدُ عَدَمَ إِيمَانِهِ كَوْنًا لِيَتِمَّ وَعِيدُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَالْحِكْمَةُ فِي "الْأَمْرِ" غَيْرُ الْحِكْمَةِ فِي "الْقَصْدِ".

• الْجَوَابُ : الْقِسْمَةُ هُنَا "ثُنَائِيَّةٌ مَنْطِقِيَّةٌ"؛ فَإِمَّا أَمْرٌ أَوْ لَا، وَإِمَّا إِرَادَةٌ أَوْ لَا  فَالْعَقْلُ لَا يُجَوِّزُ غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ نَقِيضَ كُلِّ حَالَةٍ مَوْجُودٌ فِي الْأُخْرَى، فَالْحَصْرُ هُنَا حَصْرٌ عَقْلِيٌّ قَطْعِيٌّ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ.

الشبهة يُقَالُ كَيْفَ نُسَمِّي مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامَ اللهِ وَهُوَ حُرُوفٌ؟ الْجَوَابُ: هُوَ كَلَامُ اللهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، كَمَا نَقُولُ هَذَا "نَارٌ" لِلَفْظِ الْمَكْتُوبِ الدَّالِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُحْرِقَةِ.

الشبهة كَيْفَ يَسْمَعُ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ؟ الْجَوَابُ: السَّمْعُ الْإِلَهِيُّ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ "مَوْجُودٍ" وَلَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْأَمْوَاجِ الصَّوْتِيَّةِ كَسَمْعِ الْبَشَرِ.

الشبهة: كَيْفَ يَرَى الذَّرَّةَ السَّوْدَاءَ فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؟ الْجَوَابُ: الظَّلَامُ "مَوْجُودٌ" وَالذَّرَّةُ "مَوْجُودَةٌ"، وَبَصَرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ لَا يَحْجِبُهُ شَيْءٌ.

٤. الثَّمَرَةُ السُّلوكيَّةُ: الْحَيَاءُ مِنَ اللهِ؛ فَالْ لَا يَعْصِي فِي الْخَلَوَاتِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ "الْإِبْصَارَ" الْإِلَهِيَّ مُحِيطٌ بِهِ.

الشبهة: لَوْ كَانَ مُخْتَارًا فَلِمَاذَا يَخْلُقُ الشَّرَّ؟ الْجَوَابُ: اخْتِيَارُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ عَمِيَقَةٍ تَجْعَلُ الشَّرَّ الْجُزْئِيَّ خَيْرًا كُلِّيًّا فِي مِيزَانِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ تَقُولُونَ بِتَعَلُّقِ الصِّفَاتِ فِي الْأَزَلِ وَلَا مَوْجُودَ مَعَ اللهِ؟ أَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمَقْدُورِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَزَلًا؟

الْجَوَابُ : التَّعَلُّقُ فِي الْأَزَلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صُلُوحِيًّا أَيْ صَلَاحِيَّةُ الذَّاتِ لِلْفِعْلِ، أَوْ تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا كَتَعَلُّقِ الْعِلْمِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ "وُجُودَ" الْمَعْلُومِ فِي الْخَارِجِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَكْفِي "انْكِشَافُهُ" أَوْ "تَخْصِيصُهُ" فِي عِلْمِ اللهِ، فَلَا يَلْزَمُ قِدَمُ الْعَالَمِ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَتَعَلَّقُ الْعِلْمُ بِـ "الْمُسْتَحِيلِ" وَهُوَ مَعْدُومٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؟

الْجَوَابُ : الْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُسْتَحِيلاً؛ أَيْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيكَ لَا وُجُودَ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ، فَهَذَا "تَعَلُّقُ تَمْيِيزٍ" وَإِحَاطَةٍ، وَنَفْيُ هَذَا التَّعَلُّقِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهْلِ بِمَاهِيَّةِ الْمُمْتَنِعَاتِ.

الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلِمَاذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ "شَرِيكٍ" لَهُ؟

الْجَوَابُ : الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِـ "الْأَشْيَاءِ"، وَالشَّرِيكُ "مُسْتَحِيلٌ"، وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِهِ لَيْسَ لِعَجْزٍ فِيهَا، بَلْ لِكَوْنِ الْمُسْتَحِيلِ لَا يَقْبَلُ أَثَرَ الْقُدْرَةِ، كَمَا أَنَّ الْأُذُنَ لَا "تُبْصِرُ" لَا لِعِلَّةٍ فِيهَا بَلْ لِأَنَّ الصَّوْتَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلرُّؤْيَةِ.

الشُّبْهَةُ : لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرِيدَ الْإِرَادَةُ "الْمُسْتَحِيلَ"؟

الْجَوَابُ : لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةُ "تَرْجِيحٍ"، وَالْمُسْتَحِيلُ لَيْسَ لَهُ كِفَّةٌ أُخْرَى يُرَجَّحُ عَلَيْهَا، فَهُوَ سَاقِطٌ عَنِ الِاعْتِبَارِ الْوُجُودِيِّ، فَالْتِفَاتُ الْإِرَادَةِ إِلَيْهِ تَنَاقُضٌ عَقْلِيٌّ.

الشُّبْهَةُ : كَيْفَ يَسْمَعُ اللهُ الْأَلْوَانَ وَهِيَ لَا صَوْتَ لَهَا؟

• الْجَوَابُ : السَّمْعُ الْإِلَهِيُّ صِفَةُ كَشْفٍ لَا تَتَقَيَّدُ بِقُيُودِ الْحَوَاسِّ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَمَا دَامَ اللَّوْنُ "مَوْجُودًا" فَقَدْ جَازَ تَعَلُّقُ السَّمْعِ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ السَّمْعُ مَحْدُودًا بِالْمَادَّةِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُدُودِ.

الشُّبْهَةُ : إِذَا كَانَ الْبَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، فَهَلْ يَرَى اللهُ الْأَصْوَاتَ؟

الْجَوَابُ : نَعَمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ "مَوْجُودٌ"، وَمَنَاطُ الْبَصَرِ الْوُجُودُ، فَاللَّهُ يَرَى الْأَصْوَاتَ كَمَا يَسْمَعُ الْأَلْوَانَ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الْبَصَرِ لَا بِطَرِيقِ السَّمْعِ، وَعَقْلُنَا لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَإِنْ قَصُرَ عَنْ تَصَوُّرِ كَيْفِيَّتِهِ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَتِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ، فَقَدْ أَثْبَتُّمْ غَيْرِيَّةً تَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ؟

الْجَوَابُ: نَحْنُ نَنْفِي "الْغَيْرِيَّةَ الِانْفِصَالِيَّةَ" الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا وُجُودُ أَحَدِ الْغَيْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَالصِّفَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَتَعَدُّدُ الصِّفَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الذَّوَاتِ، كَمَا أَنَّ لِلْإِنْسَانِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَهُوَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الْفَارِقِ فِي التَّنْزِيهِ.

رَابِعًا: الثَّمَرَةُ السُّلُوكِيَّةُ:

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ نَقُولُ "لَيْسَ بِحُرُوفٍ" وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ حُرُوفًا؟

الْجَوَابُ: الْمَقْرُوءُ بِالْأَلْسِنَةِ وَالْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ دَالٌّ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ، وَالتَّقَدُّسُ لِلْمَدْلُولِ لَا لِلْآلَةِ الَّتِي نُقِلَ بِهَا، كَمَا أَنَّ لَفْظَ اللَّهِ حُرُوفٌ، لَكِنَّ الذَّاتَ الْمُسَمَّاةَ لَيْسَتْ حُرُوفًا.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا نُفَصِّلُ فِي الْمُسْتَحِيلَاتِ وَيَكْفِي إِثْبَاتُ الْوَاجِبَاتِ؟

الْجَوَابُ: التَّفْصِيلُ فِي التَّنْزِيهِ يَقْطَعُ مَادَّةَ التَّشْبِيهِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ لِلْعَامَّةِ، فَذِكْرُ الِاسْتِحَالَةِ تَأْكِيدٌ لِلثُّبُوتِ، كَمَا يُقَالُ: بِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا لَا يَكُونُ خَالِيًا مِنَ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ مَعًا؟

الْجَوَابُ: هَذَا يُسَمَّى "ارْتِفَاعَ النَّقِيضَيْنِ"، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ مَنْطِقِيًّا؛ فَالْمَوْجُودُ لَا يَخْلُو عَنِ اتِّصَافٍ، وَخُلُوُّهُ عَنِ الْكَمَالِ هُوَ بِذَاتِهِ عَيْنُ النَّقْصِ، فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ.

الشُّبْهَةُ: لِمَاذَا لَا يَكُونُ "السِّوَى" عَدَمًا لَا صِفَةً نَقْصٍ أَيْ لَا عِلْمَ وَلَا جَهْلَ؟

الْجَوَابُ: هَذَا مَحَالٌ؛ لِأَنَّ الْخُلُوَّ عَنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِيمَا شَأْنُهُ قَبُولُهُمَا مُرْتَفِعٌ عَقْلًا، وَالذَّاتُ الْعَلِيَّةُ صَالِحَةٌ لِلِاتِّصَافِ بِالْمَعَانِي قَطْعًا لِوُجُودِ آثَارِهَا فِي الْكَوْنِ، فَالْخُلُوُّ عَنْهَا عَدَمٌ لِلْكَمَالِ، وَعَدَمُ الْكَمَالِ نَقْصٌ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا، فَلِمَاذَا طَلَبَ مِنَّا الْعِبَادَةَ وَالذِّكْرَ؟

الْجَوَابُ: الطَّلَبُ هُنَا لَيْسَ لِحَاجَةٍ فِي الذَّاتِ الْأَقْدَسِ لِيَكْمُلَ بِعِبَادَتِنَا، بَلْ هُوَ لِحَاجَتِنَا نَحْنُ لِنَكْمُلَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ؛ فَالْمُحْتَاجُ هُوَ "الْعَبْدُ" لِيَنَالَ الثَّوَابَ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ لَا يَفْتَقِرُ لِلْغَيْرِ وَهُوَ يَخْلُقُ الْأَسْبَابَ لِتَحْقِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ؟

الْجَوَابُ: خَلْقُ الْأَسْبَابِ لَيْسَ عَنْ حَاجَةٍ، بَلْ هُوَ إِظْهَارٌ لِلْحِكْمَةِ؛ فَاللَّه قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ دُونَهَا، فَالِافْتِقَارُ مَنْفِيٌّ ذَاتًا، وَوُجُودُ السَّبَبِ مَحْضُ تَعَلُّقٍ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.

الشُّبْهَةُ: كَيْفَ يَجُوزُ فِي حَقِّ الْحَكِيمِ إِشْقَاءُ مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَتِهِ، أَلَيْسَ هَذَا ظُلْمًا؟ الْجَوَابُ: الظُّلْمُ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ، وَالْكَوْنُ كُلُّهُ مُلْكٌ لِلَّهِ، فَأَيُّ تَصَرُّفٍ فِيهِ هُوَ عَدْلٌ، وَلَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، لَكِنَّ كَرَمَهُ سَبَقَ غَضَبَهُ.

الشُّبْهَةُ: لَوْ لَمْ يَجِبِ الصَّلَاحُ لَجَازَ عَلَيْهِ الظُّلْمُ وَفِعْلُ الْقَبِيحِ؟

الْجَوَابُ: اللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْقَبِيحِ لِكَمَالِهِ الذَّاتِيِّ لَا لِوُجُوبٍ عَقْلِيٍّ، وَالظُّلْمُ فِي حَقِّهِ مُحَالٌ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ وَالْكُلُّ مُلْكُهُ، فَنَحْنُ نَنْفِي الْقَبِيحَ عَنْهُ "وَصْفًا" لَا "إِلْزَامًا".

الشُّبْهَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَنْ تَرَانِي، وَ"لَنْ" لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ؟

الْجَوَابُ: "لَنْ" لَيْسَتْ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ لُغَةً بدليل قوله: ولن يتمنوه أبداً، مع تمنيهم له في النار، وَسُؤَالُ مُوسَى لِلرُّؤْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِهَا، إِذْ لَا يَجْهَلُ النَّبِيُّ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَمَنْعُهُ فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُ فِي الْآخِرَةِ.

الشُّبْهَةُ: إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ جَائِزَةً عَقْلًا، فَلِمَاذَا لَا نَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا؟

الْجَوَابُ: الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ يَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ "قَابِلَةٌ لِأَنْ تُرَى"، وَعَدَمُ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ لِاسْتِحَالَةٍ فِي ذَاتِ الْمَرْئِيِّ، بَلْ لِضَعْفٍ فِي آلَةِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الرَّائِي، وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فِي دَارِ الِابْتِلَاء، وَسَيَخْلُقُ الْقُوَّةَ فِي الْآخِرَةِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ.


الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

 تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ" وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ في الخَريدَةِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:

فَالوَاجِبُ العَقْلِيّ مَا لَمْ يَقْبَلِ ... الانْتِفَا فِي ذَاتِهِ فَابْتَهِلِ

ويَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِتَصَوُّرِ انْتِفَائِهِ أَوْ عَدَمِهِ، بَلْ يَجْزِمُ بِثُبُوتِهِ جَزْمًا لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الشَّيْءِ دُونَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ.

وَيُنَاظِرُهَا فِي مُتُونِ النَّظْمِ الْعَقَدِيَّةِ:

الْمُرْشِدُ الْمُعِينُ لِابْنِ عَاشِرٍ:

فَوَاجِبٌ لَا يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحال ... وَمَا أَبَى الثُّبُوتَ عَقْلاً المُحال

إِضَاءَةُ الدُّجُنَّةِ لِلْمَقَّرِيِّ:

فَوَاجِبٌ لَا يَنْتَفِي، وَمَا أَبَى ... ثُبُوتَهُ فَمُسْتَحِيلٌ لَقَبَا

وَقُلْتُ فِي نَظْمِ الْمَعَالِي:

فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا:

إِنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ يُبَيِّنُ تَبَايُنَ الْمَسَالِكِ فِي تَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ الْحُكْمِ؛ فَقَدْ جَحَدَ ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمَقَّرِيُّ الِانْتِفَاءَ عَنِ الْوَاجِبِ بِمَعْنَى "عَدَمِ الْقَبُولِ"، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ. أَمَّا مَا قَصَدْتُهُ فِي (نَظْمِ الْمَعَالِي) فَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ "النَّفْيِ" إِلَى "الْإِحَالَةِ"؛ إِذْ جَعَلْتُ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ النَّفْيِ هِيَ (الْإِحَالَةُ لِلذَّاتِ)، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوَاجِبُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي (الْمُرْشِدِ) وَ(الْإِضَاءَةِ).

كَمَا أَنَّ قَيْدَ (دُونَ اخْتِلَالِ) الَّذِي أَوْرَدْتُهُ، جَاءَ لِصِيَانَةِ مَفْهُومِ الْوُجُوبِ مِنْ تَوَهُّمِ طُرُوِّ التَّغَيُّرِ، بَيْنَمَا اقْتَصَرَ الْأَعْلَامُ عَلَى مُطْلَقِ نَفْيِ الِانْتِفَاءِ. وَفِي بَابِ الْمُمْتَنِعِ، لَمْ يَقِفْ تَعْرِيفِي عِنْدَ حُدُودِ "إِبَاءِ الثُّبُوتِ" كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَاشِرٍ، بَلْ أَرَدْتُ رَبْطَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَدْرَكِ التَّصَوُّرِيِّ بِقَوْلِي (يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ)؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا هُوِيَّةَ لَهُ تَتَحَقَّقُ فِي الذِّهْنِ فَضْلًا عَنِ الْخَارِجِ، وَهُوَ مَلْحَظٌ مَنْطِقِيٌّ يُقَوِّي تَعْرِيفَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْمَعْدُومِ الْمُمْتَنِعِ.

