إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ: مَنْعُ التَّنَفُّلِ وَقْتَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وخُطْبَةِ جُمُعَةٍ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّافِلَةَ مَمْنُوعَةٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مَنْ دَخَلَهُ حِينَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ وَأَثْنَاءَ إِلْقَائِهَا، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الرُّكُوعِ وَلَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ، لِوُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ.
الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ".
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْخُطْبَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِنْصَاتِ لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ، وَالتَّنَفُّلُ يُشْغِلُ عَنِ الِاسْتِمَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَمَنَعَ الشَّارِعُ مَا يُفَوِّتُ هَذَا الْوَاجِبَ.
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ".
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × جَعَلَ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (قَوْلَ أَنْصِتْ) لَغْواً لِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنِ الْخُطْبَةِ، فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ لِمَصْلَحَةِ الْغَيْرِ مَمْنُوعاً، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تُمْنَعَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ عَمَلٌ طَوِيلٌ وَقِرَاءَةٌ تَحُولُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ سَمَاعِ الْإِمَامِ.
الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ:
قَاعِدَةُ: إِذَا تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ قُدِّمَ الْوَاجِبُ؛ فَالِاسْتِمَاعُ لِلْخُطْبَةِ وَاجِبٌ، وَالتَّنَفُّلُ (أَوْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) مَنْدُوبٌ، فَلَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِالْمَنْدُوبِ عَلَى حِسَابِ تَفْوِيتِ الْوَاجِبِ.
قَاعِدَةُ: الْخُطْبَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ وَلَمَّا كَانَتِ الْخُطْبَةُ تَنُوبُ عَنْ رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، صَارَ لَهَا حُرْمَةُ الصَّلَاةِ، فَكَمَا لَا يَتَنَفَّلُ الْمَرْءُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، كَذَلِكَ لَا يَتَنَفَّلُ وَالْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ.
قَاعِدَةُ: مَا شَغَلَ عَنِ الْمَقْصُودِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ وَمَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنَ الْجُمُعَةِ الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، وَالصَّلَاةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ شَاغِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ:
قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ"؛ نَقِيسُ مَنْعَ الصَّلَاةِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ عَلَى مَنْعِهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْطَعُ نَفْلَهُ إِذَا أُقِيمَتِ الْفَرِيضَةُ، فَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَنِ النَّفْلِ إِذَا بَدَأَتِ الْخُطْبَةُ لِأَنَّهَا شُرُوعٌ فِي مَقَاصِدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
قِيَاسُ الْعَكْسِ: لَوْ جَازَ التَّنَفُّلُ حَالَ الْخُطْبَةِ لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ بِالْبُكُورِ وَالِاسْتِمَاعِ مَعْنًى، وَلَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَشْوِيشِ الْمُصَلِّي عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، فَبَطَلَ الْجَوَازُ لِتَحْقِيقِ السَّكِينَةِ.
قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ حَالٍ فِيهِ خِطَابٌ عَامٌّ مِنَ الْإِمَامِ يَطَّرِدُ فِيهِ لُزُومُ الْإِصْغَاءِ، فَيَطَّرِدُ هَذَا فِي جَمِيعِ خُطَبِ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ.