جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسائل عامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسائل عامة. إظهار كافة الرسائل

القياس بقصة الغرانيق على اثبات الولاية للأولياء

لا يوجد حديث صحيح متصل الإسناد يثبت أن النبي ﷺ قال: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى". بل جميع الروايات المرفوعة إما مرسلة أو منقطعة أو فيها رواة متروكون أو ضعفاء.

  • أقدم من أوردها من المفسرين والمؤرخين -كالطبري- ذكرها بالأسانيد ولم يلتزم بصحتها، بل جمع ما روي في الباب.

  • انقسم العلماء إلى قولين:

    1. الجمهور من المحققين كالقاضي عياض، وابن العربي المالكي، والرازي، والبيضاوي، والألباني وغيرهم: يرون القصة باطلة سندًا ومتنًا، وأنها تخالف عصمة النبي ﷺ في تبليغ الوحي.
    2. وبعض العلماء كابن تيمية وابن حجر مالوا إلى أن للقصة أصلًا تاريخيًا اعتمادًا على كثرة المراسيل وتعدد الطرق، مع اختلافهم في تفسير كيفية وقوعها بما لا يقدح في العصمة.

الترجيح الحديثي

من جهة صناعة الحديث المحضة، لا يثبت في القصة إسناد صحيح تقوم به الحجة، ولذلك فالحكم الأقوى أن القصة لم تثبت، وإن كان ثبوت سجود المشركين مع النبي ﷺ عند قراءة سورة النجم صحيحًا في الصحيحين، لكنه لا يستلزم ثبوت قصة الغرانيق، إذ وردت تفسيرات أخرى لسجودهم.

فالخلاصة:

  • سجود المشركين: ثابت.
  • عبارة "تلك الغرانيق العلى...": غير ثابتة بإسناد صحيح، والجمهور من المحققين على ردها، مع وجود خلاف قديم في قبول أصل القصة.

إذا سلّمنا بقول من يرى أن لقصة الغرانيق أصلًا، فإن القياس الذي ذكرته ليس مستقيمًا.

فالقائلون بأن للقصة أصلًا -كابن حجر وابن تيمية- لم يقولوا إن النبي ﷺ أقرّ تلك الكلمات أو بقيت وحيًا، وإنما فسروها بأنها كانت فتنة عارضة ثم أبطلها الله، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. فهم يجعلون ذلك واقعًا قبل استقرار التبليغ، ولا يرون أنه يقدح في عصمة البلاغ.

أما الولي فليس معصومًا أصلًا، وقد يقع في الخطأ، بل قد يقع في تلبيس أو وسوسة، لكن لا يجوز الجزم بأن عبارة معينة قالها كانت من إلقاء الشيطان لمجرد أنها باطلة؛ لأن هذا دعوى غيبية لا دليل عليها. فيُقال ببساطة: أخطأ، أو ضل في هذه المسألة، أو هذا من تلبيس الشيطان عليه على سبيل الاحتمال لا الجزم.

إذًا:

  • من جهة الإمكان العقلي: نعم، يمكن أن يقال إن الولي قد يزل أو يلبس عليه الشيطان، وهذا لا يستلزم انتفاء ولايته.
  • أما تعيين كلام ابن حجر أو غيره بأنه أجراه الشيطان على لسانه فلا يصح الجزم به إلا بدليل، بل يقال: هذا كلام باطل، ونردّه، ولا نحكم على باطن قائله أو على ولايته بمجرد ذلك.

فالفرق أن قصة الغرانيق -على فرض ثبوت أصلها عند من قال به- استندوا فيها إلى نص قرآني وتفسير مخصوص، أما تنزيل ذلك على أشخاص آخرين في كل خطأ فلا دليل عليه.


حكم التأمين التجاري

التأمين العادي المعاصر :  المالكية لا يعرفون عقد التأمين بصورته الحديثة، لكن عند تخريجه على أصولهم فالأقرب عندهم المنع؛ لأمور:
الغرر الكثير
وهذا أصل قوي عند المالكية، بل هم من أشد المذاهب اعتباراً لمنع الغرر في المعاوضات. والتأمين التجاري فيه جهالة في العوض والمعوض، فقد يدفع المؤمن أقساطاً قليلة ويأخذ مبلغاً كبيراً، أو يدفع سنوات ولا يأخذ شيئاً.
القمار وشبه الميسر
لأن المعاملة مبنية على احتمال حصول أحد الطرفين على مال كثير مقابل مال قليل أو عدم حصوله على شيء.
أخذ العوض على الضمان
وهذه نقطة مهمة في تخريج المالكية؛ لأن الضمان عندهم من عقود الإرفاق لا المعاوضة، فلا يُجعل محلاً للأجرة إلا إذا كان هناك عمل منفصل مشروع.
التأمين الاجتماعي الحكومي أو الضمان الاجتماعي
هذا أقرب إلى الجواز عند المالكية؛ لأنه ليس عقد معاوضة بين فرد وشركة، وإنما هو من باب المصالح العامة والتكافل الذي تقوم به الدولة، وله نظائر في المذهب مثل:
قيام بيت المال بمصالح المسلمين.
تحمل العاقلة للدية.
التكافل الاجتماعي.
ثالثاً: التأمين التعاوني التكافلي
هذا أقرب إلى الجواز عند المالكية من التجاري؛ لأنه يمكن تخريجه على:
التبرع والتعاون.
النهد (اشتراك الرفقة في النفقة).
المواساة بين الجماعة.
لكن يحتاج إلى ضوابط: 
ألا يكون المقصود الربح من الأقساط نفسها.
ألا تستحق الشركة الفائض باعتباره ربحاً تأمينياً.
أن تكون الإدارة بأجرة معلومة مقابل عمل حقيقي.
أن تستثمر الأموال في المباح.
الخلاصة المالكية:

التأمين التجاري: الأقرب عند المالكية منعه بسبب الغرر والقمار وشبهة المعاوضة على الضمان.
التأمين الاجتماعي: جائز باعتباره من باب التكافل والمصلحة العامة.
التأمين التعاوني: جائز إذا خرج عن المعاوضة التجارية وقام على التبرع أو المواساة أو المشاركة في التكافل بضوابطه.

 من وجهة نظر مالكية  إن المشكلة ليست في فكرة التأمين بل في صياغة عقد التأمين التجاري؛ لأن المالكية يفرقون كثيراً بين المقاصد الصحيحة والصيغ الفاسدة.

يجوز للمرأة شرعاً أن تتزين للخُطّاب

 نعم، يجوز للمرأة في المذهب المالكي أن تتزين للخُطّاب إذا كان القصد إظهار ما يدعو إلى النكاح، لكن ذلك مقيد بضوابط شرعية، منها:

  • أن يكون التزين بقدر المعتاد، لا بما فيه تدليس أو خداع.
  • ألا يكون فيه كشف ما لا يجوز كشفه شرعًا؛ فيقتصر على ما يجوز للخاطب النظر إليه عند المالكية، وهو الوجه والكفان على المشهور.
  • ألا يكون التزين متضمنًا لمحرم، كاستعمال ما هو نجس أو فيه تشبه محرم أو إسراف.

وقد نص الفقهاء على أن للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها ليكون ذلك أدعى إلى دوام الألفة، ولذلك لا حرج أن تتجمل له بما يظهر محاسن وجهها وهيئتها المعتادة، من غير مبالغة ولا تدليس.

أما التزين المبالغ فيه الذي يغيّر الحقيقة، أو إخفاء العيوب المؤثرة في النكاح، فلا يجوز؛ لأنه من الغش المنهي عنه.

المذهب حمابة للفرد من سلطان الهوى

 من فوائد التمذهب المنضبط أنه يحمي المكلَّف من أن يجعل هواه حاكمًا على الشرع؛ إذ يلزمه بأصول وقواعد وضوابط تمنعه -في الجملة- من انتقاء الأقوال لمجرد موافقتها لرغبته. وهذا داخل في المعنى العام لتحذير الله تعالى من اتباع الهوى، قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]. فالمتمذهب يجعل المرجع في اختياره أصولًا علمية منضبطة، لا مجرد ما تميل إليه نفسه، بخلاف من يتنقل بين الأقوال طلبًا للأسهل والأوفق لهواه، فإن هذا يُخشى أن يكون قد جعل هواه قائدًا لا تابعًا للدليل.

التمذهب تربية للنفس على الانقياد للدليل عبر منهج علمي منضبط، لا على جعل الأحكام تابعة للأهواء. فمن أخطر ما يفسد الفتوى والعمل أن يتحول البحث عن حكم الله إلى البحث عما يوافق رغبة النفس، وقد ذم الله هذا المسلك بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، فالهوى إذا صار هو الموجِّه لا الدليل، اختل ميزان الاستقامة. والتمذهب الصحيح من أهم الوسائل التي تحد من هذا الانفلات، لأنه يلزم صاحبه بمنهج في الاستدلال والترجيح، فلا يكون اختياره محكومًا بمجرد ميل النفس.

