بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين
والحمد لله رب العالمين
لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نقسه
واصلي واسلم وابارك على سيدي رسول الله المعلم الاول والهادي الى الصراط المستقيم وعلى اله الطبيبن الطاهرين واصحابه الغر الميامبن رضي الله عنهم اجمعين وعنا بهم الى يوم الدين
ايها الاخوة الاحبة
اعلموا انه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
فالفقه سبب لهذا الخير العميم من الله
قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا
قال الامام مالك : الفقه في الدين
واعلموا أن (الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ)
(وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق
وألحقتُ بذلك الادلة
والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم
ا وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم
....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي
اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي

أحكام الرعاف في الصلاة

 تَلْخِيصُ أَحْكَامِ الرُّعَافِ فِي الصَّلَاةِ (مِنْ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ)

الملخص : أَحْكَامُ وَقْتِ الرُّعَافِ وَالِانْتِظَارِ: إِذَا سَبَقَ الرُّعَافُ الصَّلَاةَ وَاسْتَمَرَ، وَجَبَ عَلَى الْمُصَلِّي التَّرَيُّثُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ رَجَاءَ انْقِطَاعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ صَلَّى عَلَى حَالِهِ. أَمَّا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَوْ الْجَنَازَةِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا مَعَ سَيَلَانِ الدَّمِ إِذَا خَافَ فَوَاتَهَا بِالْغَسْلِ، شَرِيطَةَ أَنْ لَا يُلَطِّخَ فُرُشَ الْمَسْجِدِ، تَقْدِيماً لِمَصْلَحَةِ الْوَقْتِ وَالْفَضِيلَةِ الَّتِي لَا تُقْضَى.

هَيْئَةُ الصَّلَاةِ لِلْمَرْعُوفِ: يَنْتَقِلُ الْمَرْعُوفُ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْإِيمَاءِ إِذَا خَافَ بِالْحَرَكَةِ زِيَادَةَ الدَّمِ بِحَيْثُ يَتَأَذَّى جَسَدُهُ أَوْ يَتَلَطَّخُ ثَوْبُهُ (عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ)، وَلَا يُومِئُ لِمُجَرَّدِ خَوْفِ تَلَطُّخِ الْجَسَدِ. كَمَا يُؤْمَرُ بِـ "فَتْلِ" الرَّشَحِ الْيَسِيرِ بِبَاطِنِ أَنَامِلِ يَدِهِ الْيُسْرَى مَنْعاً لِلسَّيَلَانِ، تَنْزِيهاً لِلْيَمِينِ.

الْفَصْلُ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْبِنَاءِ: إِذَا كَثُرَ الدَّمُ بِحَيْثُ زَادَ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، أَوْ خَشِيَ تَنْجِيسَ الْمَسْجِدِ، وَجَبَ الْقَطْعُ. وَإِنْ كَانَ الدَّمُ يَسِيراً (دِرْهَماً فَأَقَلَّ) فَلَهُ الْقَطْعُ وَيُنْدَبُ لَهُ الْبِنَاءُ؛ وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكاً أَنْفِهِ إِلَى أَقْرَبِ مَكَانٍ لِلْغَسْلِ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ يَطَأَ نَجَاسَةً، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.

أَحْكَامُ الْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الرُّعَافِ: يُشْرَعُ لِلْإِمَامِ إِذَا رَعَفَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ إِتْمَاماً لِلْجَمَاعَةِ. وَالْمَأْمُومُ إِذَا غَسَلَ دَمَهُ وَبَنَى، لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي رَعَفَ فِيهَا إِلَّا إِذَا سَجَدَ سَجْدَتَيْهَا. وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِلْإِمَامِ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَهُ وَلَوْ فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنْ تَرَكَ الرُّجُوعَ مَعَ إِمْكَانِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.

خُصُوصِيَّةُ الْجُمُعَةِ وَأَثَرُ الْوَهْمِ: مَنْ رَعَفَ فِي الْجُمُعَةِ وَلَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً بَسُجُودِهَا مَعَ الْإِمَامِ، بَطَلَ بِنَاؤُهُ عَلَى الْجُمُعَةِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ ظُهْراً بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ. وَأَخِيراً، لَا يُعْتَبَرُ الْبِنَاءُ لِمَنْ خَرَجَ يَظُنُّ أَنَّهُ رَعَفَ فَظَهَرَ عَدَمُهُ، لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ حَقِيقَةً.

التفاصيل :

وإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا ودَامَ أَخَّرَ لآخِرِ الاخْتِيَارِيِّ وصَلَّى أَوْ فِيهَا([1])، وإِنْ عِيداً أَوْ جِنَازَةً وظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ.أَتَمَّهَا([2]) إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ.([3])

وأَوْمَأَ لِخَوْفِ تَأَذِّيهِ أَوْ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ([4]) لا جَسَدِهِ وإِنْ لَمْ يَظُنَّ([5]) ورَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاه([6]).

فَإِنْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ قَطَعَ. إن لَطَّخَهُ أَوْ خَشِيَ تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ([7]) وإِلا فَلَهُ الْقَطْعُ ونُدِبَ له الْبِنَاءُ([8])، فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ([9]) إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَانٍ مُمْكِنٍ قَرُبَ ويَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلا عُذْرٍ أوَ يَطَأُ نَجَساً ويَتَكَلَّمْ ولَوْ سَهْواً إنْ كَانَ بِجَمَاعَةٍ ([10])

واسْتَخْلَفَ الإِمَامُ([11]) وفِي بِنَاءِ الْفَذِّ خِلافٌ([12]) وإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إِلا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ وأَتَمَّ مَكَانَهُ([13]) إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ وأَمْكَنَ وإِلا فَالأَقْرَبُ إلَيْهِ وإِلا بَطَلَتْ([14]) ورَجَعَ إنْ ظَنَّ بَقَاءَهُ أَوْ شَكَّ ولَوْ بِتَشَهُّدٍ([15])، وإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْراً بِإِحْرَامٍ وسَلَّمَ وانْصَرَفَ([16]) إِنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلامِ إِمَامِهِ لا قَبْلَهُ. ولا يَبْنِي بِغَيْرِهِ كَظَنِّهِ فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ.([17])


([1] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: حُكْمِ مَنْ رَعَفَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا ودَامَ أَخَّرَ لآخِرِ الاخْتِيَارِيِّ وصَلَّى أَوْ فِيهَا)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أُصِيبَ بِالرُّعَافِ (خُرُوجِ الدَّمِ مِنَ الْأَنْفِ) قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتَمَرَّ خُرُوجُ الدَّمِ دُونَ انْقِطَاعٍ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ رَجَاءَ الِانْقِطَاعِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ صَلَّى عَلَى حَالِهِ كَيْلَا يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الرُّعَافُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × قَالَ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ". (بِمَعْنَى وُجُوبِ إِيقَاعِهَا فِيهِ).

