جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفــقـــه وأصوله. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفــقـــه وأصوله. إظهار كافة الرسائل

التسمية عند الوضوء عند المالكية: هل هي خصوص البسملة؟

التسمية عند المالكية: دراسة في مدلول اللفظ ومراتب الحكم ومواضع المشروعية
يقوم هذا البحث في تحرير مدلول «التسمية» عند المالكية على جملة من الأصول المذهبية الحاكمة، أولها: اعتبار القدر الذي يتحقق به أصل الحكم الشرعي، سواء أكان الحكم وجوبا أم سنة أم ندبا؛ إذ لا يكفي إثبات الحكم في الجملة، بل لا بد من تحرير القدر الذي يصدق به مسماه وتحصل به آثاره الشرعية، وقد جرى فقهاء المذهب على هذا المسلك، ومن شواهده ما نقل عن القابسي في التشهد من تحديد القدر المجزئ الذي تحصل به السنة.
وثانيها: اعتبار اصطلاح خليل نفسه ودلالة عبارته في «المختصر»، ولا سيما إذا عدل في موضع الاختصار عن عبارة مفصلة إلى لفظ مطلق، كما في قوله: «وتسمية»، دون أن يقيدها بقول «بسم الله». فلا يصح إهدار هذا الاختيار اللفظي بمجرد استحضار تفصيل سابق له في «التوضيح»، بل ينظر في دلالة الإطلاق، وفي مدى اعتماد خليل له في اختياره الأخير.
وثالثها: جمع النظائر الفقهية المتقاربة ومقارنة استعمال لفظ التسمية بينها؛ إذ لا يستقيم تحرير مدلول اللفظ في باب بمعزل عن استعماله في سائر أبواب المذهب، ولا سيما أن شراح المالكية صرحوا في الذكاة والصيد بأن المراد بالتسمية «ذكر الله من حيث هو، لا خصوص بسم الله»، مع اختلاف العبارات والأحكام في سائر المواضع.
ورابعها: التزام تقرير الشراح المحققين أصلا في فهم المذهب، مع عدم إغلاق باب التحقيق فيما لم يستوفوه بالبيان؛ فلا يخرج البحث عن المذهب بمجرد الاحتمال، ولا يجعل إطلاق خليل منشئا لقول جديد، وإنما يستقرأ نصوص المتقدمين والشراح، ويوازن بينها، ويبحث عن القرينة الفارقة بين المواضع، حتى ينتهي إلى ما يشهد له مجموع أصول المذهب وعبارات أئمته.

 من المسائل التي تحتاج إلى شيء من التحرير في فقه الطهارة عند المالكية: ما المراد بالتسمية عند الوضوء؟ وهل المقصود بها خصوص قول المتوضئ: «بسم الله»، أم أن لفظ التسمية أوسع من ذلك؟
وهذه المسألة لها أثر في فهم عبارة مختصر خليل، وفي تحديد رتبة التسمية من فضائل الوضوء، وفي فهم العلاقة بين التسمية والبسملة، بل يظهر نظير هذا المعنى بصورة أوضح في باب الذكاة.
 أولا: التسمية من فضائل الوضوء عند المالكية
قال خليل في جملة فضائل الوضوء: «وتسمية».
وهذا التعبير مهم؛ لأن خليل لم يقل: «وبسملة»، وإنما عبر بلفظ التسمية.
وقد صرح الدسوقي بأن جعلها من فضائل الوضوء هو المشهور من المذهب، فقال عند شرح عبارة خليل: «وتسمية»، أي بأن يقول عند الابتداء: «بسم الله»، وفي زيادة «الرحمن الرحيم» قولان.
وعليه فالتسمية عند الوضوء عند المالكية من الفضائل، لا من السنن الاصطلاحية للوضوء.
وهذا التفصيل ينبغي المحافظة عليه في التعبير؛ فلا يقال بإطلاق: «التسمية سنة الوضوء» إذا أريد بالسنة المرتبة الاصطلاحية عند المالكية، بل الأدق أن يقال:
التسمية من فضائل الوضوء على المشهور عند المالكية.
 ثانيا: لماذا عبر خليل بالتسمية ولم يقل البسملة؟
هذه الملاحظة تستحق النظر.فإن خليل قال:«وتسمية» ولم يقل: «وبسملة».
وقد يقال إن الشراح فسروا التسمية بالبسملة، كما قال الدردير: «بأن يقول عند الابتداء: بسم الله»، لكن يبقى السؤال: هل تفسير التسمية بقول «بسم الله» يعني أن لفظ التسمية في نفسه موضوع خصوصا لهذه العبارة؟
والذي يظهر أن الأمر يحتاج إلى التفريق بين جنس التسمية وبين أشهر أفرادها وأفضلها.
فالتسمية من حيث أصل معناها هي ذكر اسم الله تعالى، والبسملة أخص أفراد ذلك، بل هي الصيغة التي ينصرف إليها إطلاق التسمية في كثير من الاستعمالات.
ومن هنا يمكن فهم عبارة خليل على أن التسمية هي الأصل، والبسملة هي الصورة المشهورة التي يتحقق بها هذا الأصل.
ولا يلزم من كون الشُّراح فسروا التسمية بقوله «بسم الله» أن تكون التسمية والبسملة مترادفتين من كل وجه؛ فقد يفسر اللفظ العام بأشهر أفراده وأظهرها في مقام العمل.
 ثالثا: الحديث الوارد في التسمية عند الوضوء
أشهر ما ورد في الباب حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
وقد رواه الترمذي، وذكر أن في الباب أحاديث عن عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة وسهل بن سعد وأنس رضي الله عنهم.
لكن الحديث لم يسلم من الكلام الحديثي. فقد نقل الترمذي عن الإمام أحمد قوله:
«لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد». كما نقل عن البخاري أن أحسن ما في الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.
ومن ثم فالتحقيق أن أحاديث التسمية عند الوضوء ليست في درجة الأحاديث التي سلمت أسانيدها من المقال، وإن كان بعض أهل العلم قد قواها بمجموع طرقها، فلا يصح إطلاق القول بأن الباب خال من كل أصل حديثي، كما لا يصح القول إن فيه حديثا صحيحا متفقا على صحته.
 رابعا: ولفظ الحديث نفسه له دلالة
الملاحظ أن الحديث لم يقل: «لا وضوء لمن لم يقل بسم الله» وإنما قال: «لمن لم يذكر اسم الله عليه».
وهذا التعبير أوسع من مجرد التلفظ بصيغة معينة؛ لأن المدار في اللفظ النبوي على ذكر اسم الله.
وهذا يتفق من جهة الدلالة مع النظر إلى التسمية على أنها فرد من أفراد ذكر الله تعالى، وأن البسملة أشهر صيغها وأظهرها، لا أنها هي المعنى الوحيد الممكن للفظ التسمية.
وهنا تظهر فائدة اختيار خليل لفظ «التسمية» دون لفظ «البسملة».
فإن قلنا إن التسمية اسم لجنس ذكر اسم الله، كانت البسملة فردا منه، وكان قول «بسم الله» هو الصورة التي نص عليها المذهب في بيان كيفية تحصيل هذه الفضيلة.
أما جعل لفظ التسمية مرادفا للبسملة على وجه لا يحتمل غيرها، فيحتاج إلى دليل أقوى من مجرد كون الشراح فسروها بأشهر أفرادها.
 خامسا: ضعف الحديث لا يثبت وحده هذا المعنى بل يهبط المدرك الفقهي من كونه سنة الى مندوب لعدم الثبوت الصحيح وان التحسين بمجموع الطرق ليس منهج المالكية في اعتماد الحديث في السنن. وعليه؛ ينبغي مع ذلك الاحتراز فلا يصح أن يقال: «لما كان حديث التسمية ضعيفا ثبت أن التسمية مطلق الذكر».
فهذا لا يلزم. وإنما وجه الاستفادة أن النص الذي ورد في الباب لم يثبت بلفظ يقتضي تعيين صيغة «بسم الله» تعيينا لا يحتمل غيرها، بل جاء اللفظ المشهور فيه بذكر اسم الله.
فاجتماع أمرين يقوي هذا الفهم:
أحدهما: اختيار خليل لفظ «التسمية».
والثاني: أن الحديث الوارد في الباب عبر عن الأمر بـ ذكر اسم الله، مع ما في أسانيده من الكلام.
وهذا كله ينسجم مع حمل التسمية على أصلها الأوسع، مع كون البسملة هي الصورة المشهورة والأكمل في مقام الأداء.
 سادسا: ماذا عن قول «بسم الله» وقول «بسم الله الرحمن الرحيم»؟
قال الدردير في شرح عبارة خليل:
«وتسمية، بأن يقول عند الابتداء: بسم الله، وفي زيادة الرحمن الرحيم قولان».
وهذا النص مهم في تحرير محل النزاع.
فأصل التسمية يحصل بقول: «بسم الله». وأما زيادة: «الرحمن الرحيم» 
فليست داخلة في أصل التسمية عند من فسرها بهذا الوجه، وإنما وقع الخلاف في استحباب الزيادة.
وعليه لا يصح أن يقال إن من اقتصر على «بسم الله» قد ترك التسمية؛ بل قد أتى بأصل الفضيلة.
أما من ترك التسمية بالكلية فقد فاته ما عده المالكية من فضائل الوضوء.
والأدق في العبارة أن نقول: من ترك التسمية فقد ترك فضيلة من فضائل الوضوء، وأما الاقتصار على «بسم الله» فهو محصل لأصل التسمية، وأما إتمامها بـ«الرحمن الرحيم» ففيه الخلاف المنقول.
 سابعا: نظير هذه المسألة في باب الذكاة
ويظهر هذا المعنى بصورة أوضح في باب الذكاة.
فقد نقل الحطاب في مواهب الجليل عن ابن حبيب أن الذابح إذا قال:
«بسم الله» أجزأه، وكذلك إذا قال: «الله أكبر» فقط، أو قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، أو: «لا إله إلا الله»، أو: «سبحان الله» من غير تسمية،  أجزأه، ثم قال إن ما مضى عليه الناس أحسن، وهو: «بسم الله والله أكبر». كما نقله الشيخ عليش في المنح
وهذا النص شديد الأهمية؛ لأنه يبين أن البحث في التسمية عند المالكية لا ينحصر بالضرورة في الصيغة اللفظية «بسم الله».
بل إن بعض النقل المالكي عبر عن ذلك بعبارة أوضح، وهي أن المقصود ذكر الله من حيث هو، لا خصوص «باسم الله»، لكنه الأفضل.
وهذا يؤيد من جهة أصل الاستعمال الفقهي أن التسمية أوسع من البسملة، وأن البسملة هي الصورة الأفضل والأشهر من أفرادها.
 ثامنا: النتيجة في تحرير المسألة
بناء على ما تقدم يمكن تحرير المسألة في نقاط متتابعة:
1. التسمية عند الوضوء فضيلة من فضائل الوضوء عند المالكية على المشهور، وليست من سننه الاصطلاحية.
2. وعبارة خليل جاءت بلفظ «التسمية»، لا بلفظ «البسملة».
3. والحديث الأشهر في الباب: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، وقد تكلم أئمة الحديث في أسانيده، حتى نقل الترمذي عن الإمام أحمد أنه لا يعلم في الباب حديثا له إسناد جيد.
أ ) ليس في ذلك ما يثبت وحده أن التسمية أعم من البسملة، لكنه يتفق مع هذا الفهم من جهة أن اللفظ النبوي جاء بذكر اسم الله لا بتعيين صيغة «بسم الله».
ب) ويزداد هذا المعنى قوة من جهة الاستعمال الفقهي المالكي في باب الذكاة، مما يدل على أن مناط التسمية عند ذلك الاعتبار هو ذكر الله، وإن كانت صيغة «بسم الله والله أكبر» هي التي جرى عليها عمل الناس والأحسن في الأداء.
وعليه فالأقرب في تحرير العبارة:
التسمية جنس من ذكر الله تعالى، والبسملة أحد أفرادها وأشهرها، ولفظ «بسم الله» هو الصورة التي نص عليها المذهب لتحصيل فضيلة التسمية في الوضوء، وأما الزيادة بـ«الرحمن الرحيم» ففيها الخلاف المنقول.
وهذا يفسر بدقة لماذا عبر خليل عن المسألة بـ «التسمية»، ولم يعبر عنها بلفظ «البسملة».
ومواضع التسمية مع حكمها هكذا:
1. الوضوء: مندوبة، وهي من فضائل الوضوء على المشهور.
2. الغسل: مندوبة.
3. التيمم: مندوبة.
4. الأكل والشرب: سنة.
5. الذكاة: واجبة مع الذكر والقدرة.
6. الركوب: مندوبة.
7. دخول المنزل والخروج منه: مندوبة.
8. دخول المسجد والخروج منه: مندوبة.
9. لبس الثوب ونزعه: مندوبة.
10. غلق الباب وفتحه: مندوبة.
11. إيقاد المصباح وإطفاؤه: مندوبة.
12. الوطء المباح: مندوبة.
13. صعود الخطيب المنبر: مندوبة.
14. تغميض الميت: مندوبة.
15. إلحاد الميت في قبره: مندوبة.
16. تلاوة القرآن: مندوبة.
17. النوم: مندوبة.
18. ابتداء الطواف: مندوبة.
19. دخول الخلاء: مندوبة.
20. السواك: مندوبة.

ويضاف إلى ذلك أن التسمية لا تشرع في بعض المواضع، منها: الحج والعمرة، والأذان، وذكر الصلاة، والدعاء.
وعليه؛
صرح شراح المالكية في باب الذكاة والصيد بأن المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو، لا خصوص قول: بسم الله، ونصوا على إجزاء أنواع من الذكر، كقول: الله أكبر، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، وإن جعلوا قول: بسم الله والله أكبر هو الأفضل. وأما سائر مواضع التسمية، كالوضوء والغسل والتيمم والأكل والشرب ونحوها، فلم أقف فيما تقدم من نصوص الشراح على تصريح مماثل بتفسير التسمية 
بمطلق الذكر، وإنما فسروا بعضها بقول: بسم الله.
موقف الشيخ خليل :
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن خليل بن إسحاق قد صرح في «التوضيح» عند حديثه عن التسمية في الوضوء بأن صفتها أن يقول: «بسم الله»، وهذا يفيد أن مراده بالتسمية في ذلك الموضع كان منضبطا بهذه الصيغة، ولم يصرح هناك بحملها على مطلق ذكر الله تعالى. غير أن محل بحثنا هنا ليس مجرد تحرير مذهبه في «التوضيح»، وإنما النظر في اختياره الأخير الذي استقر عليه في «المختصر»، حيث عدل عن هذا التفصيل فقال: «وتسمية» مطلقا.
وهذا العدول اللفظي لا يخلو من احتمالات ثلاثة: أولا: أن يكون اختصاره هنا لم يغير مراده السابق، وإنما حذف التفصيل اعتمادا على ما سبق تقريره في «التوضيح»، فيكون «وتسمية» محمولا على ما فسره به من قول «بسم الله». وثانيا: أن يكون هذا الإطلاق ناشئا عن طبيعة «المختصر»، إذ المقصود فيه جمع الأحكام بأوجز عبارة، فاقتضى ذلك حذف بيان الصفة والاكتفاء باسم الجنس الذي يندرج تحته التفصيل السابق. وثالثا: أن يكون عدوله عن التقييد في «التوضيح» إلى الإطلاق في «المختصر» مقصودا، بحيث لم يعد يريد حصر التسمية في خصوص لفظ «بسم الله»، ولا سيما أن لفظ «التسمية» أوسع من لفظ «البسملة» من جهة الوضع والاستعمال، وقد ثبت في مواضع أخرى من كلام أئمة المذهب حمل التسمية على مطلق ذكر الله تعالى.

وعليه، فلا يصح أن نجزم بمجرد لفظ «وتسمية» بأن خليل قد عدل عن اختياره السابق، كما لا يصح أن نجزم بالعكس وأن نجعل الإطلاق مجرد اختصار لا دلالة له؛ بل الواجب أن يقرأ اختياره في «المختصر» في ضوء مجموع كلامه، مع استحضار الفرق بين مقام التفصيل في «التوضيح» ومقام الاختصار في «المختصر»، ثم النظر في القرائن الداخلية والخارجية التي يمكن أن ترجح أحد الاحتمالين.
خاتمة :
وعليه، فالأصل في تحقيق المذهب الالتزام بما قرره شراحه المحققون؛ لأنهم أدرى بمآخذ المذهب وأصوله، واجتهاد الباحث في تحرير المذهب لا يكون بالخروج عن تقريراتهم بمجرد الاحتمال. غير أن ذلك لا يمنع من إعادة النظر في المسائل التي لم يستوف الشراح تحقيق وجوهها، ولا سيما إذا ظهرت قرائن من عبارات أئمة المذهب نفسها تستدعي مزيد تحرير.

وختاما
ومما يقوي هذا المسلك في تحرير مدلول التسمية النظر في القدر الذي يتحقق به أصل الحكم الشرعي؛ فإن الفقيه قد يطلق الحكم على معنى له أفراد وصور متعددة، ثم يحتاج إلى بيان الحد الذي يصدق به الاسم ويحصل به أصل المقصود، وما زاد عليه يكون من تمام الصفة وكمالها. وقد نقل عن القابسي في التشهد أن القدر الذي تحصل به السنة هو الشهادتان دون سائر ألفاظ التشهد، وهو شاهد على اعتبار هذا الضابط في تحرير الألفاظ الشرعية وأقدارها المجزئة.

وبناء على ذلك، فإذا كان شراح المالكية قد صرحوا في التسمية عند الذكاة والصيد بأن المراد بها «ذكر الله من حيث هو، لا خصوص بسم الله»، فلا ينبغي الوقوف عند مجرد إثبات أن البسملة ليست متعينة، بل يتجه البحث إلى سؤال أدق: ما القدر الذي يتحقق به مسمى ذكر الله الذي عبر عنه الفقهاء بالتسمية؟ وهل كل ذكر لله يتحقق به هذا المسمى، أم أن له قيدا أو وصفا لا بد من اعتباره؟
وهذا التحقيق مهم؛ لأن الفرق بين أصل التسمية وبين الصيغة الأكمل لها قد يفسر اختلاف الألفاظ التي نص المالكية على إجزائها، مع كون «بسم الله» أو «بسم الله والله أكبر» هو الأكمل والأفضل. فإذا ثبت أن المقصود في هذا الباب هو تحقق أصل ذكر الله، أمكن بعد ذلك النظر في بقية المواضع التي عبر فيها خليل بلفظ «التسمية»، ومنها الوضوء، لمعرفة هل المراد فيها كذلك تحقق أصل الذكر، أم أن لكل باب قرينة تخصص مدلول التسمية فيه.

وبذلك لا يكون المقصود نقل حكم التسمية في الذكاة إلى الوضوء بلا دليل، وإنما استثمار طريقة المالكية في تحرير القدر المعتبر من الألفاظ الشرعية، ثم البحث عن القرينة التي تقتضي تخصيص مدلول التسمية أو إبقاءه على إطلاقه في كل موضع.


وكتبه : د. زياد حبُّوب أبو رجائي

عبارة تأمل عند الفقهاء

تُعَدّ عِبَارَةُ «فَتَأَمّلْ» (وَمَا يَشْتَقّ مِنْهَا كَـ «تَأَمّلْ») مِنْ أَبْرَزِ المُصْطَلَحَاتِ الدّقِيقَةِ فِي لُغَةِ الفُقَهَاءِ وَالْحَوَاشِي، وَخَاصّةً عِنْدَ مُتَأَخّرِي المَالِكِيّةِ كَالشّيْخِ الدّرْدِيرِ وَالْعَلّامَةِ الدّسُوقِيّ.

أولًا: المَعْنَى العَامّ لِلْمُصْطَلَحِ عِنْدَ الفُقَهَاءِ

يَقْصِدُ الفُقَهَاءُ بقَوْلِهِمْ «فَتَأَمّلْ» عَقِيبَ عَرْضِ المَسْأَلَةِ أَوْ التّوْجِيهِ:

إِشَارَةً لَطِيفَةً إِلَى وُجُودِ دِقّةٍ أَوْ إِشْكَالٍ أَوْ دَخَلٍ خَفِيّ فِي الكَلَامِ المَذْكُورِ لاَ يَظْهَرُ لِلْمُبْتَدِئِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ، وَدَعْوَةً لِلنّاظِرِ إِلَى إِعَادَةِ الفِكْرِ وَإِجَالَةِ النّظَرِ.

وَهِيَ تُمَثّلُ أَدَاةً نَقْدِيّةً مُؤَدّبَةً، بَدَلًا مِنْ الصّرَاحَةِ بالتّخْطِئَةِ أَوْ الجَزْمِ بالبُطْلاَنِ، كَأَنّ الشّارِحَ أَوْ المحّقَ يَقُولُ: "إِنّ فِي هَذَا الوَجْهِ أَوْ التّعْلِيلِ أَمْرًا يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةٍ وَإِعَادَةِ نَظَرٍ دَقِيقٍ".

ثانيًا: أَقْسَامُ وَمَرَاتِبُ كَلِمَةِ «تَأَمّلْ» عِنْدَ الفُقَهَاءِ

قَسّمَ أَهْلُ التّحْقِيقِ عِبَارَاتِ النّظَرِ وَالتّأَمّلِ إِلَى مَرَاتِبَ تُفِيدُ قُوّةَ الإِشْكَالِ أَوْ ضَعْفَهُ:

1.    «فَتَأَمّلْ» (بالفَاءِ):

o        تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِذَا كَانَ الإِشْكَالُ دَقِيقًا أَوْ خَفِيّا، أَوْ أَنّ المَكْنُونَ فِي الكَلَامِ يَحْتَاجُ إِلَى لَطَافَةِ ذِهْنٍ لِلْوُقُوفِ عَلَى مَكْنُونِهِ أَوْ الدّخَلِ الّذِي فِيهِ.

2.    «تَأَمّلْ» (بلاَ فَاءٍ):

o        تُسْتَعْمَلُ إِذَا كَانَ الإِشْكَالُ أَكْثَرَ ظُهُورًا وَأَقَلّ خَفَاءً.

ثالثًا: المَقَاصِدُ الدّقِيقَةُ لِلْمُصْطَلَحِ عِنْدَ المَالِكِيّةِ (الَدّرْدِيرِ وَالدّسُوقِيّ)

عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ صَنِيعِ الشّيْخِ أَحْمَدَ الدّرْدِيرِ فِي «الشّرْحِ الكَبيرِ» أَوْ «الشّرْحِ الصّغِيرِ»، وَالعَلّامَةِ مُحَمّدٍ الدّسُوقِيّ فِي «حَاشِيَتِهِ»، نَجِدُ أَنّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ مَقَاصِدَ المَصِيرِ إِلَيْهَا، أَبْرَزُهَا:

1. التّنْبيهُ عَلَى ضَعْفِ التّعْلِيلِ أَوْ التّوْجِيهِ

قَدْ يَذْكُرُ الشّارِحُ (كَالدّرْدِيرِ) تَوْجِيهًا أَوْ دَلِيلًا لِمَسْأَلَةٍ ثُمّ يَقُولُ فِي خِتَامِهِ: «فَتَأَمّلْ»؛ وَيَقْصِدُ بهِ أَنّ هَذَا التّوْجِيهَ المَذْكُورَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا إِلاّ أَنّ فِي سَنَدِهِ أَوْ طَرْدِهِ ضَعْفًا.

·         مِثَالُهُ: عِنْدَمَا يَعْلَلُ الشّارِحُ حُكْمًا بمُنَاسَبَةٍ ظَاهِرَةٍ تُخَالِفُ أُصُولَ المَذْهَب القَوِيّةِ، فَيُقَيّدُهَا بـ «فَتَأَمّلْ»؛ لِيُنَبّهَ أَنّ فِي التّعْلِيلِ خَلَلًا أَوْ أَنّهُ غَيْرُ مُطّرِدٍ.

2. الإِشَارَةُ إِلَى وُقُوعِ المسَامَحَةِ فِي التّعْبيرِ أَوْ المثَالِيّةِ

تُسْتَخْدَمُ لِلتّنْبيهِ عَلَى أَنّ فِي عِبَارَةِ المَتْنِ (كَمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ) أَوْ الكَلاَمِ المَسْرُودِ نَوْعًا مِنَ التّسَامُحِ اللّفْظِيّ أَوْ التّشْبيهِ المَشْرُوطِ عَالَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ.

·         تَطْبيقٌ مِمّا مَرّ مَعَكَ: حِينَ يُشَبّهُ الصّدَاقُ بالبَيْعِ أَوْ الثّمَنِ فِي مَسَائِلَ تَفْتَرِقُ فِيهَا الأحْكَامُ (كَالِاسْتِحْقَاقِ الّذِي يُبْطِلُ البَيْعَ وَلاَ يُبْطِلُ النّكَاحَ)، يَذْكُرُ الدّرْدِيرُ الحُكْمَ ثُمّ يَقُولُ: «فَتَأَمّلْ»؛ لِلإِشَارَةِ إِلَى أَنّ التّشْبيهَ كَانَ فِي الجُمْلَةِ وَلَيْسَ تَاَمّا، وَأَنّ الإِطْلاَقَ فِيهِ المسَامَحَةُ.

3. التّحْذِيرُ مِنْ قِيَاسٍ زَائِفٍ أَوْ إِيهَامِ الخِلاَفِ

عِنْدَمَا يَتَوَهّمُ الطّالِبُ أَنّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ قِيَاسٌ عَلَى غَيْرِهَا أَوْ أَنّ فِيهَا خِلاَفًا يَجْرِي، يُورِدُ الفَقِيهُ الحُكْمَ المَعْتَمَدَ ثُمّ يَخْتِمُ بـ «فَتَأَمّلْ»، لِيَمْنَعَ الذّهْنَ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى ذَاَكَ المتَوَهّمِ.

4. الإِشَارَةُ إِلَى جَوَاب الَإِشْكَالِ عِنْدَ المحَقّقِينَ

فِي حَاشِيَةِ الدّسُوقِيّ، حِينَمَا يَقُولُ الدّرْدِيرُ «فَتَأَمّلْ»، يَأْتِي الدّسُوقِيّ لِيَفُكّ هَذَا الشّفْرَةَ الفِقْهِيّةَ غَالِبًا بقَوْلِهِ:

«قَوْلُهُ: (فَتَأَمّلْ)؛ إِشَارَةٌ إِلَى كَذَا وكَذَا...» أَوْ «دَلّ بهِ إِلَى أَنّ فِي هَذَا التّشْبيهِ مَسَامَحَةً لِأَنّ...».

رَابعًا: صَنِيعُ الدّسُوقِيّ فِي حَلّ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الدّرْدِيرِ

العَلّامَةُ الدّسُوقِيّ فِي حَاشِيَتِهِ يُعْتَبَرُ أَعْظَمَ مَنْ حَرّرَ وَفَكّ إِشَارَاتِ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الشّيْخِ الدّرْدِيرِ.

فِعِنْدَمَا يَرِدُ هَذَا المُصْطَلَحُ، يُحَلّلُهُ الدّسُوقِيّ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

1.    وَجْهُ الخَفَاءِ: بَيَانُ أَيْن يَكْمُنُ المَزْلَقُ فِي العِبَارَةِ.

2.    وَجْهُ المسَامَحَةِ: بَيَانُ بَعْدِ العِبَارَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ المحَقّقِ المعْتَمَدِ فِي المَذْهَب.

3.    وَجْهُ الرّدّ: حَشْدُ الأَدِلّةِ وَالأُصُولِ لِبَيَانِ اسْتِحَالَةِ الأَخْذِ بظَاهِرِ الكَلاَمِ المرُوضِ.

وَمَحَلّ الشّاهِدِ:

قَالَ الشّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: الصّدَاقُ كَالثّمَنِ... كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ لَا هُوَ

وَعَقّبَ الإِمَامُ الدّرْدِيرُ فِي الشّرْحِ الكَبيرِ عَلَى اخْتِيَارِ العَبْدِ فِي الصّدَاقِ وَمُقَارَنَتِهِ بالبَيْعِ قَائِلًا:

وَمَثّلَ لِمَا يَجُوزُ صَدَاقًا وَثَمَنًا بقَوْلِهِ: (كَعَبْدٍ) مِنْ عَبيدٍ ملُوكَةٍ لِلزّوْجِ أَوْ لِلْبَائِعِ حَاضِرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ غَائِبَةٍ وَوُصِفَتْ، (تَخْتَارُهُ هِيَ) لِأَنّهُ دَاخِلٌ عَلَى أَنّهَا تَخْتَارُ الأَحْسَنَ، وَكَذَا المُشْتَرِي فَلَا غَرَرَ، (لَا) يَخْتَارُهُ (هُوَ) أَيْ الزّوْجُ، وَكَذَا البَائِعُ لِحُصُولِ الغَرَرِ، إِذْ لَا يَتَعَيّنُ أَنْ يَخْتَارَ الأَدْنَى، فَتَأَمّلْ

تَفْكِيكٌ وَتَطْبيقٌ لِمُصْطَلَحِ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الدّرْدِيرِ:

حِينَ يَخْتِمُ الإِمَامُ الدّرْدِيرُ التّعْلِيلَ بعِبَارَةِ «فَتَأَمّلْ»، فَإِنّهُ يَضَعُ إِشَارَةً نَقْدِيّةً خَفِيّةً تُنَبّهُ الطّالِبَ إِلَى أَنّ ظَاهِرَ التّعْلِيلِ المَذْكُورِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ وَدَخَلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

التّنْبيهُ عَلَى ضَعْفِ التّعْلِيلِ وَطَرْدِ القِيَاسِ: ذَكَرَ الدّرْدِيرُ فِي الظّاهِرِ أَنّ اخْتِيَارَ الزّوْجِ متَنِعٌ «لِأَنّ الزّوْجَ لَا يَتَعَيّنُ أَنْ يَخْتَارَ الأَدْنَى»؛ وَفِي هَذَا التّعْلِيلِ خَلَلٌ أُصُولِيّ وَنَظَرِيّ، إِذْ إِنّ طَبْعَ المعَاوَضَاتِ يَقْتَضِي أَنّ الزّوْجَ (كَبَائِعٍ) يَمِيلُ غَالِبًا لِاخْتِيَارِ الأَدْنَى رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَالزّوْجَةُ (كَمُشْتَرٍ) تَخْتَارُ الأَرْفَعَ، فَالدّخُولُ عَلَى الِاخْتِيَارِ مَبْنِيّ عَلَى مُشَاحّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التّرَدّدُ المَجْهُولُ المسَبّبُ لِلْغَرَرِ الشّدِيدِ.

الإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَالِ التّنَاظُرِ بَيْنَ النّكَاحِ وَالبَيْعِ: اسْتِعْمَالُ «فَتَأَمّلْ» جَاءَ لِيُرْشِدَ النّاظِرَ إِلَى أَنّ القِيَاسَ الشّكْلِيّ بَيْنَ الزّوْجِ وَالزّوْجَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَبَيْنَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لَيْسَ طَرْدِيّا فِي كُلّ الصّوَرِ: فَفِي البَيْعِ: الِاخْتِيَارُ لِلْمُشْتَرِي جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَيُمْنَعُ لِلْبَائِعِ فِي العَدَدِ القَلِيلِ (ثَلَاثَةٍ فَأَقَلّ). وَفِي النّكَاحِ: خَصّ المعْتَمَدُ التّخْيِيرَ بالزّوْجَةِ فِي العَدَدِ القَلِيلِ، وَمَنَعَهُ عَنِ الزّوْجِ، مَعَ أَنّ كُلّا مِنْهُمَا إِنّمَا يَخْتَارُ مَا يُحَقّقُ مَصْلَحَتَهُ المَالِيّةَ.


من كتاب إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - باب النكاح الجزء 35 ص 290

أثر اختلاف الإعراب في استنباط الحكم الفقهي

 قَالَ الْقَرَافِيُّ: حَكَى صَاحِبُ «مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ» أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي، المتوفى سنة 337هـ،

 أَنَّ الرَّشِيدَ كَتَبَ إِلَى قَاضِيهِ أَبِي يُوسُفَ يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه، وأول من اشتهر بلقب قاضي القضاة في الدولة العباسية. هَذِهِ الْأَبْيَاتَ يَمْتَحِنُهُ بِهَا:

فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ ** وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ

فَأَنْتِ طَلَاقٌ، وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ ** ثَلَاثٌ، وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ

فَبِينِي بِهَا إِنْ كُنْتِ غَيْرَ رَفِيقَةٍ ** وَمَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُقَدَّمُ

وَقَالَ لَهُ: «إِذَا نَصَبْنَا «ثَلَاثًا» مَا يَلْزَمُهُ؟ وَإِذَا رَفَعْنَاهَا مَا يَلْزَمُهُ؟».

فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَحَمَلَ الرُّقْعَةَ إِلَى الْكِسَائِيِّ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّرْبِ، فَقَالَ لَهُ الْكِسَائِيُّ: اكْتُبْ لَهُ فِي الْجَوَابِ: «يَلْزَمُ بِالرَّفْعِ وَاحِدَةً؛ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ الَّذِي هُوَ «الطَّلَاقُ» الثَّانِي، وَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا قَوْلُهُ: «فَأَنْتِ طَلَاقٌ»، فَيَلْزَمُ وَاحِدَةً.

وَبِالنَّصْبِ: ثَلَاثًا، عَلَى التَّمْيِيزِ لِقَوْلِهِ: «فَأَنْتِ طَلَاقٌ». وَلَا يُقَالُ: كَمَا يُمْكِنُ نَصْبُهُ تَمْيِيزًا عَنِ الْأَوَّلِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنِ الثَّانِي أَيْضًا، أَوْ حَالًا مِنْهُ؛ أَيْ: الطَّلَاقُ مُعْزَمٌ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا. فَلِمَ خُصَّ التَّمْيِيزُ بِالْأَوَّلِ؟

لِأَنَّ الْأَوَّلَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً شَدِيدُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّمْيِيزِ، وَالثَّانِي غَنِيٌّ بِتَعْرِيفِهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ النَّاشِئِ عَنْ لَامِ التَّعْرِيفِ عَنِ الْبَيَانِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَجِّحُ».

قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ.

فَيُحْكَى أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَ بِهَذِهِ الرُّقْعَةِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَجَاءَهُ الْجَوَابُ مِنْ سَاعَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي يُوسُفَ بِغِالٍ مُوَسَّقَةٍ قُمَاشًا وَتُحَفًا جَائِزَةً عَلَى الْجَوَابِ، فَبَعَثَ بِهَا أَبُو يُوسُفَ إِلَى الْكِسَائِيِّ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا أَبُو يُوسُفَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَعَانَهُ عَلَى الْجَوَابِ.

قَالَ فِي «الْمُغْنِي»: «وَأَقُولُ: إِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلثَّلَاثِ وَالْوَاحِدَةِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ «أَلْ» فِي الرَّفْعِ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْكَمَالِ، بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَتَحْتَمِلُ الْعَهْدَ، فَيَلْزَمُ الثَّلَاثُ؛ وَلِأَنَّ «ثَلَاثًا» فِي النَّصْبِ لَا يَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ إِلَى «طَلَاقٍ»، بَلْ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَزِيمَةٌ»، فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ. هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَهُ هَذَا الشَّاعِرُ الْمُعَيَّنُ فَهُوَ الثَّلَاثُ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: «فَبِينِي بِهَا»».

قَالَ ابْنُ غَازِي: «وَهُوَ تَحْرِيرٌ عَجِيبٌ».

وَقَالَ عَبْدُ الْبَاقِي: «مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا لُزُومُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ احْتِيَاطًا».

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: «ذَلِكَ صَحِيحٌ؛ إِذْ حَيْثُ تَبَيَّنَ احْتِمَالُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ تَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَيْهَا احْتِيَاطًا، كَمَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ».

وَعَلَى كَوْنِهِ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَزِيمَةٌ» يَحْتَمِلُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ، كَمَا قَالَهُ الدَّمَامِينِيُّ، رَدًّا عَلَى صَاحِبِ «الْمُغْنِي»، بِأَنْ تُجْعَلَ «أَلْ» لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: «وَالطَّلَاقُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَيْسَ بِلَغْوٍ وَلَا لَعِبٍ، بَلْ هُوَ مُعْزَمٌ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا».

وَقَوْلُهُ: «تَخْرُقِي» بِفَتْحِ التَّاءِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَضَمِّ الرَّاءِ. قَالَ فِي «الْمِصْبَاحِ»: «خَرَقَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ» مَعْنَاهُ تَعِبَ، وَ«خَرِقَ الرَّجُلُ» مِنْ بَابِ تَعِبَ إِذَا دَهِشَ مِنْ حَيَاءٍ أَوْ خَوْفٍ، وَ«خَرُقَ» بِالضَّمِّ «يَخْرُقُ» إِذَا عَمِلَ شَيْئًا فَلَمْ يُرَفِّقْ فِيهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ هُنَا.

### ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْإِعْرَابِ

الثَّمَرَةُ هُنَا ظَاهِرَةٌ جِدًّا؛ فَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حَرَكَةِ «ثَلَاث» خِلَافًا لَفْظِيًّا، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى، وَمِنْ ثَمَّ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى اللَّفْظِ.

فَعَلَى الرَّفْعِ: «ثَلَاثٌ»، يَكُونُ «ثَلَاثٌ» خَبَرًا، وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ: «وَالطَّلَاقُ ثَلَاثٌ»، فَيَتَّجِهُ إِلَى إِثْبَاتِ الثَّلَاثِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ صَاحِبُ «الْمُغْنِي» بِالنَّظَرِ إِلَى احْتِمَالِ «أَلْ» لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

وَعَلَى النَّصْبِ: «ثَلَاثًا»، يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ تَوْجِيهٍ إِعْرَابِيٍّ؛ فَإِنْ جُعِلَ تَمْيِيزًا لِـ«طَلَاقٍ» فَهُوَ مِمَّا يَقْتَضِي تَعْدَادَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ جُعِلَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَزِيمَةٌ»، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: «وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا»، فَيَتَوَجَّهُ أَيْضًا مَعَ هَذَا التَّقْدِيرِ إِلَى الثَّلَاثِ عَلَى تَأْوِيلِ الدَّمَامِينِيِّ.

وَأَمَّا عَلَى تَحْرِيرِ ابْنِ هِشَامٍ فَالْفَرْقُ أَوْضَحُ: الرَّفْعُ يَلْزَمُ مِنْهُ وَاحِدَةٌ، وَالنَّصْبُ يَلْزَمُ مِنْهُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ «ثَلَاثًا» فِي النَّصْبِ تَمْيِيزٌ لِلنَّكِرَةِ «طَلَاقٍ»، فَتَكُونُ الثَّلَاثُ مَبْيِّنَةً لِمُبْهَمِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ.

لَكِنَّ ابْنَ هِشَامٍ فِي «الْمُغْنِي» نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مُجَرَّدِ تَعْيِينِ الْإِعْرَابِ إِلَى بَيَانِ احْتِمَالِ الْمَعْنَى؛ فَقَرَّرَ أَنَّ كِلَا الْإِعْرَابَيْنِ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَ وَالثَّلَاثَ، وَأَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ دَلَالَةَ اللَّفْظِ إِلَى الثَّلَاثِ هُوَ السِّيَاقُ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: «فَبِينِي بِهَا» وَ«مَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُقَدَّمُ».

وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الْبَاقِي أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لُزُومُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ احْتِمَالُ الثَّلَاثِ فِي الْوَجْهَيْنِ، حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهَا احْتِيَاطًا فِي بَابِ الطَّلَاقِ.

 ثَمَرَةِ الْخِلَافِ: 

أَنَّ اخْتِلَافَ الْإِعْرَابِ فِي «ثَلَاثٌ/ثَلَاثًا» يَؤَثِّرُ فِي تَعْيِينِ مَرْجِعِ الْعَدَدِ وَوَجْهِ دَلَالَتِهِ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ نَفْسِهِ؛ فَعَلَى بَعْضِ التَّوْجِيهَاتِ تَلْزَمُ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى أُخْرَى تَلْزَمُ الثَّلَاثُ، وَعَلَى مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ عَبْدُ الْبَاقِي عَنِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ تُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ احْتِيَاطًا.

:::


صناعة الاستنباط : حديث مَن أحدث في أمرنا

  استخراج المسائل المسكوت عنها من النصوص فالأدق أن يُبنى المقال على هذا النسق التحليلي؛ لأنه يميز بين مجرد المعنى المستنبط وبين المسلك الأصولي الذي أنتجه.

 المسكوت عنه في حديث «مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد»

 دراسة أصولية في المفاهيم والدلالات ومسالك العلة

النص : قال رسول الله ﷺ: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

يمثل هذا الحديث نموذجًا صالحًا للتدريب على استخراج الأحكام المسكوت عنها من النصوص الشرعية؛ إذ إن دلالته لا تقف عند الحكم المنطوق، وهو ردُّ ما أُحدث في أمر الدين مما ليس منه، بل تتضمن بنيته التركيبية عددًا من القيود والأوصاف التي يمكن أن يستنبط منها أحكام أخرى بطريق المفاهيم، بشرط مراعاة القواعد الأصولية في حجية كل مفهوم وحدود دلالته.

ويمكن تحليل النص على النحو الآتي:


 أولًا: المنطوق

محل الدلالة: قوله ﷺ: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

نوع الدلالة: المنطوق الصريح.

وجه الدلالة: علَّق الشارع الحكم على مَن أحدث في أمر الدين شيئًا ليس منه، ورتب عليه وصف الرد.

الحكم المستنبط: أن المحدث في أمر الدين إذا كان مما ليس منه فهو مردود غير معتبر شرعًا.

قيد الاستنباط: أن مناط الحكم ليس مجرد الحدوث، بل الحدوث في أمر الدين مع كون المحدث ليس منه.


 ثانيًا: مفهوم الصفة في قوله «ما ليس منه»

محل الدلالة: قوله ﷺ: «ما ليس منه».

نوع المفهوم: مفهوم الصفة، أو مفهوم القيد باعتبار اختلاف اصطلاح الأصوليين في تسمية هذا النوع.

وجه الدلالة: لما قُيِّد المحدث الموجب للرد بكونه «ليس منه»، دل ذلك على أن الحكم المترتب في النص مرتبط بهذا الوصف.

الحكم المستنبط: أن ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور في الحديث من جهة هذا الوصف.

قيد الاستنباط: لا يلزم من انتفاء وصف «ليس منه» ثبوت حكم معين كالوجوب أو الندب أو الإباحة؛ لأن المفهوم هنا يرفع حكم الرد عن محل انتفى عنه قيده، ولا ينشئ حكمًا شرعيًا آخر بنفسه.

وهذه نقطة مركزية في تحرير المفاهيم؛ إذ لا يصح الانتقال من:

 ليس مردودًا بهذا الحديث

إلى: فهو مشروع أو مندوب

إلا بدليل زائد.

 ثالثًا: مفهوم الشرط في قوله «مَن أحدث... فهو رد»

محل الدلالة: تركيب الشرط في قوله ﷺ: «مَن أحدث... فهو رد».

نوع المفهوم: مفهوم الشرط، على القول بحجيته.

وجه الدلالة: عُلِّق الحكم، وهو الرد، على تحقق الشرط، وهو الإحداث الموصوف في الحديث.

الحكم المستنبط: أن من لم يتحقق منه الإحداث الموصوف في الحديث لا يثبت في حقه حكم الرد المعلق بهذا الشرط.

قيد الاستنباط: لا يدل ذلك على صحة ما لم يكن محدثًا؛ لأن انتفاء سبب معين للرد لا يستلزم انتفاء سائر أسباب البطلان أو التحريم.

فالمفهوم هنا ليس:

كل ما لم يكن محدثًا فهو صحيح.

وإنما:  لا يثبت له حكم الرد من الجهة التي علق الحديث عليها الرد.

وهذا فرق أصولي دقيق بين رفع الحكم وبين إثبات حكم مقابل له.


 رابعًا: دلالة القيد في قوله «في أمرنا»


محل الدلالة: قوله ﷺ: «في أمرنا».

نوع الدلالة: مفهوم القيد، بالنظر إلى تقييد محل الإحداث بأمر الدين.

وجه الدلالة: جعل الحديث محلَّ الحكم ما أُحدث في أمر الدين، فلم يتناول بمجرده ما كان خارجًا عن هذا المحل.

الحكم المستنبط: أن المحدثات في الأمور الدنيوية والعادية لا تدخل في حكم هذا الحديث لمجرد كونها مستحدثة.

قيد الاستنباط: هذا لا يعني الحكم على جميع الأمور الدنيوية بالإباحة؛ وإنما يعني أنها ليست داخلة في محل هذا الحديث من حيث دلالته المباشرة.

ومن ثم لا يصح جعل الحديث دليلًا على أن كل جديد في حياة الناس مردود شرعًا؛ لأن النص لم يعلق الرد على مطلق الجديد، وإنما على ما أُحدث في أمر الدين مما ليس منه.

 خامسًا: المسكوت عنه المستفاد من الجمع بين «أحدث» و«ما ليس منه»

محل الدلالة: الجمع بين قوله ﷺ: «أحدث» وقوله: «ما ليس منه».

نوع الدلالة: دلالة تركيبية مؤيدة بمفهوم القيد والصفة.

وجه الدلالة: لو كان مجرد الحدوث موجبًا للرد لما كان لقيد «ما ليس منه» معنى زائد؛ فالنص لم يقل: «من أحدث في أمرنا فهو رد»، وإنما جعل مناط الرد الإحداث المقترن بكون المحدث ليس من الدين.

الحكم المستنبط: أن مجرد الحدوث ليس مناط الرد، وإنما مناطه الإحداث في أمر الدين مع انتفاء كونه منه.

قيد الاستنباط: لا ينبغي تحويل هذه الدلالة إلى قاعدة مطلقة في كل حادث؛ إذ الحكم على الشيء بأنه مشروع أو غير مشروع يحتاج إلى النظر في الأدلة والقواعد الشرعية المتعلقة به.


 سادسًا: المسكوت عنه من جهة انتفاء وصف «ليس منه»

يمكن صياغة النتيجة المفهومية بصورة مقابلة:

ما كان من أمر الدين لا يتناوله حكم الرد الثابت في الحديث.

وهذه الصياغة أدق من قول:

كل ما كان من الدين فهو سنة.

لأن الأولى تقف عند مقدار الدلالة، أما الثانية فتثبت حكمًا زائدًا لا يدل عليه الحديث بمجرده.

فقد يكون الشيء من أمر الدين واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو غير ذلك بحسب الدليل؛ وإنما الحديث هنا يرفع عنه وصف الرد من جهة كونه ليس من الدين.


 سابعًا: ما لا يصح استخراجه من الحديث


ومن تمام التحقيق في استخراج المسكوت عنه أن يُذكر ما لا تدل عليه ألفاظ الحديث.

فلا يصح استخراج مفهوم الغاية؛ لعدم وجود غاية في النص.

ولا مفهوم العدد؛ لعدم وجود عدد.

ولا يصح بناء حكم على مفهوم اللقب من مجرد لفظ «أمرنا»؛ لأن مفهوم اللقب ليس حجة عند من لا يقول به.

كما لا يصح أن يقال: «كل ما لم يرده الحديث فهو جائز».

لأن الحديث إنما دل على حكم مخصوص، وهو الرد عند تحقق الوصف المذكور، ولا يستوعب جميع الأحكام الشرعية للأفعال.

وَعليه؛ فالتحقيق الأصولي

يكشف تحليل الحديث عن مجموعة من الأحكام المسكوت عنها، يمكن ترتيبها بحسب مسالك الدلالة:

1. المنطوق: المحدث في أمر الدين بما ليس منه مردود.

2. مفهوم الصفة/القيد: ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور من جهة هذا القيد.

3. مفهوم الشرط: من انتفى عنه الإحداث الموصوف لا يثبت في حقه حكم الرد المعلَّق عليه.

4. مفهوم القيد في «في أمرنا»: ما كان خارجًا عن أمر الدين لا يتناوله الحديث بهذا القيد.

5. الدلالة التركيبية: ليس مطلق الحدوث مناطًا للرد، وإنما الحدوث المقترن بكون المحدث ليس من أمر الدين.

ويبقى الضابط الجامع لهذه الاستنباطات:

أن المفهوم لا يثبت أكثر مما يقتضيه قيده؛ فانتفاء الرد لا يساوي ثبوت المشروعية، وانتفاء وصف البدعة في هذا الحديث لا يساوي ثبوت حكم شرعي معين، وإنما يُرجع في ذلك إلى الأدلة الأخرى.


ومن هنا يتبين أن التعامل مع النصوص الشرعية لا ينبغي أن يقف عند استخراج الحكم المنطوق، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل الشرط، والوصف، والقيد، والمحل، والجهة التي عُلِّق بها الحكم، ثم استخراج المسكوت عنه على قدر ما تسمح به القواعد الأصولية، مع الاحتراز من تحميل المفهوم أكثر مما يحتمل.

وهذا هو الفارق بين مجرد استنباط معنى من النص وبين استخراج حكم مسكوت عنه بطريق أصولي منضبط.

 هل يدل مفهوم الحديث على إباحة ما سكت عنه؟

من الأخطاء في التعامل مع المفاهيم الأصولية أن يُجعل كل ما سكت عنه النص مباحًا؛ لأن السكوت عن الحكم شيء، والحكم بالإباحة شيء آخر.

قال النبي ﷺ: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

فالحديث نصَّ على حكم معين، وهو ردُّ ما أُحدث في أمر الدين وكان ليس منه. فإذا استُخرج من قوله ﷺ: «ما ليس منه» مفهومٌ مفاده أن ما كان منه لا يكون مردودًا بهذا الحديث، فلا يصح أن ننتقل من هذه النتيجة إلى قولنا:  كل ما كان منه فهو مباح أو مشروع.

لأن هذا انتقال من نفي حكم معين إلى إثبات حكم آخر، ولا يلزم أحدهما من الآخر.

 مثال ذلك لو قلنا:  إن جاء زيد فأكرمه.

فمفهوم الشرط، أن عدم مجيء زيد لا يثبت معه حكم الإكرام المذكور في الجملة. لكن لا يصح أن نستنتج:

إذا لم يأت زيد فإنه يجب عدم إكرامه.

لأن النص إنما أثبت حكمًا عند تحقق الشرط، ولم يثبت حكمًا مضادًا عند انتفائه.

وكذلك حديث: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

فإذا انتفى وصف «ما ليس منه»، فإن غاية ما يدل عليه المفهوم أن حكم الرد المذكور في الحديث لا يثبت من هذه الجهة.

أما ما هو الحكم الثابت لذلك الفعل: أهو واجب؟ أم مندوب؟ أم مباح؟ أم مكروه؟ أم له حكم آخر؟ فذلك لا يُعرف من هذا المفهوم وحده، بل يحتاج إلى دليل مستقل.

 الفرق بين «ليس مردودًا» و«هو مباح»

وهنا تظهر قاعدة مهمة: نفي الحكم لا يستلزم إثبات نقيضه.

فإذا قيل: «هذا الفعل ليس مردودًا بهذا الحديث»

فلا يعني ذلك: «هذا الفعل مباح».

وإذا قيل: «هذا الفعل ليس حرامًا بهذا الدليل»

فلا يعني ذلك بالضرورة: «هذا الفعل مستحب».

لأن الأحكام الشرعية متعددة، وقد يكون الفعل واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، بحسب الأدلة المتعلقة به.

 تطبيق ذلك على الحديث

الحديث بنى الحكم على وصفين: 

1. الإحداث في أمر الدين.

2. كون المحدث ليس من الدين.

فإذا تحقق الوصفان ثبت الرد. أما إذا انتفى أحدهما، فلا يصح أن نجعل انتفاء الرد مساويًا تلقائيًا لإثبات حكم آخر.

ولهذا فقولنا:

«ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور في الحديث»

أدق أصوليًا من قولنا: «ما كان من أمر الدين فهو مشروع».

لأن العبارة الأولى تلتزم حدود الدلالة، أما الثانية فتتجاوزها إلى حكم يحتاج إلى دليل آخر.

والمقصود بـ«المسكوت عنه» إذن :

المسكوت عنه ليس بالضرورة حكمًا بالإباحة، بل قد يكون:

حكمًا يُستفاد من انتفاء القيد أو الشرط، دون أن يكون النص قد نطق به صراحة.

ففي حديث: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

نستطيع أن نستخرج من مفهوم القيد أن:

ما كان منه لا يثبت فيه الرد الذي علقه الحديث على كونه «ليس منه».

وهذه مسألة مسكوت عنها بالنسبة إلى المنطوق؛ لأن النبي ﷺ لم يقل:

«وما كان منه فليس برد».

وإنما فهم هذا من تركيب النص وقيده.

لكن لا يجوز أن نزيد على ذلك فنقول: «وما كان منه فهو مباح أو مندوب».

إلا إذا دل دليل آخر على ذلك.

 إذن هناك فرق بين ثلاثة أمور:

الأول: المنطوق:

ما أُحدث في أمر الدين وليس منه فهو مردود.

الثاني: المفهوم:

ما كان من أمر الدين لا يثبت فيه حكم الرد المذكور بهذا الحديث.

الثالث: الحكم الشرعي للفعل بعد انتفاء الرد:

هذا لا يحدده الحديث بمجرده، وإنما يحتاج إلى دليل آخر. حتى نحدد مدركه الفقهي كونه تعتريه الأحكام الخمسة (مباح-مكروه-مندوب-واجب-حرام)

وعليه فإن استخراج المسكوت عنه لا يعني اختراع حكم جديد، وإنما يعني الكشف عما دل عليه النص بطريق غير صريح، مع الوقوف عند مقدار دلالته وعدم تجاوزها.

وهذه من أهم القواعد في صناعة الاستنباط: أن المفهوم يثبت بقدر ما يقتضيه النص، لا بقدر ما نريد أن نرتبه عليه.


زياد حبوب أبو رجائي

عمان - المملكة الاردنية الهاشمية

حرسها الله

سن البلوغ 18 عام وهو سن التكليف بشرود

المعتمد عند ساداتنا  المالكية رضي الله عنهم أن سنَّ البلوغ عند فقد الاحتلام والإنبات والحيض هو ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: خمس عشرة. والمعتمد الأول

ومستند المالكية ليس رأيًا مجردًا، بل بنوه على:

1. نقول من السلف أئمة المذهب من مالك وابن القاسم 

2. الأثر عن ابن عباس في تحديد بلوغ الأشد بثماني عشرة سنة.

3. الاستقراء اللغوي والعرفي لانتقال الغلام إلى سن الشباب.

4. استصحاب الصغر عند الشك في حصول البلوغ.

وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما في إجازته للخندق وهو ابن خمس عشرة ( كما ذهب إليه الجمهور) ، فلا يلزم منه أن الخامسة عشرة حدٌّ للبلوغ؛ إذ يمكن حمل الإجازة على القدرة على القتال، وهو ما قرره القرافي وابن عاشور.

وأما حديث: «إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة...» فضعيف لا يصح الاحتجاج به.

فالقول المالكي في المسألة مؤصل بالنقل والأصول واللغة، وليس قولًا بلا دليل.

العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر

 العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر: ثلاث وقائع مالكية

من المسائل المهمة في فقه الفتوى أن المفتي قد لا يقتصر في بعض الوقائع على القول المشهور أو الأيسر، بل يعدل إلى قول آخر أشد؛ نظرًا إلى حال المستفتي، أو إلى مآل الفتوى، أو قصدًا إلى الزجر والمنع من التمادي في المعصية أو الظلم.

وقد حفظت لنا كتب الفقه والأصول عددًا من الوقائع المالكية التي تكشف عن هذا المعنى، ومن أبرزها ثلاث وقائع:

 أولًا: فتوى المازري في زرع الغاصب

صورة المسألة أن شخصًا غصب أرضًا فزرعها، ثم استحق صاحب الأرض أرضه بعد فوات إبان الزرع، أي بعد انتهاء الوقت الذي يمكن فيه الانتفاع بالأرض بزرع آخر في ذلك الموسم.

والمشهور في المذهب المالكي أن الزرع يكون للغاصب، وعليه كراء الأرض، ولا يُجبر على قلعه بعد فوات الإبان.

لكن رُويت عن الإمام مالك رواية أخرى، نقلها الداودي، تجعل الزرع لصاحب الأرض. وقد وصف الشاطبي هذه الرواية بالشذوذ، ونقل أن المازري أفتى بها، مع علمه بضعفها وشذوذها.

ولم يكن ذلك من المازري جهلًا بالمشهور، ولا انتقالًا إلى مذهب فقهي آخر، وإنما كان عدولًا عن المشهور إلى رواية أخرى عن الإمام مالك؛ لأن المقام مقام تشديد على الغاصب الظالم.

وقد علل الشاطبي هذا المسلك بقوله: «التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف من الشرع وقواعد المذهب».

فهذا المثال يمثل صورة واضحة للعدول عن المشهور إلى قول أشد، لمقصد الزجر والتشديد على المعتدي.

 ثانيًا: فتوى يحيى بن يحيى الليثي لأمير الأندلس

ومن أشهر الوقائع المنقولة في هذا الباب قصة يحيى بن يحيى الليثي، صاحب مالك وعالم الأندلس، مع أميرها عبد الرحمن بن الحكم.

فقد جامع الأمير جارية له في نهار رمضان، فسأل الفقهاء عن كفارة ذلك. فبادر يحيى بن يحيى فأفتاه بأن يصوم شهرين متتابعين.

وكان ذلك مغايرًا لما جرى عليه المذهب المالكي في هذه المسألة من التخيير بين خصال الكفارة؛ فسأله الفقهاء: لم خصصته بالصيام ولم تخيره؟

فقال بمعنى: لو فتحت له هذا الباب، لوطئ كل يوم وأعتق رقبة، فلا يكون في العتق زاجر له؛ أما الصيام فإنه أشق عليه فيمنعه من العود.

وقد نقلت كتب الفقه هذه القصة عن يحيى بن يحيى، ونقل ابن عرفة مضمونها في التاج والإكليل.

وهذه الواقعة أوضح في قصد الزجر؛ إذ لم يكتف المفتي ببيان ما يجزئ في أصل الحكم، وإنما نظر إلى خصوص حال المستفتي ومآل الفتوى عليه، فاختار له ما هو أشد وأبلغ في الردع.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذه الواقعة وقع الكلام في توجيهها عند العلماء؛ ولذلك لا يصح جعلها دليلًا على أن للمفتي أن يخالف النص أو الحكم المقرر لمجرد الاستحسان، وإنما هي واقعة فقهية تحتاج إلى حملها على أصل معتبر في النظر إلى حال المستفتي ومآل الفتوى.

 ثالثًا: عبد الرحمن بن القاسم مع ابنه

ومن الوقائع الدالة على هذا المعنى ما نُقل عن عبد الرحمن بن القاسم، من كبار أصحاب الإمام مالك.

فقد حنث ابنه في يمين تعلقت بالمشي إلى بيت الله الحرام، فاستفتى أباه، فأفتاه أولًا بقول الليث بن سعد: عليه كفارة يمين، ثم قال له: «إن عدت أُفتيك بقول مالك»، أي بالقول الذي يوجب عليه الوفاء بالمشي.

وهذه القصة مهمة؛ لأن عبد الرحمن بن القاسم لم يكن يجهل مذهب مالك، بل كان من أخص أصحابه، ومع ذلك عدل في هذه الواقعة إلى قول الليث، ثم هدده بأنه إن عاد إلى الأمر أفتاه بقول مالك، وهو الأشد عليه. وقد نقلت كتب الأصول والفتاوى هذه القصة في سياق الكلام على اختلاف الفتوى باختلاف حال المستفتي والمصلحة المترتبة عليها.

فهي تمثل صورة أخرى من صور استعمال اختلاف الأقوال في الفتوى لتحقيق مقصد خاص، لا على سبيل التشهي وتتبع الرخص، وإنما مع ملاحظة حال المستفتي وما يترتب على الفتوى.

 الجامع بين هذه الوقائع

هذه الوقائع الثلاث، مع اختلاف صورها، تكشف عن أصل مهم في فقه الفتوى عند المالكية:

أن المفتي قد يعدل في واقعة مخصوصة عن القول الذي يجري عليه عادةً، إلى قول آخر أشد، إذا قام موجب شرعي لذلك، كالتشديد على الظالم، أو زجر المتعدي، أو مراعاة مآل الفتوى على المستفتي.


فالمازري عدل عن المشهور إلى رواية شاذة عن مالك للتشديد على الغاصب.

ويحيى بن يحيى اختار للأمير الصيام، وهو الأشد عليه، قصدًا إلى زجره عن معاودة الجماع في رمضان.

وعبد الرحمن بن القاسم أفتى ابنه أولًا بقول الليث، ثم هدده بالرجوع إلى قول مالك، ليحمله بذلك على التحرز من العود.

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

العدول عن المشهور لمسوغ معتبر، وهذا له نظائر في كلام فقهاء المالكية؛ وبين اتباع الأقوال لمجرد التشهي أو طلب الأسهل، وهو أمر آخر لا تدل عليه هذه الوقائع.

ولذلك فإن العبارة الأدق في وصف هذا المسلك ليست: «مخالفة المذهب»، وإنما:

العدول في الفتوى عن القول المعتاد أو المشهور إلى قول آخر معتبر، لمصلحة شرعية، ومن ذلك قصد الزجر والتشديد على المعتدي أو المتهاون.

وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الشاطبي عند حديثه عن فتوى المازري، حين جعل التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد من المآخذ المعتبرة في هذا الباب.


الثمرة الفقهية من معرفة مسالك العلة في المسألة

  تَكْمُنُ الأَهَمِّيَّةُ وَالثَّمَرَةُ الفِقْهِيَّةُ فِي مَعْرِفَةِ مَسَالِكِ العِلَّةِ (أَيْ الطُّرُقِ وَالْمَنَاهِجِ الأُصُولِيَّةِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ العِلَّةِ فِي الحُكْمِ، كَالنَّصِّ، وَالإِجْمَاعِ، وَالإِيمَاءِ، وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَالْمُنَاسَبَةِ) فِي عِدَّةِ رَكائِزَ عَمَلِيَّةٍ يَبْنِي عَلَيْهَا الفَقِيهُ وَالْمُجْتَهِدُ أَحْكَامَهُ:

التَّعْدِيَةُ وَتَخْرِيجُ الفُرُوعِ عَلَى الأُصُولِ (فِقْهُ النَّوَازِلِ):

الفَرْعُ الجَدِيدُ أَوْ النَّازِلَةُ المُعَاصِرَةُ لا يُمْكِنُ إِعْطَاؤُهَا حُكْمَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ الاِهْتِدَاءِ إِلَى عِلَّةِ الحُكْمِ الأَصْلِيِّ بِطَرِيقٍ يََقِينِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ مُعْتَبَرٍ.

التَّرْجِيحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَقْيِسَةِ وَالأَدِلَّةِ:

عِنْدَ خَفَاءِ الحُكْمِ أَوْ تَعَارُضِ الآَرَاءِ الفِقْهِيَّةِ، يُقَدَّمُ القِيَاسُ الَّذِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِمَسْلَكٍ أَقْوَى (كَالنَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ) عَلَى القِيَاسِ الَّذِي ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِمَسْلَكٍ أَضْعَفَ (كَالشَّبَهِ أَوْ الطَّرْدِ).

فَهْمُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ وَمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ:

تُوقِفُ البَاحِثَ عَلَى مَرَامِي الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتُخْرِجُ الفِقْهَ مِنْ جَمَادِ الظَّوَاهِرِ وَالرُّسُومِ إِلَى حَيَوِيَّةِ المَقَاصِدِ وَالرَّعَايَةِ لِمَصَالِحِ العِبَادِ.

مَعْرِفَةُ حُدُودِ الحُكْمِ (وُجُوداً وَعَدَماً):

الضَّبْطُ الدَّقِيقُ لِلْعِلَّةِ عَبْرَ مَسَالِكِهَا يُبَيِّنُ مَتَى يَدُورُ الحُكْمُ مَعَهَا؛ فَيُنِيطُ الحُكْمَ بِوُجُودِهَا وَيُسْقِطُهُ عِنْدَ زَوَالِهَا.


مسالك العلة عند الأصوليين

   مَسَالِكُ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عَشَرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهِيَ 

  1. مَسْلَكُ النَّصِّ - أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ لِعِلَّةِ كَذَا
  2. مَسْلَكُ الْإِجْمَاعِ - أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ
  3. مَسْلَكُ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ - أَنْ يَقْرِنَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِالْعِلِّيَّةِ كَالْفَاءِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا
  4. مَسْلَكُ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ - حَصْرُ الْأَوْصَافِ وَإِبْطَالُ مَا لَا يَصْلُحُ
  5. مَسْلَكُ الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِخَالَةِ - أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً
  6. مَسْلَكُ الشَّبَهِ - أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ يُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مُنَاسَبَتُهُ بِتَمَامِهَا
  7. مَسْلَكُ الدَّوَرَانِ - الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ - وُجُودُ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْوَصْفِ وَعَدَمُهُ بِعَدَمِهِ
  8. مَسْلَكُ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ - أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْحُكْمِ أَوْصَافٌ وَيُنَقَّحُ مِنْهَا مَا لَا مَدْخَلَ لَهُ
  9. مَسْلَكُ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ - اسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ ابْتِدَاءً حَيْثُ لَا نَصَّ
  10. مَسْلَكُ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ - تَحْقِيقُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ


مسائل العذر بالجهل

 لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ وَهِيَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً
تَعْدَادُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ وَهِيَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً كَمَا نَظَمَهَا الْمَجْلِسِيُّ رحمه الله :
١ بِكْرٌ تَقُولُ لِعَاقِدٍ جَهِلْتُ بِأَنَّ الصَّمْتَ كَالنُّطْقِ مَقُولَا
٢ مَنْ سَكَتَتْ عِنْدَ الزَّوَاجِ فَجُومِعَتْ فَقَالَتْ أَنَا لَمْ أَرْضَ بِالْعَقْدِ أَوَّلَا
٣ شَاهِدٌ فِي الْمَالِ وَالْحَدِّ مُخْطِئٌ شَهَادَةَ صِدْقٍ ضَامِنٌ حِينَ بَدَّلَا
٤ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ جَاهِلًا
٥ وَاطِئُ رَهِينِ اعْتِكَافٍ بِالشَّرِيعَةِ جَاهِلًا
٦ قَاذِفُ شَخْصًا يَظُنُّ بِأَنَّهُ رَقِيقٌ فَبَانَ الشَّخْصُ حُرًّا مُكَمَّلَا
٧ مَنْ قَامَ بَعْدَ الْعَامِ يَشْفَعُ حَاضِرًا مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُبْتَاعِ وَالْبَيْعِ أَوَّلَا
٨ مَنْ مُلِّكَتْ أَوْ خُيِّرَتْ ثُمَّ لَمْ تَقْضِ حَتَّى فَارَقَتْ وَتَفَاصَلَا
٩ طَبِيبٌ قَاتِلٌ بِعِلَاجِهِ بِلَا عِلْمٍ أَوْ مُفْتٍ تَصَدَّى تَجَاهُلًا
١٠ بَائِعُ عَبْدٍ بِالْخِيَارِ يَرُومُ أَنْ يَرُدَّ وَقَدْ مَرَّ الزَّمَانُ مُهَرْوِلَا
١١ مَنْ أَثْبَتَتْ إِضْرَارَ زَوْجٍ فَأَمْهَلَتْ فَجَامَعَهَا قَبْلَ الْقَضَاءِ مُعَاجِلًا
١٢ عَبْدٌ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ جَاهِلًا بِعِتْقٍ فَحَدُّ الْحُرِّ يَجْرِي مُفَصَّلَا
١٣ بَيْعٌ فَاسِدٌ يُفْسَخُ مُطْلَقًا وَلَا يُسَامَحُ فِيهِ مَنْ عَنِ الْحَقِّ حَوَّلَا
١٤ مَنْ يُعْطِي الزَّكَاةَ لِكَافِرٍ وَغَيْرِ فَقِيرٍ ضَامِنٌ تِلْكَ مُسَجَّلَا
١٥ مَنْ يَعْتِقُ الشَّخْصَ الْكَفُورَ لِجَهْلِهِ فَلَا يُجْزِ فِي كَفَّارَةٍ وَتَبَتُّلَا
١٦ مُشْتَرٍ مَنْ أَوْجَبَ الشَّرْعُ عِتْقَهُ عَلَيْهِ وَلَا رَدَّ لَهُ وَلَهُ الْوَلَا
١٧ آخِذُ حَدٍّ مِنْ أَبِيهِ مُفَسَّقٌ كَتَحْلِيفِهِ إِذْ بِالْعُقُوقِ تَسَرْبَلَا
١٨ مَنْ يَقْطَعُ الْمَسْكُوكَ جَهْلًا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
١٩ عَدْلَانِ رَأَيَا فَرْجًا مُحَرَّمًا يُبَاحُ وَحُرًّا يُسْتَرَقُّ فَأَهْمَلَا
٢٠ سَارِقُ مَا فِيهِ النِّصَابُ مُؤَاخَذٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفُ النِّصَابِ مُعَادِلًا
٢١ وَاطِئُ مَنْ قَدْ أُرْهِنَتْ عِنْدَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ عَنْ حَدِّ ذَلِكَ مَعْزِلَا
٢٢ مَنْ يَزْنِي وَيَشْرَبُ جَاهِلًا مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي حَدُّهُ لَيْسَ مُهْمَلَا
٢٣ مَنْ رَدَّ رَهْنًا بَعْدَ حَوْزٍ لِرَبِّهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَوْزَ صَارَ مُعَطَّلَا
٢٤ تَخْيِيرُ مَنْ قَدْ أُعْتِقَتْ ثُمَّ جُومِعَتْ يَفُوتُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ وَالْعِتْقُ أُهْمِلَا
٢٥ مَنْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجٍ لِغَيْبَةٍ فَجَاءَ نَعْيُهُ رَدَّتْ مِنَ الْمَالِ فَاضِلًا
٢٦ حَمْلُ الْعَرُوسِ لَا يَنْفِيهِ زَوْجٌ لَهَا إِذَا رَآهُ وَلَمْ يَنْهَضْ بِذَلِكَ مُعَوِّلَا
٢٧ مَنْ سَكَتَتْ حِينَ ارْتِجَاعٍ وَجُومِعَتْ فَقَالَتْ لَقَدْ كَانَ اعْتِدَادِي كَامِلًا
٢٨ مَنْ حِيزَ عَنْهُ مَتَاعُهُ فَلَيْسَ لَهُ مَقَالٌ إِذَا مَا الْحَوْزُ كَانَ مُطَوَّلَا
٢٩ مَنْ قَامَ بَعْدَ الْحَوْزِ يَطْلُبُ مِلْكَهُ وَقِيلَ لَهُ قَدْ بِعْتَ ذَلِكَ أَوَّلَا
٣٠ مَنْ هُوَ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ مُجَامِعٌ لِزَوْجَتِهِ يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ مُكَمَّلَا
٣١ مَنْ بِيعَ مَالُهُ بِعِلْمِهِ وَيَشْهَدُ قَبْضًا بَعْدَهُ أَنْ يُبَدِّلَا
٣٢ مَنْ زَوْجُهَا قَدْ مَلَّكَ الْغَيْرَ أَمْرَهَا فَلَمْ يَقْضِ حَتَّى جُومِعَتْ صَارَ مُعْزَلَا
٣٣ مُمَلَّكَةٌ مِنْ زَوْجِهَا وَتَصَالَحَا عَقِيبَ قَبُولٍ كَانَ لَيْسَ مُفَصَّلَا
٣٤ مَا سُئِلَتْ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهَا إِذَنْ تَقُولُ ثَلَاثًا كَانَ قَصْدِي أَوَّلَا
٣٥ إِنْ بَعْدَ تَمْلِيكٍ قَضَتْ بِبَتَاتِهَا فَقَالَتْ جَهِلْتُ الْحُكْمَ فِيهِ مُعَاجِلَا فَلَيْسَ لَهَا عُذْرٌ
٣٦ مَنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ سِوَى طَلْقَةٍ وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا خَلَا فَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ
٣٧ أَمَةٌ قَالَتْ وَبَائِعُهَا لَقَدْ تَزَوَّجَهَا شَخْصٌ فَفَارَقَ وَانْجَلَى فَلَيْسَ لِمَنْ يَبْتَاعُهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ عُذْرٌ أَنْ يَرُدَّ إِذَا قَلَا
٣٨ لَا يَطَؤُهَا أَوْ يُزَوِّجُهَا إِلَى ثُبُوتِ خُلُوٍّ مِنْ زَوَاجٍ تَحَوَّلَا
٣٩ مَنْ قَبْلَ تَكْفِيرِ الظِّهَارِ مُجَامِعٌ يَذُوقُ عِقَابًا بِالَّذِي قَدْ تَحَمَّلَا
قُلْتُ : 
يُوجَدُ مَسَائِلُ أُخْرَى لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي النَّظْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا
1 وَمِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا فِي النَّظْمِ مَسْأَلَةُ مَنْ جَهِلَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَمَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَمَنْ جَهِلَ أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَمَنْ جَهِلَ أَنَّ الصِّيَامَ فَرْضٌ وَهَذِهِ كُلُّهَا مَشْهُورَةٌ لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ وَالْبُيُوعِ وَالْجِنَايَاتِ وَالَّتِي ذَكَرَهَا الْحَطَّابُ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ
٤ وَقَالَ الشَّارِحُ نَفْسُهُ وَذَاكَ كَثِيرٌ فِي الْوُضُوءِ وَمِثْلُهُ بِفَرْضِ صَلَاةٍ ثُمَّ حَجٍّ تَحَصَّلَا فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ مَسَائِلَ كَثِيرَةً فِي الْعِبَادَاتِ لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي التِّسْعِ وَالثَّلَاثِينَ

مفهوم مصطلح تردد عند الشيخ خليل

 خليل نفسه بيّن مراده في مقدمة المختصر بقوله:
 «وبالتردد لتردد المتأخرين في النقل أو لعدم نص المتقدمين.» 
وهذه العبارة أصبحت أصلًا في تفسير اصطلاح التردد عند شراح المختصر.
 أولًا: تفسير الحطاب
قال الحطاب في مواهب الجليل:
 يعني أنه يشير بالتردد لأمرين:
 1. تردد المتأخرين في النقل عن المتقدمين.
 2. تردد المتأخرين لعدم نص المتقدمين. 
ثم فسرهما فقال:
 تردد في النقل: أي اختلاف أصحاب الطرق في كيفية نقل المذهب عن المتقدمين، وهو ما يسمى اختلاف الطرق.
 تردد لعدم نص المتقدمين: أي لم يجد المتأخرون نصًا صريحًا عن أئمة المذهب في الواقعة، فاجتهدوا فيها، فاختلف اجتهادهم. 
ونبّه الحطاب إلى أن خليل لم يضع علامة تميز بين النوعين، إلا أن الثاني أقل وقوعًا في المختصر. 
 ثانيًا: تنبيه الحطاب
استدرك الحطاب على عبارة خليل، فقال إن بعض المواضع التي قال فيها خليل: «تردد» لا تنطبق على هذين القسمين، مثل:
 وفي تمكين الدعوى لغائب بلا وكالة تردد.
 وفي الاكتفاء بالتزكية الأولى تردد.
وقال إن التردد هنا ليس لاختلاف النقل ولا لعدم النص، وإنما لكثرة الخلاف في المسألة نفسها. 
وهذا استدراك مهم؛ لأنه يدل على أن استعمال خليل في التطبيق أوسع قليلًا من التعريف الذي ذكره في المقدمة.
 ثالثًا: الدردير
الدردير في الشرح الكبير جرى على تفسير الحطاب، فجعل التردد دالًا على اختلاف المتأخرين:
 إما في نقل المذهب،
 وإما في تخريجه عند عدم النص،
ثم يسعى غالبًا إلى ترجيح أحد الوجهين إذا ظهر له وجه الترجيح. ولذلك ظهرت دراسات بعنوان ترجيحات الدردير في ترددات المختصر
 رابعًا: خلاصة اصطلاح "التردد"
يمكن تلخيص اصطلاح خليل في ثلاث مراتب:
1. المعنى الذي نص عليه في المقدمة:
    تردد المتأخرين في النقل.
    أو ترددهم لعدم نص المتقدمين. 
2. المعنى التطبيقي عند الحطاب:
    يشمل أيضًا بعض المواضع التي كثرت فيها الأقوال ولم يترجح عند خليل واحد منها.
3. منهج الشراح:
    ينظرون في كل موضع: هل هو اختلاف طرق، أو اختلاف تخريج، أو مجرد تكافؤ أقوال، ثم يبينون منشأ التردد ويرجحون عند الإمكان.
وهذا مهم جدًا في دراسة مصطلح التردد؛ لأن تعريف خليل في المقدمة ليس جامعًا لجميع تطبيقاته في المختصر، وهو ما تنبه إليه الحطاب صراحة.
أمثلة من كتاب الصلاة :
هذه أبرز المسائل التي صرح فيها الشيخ خليل بالتردد في كتاب الصلاة، مع بيان وجه الخلاف والتردد بين أصحابنا باقتضاب:
1. التردد في صحة صلاة من صلى خلف من اقتصر على مسح بعض رأسه في الوضوء
 توصيف الشيخ خليل: "وفي صحة صلاة المقتدي بمن اقتصر على مسح بعض رأسه: تردد".
 وجه التردد: تردد المتأخرين بين القول ببطلان صلاة المأموم بناء على أن مسح جميع الرأس فرض عين عند مالك فالإمام غير متوضئ عنده، وبين القول بالصحة بناء على الخلاف في مراعاة الخلاف ومذهب السادة الحنفية والشافعية في إجزاء مسح بعض الرأس.
2. التردد في إعادة من صلى في المكان المغصوب
 توصيف الشيخ خليل: "وفي إعادة الصلاة في المغصوب في الوقت: تردد".
 وجه التردد: هل النهي عن الغصب يعود إلى الصلاة ذاتها فيبطلها فتجب الإعادة أبدا، أم أن النهي لأمر خارج عن الصلاة فتصح مع الإثم وتستحب الإعادة في الوقت مراعاة للنهي.
3. التردد في استحباب الأذان للفذ في الصلاة المقضية
 توصيف الشيخ خليل: "وفي استحبابه للفذ في الخاصة والمقضية: تردد".
 وجه التردد: هل الأذان سنة شرعت للإعلام بالوقت والجماعة فقط فلا يستحب للفذ والقضاء، أم أنه سنة تشرع للصلاة في نفسها لإظهار شعيرة الذكر فيستحب مطلقاً.
4. التردد في إعادة من صلى بالنجاسة نسياناً أو عجزاً
 توصيف الشيخ خليل: "وفي إعادة ناسيها أو عاجز عنها في الوقت: تردد".
 وجه التردد: ينبني على الخلاف في شرطية طهارة الخبث لصحة الصلاة؛ هل هي شرط وجوب مع الذكر والقدرة فتستحب الإعادة في الوقت فقط، أم شرط صحة مطلقاً فتجب الإعادة أبداً، أم هي سنة.
5. التردد في قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين لمن فاتته السورة مع الإمام
 توصيف الشيخ خليل: "وفي قراءة السورة للمسبوق فيما يقضيه: تردد".
 وجه التردد: هل المسبوق يقضي القول ويبني في الفعل، أم يبني فيهما مطلقاً؛ فإن قيل يبتدئ بالقضاء اقترن القضاء بسورة، وإن قيل يبني اقتصر على الفاتحة.
6. التردد في سجود السهو لمن شك هل سجد سجدة أم سجدتين
 توصيف الشيخ خليل: "وفي بناء من شك في سجدة وأتت ثانية: تردد".
 وجه التردد: التردد بين اعتبار الشك كالتحقق فيلغى السهو ويبني على اليقين ويسجد بعد السلام، وبين مراعاة أصل بقاء الصلاة وعدم زيادة فعل سهواً فتفسد الركعة إن لم يتداركها.

أقسام البدعة

 أقسام البدعة عند من يقسمها إلى الأحكام الخمسة
يظن بعض الناس أن لفظ البدعة إذا أطلق فلا يراد به إلا المحرم، وهذا ليس على إطلاقه، بل هو مبني على اختلاف العلماء في تعريف البدعة.
فمن عرَّف البدعة بأنها: كل أمر مُحدث لم يكن في العهد الأول، سواء كان في العبادات أو الوسائل أو العادات، قسَّمها بحسب حكمها الشرعي إلى خمسة أقسام.
أما من عرَّف البدعة بأنها: ما أُحدث في الدين مما لا أصل له في الشرع، فإنه يقول: البدعة الشرعية كلها ضلالة، ولا يدخل في اسم البدعة ما كان له أصل شرعي أو كان من المصالح المرسلة أو الوسائل.
ولذلك فالنزاع في كثير من صوره اصطلاحي أكثر منه حقيقي.
وقد قال العلامة ابن غازي المكناسي المالكي:
 تابعًا وفاقًا لِمَنْ قَسَّمَا    هذي البدعَ خمسةً فانظما
 واجبةٌ كنقطِ كتبِ العلمِ   ومصحفٍ لأجلِ حفظِ الفهمِ
 ومستحبةٌ كالمحاريبِ والجسورِ  والمدارسِ وما أشبهها من الأمورِ
 ثم مباحةٌ كدقيقِ المنخولِ  وما جرى مجراه من المأكولِ
 وذاتُ كرهٍ نحوُ أكلِ الخِوانِ  على مثالٍ ذكره بعضُ أهلِ الشأنِ
 ثم حرامٌ كالتشبُّهِ بالكفارِ  فيما هو من خصائصِ شعارِهم الظاهرِ

 شرح الأقسام

 أولًا: البدعة الواجبة

وهي ما كان إحداثه وسيلةً لا بد منها لحفظ الدين وإقامة الواجبات، مثل:
 نقط المصحف وشكله.
 تدوين علوم العربية.
 تدوين مصطلح الحديث وأصول الفقه وغيرها من العلوم الخادمة للشريعة.
وهذه لم تكن في عصر النبوة بهذه الصورة، ثم أُحدثت لمصلحة شرعية راجحة.

 ثانيًا: البدعة المستحبة

وهي ما كان فيه مصلحة راجحة دون أن يبلغ حد الوجوب، كإنشاء:
 المدارس.  الجسور.
 بعض الأبنية التي تعين على إقامة شعائر الدين، كالمحاريب عند من عدها من هذا الباب.

 ثالثًا: البدعة المباحة
وهي ما استحدث من أمور العادات التي لا يتعلق بها مدح ولا ذم شرعي، مثل:
 استعمال الدقيق المنخول.
 التوسع في أنواع الأطعمة والملابس والمراكب والمساكن مما أباحه الشرع.

 رابعًا: البدعة المكروهة
ذكر بعض المتقدمين لها أمثلة كالأكل على الخوان، إلا أن هذا المثال محل خلاف، وليس من أقوى أمثلتها.
والأولى أن يقال:
هي كل أمر محدث لا مصلحة فيه، ويشتمل على مخالفة الأولى أو ترك هديٍ مستحب، من غير أن يبلغ حد التحريم.

 خامسًا: البدعة المحرمة

وهي ما اشتمل على مخالفة الشرع أو أدى إلى تغيير الدين، كإحداث العقائد الفاسدة أو العبادات التي لا أصل لها.

وأما التشبه بالكفار فإنما يحرم إذا كان فيما هو من خصائصهم الدينية أو شعارهم المختص، وليس لأنه مجرد أمر محدث.



 تنبيه مهم

هذا التقسيم ليس محل اتفاق بين العلماء.
فهو مشهور عند كثير من المالكية والشافعية وجماعة من الأصوليين، بناءً على تعريفهم الواسع للبدعة.
أما طائفة أخرى من العلماء، ككثير من الحنابلة، فلا يقسمون البدعة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنهم يقصرون اسم البدعة على ما أُحدث في الدين بلا أصل شرعي، ويقولون: البدعة الشرعية كلها ضلالة، أما هذه الأمثلة فهي عندهم من المصالح المرسلة أو الوسائل أو العادات المباحة، فلا يسمونها بدعة أصلًا.


👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->