وَبِهَذَا تَمْتَازُ هَذِهِ (الْفَرِيدَةُ) بِأَنَّهَا لَمْ تَنْقُلِ التَّعَارِيفَ نَقْلًا، بَلْ مَحَّصَتْهَا مَحْصًا، وَقَابَلَتْ بَيْنَ أَلْفَاظِ النُّظَّارِ لِيَتَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ مَوَاضِعُ الْإِيجَازِ وَمَوَاضِعُ الْإِعْجَازِ فِي كُلِّ مَتْنٍ...


من كتاب  الفريدة في شرح الخريدو ص99-100




كتاب لماذا اخترت المنهح الأشعري

البراهين التي يستخدمها الأشاعرة لإثبات الحدوث

 تلخيص البراهين التي يستخدمها الأشاعرة لإثبات الحدوث (أي أن العالم له بداية وخالق):

١. برهان "الأعراض" (وهو العمدة)

الأشاعرة يقولون: نحن نرى في الأجسام صفات تتغير (حركة، سكون، ألوان، طعوم). هذه تسمى أعراضاً.

المنطق: العرض لا يبقى زمانين (يوجد وينعدم)، فهو حادث يقيناً. وبما أن الأجسام لا تنفك عن هذه الأعراض (لا يوجد جسم بلا لون أو مكان)، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث.

٢. برهان "الجوهر الفرد" (أداة إثبات التناهي)

هنا يأتي دور صديقنا "الجوهر الفرد". الفائدة منه هي الرد على من يقول إن المادة قديمة وممتدة للأزل.

المنطق: إذا أثبتنا أن الجسم ينتهي إلى "جزيئات صغيرة" (جواهر فردة) متناهية العدد، فقد أثبتنا أن الجسم نفسه "متناهٍ" ومحدود. وكل ما هو محدود ومتناهٍ لا بد له من "مخصص" (خالق) حدده بهذا الحجم والعدد دون غيره، وهذا هو الحدوث.

٣. برهان "التركيب" (دليل الهيئة)

الأشاعرة يرون أن العالم "مركب" (أي أجزاء مجتمعة).

المنطق: كل مركب يحتاج إلى من "ركبه" وجمعه، لأن الأجزاء في ذاتها لا تقتضي الاجتماع بغيرها. فاحتياج الجسم إلى "جامع" يثبت أنه ليس قديماً بذاته، بل مفتقر لغيره، والمفتقر حادث.

٤. برهان "التخصيص" (الإمكان)

لماذا السماء زرقاء وليست خضراء؟ ولماذا الكوكب في هذا المدار وليس غيره؟

المنطق: بما أن العالم يجوز عقلاً أن يكون على "غير هذه الصورة"، فإن ترجيح هذه الصورة المعينة على غيرها يحتاج إلى "مرجح" مختار. هذا المرجح هو الخالق، وهذا الاختيار يثبت أن العالم فعلٌ فاعله "مريد"، وكل فعل لمريد هو فعل حادث له بداية.

زبدة الكلام 

الجوهر الفرد بالنسبة للأشاعرة ليس "عقيدة" تعبدية، بل هو "برغي" (مسمار) في ماكينة الاستدلال. إذا ثبت الجوهر الفرد، ثبت أن المادة ليست "بسيطة أزلية"، بل هي "مركبة حادثة".

لذلك، عندما اعترض الرازي أو الغزالي، لم يعترضوا على "الحدوث"، بل حاولوا البحث عن "مَسانِدٍ" أخرى لا تصطدم بهندسة إقليدس وفلسفة أرسطو، مثل الاعتماد الكلي على دليل "التخصيص" أو "الإمكان".

و"توقف الرازي في المسألة هو في الحقيقة نقد للدليل وليس للمدلول"، أي أنه يبحث عن "إقامة الدليل" الأمتن

كلام الغزالي في "التهافت" كان ضربة معلم، لانه لم يرد فقط اثبات نظرية، بل اراد كسر "غرور" الفلاسفة الذين ادعوا ان براهينهم هندسية قطعية.

خلاصة فكرة الغزالي 

1. منطق "الخردلة والجبل" عند الغزالي:

الغزالي يقول للفلاسفة: انتم تقولون ان المادة تنقسم الى ما لا نهاية. حسنا، هذا يعني ان الاجزاء داخل حبة الخردل "غير متناهية"، والاجزاء داخل الجبل "غير متناهية". وفي الرياضيات، "اللانهاية" لا تزيد على "اللانهاية". اذن انتم تقولون ان حبة الخردل تساوي الجبل في عدد الاجزاء!

هذا الاحراج المنطقي هو الذي جعل نظرية الجوهر الفرد تبدو "اكثر عقلانية" من خيال الفلاسفة، لانها تضع حدا للتقسيم.
اما الشيخ د. سعيد فودة فنظره أقوى في المسألة بتداخل العلم فيه

الشيخ سعيد فودة يرى ان الاشاعرة بسبقهم لقول "الجوهر الفرد" كانوا اقرب لروح العلم الحديث من ارسطو وفلاسفة اليونان. كيف؟

الكم (كوانتم): الفيزياء الحديثة اثبتت ان المادة والطاقة ليست "سيولة مستمرة"، بل هي "دفقات" او "كمات" محددة. وهذا جوهر فكرة المتكلمين عن "التناهي". بل العلم اليوم يتحدث عن "الكواركات" الجسيمات الاولية واجزاء لا يمكن تقسيمها الى ما هو اصغر منها من نفس جنسها. الشيخ سعيد يقول ان هذا "تحقيق" فيزيائي لما قاله المتكلمون "عقليا" قبل الف سنة.

الممتنع ذاتيا والممتنع عرضيا

 قلت في نظم المعالي في أصول معتقد أهل السنة والجماعة:

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

الشرح:

(ذَاتِيًّا) فِي هَذَا السِّياقِ العَقَدِيِّ المَنْطِقِيِّ هُوَ بَيَانُ نَوْعِ الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ (الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ)؛ أَيِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ لِأَجْلِ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ، لَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهُ.

فَالْمُمْتَنِعُ قِسْمَانِ:

1. مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ (الذَّاتِيُّ): وَهُوَ مَا لَا يَتَصَوَّرُ الْعَقْلُ ثُبُوتَهُ أَصْلًا، كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ (كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي آنٍ وَاحِدٍ)؛ فَهَذَا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ وَالْعَقْلِ لِذَاتِهِ.

2. مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ (الْعَرَضِيُّ): وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِسَبَقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، كَإِيمَانِ أَبِي لَهَبٍ.

فبقولك :  (فَذَاتِيًّا) تُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا "الْمُمْتَنِعَ" الَّذِي "أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ" (أَيْ اسْتَحَالَ اسْتِقْرَارُهُ) هُوَ كَاذِبٌ بِمُقْتَضَى هُوِيَّتِهِ وَذَاتِهِ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ الْعَقْلُ لِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِبُطْلَانِهِ.

الْإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ:

(فَذَاتِيًّا): :  الْفَاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّعْقِيبِ (أَوْ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ).

ذَاتِيًّا: فِيهَا وَجْهَانِ إِعْرَابِيَّانِ سَدِيدَانِ: 

حَالٌ (مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ): مَنْصُوبَةٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهَا الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ فِي حَالِ كَوْنِهِ ذَاتِيًّا)، أَيْ مَنْسُوبًا إِلَى الذَّاتِ.

مَنْصُوبٌ عَلَى النَّزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ (بِذَاتِهِ)، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ انْتَصَبَ الِاسْمُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي نَظْمِ الْعُلُومِ.

مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَائِبٌ عَنِ الْمَصْدَرِ (لِبَيَانِ النَّوْعِ): وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ تَكْذِيبًا ذَاتِيًّا).

(فِي الْخَيَالِ):  جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ "يُكَذَّبُ".

فَائِدَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ:

اسْتِعْمَالُكَ لِـ "الْخَيَالِ" هُنَا بَدِيعٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الذَّاتِيَّ لَا تَقْبَلُ الْقُوَّةُ الْمُتَخَيِّلَةُ صُوَرَتَهُ حَتَّى كَوَهْمٍ مُسْتَقِرٍّ، فَالْخَيَالُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصُّوَرِ، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِ "مُمْتَنِعٍ" مَعَ "ثُبُوتٍ"، فَيَصِيرُ التَّكْذِيبُ فِيهِ "ذَاتِيًّا" جَبْرِيًّا.

وَهَذَا الْمِثَالُ التَّطْبِيقِيُّ الَّذِي يَفُكُّ عُقْدَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ "الذَّاتِيِّ" وَ"الْعَرَضِيِّ" لِيَتَّضِحَ قَصْدُ نََظْمِ المَعالي:

مِثَالُ: (الدَّائِرَةُ الْمُرَبَّعَةُ)هَذَا هُوَ عَيْنُ الْمُمْتَنِعِ الذَّاتِيِّ؛ فَإِذَا حَاوَلْتَ أَنْ تَتَصَوَّرَ فِي ذِهْنِكَ "دَائِرَةً" وَلَكِنَّ لَهَا "أَرْبَعَةَ زَوَايَا قَائِمَةٍ"، فَإِنَّ عَقْلَكَ سَيَتَوَقَّفُ.لِمَاذَا هُوَ ذَاتِيٌّ؟ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ "ذَاتِ" الدَّائِرَةِ وَ"ذَاتِ" الْمُرَبَّعِ؛ إِذْ هُمَا نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ.

كَيْفَ يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ؟ كَمَا قُلْتُ فِي النَظْمِ، الْخَيَالُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَرْسَمَ لَهَا "صُورَةً" مُسْتَقِرَّةً؛ فَكُلَّمَا رَسَمَهَا دَائِرَةً نَفَتِ التَّرْبِيعَ، وَكُلَّمَا رَسَمَهَا مُرَبَّعًا نَفَتِ التَّدْوِيرَ. فَهِيَ "مُكَذَّبَةٌ ذَاتِيًّا" قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ الْعَقْلُ فِي أَيِّ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.

بِالْمُقَابِلِ: مِثَالُ الْمُمْتَنِعِ الْعَرَضِيِّ (لِغَيْرِهِ) تَصَوَّرْ (طَيَرَانَ الْإِنْسَانِ بِجَنَاحَيْنِ)؛ هَذَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا.فِي الْخَيَالِ: يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ إِكْسَانًا يَطِيرُ (مِثْلَ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ )، فَالْخَيَالُ لَا يُكَذِّبُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِذَاتِهَا.لِمَاذَا امْتَنَعَ إِذًا؟ امْتَنَعَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ "قَانُونُ الْعَادَةِ" الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ لِفُلَانٍ أَنْ يَطِيرَ.