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوَقْتِ آكَدُ الشُّرُوطِ وَأَعْظَمُهَا، فَلَمَّا كَانَ الرُّعَافُ عُذْراً يَمْنَعُ كَمَالَ الطَّهَارَةِ (لِوُجُودِ النَّجَاسَةِ)، أُمِرَ بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ انْقِطَاعِهِ أَوَّلًا، فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ قُدِّمَ شَرْطُ "الْوَقْتِ" عَلَى شَرْطِ "طَهَارَةِ الْخَبَثِ" لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا بَدَلَ لَهُ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: إِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ؛ فَلَمَّا ضَاقَ الْوَقْتُ عَلَى صَاحِبِ الرُّعَافِ الَّذِي يَنْتَظِرُ الطَّهَارَةَ، اتَّسَعَ لَهُ الْحُكْمُ بِتَرْكِ شَرْطِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ لِلضَّرُورَةِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ تَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ.

·         قَاعِدَةُ: يُقَدَّمُ أَعْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ فَقَدْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةُ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا مَعَ مَصْلَحَةِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ، فَوُجِبَ تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا أَعْلَى وَأَوْكَدُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "الْعَجْزِ عَنِ الشَّرْطِ مَعَ خَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ"؛ نَقِيسُ صَاحِبَ الرُّعَافِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ (الْعُرْيَانِ)؛ فَكَمَا أَنَّ الْعُرْيَانَ يُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِحَالِهِ لِعَجْزِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَرْعُوفُ يُصَلِّي بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَ خَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ "الضَّرُورَةِ".

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ مِن شُرُوطِ الصَّلَاةِ يَطَّرِدُ فِيهِ السُّقُوطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ تَعَيُّنِ الْوَقْتِ، فَيَطَّرِدُ هَذَا فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ لِلْمَرْعُوفِ.

([2] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: إِتْمَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ أَوِ الْجِنَازَةِ لِمَنْ رَعَفَ فِيهَا وَظَنَّ دَوَامَهُ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وإِنْ عِيداً أَوْ جِنَازَةً وظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ.أَتَمَّهَا)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الرُّعَافُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةِ عِيدٍ أَوْ صَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا الرُّعَافَ سَيَسْتَمِرُّ وَيَدُومُ إِلَى أَنْ تَفُوتَ هَذِهِ الصَّلَاةُ (بِانْصِرَافِ الْإِمَامِ فِي الْعِيدِ أَوْ رَفْعِ الْجِنَازَةِ)، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ، بَلْ "أَتَمَّهَا" بِنَجَاسَتِهِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ مِمَّا يَفُوتُ وَلَا يُقْضَى، فَقُدِّمَ فِيهَا تَحْصِيلُ عَيْنِ الصَّلَاةِ عَلَى شَرْطِ الطَّهَارَةِ لِلضَّرُورَةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِذَا صُلِّيَ عَلَى الْجَنَازَةِ فَلَا يُعَادُ عَلَيْهَا".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ صَلَوَاتٌ لَهَا وَقْتٌ وَسَبَبٌ مَخْصُوصٌ إِذَا ذَهَبَ فَاتَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ × يَحْرِصُ عَلَى إِيقَاعِ الْعِبَادَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا، جَازَ لِلْمَرْعُوفِ إِتْمَامُهَا رَعَايَةً لِحَقِّ الْفَرْضِ (فِي الْجِنَازَةِ) وَالشَّعِيرَةِ (فِي الْعِيدِ) قَبْلَ فَوَاتِهَا الَّذِي لَا جَبْرَ لَهُ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ؛ فَلَمَّا كَانَ الْمُصَلِّي عَاجِزاً عَنْ تَحْصِيلِ الصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ (لِدَوَامِ الرُّعَافِ)، كَانَ تَلَبُّسُهُ بِالصَّلَاةِ بِنَجَاسَتِهِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، رَعَايَةً لِأَصْلِ الْعِبَادَةِ.

·         قَاعِدَةُ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ؛ فَالصَّلَاةُ مَعَ النَّجَاسَةِ مَحْظُورٌ، لَكِنَّ خَوْفَ فَوَاتِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تُقْضَى (كَالْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ) نَزَلَ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ، فَأَبَاحَ الْإِتْمَامَ مَعَ الرُّعَافِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "خَوْفِ الْفَوَاتِ الَّذِي لَا بَدَلَ لَهُ"؛ نَقِيسُ الْعِيدَ وَالْجِنَازَةَ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ؛ فَكَمَا أَنَّ الْمَرْعُوفَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِنَجَاسَتِهِ إِذَا خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ هُنَا لِأَنَّ فَوَاتَ سَبَبِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ كَفَوَاتِ الْوَقْتِ فِي الْفَرِيضَةِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ مَنُْوطَةٍ بِزَمَنٍ أَوْ حَالٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ يَطَّرِدُ فِيهَا تَقْدِيمُ ذَاتِ الْفِعْلِ عَلَى شُرُوطِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ، فَيَطَّرِدُ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ رَعَفَ فِي الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ.

([3] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: تَقْيِيدِ جَوَازِ الْإِتْمَامِ أَوْ الْبِنَاءِ بِعَدَمِ تَلْطِيخِ فُرُشِ الْمَسْجِدِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الرُّخْصَةَ الْمَذْكُورَةَ سَابِقاً فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ لِلْمَرْعُوفِ (فِي الْعِيدِ أَوِ الْجِنَازَةِ) أَوْ جَوَازِ الْبِنَاءِ، مَشْرُوطَةٌ بِأَلَّا يُؤَدِّيَ اسْتِمْرَارُهُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى تَلْطِيخِ فُرُشِ الْمَسْجِدِ بِالدَّمِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ فَإِنْ خَشِيَ تَلْطِيخَ الْمَسْجِدِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَالْخُرُوجُ صِيَانَةً لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ عَنِ النَّجَاسَةِ، وَتُقَدَّمُ هُنَا مَصْلَحَةُ تَنْزِيهِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَصْلَحَةِ إِدْرَاكِ الصَّلَاةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × نَصَّ عَلَى وُجُوبِ تَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَالدَّمُ نَجَاسَةٌ (خَبَثٌ)، فَإِذَا تَعَارَضَ حَقُّ الْمُصَلِّي فِي إِدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ حَقِّ الْمَسْجِدِ فِي النَّظَافَةِ، قُدِّمَ حَقُّ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ تَلْطِيخَهُ مَفْسَدَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، وَانْصِرَافَ الْمَرْعُوفِ مَفْسَدَةٌ قَاصِرَةٌ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: يُقَدَّمُ الضَّرَرُ الْمُتَعَدِّي عَلَى الضَّرَرِ الْقَاصِرِ؛ فَتَلْطِيخُ فُرُشِ الْمَسْجِدِ بِالدَّمِ ضَرَرٌ يَلْحَقُ جَمِيعَ الْمُصَلِّينَ وَيُنَجِّسُ مَكَانَ عِبَادَتِهِمْ، بَيْنَمَا فَوَاتُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْعُوفِ ضَرَرٌ قَاصِرٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فَمُنِعَ مِنَ الْإِتْمَامِ صِيَانَةً لِلْعُمُومِ.

·         قَاعِدَةُ: تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ أَوْكَدُ مِنْ تَحْصِيلِ الرُّخَصِ؛ فَالْمَسْجِدُ مِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ، وَتَنْزِيهُهُ عَنِ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مُطْلَقٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ نَجَاسَتُهُ بِرُخْصَةِ "الْبِنَاءِ" أَوْ "إِتْمَامِ الْفَائِتِ" لِلْمَرْعُوفِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "وُجُوبِ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنِ الْأَذَى"؛ نَقِيسُ الرُّعَافَ الْمُلَطِّخَ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ؛ فَكَمَا يُمْنَعُ إِدْخَالُ النَّجَاسَاتِ الْمُتَعَمَّدَةِ لِلْمَسْجِدِ اتِّفَاقاً، يُمْنَعُ التَّسَبُّبُ فِي تَلْطِيخِ فُرُشِهِ بِالدَّمِ وَإِنْ كَانَ بِعُذْرِ الرُّعَافِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ "تَنْجِيسِ الْبِقَاعِ الْمُقَدَّسَةِ".

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ يَطَّرِدُ فِيهَا التَّقْيِيدُ بِعَدَمِ الْإِضْرَارِ بِحُقُوقِ الْآخَرِينَ أَوْ تَدْنِيسِ الْمُقَدَّسَاتِ، فَيَطَّرِدُ هَذَا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْبِنَاءُ فِي الصَّلَاةِ.

([4] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: سُقُوطِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلْمَرْعُوفِ خَشْيَةَ التَّأَذِّي أَوْ تَلَطُّخِ الثَّوْبِ

الشَّرْحُ: أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وأَوْمَأَ لِخَوْفِ تَأَذِّيهِ أَوْ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْعُوفَ إِذَا خَافَ إِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ أَنْ يَزِيدَ سَيَلَانُ الدَّمِ فَيَتَأَذَّى بِهِ (كَأَنْ يَشْرَقَ بِهِ أَوْ يَضُرَّ صِحَّتَهُ)، أَوْ خَافَ أَنْ يَتَلَطَّخَ ثَوْبُهُ بِالدَّمِ (وَهُوَ مِمَّا يَعْسُرُ غَسْلُهُ أَوْ يَزِيدُ عَلَى الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ)، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الْحَقِيقِيِّ إِلَى الْإِيمَاءِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالنَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى هَيْئَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عِنْدَ الْعَجْزِ الْحُكْمِيِّ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (سُورَةُ الْحَجِّ: 78).

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ إِلْزَامَ الْمَرْعُوفِ بِالسُّجُودِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَلْطِيخِ الثِّيَابِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ حُصُولِ الْأَذَى لَهُ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، وَالدِّينُ مَبْنِيٌّ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ، فَيُصَارُ إِلَى الْبَدَلِ وَهُوَ الْإِيمَاءُ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ × عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الشَّرْعَ أَجَازَ الِانْتِقَالَ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْبَدَلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقِيَامِ، وَيُلْحَقُ بِهِ تَعَذُّرُ السُّجُودِ خَوْفاً مِنَ الْأَذَى أَوْ تَنْجِيسِ الثِّيَابِ، فَيُجْزِئُهُ الْإِيمَاءُ لِتَعَذُّرِ الْهَيْئَةِ الْأَصْلِيَّةِ شَرْعاً.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ؛ فَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ يُؤَدِّي إِلَى مَشَقَّةِ تَنْجِيسِ الثَّوْبِ أَوْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ، جُلِبَ التَّيْسِيرُ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْإِيمَاءِ.

·         قَاعِدَةُ: إِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ؛ فَضِيقُ الْحَالِ بِسَبَبِ الرُّعَافِ الْمَانِعِ مِنَ السُّجُودِ يُوجِبُ التَّوْسِعَةَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْإِيمَاءِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "الْعَجْزِ عَنْ فِعْلِ الرُّكْنِ عَلَى وَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ"؛ نَقِيسُ خَوْفَ تَلَطُّخِ الثَّوْبِ بِالدَّمِ عَلَى الْعَجْزِ الْحِسِّيِّ عَنِ السُّجُودِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْعَاجِزَ حِسّاً يُومِئُ، فَكَذَلِكَ الْخَائِفُ مِنْ زِيَادَةِ الضَّرَرِ أَوْ تَنْجِيسِ اللِّبَاسِ يُومِئُ بِجَامِعِ تَعَذُّرِ الْإِتْيَانِ بِالرُّكْنِ كَمَا يَنْبَغِي.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ اجْتَمَعَ فِيهِ طَلَبُ أَدَاءِ الرُّكْنِ مَعَ خَوْفِ فَوَاتِ طَهَارَةِ الثَّوْبِ أَوْ حُصُولِ الضَّرَرِ، يَطَّرِدُ فِيهِ تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ السَّلَامَةِ وَالطَّهَارَةِ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْإِيمَاءِ.

([5] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: عَدَمِ جَوَازِ الْإِيمَاءِ لِخَوْفِ تَلَطُّخِ الْجَسَدِ بِالدَّمِ

الشَّرْحُ: أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (لَا جَسَدِهِ وإِنْ لَمْ يَظُنَّ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْعُوفَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى الْإِيمَاءِ إِذَا كَانَ خَوْفُهُ مُتَعَلِّقاً بِتَلَطُّخِ "جَسَدِهِ" فَقَطْ بِالدَّمِ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ غَسْلَ الْجَسَدِ أَخَفُّ وَأَهْوَنُ مِنْ غَسْلِ الثِّيَابِ، فَلَا يُعْتَبَرُ تَلَطُّخُهُ عُذْراً يُبِيحُ تَرْكَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَنْ ظَنَّ حُصُولَ التَّلَطُّخِ أَوْ لَمْ يَظُنَّهُ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَدَاءُ الْأَرْكَانِ وَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ لَا تَنْدَفِعُ، وَتَلَطُّخُ الْجَسَدِ يَنْدَفِعُ بِالْغَسْلِ الْيَسِيرِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ × فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ بِالصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الدَّمِ وَأَمَرَهَا بِغَسْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَلَطُّخَ الْجَسَدِ بِالدَّمِ لَيْسَ مَانِعاً مِنَ الصَّلَاةِ وَلَا مُوجِباً لِتَرْكِ هَيْئَاتِهَا، بَلْ يَجِبُ إِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ غَسْلُ مَا أَصَابَ الْجَسَدَ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ؛ فَالْأَصْلُ هُوَ وُجُوبُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا الْأَصْلُ لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ خَوْفِ تَلَطُّخِ الْجَسَدِ، لِأَنَّ تَلَطُّخَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْأَدَاءِ حَالًا وَإِنَّمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

·         قَاعِدَةُ: مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ؛ فَوُجُوبُ الرُّكْنِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَالِانْتِقَالُ لِلْإِيمَاءِ رُخْصَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَتَلَطُّخُ الْجَسَدِ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ بَيِّنَةٍ تُسْقِطُ الْيَقِينَ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكْنِ مَعَ إِمْكَانِ إِزَالَةِ الْمَانِعِ"؛ نَقِيسُ تَلَطُّخَ الْجَسَدِ بِالدَّمِ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ الَّتِي قَدْ تُصِيبُ الْمُصَلِّيَ وَيُمْكِنُهُ غَسْلُهَا؛ فَمَا دَامَ الْمُصَلِّي قَادِراً عَلَى السُّجُودِ، وَتَلَطُّخُ بَشَرَتِهِ لَا يَضُرُّهُ ضَرَراً مُعْتَبَراً كَالْمَرَضِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّكْنُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ عِلَّةِ الْعَجْزِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ أَدَاءِ الرُّكْنِ وَتَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ (بِالْغَسْلِ اللَّاحِقِ لِلْجَسَدِ) لَمْ يَجُزْ فِيهِ تَرْكُ الرُّكْنِ، فَيَطَّرِدُ هَذَا فِي حَقِّ الْمَرْعُوفِ إِذَا خَافَ عَلَى جَسَدِهِ فَقَطْ.

([6] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: صِفَةِ فَتْلِ الدَّمِ لِلْمَرْعُوفِ (بِأَنَامِلِ الْيُسْرَى)

الشَّرْحُ: أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (ورَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاه)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا أَصَابَهُ رُعَافٌ قَلِيلٌ (رَشَحَ) وَخَافَ تَقَاطُرَهُ، فَإِنَّهُ يَفْتِلُهُ (أَيْ يَمْسَحُهُ وَيَجْمَعُهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ لِيَمْنَعَ سَيَلَانَهُ)، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِبَاطِنِ أَنَامِلِ يَدِهِ "الْيُسْرَى" لَا الْيُمْنَى، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ تَقْدِيماً لِلْيُمْنَى عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلْمُسْتَقْذَرَاتِ، وَتَقْلِيلًا لِلْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِذَا رَعَفَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ فَلْيَغْسِلْهُ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ السُّنَّةَ أَمَرَتْ بِأَخْذِ الْأَنْفِ عِنْدَ الرُّعَافِ، وَقَدْ قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي إِزَالَةِ الْأَذَى يَكُونَ بِالْيُسْرَى، كَمَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَتَنْظِيفِ الْأَنْفِ، لِتَظَلَّ الْيُمْنَى لِمَا طَابَ مِنَ الْأَعْمَالِ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الْيَمِينُ لِلْمُكَرَّمَاتِ وَالشِّمَالُ لِلْمُسْتَقْذَرَاتِ؛ وَالدَّمُ نَجِسٌ وَمُسْتَقْذَرٌ، فَكَانَ فَتْلُهُ بِأَنَامِلِ الْيُسْرَى هُوَ الْوَاجِبَ شَرْعاً وَأَدَباً لِتَنْزِيهِ الْيَمِينِ.

·         قَاعِدَةُ: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا؛ فَالْفَتْلُ عَمَلٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الصَّلَاةِ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ (مَنْعِ التَّلْطِيخِ)، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِأَقَلِّ فِعْلٍ مُمْكِنٍ، وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ بِأَنَامِلِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ (الْيُسْرَى).

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "تَنْزِيهِ جِهَةِ الْيَمِينِ عَنِ النَّجَاسَةِ"؛ نَقِيسُ فَتْلَ دَمِ الرُّعَافِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِنْثَارِ؛ فَكَمَا أَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ يُلْحَقُ بِهِ فَتْلُ الدَّمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ كَوْنِهِمَا إِزَالَةً لِخَبَثٍ أَوْ تَقْذِيرٍ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ فِيهِ إِزَالَةُ أَذًى عَنِ الْبَدَنِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِالْعِبَادَةِ يَطَّرِدُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْيُسْرَى تَقْدِيماً لِفَضْلِ الْيَمِينِ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي فَتْلِ الْمَرْعُوفِ لِدَمِهِ.

 ([7] )  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: قَطْعِ الصَّلَاةِ لِلْمَرْعُوفِ عِنْدَ زِيَادَةِ الدَّمِ عَنِ الدِّرْهَمِ أَوْ خَشْيَةِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ

الشَّرْحُ: أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ قَطَعَ. إن لَطَّخَهُ أَوْ خَشِيَ تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْعُوفَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُ صَلَاتِهِ فِي حَالَتَيْنِ: الْأُولَى إِذَا زَادَ الدَّمُ الْمَفْتُولُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ عَلَى مِسَاحَةِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، وَالثَّانِيَةُ إِذَا لَطَّخَ الدَّمُ ثَوْبَهُ أَوْ جَسَدَهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الدِّرْهَمِ، أَوْ خَشِيَ سَيَلَانَ الدَّمِ وَتَنْجِيسَ أَرْضِ الْمَسْجِدِ تَعْظِيماً لِبُيُوتِ اللَّهِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ الْمَسْجِدِ وَاجِبَةٌ، وَشَرْطَ الطَّهَارَةِ لَا يُتَسَامَحُ فِيهِ عِنْدَ الْكَثْرَةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 125).

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْآيَةَ أَوْجَبَتْ تَطْهِيرَ الْمَسَاجِدِ، فَمَنْ خَشِيَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ بِالنَّجَاسَةِ (دَمِ الرُّعَافِ) وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَقَطْعُ الصَّلَاةِ تَقْدِيماً لِوَاجِبِ تَطْهِيرِ الْمَسْجِدِ وَصِيَانَتِهِ عَلَى إِتْمَامِ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ × رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ.. فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ قِبْلَتِهِ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × نَهَى عَنْ تَقْذِيرِ الْمَسْجِدِ بِالطَّاهِرِ (كَالْبُزَاقِ)، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى تَنْجِيسُهُ بِالدَّمِ، فَإِذَا خَشِيَ الْمَرْعُوفُ ذَلِكَ انْصَرَفَ وَقَطَعَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ فَلَمَّا كَانَ تَطْهِيرُ الصَّلَاةِ مِنَ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ (الزَّائِدَةِ عَنِ الدِّرْهَمِ) وَاجِباً، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْقَطْعِ وَالْغَسْلِ، كَانَ الْقَطْعُ وَاجِباً.

·         قَاعِدَةُ: يُحْتَمَلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ؛ فَقَطْعُ الْمُصَلِّي لِصَلَاتِهِ ضَرَرٌ خَاصٌّ بِهِ، لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ لِدَفْعِ تَنْجِيسِ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ ضَرَرٌ عَامٌّ عَلَى الْمُصَلِّينَ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ لِلصِّحَّةِ"؛ نَقِيسُ الدَّمَ الزَّائِدَ عَنِ الدِّرْهَمِ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ الطَّارِئَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَكَمَا أَنَّ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تَنْدَفِعْ فِي الْحَالِ يَقْطَعُ، فَكَذَلِكَ الْمَرْعُوفُ إِذَا كَثُرَ دَمُهُ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ أَدَّى الِاسْتِمْرَارُ فِيهَا إِلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْمَكَانِ (الْمَسْجِدِ) أَوْ لُزُومِ النَّجَاسَةِ لِلثَّوْبِ عَفواً لَا يُقْبَلُ، يَطَّرِدُ فِيهَا حُكْمُ الْوُجُوبِ بِالْقَطْعِ.