فِقْهِ الزَّيْتُونِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ

 بَحْثِ "فِقْهِ الزَّيْتُونِ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، اعْتِمَاداً عَلَى مَا حَرَّرَهُ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَعَ حَاشِيَةِ الْإِمَامِ الدَّسُوقِيِّ؛ حَيْثُ نَسْتَخْرِجُ الْمَسَائِلَ النَّازِلَةَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ وَنُبَيِّنُ الْحُكْمَ الْقَضَائِيَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهَا :
 1. بَابُ الطَّهَارَةِ (مَنَاطُ قَبُولِ التَّطْهِيرِ لِلْأَعْيَانِ)
 الْمَسْأَلَةُ (حُكْمُ تَطْهِيرِ الزَّيْتُونِ الْمُمَلَّحِ إِذَا تَنَجَّسَ):
بَحَثَ الدَّرْدِيرُ فِي نَظَافَةِ الْأَعْيَانِ الَّتِي خَالَطَتْهَا النَّجَاسَةُ، وَقَرَّرَ أَنَّ (زَيْتُوناً مُلِحَ) بِنَجِسٍ، أَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ حَالَ تَمْلِيحِهِ، لَا يَطْهُرُ أَبَداً وَلَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ غَسْلاً؛ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْعِلَّةِ  هُنَا هُوَ أَنَّ الْمِلْحَ تَتَشَرَّبُهُ أَجْزَاءُ الزَّيْتُونِ الدَّاخِلِيَّةُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى عُمْقِ لَحْمِ الْحَبَّةِ، فَتَدْخُلُ النَّجَاسَةُ مَعَهُ إِلَى الْبَاطِنِ، فَيَتَعَذَّرُ وُصُولُ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ إِلَى الْجَوْفِ، فَيَبْقَى نَجِساً بِالْأَصَالَةِ وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ.
~~*~~
 2. بَابُ السِّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (مَادَّةُ آلَةِ السِّوَاكِ)
 الْمَسْأَلَةُ (اسْتِعْمَالُ خَشَبِ الزَّيْتُونِ فِي الِاسْتِيَاكِ):
عِنْدَ تَفْصِيلِ آلَةِ السِّوَاكِ الْمَنْدُوبِ، حَرَّرَ الدَّسُوقِيُّ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اسْتِعْمَالُ عُودِ الْأَرَاكِ، فَإِنْ عُدِمَ، جَازَ الِاسْتِيَاكُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ خُشُونَةٌ تُذْهِبُ الصُّفْرَةَ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ خَشَبَ الزَّيْتُونِ مَكْرُوهٌ لِلِاسْتِيَاكِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْأُكْلَةَ (وَهِيَ مَرَضٌ يَنْخَرُ الْأَسْنَانَ وَيَكْسِرُهَا)، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْجَرِيدُ وَالتُّوتُ وَالْجُمَّيْزُ وَطَرَفُ الثَّوْبِ خَشْيَةَ الضَّرَرِ الصِّحِّيِّ.
~~*~~
 3. بَابُ الْمُعَاوَضَاتِ النَّقْدِيَّةِ (مَنَعُ التَّرْكِيبِ الْمِعْيَارِيِّ فِِي الصَّرْفِ)
 الْمَسْأَلَةُ (دَفْعُ الزَّيْتُونِ مَعَ أُجْرَتِهِ لِلْمُعْصِرِ لِأَخْذِ زَيْتٍ عَاجِلٍ):
حَرَّرَ الدَّرْدِيرُ صُورَةً يَقَعُ فِيهَا النَّاسُ؛ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَيْتُوناً لِلْمُعْصِرِ وَيَدْفَعَ لَهُ أُجْرَةَ الْعَصْرِ نَقْداً، وَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَهُ "زَيْتاً حَاضِراً عِنْدَ الْجَزَّارِ أَوْ الْمُعْصِرِ" بِالتَّحَرِّي وَالتَّخْمِينِ. وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْمَنْعُ وَالْفَسَادُ لِلْعَقْدِ مُطْلَقاً، لِأَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ فِيهَا شَكٌّ فِي تَمَاثُلِ الزَّيْتِ (رِبَا الْجِنْسِ)؛ إِذِ الشَّكُّ فِِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الْجَائِزَةُ نِظَاماً فَهِيَ أَنْ يَعْصِرَ لَهُ زَيْتُونَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْتِبْدَالٍ، أَوْ يَخْلِطَ الزَّيْتُونَ مَعَ زَيْتُونِ غَيْرِهِ ثُمَّ يَقْسِمَا الزَّيْتَ النَّاتِجَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَسَبَ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
~~*~~
 4. بَابُ الرِّبَا وَالْأَقْوَاتِ (اتِّحَادُ الصِّنْفِ وَالْجِنْسِ)
 الْمَسْأَلَةُ 1 (الزَّيْتُونُ وَالزُّيُوتُ كَأَجْنَاسٍ رِبَوِيَّةٍ):
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً أَنَّ الزَّيْتُونَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (ذَوَاتِ الزَّيْتِ) الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ مَنَعِ النَّسِيئَةِ وَالْتَّفَاضُلِ، وَالزُّيُوتُ الْخَارِجَةُ مِنْهَا تُعْتَبَرُ أَصْنَافاً وَأَجْنَاساً مُخْتَلِفَةً تَبَعاً لِأُصُولِهَا (فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ السِّمْسِمِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ الْفُجْلِ جِنْسٌ)؛ وَبِنَاءً عَلَيْهِ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهَا مُنَاجَزَةً يَداً بِيَدٍ (كَلِتْرِ زَيْتِ زَيْتُونٍ بِلِتْرَيْنِ مِنْ زَيْتِ السِّمْسِمِ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَيُمْنَعُ التَّأْخِيرُ.
 الْمَسْأَلَةُ 2 (مُعَاوَضَةُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ رَطْباً أَوْ يَابِساً):
أَلْحَقَ الدَّسُوقِيُّ حُكْمَ الزَّيْتُونِ بِبَابِ اللَّحْمِ؛ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ جِنْساً بِجِنْسِهِ بِشَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ إِذَا كَانَا مَعاً رَطْبَيْنِ أَوْ يَابِسَيْنِ، وَيُمْنَعُ مَنعاً بَاتّاً بَيْعُ رَطْبِهِمَا بِبَابِسِهِمَا؛ لِأَنَّ جَفَافَ أَحَدِهِمَا يُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِي الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْقَاعِدَةُ تَمْنَعُهُ.
~~*~~
 5. بَابُ الرُّخَصِ وَالْعَرَايَا (اسْتِثْنَاءُ الثِّمَارِ الَّتِي تَيْبَسُ)
 الْمَسْأَلَةُ (جَوَازُ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الزَّيْتُونِ خَارِجَ مِصْرَ):
بَحَثَ الدَّرْدِيرُ شُرُوطَ رُخْصَةِ (الْعَرِيَّةِ) وَهِيَ شِرَاءُ الثَّمَرَةِ الْوَاهِبَةِ بِخَرْصِهَا تَمْراً لِلْحَاجَةِ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الثَّمَرَةِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَا يَقَعَ الرِّبَا. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ زَيْتُونَ غَيْرِ مِصْرَ (كَزَيْتُونِ الشَّامِ وَالْمَغْرِبِ الَّذِي يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ) تَجُوزُ فِيهِ رُخْصَةُ الْعَرِيَّةِ بِالشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ، بَيْنَمَا زَيْتُونُ مِصْرَ لَا تَجُوزُ فِيهِ الْعَرِيَّةُ؛ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ فِِي تِلْكَ الْبِيئَةِ لَا تَيْبَسُ بَلْ يُؤْكَلُ رَطْباً أَوْ يَفْسَدُ، فَمَا لَا يَيْبَسُ تَسْقُطُ عَنْهُ رُخْصَةُ الِاسْتِثْنَاءِ الْقَضَائِيِّ.
~~*~~
 6. بَابُ السَّلَمِ وَصِيَاغَةِ الشُّرُوطِ 
 الْمَسْأَلَةُ (تَعْيِينُ نَوْعِ الزَّيْتِ بِأَصْلِهِ وَآلَتِهِ فِي السَّلَمِ):
عِنْدَ كِتَابَةِ عُقُودِ السَّلَمِ فِِي الزُّيُوتِ، قَرَّرَ الدَّرْدِيرُ أَنَّ لَفْظَ "الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ" يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ الْبَلَدِ، لَكِنْ يَجِبُ فِِي صِيغَةِ الْعَقْدِ بَيَانُ النَّوْعِ الْمُعْصَرِ مِنْهُ كَوْنِهِ زَيْتُوناً (لِتَمْيِيزِهِ عَنِ السِّمْسِمِ وَالْكَتَّانِ)، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَرْطُ ذِكْرِ الْآلَةِ الَّتِي عُصِرَ بِهَا (مَعْصَرَةً كَانَتْ أَوْ مَاءً) لِأَنَّ النَّوْعَ الْغَالِبَ أَوْ الْوَسَطَ يَقُومُ مَقَامَ التَّفْصِيلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قَضَاءً عَنِ الْمَازِرِيِّ.
~~*~~
 7. بَابُ الْقِسْمَةِ وَالنِّظَامِ الْقَضَائِيِّ
 الْمَسْأَلَةُ (حُكْمُ قِسْمَةِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ الْمُشْتَرَكَةِ):
نَقَلَ الدَّرْدِيرُ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ إِذَا مَلَكُوا أَصْلَ شَجَرٍ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءً قِسْمَةُ (زَيْتُونَةٍ وَنَخْلَةٍ) مُشْتَرَكَتَيْنِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جُزَافاً بِتَعْيِينِ الْأَعْيَانِ، بِشَرْطِ اعْتِدَالِ الْقِيمَةِ الْمَالِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَتَرَاضِي الشَّرِيكَيْنِ؛ بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ وَالْآخَرُ النَّخْلَةَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ هِيَ قِسْمَةُ قُرْعَةٍ وَتَبْيِيضٍ تَرْفَعُ الضَّرَرَ وَالِاشْتِرَاكَ .
~~*~~
 8. بَابُ الْمُسَاقَاةِ (شُرُوطُ اِتِّحَادِ الْجُزْءِ فِي الْحَائِطِ)
 الْمَسْأَلَةُ 1 (مَنَعُ تَبْعِيضِ النِّسَبِ بَيْنَ الثِّمَارِ):
يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ  أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْعَامِلِ مُسْتَوِياً فِي كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَزْرَعَةِ؛ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ فِي التَّمْرِ النِّصْفُ وَفِِي الزَّيْتُونِ الرُّبُعُ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ وَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ تَفَاوُتَ النِّسَبِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَةِ وَتَرْكِيزِ الْعَامِلِ عَلَى الشَّجَرِ ذِي الْحِصَّةِ الْأَكْبَرِ، فَيَخْتَلُّ مَقْصِدُ الْعَقْدِ.
 الْمَسْأَلَةُ 2 (اشْتِرَاطُ عَصْرِ الزَّيْتُونِ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ):
الْمُعْتَمَدُ فِِي عَقْدِ مُسَاقَاةِ الزَّيْتُونِ أَنَّ النِّهَايَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْعَمَلِ تَكُونُ بِالْجُذَاذِ وَالْلَّقْطِ حَبّاً، لَكِنْ يَجُوزُ نِظَاماً اشْتِرَاطُ (عَصْرِ الزَّيْتُونِ) عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ، وَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ فِي السُّوقِ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عُرْفٌ، كَانَتْ أُجْرَةُ الْعَصْرِ وَعَمَلِهِ عَلَيْهِمَا مَعاً بِحَسَبِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ فِِي الزَّيْتِ.
~~*~~
 9. بَابُ الْإِجَارَةِ (مَنَعُ الصَّفَقَاتِ الْمُرَكَّبَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْفَسَادِ)
 الْمَسْأَلَةُ (شِرَاءُ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ عَصْرِهِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ):
حَرَّرَ الدَّرْدِيرُ فَرْقاً دَقِيقاً بَيْنَ جَوَازِ جَمْعِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ (كَشِرَاءِ جِلْدٍ عَلَى أَنْ يَخْرُزَهُ الْبَائِعُ نَعْلاً) لِإِمْكَانِ إِعَادَتِهِ عِنْدَ الْخَطَأِ، وَبَيْنَ تَمْنِيعِهِ فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي تَتَحَوَّلُ صِفَتُهَا كُلِّيّاً. وَالْمُعْتَمَدُ فَسَادُ وَبُطْلَانُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ عَلَى أَنْ يَعْصِرَهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ فَقْدَ شَرْطِ إِمْكَانِ الْإِعَادَةِ يَجْعَلُ الصَّفْقَةَ وَارِدَةً عَلَى مَخْرُجٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ فِِي عَيْنِهِ، فَيَسْرِي فَسَادُ جَهَالَةِ الْإِجَارَةِ إِلَى أَصْلِ عَقْدِ الْبَيْعِ.
~~*~~
 10. بَابُ الْأُجُورِ وَالْجِعَالَةِ (أُجْرَةُ الْعَامِلِ مِنَ الْمَحْصُولِ نَفْسِهِ)
 الْمَسْأَلَةُ 1 (أُجْرَةُ الْمُعْصِرِ صَاعاً مِنَ الزَّيْتِ النَّاتِجِ):
قَرَّرَ الدَّرْدِيرُ رُخْصَةً عُرْفِيَّةً لِلْمُزَارِعِينَ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الزَّيْتُونِ صَاعاً أَوِ رِطْلاً مِنَ "الزَّيْتِ" لِلْعَامِلِ فِي نَظِيرِ أُجْرَةِ عَصْرِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الزَّيْتُونُ مَعْرُوفاً عِنْدَ النَّاسِ لَا يَخْتَلِفُ خُرُوجُهُ؛ فَإِنْ كَانَ يُشَكُّ فِِي خُرُوجِ زَيْتِهِ (كَالْقَدِيمِ أَوِ الْمُصَابِ بِعَاهَةٍ) مُنِعَ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ، لِأَنَّ الْأَجِيرَ قَدْ يَعْمَلُ وَلَا يَخْرُجُ زَيْتٌ فَيَكُونُ غَرَراً.
 الْمَسْأَلَةُ 2 (الْجِعَالَةُ عَلَى لَقْطِ الزَّيْتُونِ بِنِصْفِ مَا يُجْمَعُ):
حَرَّرَ الدَّسُوقِيُّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ فِي الْمَزَارِعِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ نِظَاماً أَنْ يَقُولَ لِلْعَامِلِ: "الْقُطْ زَيْتُونِي هَذَا، وَمَا لَقَطْتَهُ فَلَكَ نِصْفُهُ"؛ وَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ جِعَالَةٌ اسْتُخِفَّتْ لِلْحَاجَةِ، وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ بِمَحْضِ اللَّقْطِ لَا بِالْعَقْدِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَنَعُ تَعْيِينِ الزَّمَنِ (فَلَا يَقُولُ الْقُطْ الْيَوْمَ) لِأَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَنِ مَعَ جَهَالَةِ النَّاتِجِ يُحَوِّلُهَا إِلَى إِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا يُمْنَعُ فِيهِ شَرْطُ قِسْمَتِهِ حُزَماً أَوْ قَتّاً بَلْ يَجِبُ تَعْيِينُ قِسْمَتِهِ حَبّاً بَعْدَ الْجَمْعِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْعَامِلِ.
~~*~~
 11. بَابُ الرُّخَصِ وَالْعَرَايَا (شَرْطُ لَفْظِ الْعَقْدِ لِلِاسْتِثْنَاءِ)
 الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ إِجْرَاءِ عَقْدِ الْعَرِيَّةِ فِي زَيْتُونِ غَيْرِ مِصْرَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوِ الْعَطِيَّةِ.
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رُخْصَةَ الْعَرِيَّةِ فِي الزَّيْتُونِ (الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ) مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَلْفِظَ الْمُعْرِي حِينَ الْإِعْطَاءِ بِلَفْظِ (الْعَرِيَّةِ) كَأَعْرَيْتُكَ، فَلَوْ لَفَظَ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الْمِنْحَةِ لَمْ تَصِحَّ الرُّخْصَةُ وَسَقَطَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ الِاسْتِثْنَائِيَّةَ الَّتِي تُخَالِفُ الْقِيَاسَ (لِوُقُوعِ الرِّبَا فِيهَا خَرْصاً) يَجِبُ فِيهَا الِالْتِزَامُ بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ سُنَّةً وَتَضِيقُ عَنِ التَّوَسُّعِ اللَّفْظِيِّ قَضَاءً.
~~*~~
 12. بَابُ السَّلَمِ وَصِيَاغَةِ الشُّرُوطِ (حُكْمُ الْإِطْلَاقِ عِنْدَ غِيَابِ التَّفْصِيلِ)
 الْمَسْأَلَةُ: كَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ فِِي عَقْدِ السَّلَمِ إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ "الْجَيِّدِ" أَوْ "الرَّدِيءِ" فِي زَيْتِ الزَّيْتُونِ دُونَ تَحْدِيدٍ.
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَفْسَدُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ، بَلْ يُحْمَلُ فِِي الْقَضَاءِ عَلَى النَّوْعِ الْغَالِبِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ غَالِبٌ يُعْرَفُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَلَدِ غَالِبٌ وَاسْتَوَتِ الْأَنْوَاعُ، قَضَى الْحَاكِمُ بِالْوَسَطِ (أَيِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ)؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ نَزَاهَةُ الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ غِيَابِ الشَّرْطِ التَّفْصِيلِيِّ مَنْعاً لِلْمُنَازَعَةِ.
~~*~~
 13. بَابُ الْأُجُورِ وَالْجِعَالَةِ (مَنَعُ تَعْيِينِ الزَّمَنِ مَعَ جَهَالَةِ النَّاتِجِ)
 الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ قَوْلِ رَبِّ الْحَقْلِ لِلْعَامِلِ: "الْقُطْ زَيْتُونِي (الْيَوْمَ) وَمَا اجْتَمَعَ فَلَكَ نِصْفُهُ".
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: فِِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَةَ فَاسِدَةٌ وَلَا خَيْرَ فِيهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ إِدْخَالَ تَعْيِينِ الزَّمَنِ (كَالْيَوْمِ) يُخْرِجُ الصَّفْقَةَ عَنْ بَابِ الْجِعَالَةِ الْمُوَسَّعَةِ وَيُدْخِلُهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِجَارَةُ لَا تَجُوزُ إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً فِِي نَفْسِهَا (إِذْ لَا يُدْرَى كَمْ سَيَجْمَعُ فِي الْيَوْمِ فِعْلًا)، فَلَمَّا تَرَاكَبَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ لَزِمَ الْفَسْخُ وَضَعاً.
~~*~~
 14. بَابُ الْإِجَارَةِ وَالْخُصُومَاتِ (مَنَاطُ الْقَوْلِ فِي قَبْضِ الْأُجْرَةِ)
 الْمَسْأَلَةُ: تَنَازُعُ صَاحِبِ الزَّيْتُونِ مَعَ صَاحِبِ الدَّابَّةِ الَّتِي نَقَلَتْ مَحْصُولَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي دَعْوَى قَبْضِ الْأُجْرَةِ.
 الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَمَّالِ (أَجِيرِ النَّقْلِ) بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبَضْ أُجْرَتَهُ، وَلَوْ بَلَغَا الْغَايَةَ الْمَكَانِيَّةَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأُجْرَةِ فِي الذِّمَّةِ، إِلَّا إِذَا وُجِدَ عُرْفٌ بِبَلَدِ النَّقْلِ يَقْضِي بِتَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ فِِي الزَّيْتُونِ، أَوْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفاً بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَحْمَالِ لِرَبِّهَا (بِمَا زَادَ عَلَى الْيَوْمَيْنِ)، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الْقَوْلُ لِلْمُكْتَرِي بِيَمِينِهِ تَبَعاً لِلِاسْتِقْرَارِ الْعُرْفِيِّ.

تَنْبيهاتٌ مُهِمَّةٌ :
تَحْدِيدِ مَوَاضِعِ الْمُخَالَفَةِ وَالدِّقَّةِ الْأُصُولِيَّةِ فِي خُصُوصِ الْمَسَائلِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ الَّتِي حَرَّرْنَاهَا أَنْفاً فِي فِقْهِ الزَّيْتُونِ، حَيْثُ نَفْرِزُهَا مَنَاطِيّاً إِلَى قِسْمَيْنِ 


 أَوَّلًا: الْمَسَائِلُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الدَّرْدِيرُ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ
 مَسْأَلَةُ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ لِدَارِ الضَّرْبِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي السِّيَاقِ السَّابِقِ):
عِنْدَ ذِكْرِ صُورَةِ الْمُسَافِرِ الَّذِي يَدْفَعُ ذَهَباً غَيْرَ مَسْكُوكٍ (تِبْراً) مَعَ أُجْرَةِ الصَّكِّ لِيَأْخُذَ مَسْكُوكاً حَاضِراً يَداً بِيَدٍ؛ جَزَمَ الدَّرْدِيرُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَشْرُوطٌ بِـ "اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ"، وَأَنَّ جَوَازَهُ مَعَ مُجَرَّدِ الْحَاجَةِ دُونَ اشْتِدَادٍ هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ.
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ وَابْنِ غَازِي هُوَ جَوَازُ هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْمُسَافِرِ "وَإِنْ لَمْ تَشْتَدَّ الْحَاجَةُ" لِمُجَرَّدِ خَوْفِ فَوَاتِ الرُّفْقَةِ أَوِ الرَّحِيلِ، فَتَقْيِيدُ الدَّرْدِيرِ بِالِاشْتِدَادِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَمَدِ الْمَنْصُوصِ قَضَاءً.
 مَسْأَلَةُ مِلْكِ الْأَجِيرِ لِحِصَّتِهِ فِي جِعَالَةِ اللَّقْطِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ - وَالَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الْعَاشِرَةِ):
مَشَى الدَّرْدِيرُ عَلَى طَرِيقَةِ عَبْدِ الْبَاقِي (عَبَقٍ) فِِي أَنَّ الْأَجِيرَ أَوِ الْجَاعِلَ لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْمَلْقُوطِ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَغِ مِنَ الْعَمَلِ كُلِّيّاً (بِاللَّقْطِ الْفِعْلِيِّ).
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: حَقَّقَ الدَّسُوقِيُّ نَقْلاً عَنِ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ وَبْنٍ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَجِيرَ "يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالْعَقْدِ لَا بِالْحَصَادِ وَاللَّقْطِ"، وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِِي أَنَّ مَا هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ اللَّقْطِ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا مَعاً لَا مِنْ رَبِّ الْحَقْلِ وَحْدَهُ.

~~*~~

 ثَانِيًا: الْمَسَائِلُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الدَّرْدِيرُ نَصَّ خَلِيلٍ أَوْ ظَاهِرَهُ
 مَسْأَلَةُ بَيْعِ الزَّيْتِ قَبْلَ عَصْرِهِ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ):
نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي الْمَتْنِ هُوَ: (وَزَيْتِ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ؛ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا أَنْ يُخَيَّرَ)، حَيْثُ أَطْلَقَ خَلِيلٌ جَوَازَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْخِيَارِ دُونَ تَقْيِيدٍ لِلْنَّقْدِ. لَكِنَّ الدَّرْدِيرَ زَادَ قَيْداً صَارِماً فِي الشَّرْحِ وَهُوَ: "وَأَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ".
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: هَذَا تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ لَمْ يَنُصَّ هُنَا عَلَى حَظْرِ النَّقْدِ، وَإِنَّمَا زَادَهُ الدَّرْدِيرُ إِصْلَاحاً لِلْمَتْنِ لِكَيْ لَا يُظَنَّ جَوَازُ تَعْجِيلِ الثَّمَنِ مَعَ الْخِيَارِ فِِي الْمَجْهُولِ، لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ تَمْنَعُ تَرَدُّدَ الْمَالِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ، فَصَنِيعُ الدَّرْدِيرِ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ الْخَلِيلِيِّ لِتَقْوِيمِ الْمَنَاطِ.
 مَسْأَلَةُ قَسْمِ الزَّرْعِ قَتّاً (تَابِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ):
جَزَمَ الدَّرْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: "وَيُمْنَعُ قَسْمُهُ قَتّاً وَإِنَّمَا يُقْسَمُ حَبّاً" تَقْيِيداً لِصُوَرِ اللَّقْطِ وَالْحَصَادِ.
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: هَذَا الْجَزْمُ خَالَفَ فِيهِ ظَاهِرَ نَصِّ خَلِيلٍ فِِي أَبْوَابٍ أُخْرَى تُجِيزُ قَسْمَ الْأَعْيَانِ وَالزَّرْعِ قَائِماً إِذَا يَبِسَ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ، وَالدَّرْدِيرُ بَنَى مَنَعَهُ هُنَا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَقْضِي بِمَنَعِ قَسْمِ الزَّرْعِ قَائِماً، وَحَقَّقَ الدَّسُوقِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ خَلِيلٍ الْجَوَازُ، وَأَنَّ اشْتِرَاطَ قَسْمِهِ حَبّاً هُوَ الَّذِي يُمْنَعُ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى الْأَجِيرِ.
 مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ الْعَصْرِ (الْمَسْأَلَةُ الْإِحْدَى عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ):
وَضَعَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِِي بَابِ الْإِجَارَةِ لِتَبْيِينِ فَسَادِ "تَرَاكُبِ الْعُقُودِ" (اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ مَعَ الْجُعْلِ فِِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ). لَكِنَّ الدَّرْدِيرَ عَلَّلَ الْفَسَادَ بِـ "جَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَصَالَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ".
 وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: الدَّرْدِيرُ هُنَا خَالَفَ ظَاهِرَ تَبْوِيبِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَتَرْتِيبِ مَسَائِلِهِ هَنْدَسِيّاً؛ لِأَنَّ صَنِيعَ خَلِيلٍ يُوهِمُ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَحْضُ الِاجْتِمَاعِ التَّنَافُرِيِّ بَيْنِ الْعُقُودِ، بَيْنَمَا نَقَلَ الدَّرْدِيرُ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ قَضَاءً هِيَ (جَهَالَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الزَّيْتِ)، فَهَدَّ ظَاهِرَ تَرْتِيبِ الْمَتْنِ لِيَنْتَصِرَ لِلْأَصْلِ الْمَذْهَبِيِّ الصَّحِيحِ رَدّاً عَلَى شُبْهَةِ ابْنِ عَاشِرٍ.
~~*~~
 فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِلافُ بَيْنَ لَفْظِ الْمَتْنِ وَتَوْجِيهِ شَرْحِ الدَّرْدِيرِ، وَبَيَانُ مَنْ مِنْهُمَا الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ :

 1. مَسْأَلَةُ بَيْعِ الزَّيْتِ قَبْلَ عَصْرِهِ (مَنْ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ: الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ)
 تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: لَفْظُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي إِطْلَاقِ جَوَازِ الْخِيَارِ دُونَ ذِكْرِ مَنَعِ النَّقْدِ هُوَ ظَاهِرٌ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ فَسَادُ الْعَقْدِ إِذَا نُقِدَ الثَّمَنُ بِشَرْطٍ مَعَ قِيَامِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِي الْمَجْهُولِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الدَّرْدِيرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ وَأَصْلَحَ الْمَتْنَ بِقَيْدِهِ الزَّائِدِ (وَأَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ) نَفْياً لِعِلَّةِ تَرَدُّدِ النَّقْدِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ خَلِيلٌ كَانَ مَحَلَّ اعْتِرَاضِ الشُّرَّاحِ لِإِيهَامِهِ الْجَوَازَ مُطْلَقاً.

~~*~~

 2. مَسْأَلَةُ قَسْمِ الزَّرْعِ قَتّاً (مَنْ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ: الشَّيْخُ خَلِيلٌ)
 تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: جَزَمَ الدَّرْدِيرُ بِمَنَعِ الْقِسْمَةِ قَتّاً لِلْزَّرْعِ بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَمْنَعُ قَسْمَ الزَّرْعِ قَائِماً خَشْيَةَ الْغَرَرِ. لَكِنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ وَالْمَشْهُورِ فِي نُصُوصِ الْمَذْهَبِ هُوَ جَوَازُ قَسْمِ الْأَعْيَانِ وَالزَّرْعِ قَائِماً مَحْصُوداً إِذَا يَبِسَ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ خَلِيلٍ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ. إِذَنْ، الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي ظَاهِرِهِ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ ، بَيْنَمَا ضَيَّقَ الدَّرْدِيرُ فِِي شَرْحِهِ بِنَاءً عَلَى فَرْعٍ مَرْجُوحٍ، فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْقَسْمِ حَبّاً هُوَ الْمَمْنُوعُ قَضَاءً لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى الْأَجِيرِ.

~~*~~
 3. مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ الْعَصْرِ (الْوِفَاقُ مَنَاطِيٌّ: الْمَتْنُ فِي الْحُكْمِ وَالشَّرْحُ فِي الْعِلَّةِ)
 تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ؛ فَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ الْقَضَائِيُّ لِلْمَنْعِ كِلَاهُمَا وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ (فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ اتِّفَاقاً عَنِ الْمُدَوَّنَةِ). لَكِنْ مِنْ حَيْثُ تَحْرِيرِ الْعِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الدَّرْدِيرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ تَمَاماً؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ هِيَ (جَهَالَةُ الْمَبِيعِ أَصَالَةً لِأَنَّهُ مَخْرُجٌ مَجْهُولٌ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ) كَمَا عَلَّلَ الدَّرْدِيرُ، أَمَّا تَرْتِيبُ خَلِيلٍ لِلْمَسْأَلَةِ فِِي أَبْوَابِ التَّرَاكُبِ الْعَقْدِيِّ (بَيْعٌ وَجُعْلٌ) فَقَدْ جَرَّ خَلَافاً نَظَرِيّاً لَمْ يَرْتَضِهِ الشُّرَّاحُ وَتَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ عَاشِرٍ خَطَأً، فَالْمُعْتَمَدُ تَعْلِيلُ الشَّرْحِ لَا هَنْدَسَةُ الْمَتْنِ.


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من كتابي :
إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل

اتفقوا على شراء طعام لرحلة ثم تخلف واحد

 أربعة أشخاص مثلا كل منهما دفع عشرين ألف ليشتروا طعاما في نزهة سياحية ثم تخلف أحدهم لعذر  بعد أن اشتروا ما اتفقوا عليه هل يعتين عليهم أن يريدوا له ماله ؟

لا يتعين على الباقين رد ماله إليه؛ لأن المال قد صرف في الغرض الذي رضي به واشترك فيه، وصار له نصيب في الطعام المشترى.

فإن تبرع الباقون برد حصته أو أمكن حفظ نصيبه أو إيصاله إليه فهذا حسن، لكنه ليس واجبًا بمجرد غيابه.

أما لو تخلف قبل الشراء وأعلمهم بعدم حضوره، أو كان العرف بينكم أن من لم يحضر تُرد إليه حصته، أو كان الاتفاق صريحًا على ذلك، فيجب الوفاء بالشرط أو العرف.

حكم من نسي الوتر

 س: ما حكم من نسي الوتر أو نام عنه عند المالكية إذا انتبه قبل طلوع الشمس؟

حكمه يختلف باختلاف القدرة وضيق الوقت المتبقي لطلوع الشمس على ثلاثة أحوال وفق ما جاء في المدونة:

 الحالة الأولى (سعة الوقت): إذا كان الوقت يتسع للإتيان بالجميع، فيوتر أولا، ثم يصلي ركعتي الفجر، ثم يصلي الصبح.