الْخُلَاصَةُ: فَطالِبُ العِلْمِ يقْصِدُ أَنَّ كُلَّ مَا يُحِيلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ (كَالشَّرِيكِ لِلَّهِ)، فَإِنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ لَيْسَ لِأَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ هُوَ "ذَاتِيٌّ" نَابِعٌ مِنْ بُطْلَانِ حَقِيقَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِدُ لَهُ مَكَانًا حَتَّى فِي "خَيَالِ" الْعَاقِلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْبَاطِلِ.

الانَ لِمَاذَا جَعَلْنَا "الشَّرِيكَ" مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا ؟
فَالْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ هُوَ مَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ مُجَرَّدًا، لَكِنَّ فِكْرَةَ "الشَّرِيكِ" لَا يَقْبَلُهَا الْعَقْلُ أَصْلًا بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ مَعْنَى "الْإِلَهِ" يَرُدُّهُ. بُرْهَانُ التَّمَانُعِ ومَفْهومُ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ
لَوْ فَرَضْنَا وُجُودَ إِلَهَيْنِ ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا أَوْ يَخْتَلِفَا:
فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ: لَوْ أَرَادَ1  تَحْرِيكَ جِسْمٍ، وَأَرَادَ 2 تَسْكِينَهُ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ -> مُحَالٌ ذَاتِيٌّ)
o إِمَّا أَنْ لَا يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (عَجْزُ الِاثْنَيْنِ -> نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْهُمَا)
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ: (فَالَّذِي نَفَذَ مُرَادُهُ هُوَ الْإِلَهُ، وَالْمَقْهُورُ لَيْسَ بِإِلَهٍ)
النَّتِيجَةُ: مَفْهُومُ "إِلَهٍ مَقْهُورٍ" هُوَ مَفْهُومٌ يَنْقُضُ نَفْسَهُ، مِثْلَ "أَعْزَبٌ مُتَزَوِّجٌ"؛ فَالِامْتِنَاعُ هُنَا نَابِعٌ مِنْ "ذَاتِ" مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ الْمُطْلَقَةَ.
٢. تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْوُجُودِ"
اللَّهُ تَعَالَى هُوَ "وَاجِبُ الْوُجُودِ" لِذَاتِهِ. وَمِنْ لَوَازِمِ وَاجِبِ الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ "غَنِيًّا عَنِ الْغَيْرِ" غِنًى مُطْلَقًا.
لَوْ وُجِدَ شَرِيكٌ، لَكَانَ الْإِلَهُ (مُفْتَقِرًا) لِهَذَا الشَّرِيكِ فِي تَعْيِينِ حُدُودِ تَصَرُّفِهِ، أَوْ كَانَ الْكَوْنُ مُوَزَّعًا بَيْنَهُمَا.
الِافْتِقَارُ يُنَاقِضُ "وُجُوبَ الْوُجُودِ"؛ فَإِذَا اجْتَمَعَ (وَاجِبُ وُجُودٍ) مَعَ (مُفْتَقِرٍ)، بَطَلَتْ حَقِيقَةُ الْأَوَّلِ.
________________________________________
٣. لِمَاذَا لَيْسَ عَرَضِيًّا؟
فالجَوبُ :  هُنَا نُفَرِّقُ بَيْن (التَّصَوُّرِ اللَّفْظِيّ)  و (َالتَّصَوُّرِ الْحَقِيقِيِّ)
أَنْتَ تَتَصَوَّرُ "شَخْصَيْنِ قَوِيَّيْنِ"، هَذَا مُمْكِنٌ لِأَنَّ قُوَّتَهُمَا مَحْدُودَةٌ.
لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَصَوَّرَ "إِرَادَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ" فِي آنٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
الْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ: هُوَ مَا لَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ لِذَاتِهِ (مِثْلَ دُخُولِ كَافِرٍ لِلْجَنَّةِ)، فَالْعَقْلُ لَا يَرَى تَنَاقُضًا فِي ذَاتِ "الْجَنَّةِ" أَوْ "الْكَافِرِ"، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ جَاءَ بِخِلَافِهِ.
أَمَّا الشَّرِيكُ، فَالْعَقْلُ يَمْنَعُهُ قَبْلَ وُرُودِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ "الْإِلَهَ" تَنْفِي مَعْنَى "الْمُزَاحَمَةِ".
فحِينَمَا قُلْتُ: "فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ"، قَصَدْتُ أَنَّ الْخَيَالَ إِذَا حَاوَلَ تَرْكِيبَ صُورَةِ (إِلَهٍ كَامِلٍ) مَعَ (وُجُودِ نِدٍّ لَهُ)، سَيَجِدُ أَنَّ كَمَالَ الْأَوَّلِ يَمْحُو وُجُودَ الثَّانِي، فَلَا تَسْتَقِرُّ الصُّورَةُ أَبَدًا، فَيَكُونُ التَّكْذِيبُ نَابِعًا مِنْ "ذَاتِ" الصُّورَةِ لَا مِنْ خَبَرٍ خَارِجِيٍّ.


نَظْمُ الْمَعَالِي فِي أُصُولِ معتقد أهل السنة والجماعة

 



لزياد حبوب أبي رجائي المالكي 

 [مُقَدِّمَةُ النَّظْمِ]

1.    يَقُولُ أَبُو رَجَائِي ذُو اتِّكَالِ ... زِيَادٌ حَامِدًا رَبَّ الْجَلَالِ

2.    يُؤَمِّلُ عَفْوَهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... لِيَبْلُغَ فِي رِضَاهُ ذُرَى الْمَعَالِي

3.    ِببِسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي مَقَالِي ... وَحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي ذِي الْكَمَالِ

4.    بِمَنْزِلَةٍ تَجِلُّ عَنِ الْمِثَالِ ... لَهُ سُبْحَانَهُ مُعْطِي النَّوَالِ

5.    وَصَلَّى اللَّهُ مَوْلَانَا عَلَى مَنْ ... تَحَلَّى نُورُهُ بِسَنَى الْخِصَالِ

6.    يَضُمُّ جَوَاهِرَ التَّوْحِيدِ صَفْوًا ... وَقَدْ سَمَّيْتُهُ نَظْمَ الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ]

7.    وَحُكْمُ الْعَقْلِ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ ... مَبَادِئُهَا تَجِلُّ عَنِ الْجِدَالِ

8.    فَوَاجِبُهُ، وَمُمْتَنِعٌ، وَجَائِزْ ... ثَلَاثَتُهَا سَتُذْكَرُ بِالتَّوَالِي

9.    فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ

10.                      وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

11.                      وَجَائِزُنَا هُوَ الْمَقْبُولُ فِيهِ ... ثُبُوتٌ مَعْ قَبُولٍ لِلزَّوَالِ

12.                      وَأَحْكَامُ النُّهَى عَقْلًا أَسَاسٌ ... بِهَا التَّكْلِيفُ رَامَ ذُرَى الْمَعَالِي

 [فَصْلٌ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ]

13.                      وَأَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ حَتْمًا ... لِنَعْرِفَ رَبَّنَا رَبَّ الْمَعَالِي

14.                      وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي دَلِيلٍ ... لِنَنْجُوَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ]

15.                      وُجُودُ اللَّهِ نَفْسِيٌّ بِحَقٍّ ... وَخَمْسٌ بَعْدَهَا سَلْبُ الْمُحَالِ

16.                      وَخَالَفَ كُلَّ مَخْلُوقٍ سِوَاهُ ... لَهُ الْقِدَمُ، الْبَقَاءُ بِلَا زَوَالِ

17.                      وَقَامَ بِنَفْسِهِ رَبٌّ تَوَحَّدْ ... وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعَالِ

 [فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ]

18.                      فَقُدْرَتُهُ، إِرَادَتُهُ، وَعِلْمٌ ... حَيَاةٌ، وَهْيَ مَصْدَرُ كُلِّ حَالِ

19.                      وَسَمْعٌ ثُمَّ إِبْصَارٌ مُحِيطٌ ... وَكَلَّمَ رَبُّنَا دُونَ افْتِعَالِ

20.                      وَهَذِي سَبْعَةٌ تُدْعَى مَعَانٍ ... تَقُومُ بِذَاتِ رَبِّكَ فِي تَعَالِ

 [فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ]

21.                      وَكَوْنُ إِلَهِنَا حَيّاً سَمِيعاً ... بَصِيراً عَالِماً سِرَّ اللَّيَالِي

22.                      قَدِيراً ثُمَّ مُخْتَاراً مُرِيداً ... وَذَا كَلِمٍ يُنَزَّهُ عَنْ مِحَالِ

 [فَصْلٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْجَائِزِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]

23.                      وَضِدُّ صِفَاتِهِ طُرّاً مُحَالٌ ... كَجَهْلٍ أَوْ مَمَاتٍ أَوْ خَبَالِ

24.                      وَفِعْلُ الْمُمْكِنَاتِ كَذَاكَ تَرْكٌ ... فَمِنْ مَحْضِ التَّفَضُّلِ أَوْ نَكَالِ

25.                      خِتَامُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ فَرْدٌ ... يُنَزَّهُ عَنْ حُلُولٍ وَانْتِقَالِ

[فَصْلٌ فِي النَّبَوَاتِ]

26.                      وَأَمَّا الرُّسْلُ فَالتَّبْلِيغُ حَتْمٌ ... وَصِدْقٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْفِعَالِ

27.                      أَمَانَتُهُمْ فَطَانَتُهُمْ كَمَالٌ ... يُنَزِّهُهُمْ عَنِ النَّقْصِ الْمُحَالِ

28.                      مُحَالٌ كِذْبُهُمْ أَوْ أَنْ يَخُونُوا ... بَلَادَتُهُمْ وَكِتْمَانُ الْمَقَالِ

29.                      وَجَائِزُهُمْ مِنَ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ ... يُؤَدِّ لِنَقْصِ رُتْبَتِهِمْ بِحَالِ

30.                      كَأَكْلٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ سِقَامٍ ... خَفِيفٍ لَا يَحُطُّ مِنَ الْجَلَالِ

31.                      وَقَدْ عُصِمُوا مِنَ الزَّلَّاتِ طُرًّا ... كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ مِنْ وَبَالِ

32.                      وَقَبْلَ نُبُوَّةٍ حُفِظُوا بِحَقٍّ ... مِنَ الْكُفْرَانِ أَوْ شِرْكِ الضَّلَالِ

33.                      وَتَأْيِيدُ الْإِلَهِ لَهُمْ يَقِينٌ ... بِمُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُ فِي الْمَقَالِ

34.                      وَقَدْ فَضَلُوا مَلَائِكَةً بِحَقٍّ ... لِمَا حَازُوا مِنَ الرُّتَبِ الْعَوَالِي

35.                      وَخَاتِمُ عِقْدِهِمْ طَهَ الْمُقَفَّى ... شَفِيعُ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْمَآلِ

[فَصْلٌ فِي السَّمْعِيَّاتِ]

36.                      وَإِيمَانٌ بِسَمْعِيَّاتِ دِينٍ ... أَتَتْنَا بِالنُّصُوصِ بِلَا جِدَالِ

37.                      وَإِيمَانٌ بِأَمْلَاكٍ كِرَامٍ ... وَبِالْكُتْبِ الْمُبَيِّنَةِ الْحَلَالِ

38.                      سُؤَالُ الْمَرْءِ فِي قَبْرٍ يَقِينٌ ... وَتَنْعِيمٌ وَتَعْذِيبٌ بِحَالِ

39.                      وَبَعْثٌ ثُمَّ حَشْرٌ فِي صَعِيدٍ ... لِعَرْضِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ السُّؤَالِ

40.                      وَتُوزَنُ كُلُّ أَعْمَالِ الْبَرَايَا ... بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ فِي اعْتِدَالِ

41.                      وَجِسْرٌ لِلصِّرَاطِ عَلَى جَحِيمٍ ... يَمُرُّ الْعَبْدُ قَدْرَ الِامْتِثَالِ

42.                      وَجَنَّاتٌ لِأَهْلِ الْخَيْرِ فَضْلٌ ... وَنَارٌ لِلْعُصَاةِ ذَوِي الشِّمَالِ

43.                      وَحَوْضُ مُحَمَّدٍ لِلْخَلْقِ رِيٌّ ... شَفَاعَتُهُ سَبِيلٌ لِلْوِصَالِ

44.                      وَرُؤْيَةُ رَبِّنَا فِي الْخُلْدِ حَقٌّ ... بِلَا كَيْفٍ يُحَدُّ وَلَا مِثَالِ

[فَصْلٌ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ]

45.                      وَإِحْسَانٌ يُتَوِّجُ كُلَّ قَصْدٍ ... لِيَبْلُغَ فِي التُّقَى أَقْصَى الْمَنَالِ

46.                      عِبَادَةَ مَنْ تَرَقَّى فِي الشُّهُودِ ... كَأَنَّكَ نَاظِرٌ نُورَ الْجَلَالِ

47.                      وَإِنْ حُجِبَ الشُّهُودُ لِضَعْفِ قَلْبٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ بِحَالِي

48.                      وَطَهِّرْ مُضْغَةً فِي الصَّدْرِ حَتَّى ... تُنَزَّهَ عَنْ خَبِيثَاتِ الْخِلَالِ

49.                      تَخَلَّصْ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ غُرُورٍ ... وَمِنْ كِبْرٍ يُنَافِي لِلْكَمَالِ

50.                      وَسَلِّمْ فِي عَطَاءٍ أَوْ بِمَنْعٍ ... فَمَنْعُ اللَّهِ مَحْضٌ لِلنَّوَالِ

51.                      وَحَلِّ النَّفْسَ بِالْإِخْلَاصِ دَوْمًا ... وَزَيِّنْهَا بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ

52.                      وَلَازِمْ ذِكْرَهُ سِرًّا وَجَهْرًا ... لِتَحْيَا الرُّوحُ فِي أُنْسِ الْوِصَالِ

53.                      وَشَرْعُ اللَّهِ مِيزَانٌ جَلِيٌّ ... وَسُنَّةُ أَحْمَدٍ  خَيْرُ مِثَالِ

54.                      فَمَنْ يَتْرُكْ طَرِيقَ الشَّرْعِ يَغْوَى ... وَيَسْقُطْ فِي مَتَاهَاتِ الضَّلَالِ

55.                      فَهَذَا لُبُّ دِينِ اللَّهِ حَقًّا ... فَبَادِرْ لِلتُّقَى قَبْلَ ارْتِحَالِ

[الْخَاتِمَةُ]

56.                      وَخَاتِمَةُ الْمَقَالِ نَتُوبُ فِيهَا ... إِلَى الرَّحْمَنِ مِنْ زَلَلِ الْفِعَالِ

57.                      وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَى يَقِينٍ ... وَحُسْنَ الْخَتْمِ عِنْدَ الِانْتِقَالِ

58.                      وَبِاللَّامِيَّةِ السِّتِّينَ صُغْنَا ... وَوَافِرُ بَحْرِهَا زَانَ اعْتِدَالِي

59.                      وَصَلَّى اللَّهُ دَوْمًا مَا تَجَلَّى ... ضِيَاءُ الشَّمْسِ أَوْ نَجْمُ اللَّيَالِي

60.                      عَلَى الْمُخْتَارِ مَنْ خَتَمَ الْمَثَانِي ... وَآلِ الْبَيْتِ وَالصَّحْبِ الْأَوَالِي


عمان - المملكة الاردنية الهاشمية
في 22 شباط 2026م

 

 

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.