([8] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: جَوَازِ الْقَطْعِ وَنَدْبِ الْبِنَاءِ لِلْمَرْعُوفِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وإِلا فَلَهُ الْقَطْعُ ونُدِبَ له الْبِنَاءُ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْعُوفَ إِذَا لَمْ يَتَلَطَّخْ ثَوْبُهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الدِّرْهَمِ وَلَمْ يَخْشَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقْطَعَ صَلَاتَهُ وَيَسْتَأْنِفَهَا مِنْ جَدِيدٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَذْهَبَ فَيَغْسِلَ الدَّمَ ثُمَّ يَعُودَ لِيُكْمِلَ صَلَاتَهُ مِنْ حَيْثُ وَقَفَ (الْبِنَاءُ)، وَالْبِنَاءُ هُنَا هُوَ الْمَنْدُوبُ وَالْأَفْضَلُ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِتْمَاماً لِمَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَتَحْصِيلاً لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: "مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْحَدِيثَ نَصَّ صَرَاحَةً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ "الْبِنَاءِ" لِلْمَرْعُوفِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَدْبِهِ طَلَباً لِإِكْمَالِ الْعِبَادَةِ، كَمَا أَنَّ جَوَازَ الْقَطْعِ يُفْهَمُ مِنْ كَوْنِ الْبِنَاءِ رُخْصَةً لِلتَّخْفِيفِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ أَوْ تَلَطَّخَ بِالنَّجَاسَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَيَسْتَأْنِفُ، فَجَاءَ الْبِنَاءُ تَيْسِيراً.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: إِعْمَالُ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِ أَحَدِهِمَا؛ فَفِي الْبِنَاءِ إِعْمَالٌ لِقَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ صَحِيحاً، وَفِي اسْتِئْنَافِ الطَّهَارَةِ بَقَاءٌ عَلَى شَرْطِهَا، فَكَانَ الْبِنَاءُ جَمْعاً بَيْنَ حِفْظِ مَا مَضَى وَتَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ.

·         قَاعِدَةُ: الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ؛ فَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى مَا صَحَّ فِيهِ النَّصُّ مَنْدُوباً لِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْمَرْعُوفِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "بَقَاءِ النِّيَّةِ وَحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ"؛ نَقِيسُ الرُّعَافَ الْيَسِيرَ الَّذِي يُغْسَلُ وَيُبْنَى عَلَيْهِ، عَلَى مَنْ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ بَعْضِ الْقَوْلِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْبِنَاءَ رُخْصَةٌ لِحِفْظِ مَصْلَحَةِ الْعَمَلِ السَّابِقِ، فَكَذَلِكَ هُنَا بِجَامِعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا عُذْراً لَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ بِالِانْصِرَافِ لِمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ الشَّرْطِ (الطَّهَارَةِ)، يَطَّرِدُ فِيهِ نَدْبُ الْبِنَاءِ لِئَلَّا يَبْطُلَ مَا تَلَبَّسَ بِهِ الْمُكَلَّفُ مِنْ طَاعَةٍ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْعُوفِ.

([9] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: صِفَةِ خُرُوجِ الْمَرْعُوفِ لِغَسْلِ الدَّمِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْعُوفَ إِذَا أَرَادَ الْبِنَاءَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَانِ صَلَاتِهِ وَهُوَ مُمْسِكٌ بِأَنْفِهِ (أَيْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) لِيَمْنَعَ تَقَاطُرَ الدَّمِ عَلَى ثِيَابِهِ أَوْ عَلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ، فَيَذْهَبُ لِيَغْسِلَهُ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِمْسَاكَ ضَرُورِيٌّ لِحِفْظِ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّ السَّتْرَ مَطْلُوبٌ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِذَا رَعَفَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × أَمَرَ الْمَرْعُوفَ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ عِنْدَ الِانْصِرَافِ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَهُ حِكْمَتَانِ: الْأُولَى حِسِّيَّةٌ وَهِيَ مَنْعُ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ وَالثِّيَابِ بِالدَّمِ، وَالثَّانِيَةُ أَدَبِيَّةٌ وَهِيَ سَتْرُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الرُّعَافِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ كَيْ لَا يُسْتَقْذَرَ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ فَلَمَّا كَانَ دَفْعُ نَجَاسَةِ الدَّمِ عَنِ الْمَسْجِدِ وَالثَّوْبِ وَاجِباً، وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِمْسَاكِ الْأَنْفِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، كَانَ هَذَا الْإِمْسَاكُ وَاجِباً شَرْعاً.

·         قَاعِدَةُ: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا؛ فَالْخُرُوجُ مِنَ الصَّلَاةِ رُخْصَةٌ لِلْمَرْعُوفِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ تَدْفَعُ الضَّرَرَ (وَهُوَ التَّنْجِيسُ) بِأَقَلِّ عَمَلٍ مُمْكِنٍ، وَهُوَ مَحْضُ الْإِمْسَاكِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "وُجُوبِ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ وَالْمَكَانِ عَنِ النَّجَاسَةِ"؛ نَقِيسُ إِمْسَاكَ الْأَنْفِ لِلْمَرْعُوفِ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ فَأَمْسَكَ مَكَانَهَا لِيَمْنَعَ انْتِشَارَهَا؛ فَبِجَامِعِ "خَوْفِ انْتِقَالِ النَّجَاسَةِ لِلْمُطَهَّرِ" يَجِبُ الْفِعْلُ الدَّافِعُ لِهَذَا الِانْتِقَالِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي فِعْلٍ خَارِجٍ عَنِ الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ طَارِئٍ، يَطَّرِدُ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الْتِزَامِ الْهَيْئَةِ الَّتِي تَمْنَعُ تَعَدِّي أَثَرِ هَذَا الْعُذْرِ إِلَى نَقْصِ الطَّهَارَةِ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْعُوفِ.

([10] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: شُرُوطِ صِحَّةِ الْبِنَاءِ لِلْمَرْعُوفِ (الْمَكَانُ، الِاسْتِدْبَارُ، النَّجَاسَةُ، وَالْكَلَامُ)

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَانٍ مُمْكِنٍ قَرُبَ ويَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلا عُذْرٍ أوَ يَطَأُ نَجَساً ويَتَكَلَّمْ ولَوْ سَهْواً إنْ كَانَ بِجَمَاعَةٍ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ بِنَاءَ الْمَرْعُوفِ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ أَقْرَبَ مَكَانٍ لِلْغَسْلِ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ عُرْفاً، وَأَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ لِغَيْرِ ضَرُورَةِ الطَّرِيقِ، وَأَنْ لَا يَطَأَ نَجَاسَةً بِيَقِينٍ فِي طَرِيقِهِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِمَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ نَاسِياً إِذَا كَانَ مُؤْتَمّاً، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْبِنَاءِ مَنُوطَةٌ بِعَدَمِ ارْتِكَابِ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ لِغَيْرِ ضَرُورَةِ الْغَسْلِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: "مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ... فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْحَدِيثَ اشْتَرَطَ لِلْبِنَاءِ عَدَمَ الْكَلَامِ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْفُقَهَاءُ كُلَّ مَا يُنَافِي هَيْئَةَ الصَّلَاةِ كَالِاسْتِدْبَارِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْمَكَانِ الْقَرِيبِ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَا تَنَالُهُ الرُّخْصَةُ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا؛ فَالْخُرُوجُ لِلْغَسْلِ ضَرُورَةٌ، فَيَتَقَدَّرُ بِأَقْرَبِ مَكَانٍ وَبِأَقَلِّ فِعْلٍ، فَإِذَا زَادَ بِالْكَلَامِ أَوِ الِاسْتِدْبَارِ عَبَثاً بَطَلَتِ الرُّخْصَةُ.

