تَقْدِيمُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَمَذَاهِبُ الْأُصُولِيِّينَ فِيهِ
تَقْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ × مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَالْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ وُضِعَ أَصَالَةً لِلتَّشْرِيعِ وَخِطَابِ الْأُمَّةِ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، بَيْنَمَا الْفِعْلُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الِاحْتِمَالُ، فَقَدْ يَكُونُ مَخْصُوصًا بِهِ ×، أَوْ فُعِلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لِعُذْرٍ طَارِئٍ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا طَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الْقَوْلِيِّ الْقَاطِعِ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَحَلَّ إِجْمَاعٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ يُوَافِقُ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ، وَتَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ فِيهَا يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْخِلَافِ كَمَا يَلِي.
الْذْهَبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَقْضِي بِتَقْدِيمِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ لِقُوَّةِ دَلَالَةِ الْقَوْلِ عَلَى التَّشْرِيعِ الْعَامِّ، وَلِأَنَّ الْأَقْوَالَ لَا يَدْخُلُهَا الِاخْتِصَاصُ غَالِبًا بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي وَهُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ كَأَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَيَقْضِي بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْفِعْلَ أَقْوَى فِي رَفْعِ الِاحْتِمَالِ عَنِ الْمُرَادِ، وَلِأَنَّهُ يُمَثِّلُ التَّطْبِيقَ الْعَمَلِيَّ النِّهَائِيَّ، فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْقَوْلِ أَوْ نَاسِخًا لَهُ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ وَيَرَى التَّوَقُّفَ وَتَسَاقُطَ الدَّلِيلَيْنِ حَتَّى يَظْهَرَ مُرَجِّحٌ خَارِجِيٌّ، لِتَكَافُؤِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا صَادِرَيْنِ مِنَ الْمُشَرِّعِ ×، فَلَا يُصَارُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْقَوْلِ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَقْتَرِنَ فِعْلُهُ × بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَوَاتِرِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَرْتَقِي الْفِعْلُ الْمُؤَيَّدُ بِالْعَمَلِ لِيُقَدَّمَ عَلَى خَبَرِ الْآحَادِ الْقَوْلِيِّ، لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَوَاتِرَ أَقْوَى فِي الثُّبُوتِ مِنْ رِوَايَةِ الْآحَادِ، وَيُصْبِحُ الْفِعْلُ حِينَئِذٍ بَيَانًا لِنَسْخِ الْقَوْلِ أَوْ تَخْصِيصِهِ.