الحمد لله المستحق لغاية المحامد نحمده على عظيم احسانه واكرامه لنا بشامل النعم التي تعمنا والتي أعظمها هي شرف الرسالة والتكليف والصلاة والسلام على أشرف الخلق عبدالله ورسوله المصطفى الأمين محمد بن عبدالله الهادي البشير النذير وعلى آل بيته الطيبين وعلى الصحب الميامين ومن اهتدى بهديهم الى يوم الدين
هذِهِ المدونة، نهجتُ فيْهَا سبيْلَ الإيْجَاز والإختصَار، ,غايَتي مِن ذلِك توصيل المعلومة للمسلم باقصر الطرق؛ وألحقتُ بذلك الادلة والشواهد من الكتاب والسنة المطهرة، وأثر الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتُ ائمة وفقهاء المذاهب الاربعة في منهج الاستدلال لديهم جمعا بين النصوص او الترجيح بينها وركزت على مواضع الخلاف بين المذاهب الاربعة وحرصت على منهجيه فيها اظهار الاجماع ....
سائلاً اللهَ عزَّوجل الإعَانَة ، واللطف في الأمر كلِّهِ ، وأنْ يَجعلَ مَا اكتبُهُ خالصَاً لوجههِ الكريْم ....وان يختم لي بالصالحات وحسن المآب معافاً في ديني وسالما في معتقدي

حكم الغناء على المذهب الشافعي


د. زياد حبوب أبو رجائي
الغناء على المذهب الشافعي

هذا ما نصل به في بحر المذهب الامام الروياني (308/14):
أما الغناء: 
فمن الصوت ممدود، ومن المال مقصور، كالهواء وهو من الجو ممدود، ومن هوى النفس مقصور.
كتب إلي أخي من البصرة وقد اشتد شوقه للقائي ببغداد شعرًا قال فيه:
طيب الهواء ببغداد يشوقني قدمًا إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت طيب الهواءين ممدود ومقصور
اختلف أهل العلم في إباحة الغناء وحظره، فأباحه أكثر أهل الحجاز وحظره أكثر أهل العراق.
وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك في أصح ما نقل عنهم، فلم يبيحوه على الإطلاق ولم يحظروه على الإطلاق، فتوسطوا فيه بالكراهة بين الحظر والإباحة.
واستدل من أباحه، بما روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم}، أنه مر بجارية لحسان بن ثابت تغني وهي تقول:
هل علي ويحكما إن لهوت من حرج
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}: "لا حرج إن شاء الله"
وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت عندي جاريتان
تغنيان فدخل أبو بكر، فقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}: "دعهما فإنها أيام عيد".
وقال عمر رضي الله عنه: "الغناء زاد المسافر".
وكان لعثمان جاريتان تغنيان في الليل فإذا جاء وقت السحر قال: أمسكا فهذا وقت الاستغفار وقام إلى صلاته.
ولأنه لم يزل أهل الحجاز يترخصون فيه ويكثرون منه، وهم في عصر الصحابة وجلة الفقهاء، فلا ينكرونه عليهم ولا يمنعونهم منه إلا في إحدى حالتين:
إما في الانقطاع إليه، أو الإكثار منه، كالذي حكي أن عبد الله بن جعفر كان منقطعًا إليه، ومكثرًا منه، حتى بدد فيه أمواله، فبلغ ذلك معاوية، فقال لعمرو بن العاص: قم بنا إليه، فقد غلب هواه على شرفه ومروءته، فلما استأذنا عليه وعنده جواريه، يغنين فأمرهن بالسكوت، وأذن لهما في الدخول، فلما استقر بهما الجلوس، قال معاوية: يا عبد الله، مرهن يرجعن إلى ما كن عليه، فرجعن يغنين، فطرب معاوية حتى حرك رجليه على السرير، فقال عمرو: إن من جئت تلحاه أحسن حالًا منك، فقال معاوية: إليك عني يا عمرو، فإن الكريم طروب. وأما أن يكون في الغناء ما يكره كالذي روي عن سفيان بن عيينة، وقد عاد ابن جامع إلى مكة بأموال جمة حملها من العراق، فقال لأصحابه: علام لعطاء ابن جامع هذه الأموال؟ فقالوا: على الغناء، قال: "ابن جامع ماذا يقول فيه"؟ قالوا: يقول:
أطوف بالبيت في من يطوف وأرفع من مئزري المسبل
قال: هي السنة، ثم ماذا يقول؟ قالوا:
وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل
قال: أحسن وأصلح، ثم ماذا؟ قالوا:
عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل
قال: أفسد الخبيث ما أصلح لا سخر الله له.

واستدل من حظره بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72]. وفيه أربعة تأويلات: أحدها: الغناء، قاله مجاهد.
والثاني: أعياد أهل الذمة، قاله ابن سيرين.
والثالث: الكذب، قاله ابن جريج.
والرابع: الشرك، قاله الضحاك رحمه الله.
وقال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]. وفيه ثلاث تأويلات:
أحدها: إذا ذكروا الفروج والنكاح كنوا عنها.
والثاني: إذا مروا بالمعاصي أنكروها، قاله الحسن.
والثالث: إذا مروا بأهل المشركين أنكروه، قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6] الآية، وفي لهو الكلام أربعة تأويلات:
أحدها: أنه الغناء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة.
والثاني: أنه شراء المغنيات. وروى القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي {صلى الله عليه وسلم}، قال: "لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن ولا التجارات فيهن وأثمانهن حرام وفيهن أنزل الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث".
والثالث: أنه شراء الطبل والمزمار، قاله عبد الكريم.
والرابع: أنه ما ألهى عن الله تعالى، قاله الحسن.
وفي قوله تعالى: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [لقمان: 6]. تأويلان:
أحدهما: ليمنع من قراءة القرآن، قاله ابن عباس.
والثاني: ليصد عن سبيل الله. حكاه الطبري.
وفي قوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ}: تأويلان.
أحدهما: بغير حجة.
والثاني: بغير رواية.
وفي قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} تأويلان:
أحدهما: تكذيبًا.
: استهزاء بها.
ومن السنة ما رواه ابن مسعود، عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل".
وروي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال: "الغناء نهيق الشيطان".
وقال {صلى الله عليه وسلم}: "أنهاكم عن صوتين فاجرين الغناء والنياحة.
وقال بعض السلف: الغناء رقيةً الزنا.
وإذا تقابل بما ذكرنا، دلائل الحظر والإباحةً، يخرج منها حكم الكراهة. فلم يحكم بإباحته، لما قابله من دلائل الحظر والإباحة، ولم نحكم بحظره لما قابله من دلائل الإباحة فصار يتردده بينهما مكروها غير مباح ولا محظور.
وروي أن رجلًا سأل ابن عباس عن الغناء: أحلال هو؟ قال: لا، قال: أحرام هو؟ قال: لا، يريد أنه مكروه لتوسطه بين الحلال والحرام. والله أعلم.