·         قَاعِدَةُ: الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي وَلَا بِالتَّفْرِيطِ؛ فَالْمُفَرِّطُ بِمُجَاوَزَةِ الْمَكَانِ الْقَرِيبِ أَوْ بِالْكَلَامِ سَاهِياً فِي الْجَمَاعَةِ (لِقُوَّةِ حَالِهَا) يُعْتَبَرُ قَاطِعاً لِصَلَاتِهِ لِتَرْكِهِ التَّحَفُّظَ الْمَطْلُوبَ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "الْمُنَافَاةِ لِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ"؛ نَقِيسُ الْكَلَامَ سَهْواً لِلْمَأْمُومِ الْمَرْعُوفِ عَلَى الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْفِعْلَ الْكَثِيرَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِمُنَافَاتِهِ لَهَا، فَكَذَلِكَ هُنَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلَّاً مِنْهُمَا خُرُوجٌ عَنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ زَائِدٌ عَنِ الْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لِلْمَرْعُوفِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ رُخْصَةٍ شُرِعَتْ لِلتَّخْفِيفِ يَطَّرِدُ فِيهَا اشْتِرَاطُ عَدَمِ التَّوَسُّعِ فِيمَا يُضَادُّ الْأَصْلَ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ بِنَاءِ الْمَرْعُوفِ مَنْعاً لِلتَّلَاعُبِ بِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ.

([11] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: نَدْبِ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْمَرْعُوفِ لِغَيْرِهِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (واسْتَخْلَفَ الإِمَامُ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَصَابَهُ الرُّعَافُ وَاحْتَاجَ لِلْخُرُوجِ مِنْ صَلَاتِهِ لِغَسْلِهِ، نُدِبَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِالنَّاسِ صَلَاتَهُمْ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْإِمَامُ الْبِنَاءَ أَمِ الْقَطْعَ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِيهِ صِيَانَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ مِنْ أَنْ تَنْقَلِبَ فِذَاذاً أَوْ تَبْطُلَ بِالِانْتِظَارِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ حِفْظٌ لِنِظَامِ الْجَمَاعَةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: صَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَعَفَ، فَأَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَاسْتَخْلَفَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (وَفِيهِمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ حِينَ طُعِنَا أَوْ رَعَفَا) جَرَى عَلَى الِاسْتِخْلَافِ عِنْدَ طُرُوءِ الْعُذْرِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مَتْبُوعَةٌ لِحِفْظِ فَرْضِ الْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ تَفْرِيقِ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا؛ فَالِاسْتِخْلَافُ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا زَائِداً فِي الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّهُ اغْتُفِرَ لِكَوْنِهِ تَابِعاً لِمَصْلَحَةِ إِتْمَامِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي شَرَعُوا فِيهَا، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْجَمَاعَةِ تَقْتَضِي عَدَمَ إِبْطَالِهَا.

·         قَاعِدَةُ: إِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ؛ فَلَمَّا ضَاقَ الْحَالُ عَلَى الْإِمَامِ بِوُجُوبِ الْخُرُوجِ لِلْغَسْلِ، اتَّسَعَ الْحُكْمُ بِجَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ لِئَلَّا يَقَعَ النَّاسُ فِي حَيْرَةٍ أَوْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُمْ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "حُصُولِ الْعُذْرِ الْمَانِعِ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ مَعَ صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ خَلْفَهُ"؛ نَقِيسُ الرُّعَافَ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ سَهْواً أَوْ طُرُوءِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ؛ فَبِجَامِعِ "الْعُذْرِ الْقَهْرِيِّ" يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنَ إِمَامٍ إِلَى إِمَامٍ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ جَمَاعِيَّةٍ قَامَتْ عَلَى إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ، يَطَّرِدُ فِيهَا صِحَّةُ النِّيَابَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْأَصِيلِ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ الْمَرْعُوفِ.

([12] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: حُكْمِ بِنَاءِ الْفَذِّ (الْمُنْفَرِدِ) إِذَا رَعَفَ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وفِي بِنَاءِ الْفَذِّ خِلافٌ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ (الْفَذِّ) إِذَا أَصَابَهُ الرُّعَافُ؛ هَلْ يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ كَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَالِاسْتِئْنَافُ؟ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَبْنِي كَغَيْرِهِ تَيْسِيراً، بَيْنَمَا رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَقْطَعُ لِعَدَمِ وُجُودِ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّهِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: "مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ... فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ عَامًّا فِي كُلِّ مَنْ أَصَابَهُ الرُّعَافُ دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ إِمَامٍ أَوْ مَأْمُومٍ أَوْ فَذٍّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ بِالْبِنَاءِ تَشْمَلُ الْمُنْفَرِدَ طَلَباً لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْعِبَادَةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ؛ فَلَمَّا كَانَ الْبِنَاءُ مَحَلَّ خِلَافٍ لِلْفَذِّ، كَانَ الْبِنَاءُ أَحْوَطَ لِعَدَمِ إِبْطَالِ مَا صَحَّ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالِاسْتِئْنَافُ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الْبِنَاءَ، لَكِنَّ الرُّخْصَةَ تَمِيلُ لِلْبِنَاءِ.

·         قَاعِدَةُ: إِذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ؛ فَالْأَصْلُ أَنَّ النَّجَاسَةَ وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السُّنَّةِ جَوَازُ الْبِنَاءُ، فَقُدِّمَ الظَّاهِرُ هُنَا لِلْمُنْفَرِدِ كَمَا قُدِّمَ لِلْجَمَاعَةِ إِجْرَاءً لِلْأَحْكَامِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "حُصُولِ الْعُذْرِ الطَّارِئِ الْمُوجِبِ لِلْخُرُوجِ"؛ نَقِيسُ الْفَذَّ الْمَرْعُوفَ عَلَى الْمَأْمُومِ الْمَرْعُوفِ؛ فَبِجَامِعِ "مَشَقَّةِ الِاسْتِئْنَافِ وَطُرُوءِ الْعُذْرِ لَا بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ" يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ شُرِعَتْ لِعِلَّةِ الرُّعَافِ لَا لِعِلَّةِ وُجُودِ الْجَمَاعَةِ فَقَطْ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِإِذْنِ الشَّارِعِ، يَطَّرِدُ فِيهَا حُكْمُ الْبِنَاءِ لِحِفْظِ مَا مَضَى مِنَ الرَّكَعَاتِ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْفَذِّ كَمَا اطَّرَدَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ.

([13] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ الْكَامِلَةِ وَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ مَكَانَ الْغَسْلِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إِلا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ وأَتَمَّ مَكَانَهُ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْعُوفَ إِذَا بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الرُّعَافُ إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْ أَكْمَلَ سُجُودَهَا الثَّانِيَ قَبْلَ الِانْصِرَافِ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ كَمَالِ السُّجُودِ الثَّانِي أَلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَأَتَمَّ مَكَانَهُ) فَيَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي غَسَلَ فِيهِ الدَّمَ (إِنْ كَانَ طَاهِراً) وَلَا يَرْجِعُ لِمَكَانِهِ الْأَوَّلِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَأْمُوماً يَخْشَى فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الِاعْتِدَادَ بِالصَّلَاةِ شَرْعاً مَنُوطٌ بِإِكْمَالِ الرَّكْعَةِ بِسُجُودِهَا، فَمَنْ نَقَصَتْ رَكْعَتُهُ بِسَبَبِ الرُّعَافِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا لِعَدَمِ تَمَامِهَا الشَّرْعِيِّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ مِنْ أَوَّلِ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَطَلَتْ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَصِحَّةُ الرَّكْعَةِ لَا تَتَيَقَّنُ إِلَّا بِتَمَامِ أَرْكَانِهَا، فَإِذَا طَرَأَ الرُّعَافُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، كَانَ الْيَقِينُ هُوَ عَدَمُ تَمَامِهَا، فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.

·         قَاعِدَةُ: التَّابِعُ تَابِعٌ؛ فَالْمَكَانُ الَّذِي غَسَلَ فِيهِ الدَّمَ صَارَ مَحَلًّا لِتَطْهِيرِ الْعِبَادَةِ، فَاغْتُفِرَ لَهُ الْإِتْمَامُ فِيهِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِرُخْصَةِ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ لِلْمَكَانِ الْأَوَّلِ فِيهِ زِيَادَةُ مَشْيٍ لَا دَاعِيَ لَهَا.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "تَجَزُّؤِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّبْعِيضَ"؛ نَقِيسُ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَمْ تُكْمَلْ لِلْمَرْعُوفِ عَلَى صَلَاةِ مَنْ نَسِيَ رُكْناً فِيهَا؛ فَكَمَا أَنَّ نِسْيَانَ الرُّكْنِ يُبْطِلُ الرَّكْعَةَ، فَكَذَلِكَ الْخُرُوجُ الِاضْطِرَارِيُّ قَبْلَ تَمَامِهَا، بِجَامِعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَقْداً لِمَاهِيَّةِ الرَّكْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ.

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ رُكْنٍ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ قَبْلَ كَمَالِهِ، يَطَّرِدُ فِيهِ حُكْمُ الْإِلْغَاءِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي رَكْعَةِ الْمَرْعُوفِ إِذَا لَمْ تَكْمُلْ بِسُجُودِهَا الثَّانِي.

([14] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: مَكَانِ إِتْمَامِ الْمَرْعُوفِ لِصَلَاتِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ وأَمْكَنَ وإِلا فَالأَقْرَبُ إلَيْهِ وإِلا بَطَلَتْ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَأْمُومَ الْمَرْعُوفَ بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ دَمَهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي مَكَانِ الْإِكْمَالِ؛ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ إِمَامَهُ قَدْ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ أَتَمَّ مَكَانَ غَسْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُصُولَ لِلصَّفِّ أَتَمَّ فِي أَقْرَبِ مَكَانٍ يَتَّصِلُ فِيهِ بِالصُّفُوفِ، فَإِنْ خَالَفَ هَذَا التَّرْتِيبَ (كَأَنْ أَتَمَّ مَكَانَهُ مَعَ إِمْكَانِ الرُّجُوعِ لِلْإِمَامِ) بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مَنُوطَةٌ بِالِاتِّبَاعِ مَا دَامَ مُمْكِناً.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ فِي الْمَكَانِ وَالْأَفْعَالِ، فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ (الرُّعَافُ) وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ (وَهُوَ الِائْتِمَامُ)، فَمَنْ تَرَكَ الْعَوْدَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَقَدْ تَرَكَ فَرْضَ الِائْتِمَامِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: مَا ثَبَتَ بِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ؛ فَالرُّخْصَةُ لِلْمَرْعُوفِ فِي تَرْكِ مَكَانِ الْإِمَامِ ثَبَتَتْ بِعُذْرِ غَسْلِ الدَّمِ، فَإِذَا انْتَهَى الْغَسْلُ زَالَ الْعُذْرُ، فَيَجِبُ الْعَوْدُ إِلَى الْأَصْلِ (وَهُوَ الْقُرْبُ مِنَ الْإِمَامِ) إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِفَرَاغِ الْإِمَامِ أَوْ ضِيقِ الْمَكَانِ.

·         قَاعِدَةُ: الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ إِعْرَاضٌ عَنِ الْمَقْصُودِ؛ فَإِذَا أَتَمَّ الْمَرْعُوفُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الْإِمَامِ، كَانَ ذَلِكَ إِعْرَاضاً عَنْ هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ الْمَطْلُوبَةِ، مِمَّا يُوجِبُ بُطْلَانَ الِائْتِمَامِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "وُجُوبِ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ"؛ نَقِيسُ الْمَرْعُوفَ الْعَائِدَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ مُنْفَرِداً مَعَ وُجُودِ سَعَةٍ فِيهَا؛ فَكَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الِانْقِطَاعِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مَمْنُوعَةٌ، فَكَذَلِكَ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَرْعُوفِ إِذَا تَرَكَ الِاتِّصَالَ الْمُمْكِنَ بِجَامِعِ "مُخَالَفَةِ نِظَامِ الْجَمَاعَةِ".

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ رُخْصَةٍ تَقَيَّدَتْ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ لِلْحَاجَةِ، يَطَّرِدُ فِيهَا وُجُوبُ الرُّجُوعِ لِلْعَزِيمَةِ عِنْدَ انْتِهَاءِ تِلْكَ الْحَاجَةِ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ الْمَرْعُوفِ فِي رُجُوعِهِ لِلْمَسْجِدِ أَوْ أَقْرَبِ مَكَانٍ.

([15] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: وُجُوبِ رُجُوعِ الْمَرْعُوفِ لِلْإِمَامِ عِنْدَ ظَنِّ بَقَائِهِ أَوْ الشَّكِّ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (ورَجَعَ إنْ ظَنَّ بَقَاءَهُ أَوْ شَكَّ ولَوْ بِتَشَهُّدٍ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَأْمُومَ الْمَرْعُوفَ إِذَا فَرَغَ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَانِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَزَالُ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ (اسْتِصْحَاباً لِلْأَصْلِ)، وَيَسْتَمِرُّ وُجُوبُ الرُّجُوعِ حَتَّى لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ عَقْدٌ لَا يَنْحَلُّ إِلَّا بِيَقِينِ الْفَرَاغِ، وَلِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ تُدْرَكُ مَا لَمْ يُسَلِّمِ الْإِمَامُ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئاً، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الشَّارِعَ حَثَّ عَلَى الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَيِّ حَالٍ كَانَ عَلَيْهَا (سُجُوداً أَوْ تَشَهُّداً)، وَالْمَرْعُوفُ مُرْتَبِطٌ بِإِمَامِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِتَحْصِيلِ مَا بَقِيَ مِنْ جَمَاعَتِهِ مَا دَامَ بَقَاءُ الْإِمَامِ مَظْنُوناً أَوْ مَشْكُوكاً فِيهِ، لِأَنَّ "مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ".

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: الِاسْتِصْحَابُ (بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ)؛ فَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي فَرَاغِهِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْعُوفِ بِنَاءُ فِعْلِهِ عَلَى هَذَا الِاسْتِصْحَابِ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْمَسْجِدِ.

·         قَاعِدَةُ: الِاحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ وَاجِبٌ؛ فَلَمَّا تَرَدَّدَ الْأَمْرُ بَيْنَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَعَدَمِهِ، كَانَ الِاحْتِيَاطُ لِصِحَّةِ الِائْتِمَامِ هُوَ الرُّجُوعَ لِلْمَسْجِدِ، لِأَنَّ فِيهِ يَقِينَ الِاتِّصَالِ بِالْجَمَاعَةِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ مَا دَامَ مَحَلُّهَا بَاقِياً"؛ نَقِيسُ الْمَرْعُوفَ الشَّاكَّ فِي بَقَاءِ إِمَامِهِ عَلَى الْمَسْبُوقِ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَلَا يَدْرِي هَلْ سَلَّمَ الْإِمَامُ أَمْ لَا؛ فَكَمَا أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُسْرِعُ لِلِدُّخُولِ، فَكَذَلِكَ الْمَرْعُوفُ يُسْرِعُ لِلرُّجُوعِ بِجَامِعِ "طَلَبِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَحُكْمِ الِاتِّبَاعِ".

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي عِبَادَةٍ مَنُوطَةٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، يَطَّرِدُ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ السَّعْيِ لِلِاقْتِرَانِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ عِنْدَ زَوَالِ مَانِعِهِ الْقَهْرِيِّ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْعُوفِ إِذَا طَهُرَ.

([16] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: حُكْمِ الْمَرْعُوفِ فِي الْجُمُعَةِ إِذَا لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً بَسُجُودِهَا

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْراً بِإِحْرَامٍ وسَلَّمَ وانْصَرَفَ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَخَرَجَ لِلْغَسْلِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَةً بَسُجُودِهَا الثَّانِي مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ إِذَا رَجَعَ وَوَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ فَاتَتْهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ وَيَسْتَأْنِفَ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُبْنَى عَلَى الظُّهْرِ لِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ وَالْهَيْئَةِ، وَيَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ صَلَاتِهِ الْأُولَى (الَّتِي رَعَفَ فِيهَا) لِيَخْرُجَ مِنْهَا بِيَقِينٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الظُّهْرِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً (أَيْ ظُهْراً)".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْحَدِيثَ جَعَلَ مَنَاطَ إِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ هُوَ الرَّكْعَةَ الْكَامِلَةَ، فَالْمَرْعُوفُ الَّذِي لَمْ يُتِمَّ الرَّكْعَةَ مَعَ الْإِمَامِ بِسَبَبِ انْصِرَافِهِ لِلْغَسْلِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ سَبِيلٌ لِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، فَلَزِمَهُ الِانْتِقَالُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ الظُّهْرُ بِإِحْرَامٍ مُسْتَقِلٍّ لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَانِ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: مَا بَطَلَ أَصْلُهُ بَطَلَ وَصْفُهُ؛ فَلَمَّا بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الرُّعَافُ (لِعَدَمِ تَمَامِهَا)، بَطَلَ مَعَهَا وَصْفُ "الْجُمُعَةِ" فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْفَرْضِ الْعَامِّ وَهُوَ الظُّهْرُ.

·         قَاعِدَةُ: لَا بِنَاءَ مَعَ اخْتِلَافِ النِّيَّةِ؛ فَالْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي النِّيَّةِ وَالْعَدَدِ، وَالْبِنَاءُ لِلْمَرْعُوفِ شَرْطُهُ اتِّحَادُ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَتِ الْجُمُعَةُ بَطَلَ الْبِنَاءُ وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ (الِابْتِدَاءُ).

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "فَوَاتِ الرُّكْنِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْعِبَادَةُ الْمَخْصُوصَةُ"؛ نَقِيسُ الْمَرْعُوفَ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى الْمَسْبُوقِ الَّذِي لَمْ يُدْرِكِ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ؛ فَكَمَا أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُتِمُّهَا ظُهْراً، فَكَذَلِكَ الْمَرْعُوفُ يَبْتَدِئُهَا ظُهْراً بِجَامِعِ "عَدَمِ إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْمُعْتَدِّ بِهَا".

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ ضَيِّقَةِ الْوَقْتِ أَوِ الشُّرُوطِ (كَالْجُمُعَةِ) ثُمَّ زَالَتْ شُرُوطُهَا فِي حَقِّهِ، يَطَّرِدُ فِيهِ وُجُوبُ الرُّجُوعِ لِلْبَدَلِ الْأَصْلِيِّ بِنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْعُوفِ.

([17] ) إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: تَوْقِيتِ الرُّعَافِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَأَثَرِ الظَّنِّ الْخَاطِئِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (إِنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلامِ إِمَامِهِ لا قَبْلَهُ. ولا يَبْنِي بِغَيْرِهِ كَظَنِّهِ فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ)؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَأْمُومَ إِذَا رَعَفَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ إِمَامُهُ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْفَذِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَهُوَ لَا يَزَالُ فِي مَكَانِهِ (فَلَا بِنَاءَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُوماً عِنْدَ طُرُوءِ الْعُذْرِ)، كَمَا أَنَّهُ لَا يُبْنَى عَلَى الرُّعَافِ إِذَا كَانَ سَبَبُ الْخُرُوجِ غَيْرَ الرُّعَافِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ رَعَفَ فَخَرَجَ لِيَغْسِلَ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرْعَفْ، فَهَذَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَقِيقِيٍّ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.

الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: "مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ... فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ".

·         وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ السُّنَّةَ قَيَّدَتِ الْبِنَاءَ بِحُصُولِ الْعُذْرِ حَقِيقَةً (أَصَابَهُ رُعَافٌ)، فَمَنْ خَرَجَ لِظَنٍّ فَانْكَشَفَ خَطَؤُهُ لَمْ يَصِبْهُ رُعَافٌ حَقِيقَةً، فَبَقِيَ فِعْلُهُ (الْخُرُوجُ) فِعْلًا أَجْنَبِيّاً عَمْداً لَا يُغْتَفَرُ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ (أَهَمُّ قَاعِدَتَيْنِ):

·         قَاعِدَةُ: لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ؛ فَلَمَّا ظَنَّ الْمُصَلِّي الرُّعَافَ فَخَرَجَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأُ ظَنِّهِ، صَارَ ظَنُّهُ كَالْعَدَمِ، وَاسْتَحَالَ الِاعْتِدَادُ بِالْخُرُوجِ كَعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَبَطَلَتِ الصَّلَاةُ.

·         قَاعِدَةُ: الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالشَّكِّ؛ فَجَوَازُ الْبِنَاءِ رُخْصَةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ لِلْمَرْعُوفِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَتَوَسَّعُ فِيهِ إِلَّا مَعَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ، فَمَنْ شَكَّ فَخَرَجَ ثُمَّ انْتَفَى السَّبَبُ عَادَ إِلَى أَصْلِ الْمَنْعِ مِنْ تَرْكِ مَكَانِ الصَّلَاةِ.

الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ (أَعَمُّ قِيَاسَيْنِ):

·         قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "تَرْكِ الرُّكْنِ (الْمَكَانِ وَالْهَيْئَةِ) لِغَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ"؛ نَقِيسُ مَنْ خَرَجَ يَظُنُّ الرُّعَافَ فَخَابَ ظَنُّهُ، عَلَى مَنْ قَطَعَ صَلَاتَهُ يَظُنُّ أَنَّ ثَوْبَهُ تَنَجَّسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً؛ فَكَمَا أَنَّ هَذَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِعَمْدِيَّةِ الْفِعْلِ الْمُنَافِي لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا بِجَامِعِ "انْتِفَاءِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ".

·         قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ رُخْصَةٍ شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ نَاجِزٍ (كَالدَّمِ)، يَطَّرِدُ فِيهَا عَدَمُ الصِّحَّةِ إِذَا فُعِلَتْ بِنَاءً عَلَى وَهْمٍ أَوْ خَوْفٍ لَمْ يَقَعْ، فَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ خَرَجَ يَظُنُّ الرُّعَافَ.

..

من كتابي / اقامة الدليل لمسائل مختصر خليل