 الحالة الثانية (ضيق الوقت عن الرغيبة): إذا كان الوقت لا يتسع إلا للوتر والصبح، فيوتر أولا، ثم يصلي الصبح، ويترك ركعتي الفجر.

 الحالة الثالثة (ضيق الوقت الشديد): إذا كان الوقت لا يتسع إلا للفريضة، فيصلي الصبح فقط، ويترك الوتر وركعتي الفجر؛ تقديما للفريضة على غيرها.

ولا قضاء عليه في الوتر وركعتي الفجر في الحالتين الأخيرتين، إلا إن شاء أن يصلي ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس.

أسئلة في التيمم

 السؤال الأول: ما حكم تيمم الحاضر الصحيح لصلاة الجمعة إذا خشي فواتها؟

الجواب: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم لأداء الجمعة خوفًا من فواتها، بل يجب عليه الوضوء بالماء، فإن فاتته الجمعة صلاها ظهرًا.

السؤال الثاني: هل يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم لصلاة الجنازة إذا خاف أن تفوته؟

الجواب: لا يجوز له التيمم لمجرد خوف فوات صلاة الجنازة مع وجود الماء وقدرته على استعماله، إلا إذا تعينت عليه الصلاة عليها ولم يوجد غيره، فيجوز له التيمم حينئذٍ.

السؤال الثالث: هل يشرع للحاضر الصحيح أن يتيمم لصلاة النافلة عند فقد الماء؟

الجواب: يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم للنافلة إذا فقد الماء أو عجز عن استعماله لعذر معتبر، ولا يجوز له التيمم لها مع وجود الماء وقدرته على استعماله.


أجوبة لمسائل شائعة

ما حكم من أحدث في صلاته ناسيا؟
من أحدث في صلاته ناسيا بطلت صلاته ووجب عليه الاستئناف، لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة مطلقا، والنسيان لا يسقط الشرط في العبادات بل يسقط الإثم فقط، وهو ما صرح به الشيخ خليل.
ما الحكم إذا عجز المصلي عن الركوع والسجود؟
إذا عجز المصلي عن الركوع والسجود وقدر على القيام، وجب عليه أن يصلي قائما ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وهذا بناء على القاعدة الفقهية المطردة في المذهب.
هل يجب الترتيب بين الفوائت الحاضرة؟
الترتيب بين الحاضرة واليسير من الفوائت، كخمس صلوات فأقل، واجب وجوبا شرطيا على مشهور المذهب المعتمد، فمن ذكر صلاة فائتة يسيرة وهو في صلاة حاضرة قطب صلاته ليرتبها.
ما حكم طهارة الماء الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره؟
الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحدا أوصافه الثلاثة، من طعم أو لون أو ريح، يعتبر طاهرا مطهرا على مشهور المذهب، لعدم تحقق علة التنجيس وهي التغير، ويجرى فيه قياس العلة على النظائر المستقرة.

هل المحراب من المسجد - ٢

قراءة مالكية في إشكالية التحبيس والتبعية
.... ومن هنا فإن دراسة المحراب المجوف لا ينبغي أن تكون دراسة معمارية محضة، بل ينبغي أن تدرج ضمن باب أوسع هو باب "حدود المسجد وأحكام الزيادات والتوابع".
أولاً: ما المقصود بالمحراب؟
من أهم ما يجب البدء به تحرير المصطلح.
فلفظ "المحراب" في التراث الإسلامي ليس له معنى واحد.
فقد يطلق على:
  • صدر المسجد.
  • موضع الإمام.
  • موضع العبادة والخلوة.
  • البناء المجوف الموجود في جدار القبلة.
وحين نقرأ النصوص الواردة عن السلف أو في كتب اللغة أو التفسير أو الحديث، فإن الأصل ألا نحمل لفظ المحراب على المعنى الاصطلاحي المتأخر إلا بدليل.
ولهذا فإن كثيرًا من النقول التي يستدل بها على المحاريب لا تتحدث أصلًا عن المحراب المجوف المعروف في المساجد اليوم، وإنما تتحدث عن موضع الإمام أو صدر المسجد.
وهنا يقع أول أبواب التلبيس في هذه المسألة.
ثانياً: هل كان في مسجد النبي ﷺ محراب مجوف؟
الجواب: لا.
فالثابت تاريخيًا أن مسجد النبي ﷺ لم يكن يحتوي على محراب مجوف في جدار القبلة كما هو معروف في عمارة المساجد المتأخرة.
وكان النبي ﷺ يصلي في موضع معلوم من المسجد دون أن يكون هناك تجويف في الجدار.
ولهذا فإن الاحتجاج بكون النبي ﷺ كان له "محراب" لإثبات مشروعية المحراب المجوف أو لإثبات أحكامه الفقهية يحتاج أولًا إلى إثبات أن المراد بالمحراب في تلك النصوص هو المحراب المجوف، وهو أمر غير صحيح.
كما أنه لا يثبت فيما نعلم أن موضع صلاة النبي ﷺ كان حفرة في الأرض أو مكانًا منخفضًا عن المأمومين.
فهذا الوصف لا يعرف في المصادر التاريخية المعتمدة المتعلقة ببناء المسجد النبوي.
ثالثاً: منشأ الخلاف المالكي
المتأمل في كلام المالكية يلاحظ أن الخلاف ليس في موضع الإمام، وإنما في المحراب المجوف نفسه.
وقد نقل المتأخرون وجود خلاف:
هل المحراب من المسجد أم لا؟
لكن التأمل في هذا الخلاف يكشف أن السؤال الحقيقي ليس:
هل المحراب مكان صالح للصلاة؟
ولا:
هل الإمام يصلي فيه؟
وإنما السؤال هو:
هل هذا الجزء داخل في المسجدية شرعًا أم لا؟
ومن هنا فإن الخلاف يرجع في جوهره إلى مفهوم المسجد وحدوده.
رابعاً: التحبيس هو مفتاح المسألة
في تقديري أن أقوى مدخل لفهم هذه المسألة هو مدخل التحبيس.
فالمالكية من أكثر المذاهب عناية ببحث حدود الوقف وآثاره.
وعندهم أن المسجد إنما يثبت له حكم المسجدية بسبب التحبيس.
فإذا حُبس مكان لله تعالى صار مسجدًا.
ومن هنا ينشأ السؤال:
هل المحراب المجوف داخل فيما وقع عليه التحبيس أم لا؟
فإن كان داخلًا فيه فهو من المسجد.
وإن لم يكن داخلًا فيه فكيف يثبت له حكم المسجدية؟
وهكذا يتحول النزاع من كونه نزاعًا معماريًا إلى كونه نزاعًا وقفيًا.
بل إن كثيرًا من الإشكالات التي أثيرت حول المحراب لا يمكن فهمها إلا من خلال هذا المنظور.
خامساً: هل يكفي اتصال المحراب بالبناء؟
من أشهر الحجج التي يمكن أن تقال:
إن المحراب متصل بالمسجد اتصالًا تامًا، فهو جزء منه.
لكن هذه الحجة ليست حاسمة.
لأن مجرد الاتصال بالبناء لا يكفي دائمًا لإثبات المسجدية.
فقد توجد مواضع متصلة بالمسجد ولا تكون من المسجد.
ولهذا احتاج الفقهاء إلى البحث في الرحاب، والمنارات، والبيوت الملحقة، والمخازن، وغيرها.
فلو كان مجرد الاتصال كافيًا لما وقع الخلاف أصلًا.
ومن هنا فإن الاتصال قد يكون قرينة، لكنه ليس وحده الدليل الحاسم.
سادساً: القياس على سطح المسجد
من الحجج التي يمكن أن تذكر في هذا الباب قياس المحراب على سطح المسجد.
فكما أن السطح من المسجد، فكذلك المحراب.
غير أن هذا القياس يواجه إشكالًا مهمًا.
فإن السطح جزء من العين المحبسة نفسها.
أما المحراب فكونه داخلًا في العين المحبسة هو محل النزاع.
فالعلة الموجودة في الأصل ليست متحققة في الفرع على وجه الاتفاق.
ولهذا يمكن الاعتراض بأن القياس مع الفارق.
بل إن بعض الباحثين قد يقول:
إن القياس هنا لا يحل المشكلة، لأن النزاع إنما هو في تحقق علة الأصل في الفرع.
ومع ذلك فإن هذا الفارق قد يعد غير مؤثر عند من يرى أن المحراب تابع للمسجد تبعية كاملة.
لكن يبقى القياس غير حاسم في أصل النزاع.
سابعاً: حجج أخرى لإلحاق المحراب بالمسجد
يمكن الاستدلال على كون المحراب من المسجد بعدة وجوه:
1. التبعية العرفية
فالمحراب لا يستقل عن المسجد عرفًا.
ولا يفهم الناس أنه بناء مستقل.
بل يرونه جزءًا من المسجد.
2. الاختصاص
فالمحراب لا وظيفة له خارج المسجد.
وهو مختص بالصلاة والإمامة.
بخلاف كثير من الملحقات الأخرى.
3. وحدة المقصود
فالمحراب إنما أنشئ لخدمة الصلاة.
وهو تابع لمقصود المسجد لا لمقصود آخر.
4. اتصال الصفوف
فالإمام يقف فيه وتنتظم خلفه الصفوف.
والعمل المستمر في الأمة على ذلك.
وهذا يقوي معنى التبعية.
إلا أن هذه الحجج جميعًا لا تنهي النزاع عند من يجعل التحبيس هو الأصل.
ثامناً: علاقة المحراب بالتوسعات والرحاب
هنا نصل إلى النقطة الأهم.
فمسألة المحراب ليست في الحقيقة مسألة مستقلة.
بل هي صورة من صور إشكالية أكبر.
وهي:
هل كل زيادة تلحق بالمسجد تصبح مسجدًا؟
فلو نظرنا إلى:
  • الرحاب.
  • القاعات الملحقة.
  • الأروقة.
  • السراديب.
  • الطوابق العليا.
  • التوسعات اللاحقة.
لوجدنا أن الفقهاء ناقشوا أحكامها بالطريقة نفسها تقريبًا.
هل تدخل في المسجد؟
أم لا تدخل؟
وما هو معيار الدخول؟
هل هو الاتصال؟
أم التحبيس؟
أم التخصيص؟
أم العرف؟
ومن هنا يمكن القول إن المحراب ليس إلا تطبيقًا جزئيًا لقاعدة عامة تتعلق بحدود المسجد.
تاسعاً: أثر هذه المسألة في الفقه
ليست المسألة نظرية محضة.
بل ينبني عليها عدد من الأحكام.
مثل:
  • الاعتكاف.
  • أحكام اللبث في المسجد.
  • بعض أحكام الطهارة.
  • حدود الخروج من المسجد أثناء الاعتكاف.
ولذلك اهتم بها الفقهاء وأثبتوا فيها الخلاف.
ولو كانت مجرد مسألة شكل معماري لما استحقت كل هذا البحث.
عاشراً: التلبيس المعاصر في دراسة المحراب
من أبرز ما يلاحظ في بعض الكتابات المعاصرة أنها تتعامل مع المحراب المجوف وكأنه هو المحراب المعروف منذ العصر النبوي.
وهذا يوقع في عدة أخطاء:
أولها: حمل ألفاظ السلف على اصطلاح حادث.
وثانيها: الخلط بين الموضع النبوي للصلاة وبين التجويف المعماري.
وثالثها: اعتبار الخلاف الفقهي متعلقًا بالمحراب مطلقًا، مع أن محل الخلاف هو صورة خاصة منه.
ولهذا فإن الدراسة العلمية الرصينة لا بد أن تبدأ بتحرير المصطلحات قبل مناقشة الأحكام.
خاتمة
يتبين من خلال هذا العرض أن المحراب المجوف ليس مجرد عنصر معماري في بناء المسجد، بل هو مدخل إلى إشكالية فقهية أوسع تتعلق بمفهوم المسجد وحدوده وأحكام توابعه وزياداته.
كما يتبين أن أصل الخلاف المالكي لا يدور حول صلاحية المحراب للصلاة، وإنما حول ثبوت المسجدية له، وأن مفتاح فهم المسألة هو النظر في التحبيس وحدود الوقف.
ومن هنا فإن إدراج المحراب ضمن باب "حدود المسجد وأحكام الزيادات" أقرب إلى منهج الفقهاء من دراسته باعتباره مسألة مستقلة منفصلة عن هذا السياق العام.
وبذلك يظهر أن كثيرًا من الحجج المتداولة في المسألة لا تحسم النزاع ما لم تحرر أولًا العلاقة بين المحراب والتحبيس، وبين التبعية المعمارية والتبعية الوقفية، وهي العلاقة التي تشكل جوهر البحث كله.

هل المحراب داخل المسجد - ١

سمعتُ لبعض المعاصرين تقريرًا مفاده أن المحراب ليس من المسجد، وبناءً على ذلك اشترط أن يكون الإمام واقفًا بحيث تكون قدماه أو بعض بدنه داخل المسجد لا داخل المحراب فقط، وعدَّ هذا الحكم من المسائل المقطوع بها التي لا خلاف فيها.
غير أن التأمل في كلام الفقهاء، ولا سيما المالكية، يقتضي مزيدًا من التحرير لمحل النزاع؛ إذ كثير من المناقشات المعاصرة في هذه المسألة تختلط فيها صور مختلفة تحت اسم واحد هو "المحراب"، مع أن الفقهاء لم يكونوا يتكلمون عن صورة واحدة.
فالمحراب الذي وقع فيه الخلاف عند بعض الفقهاء ليس بالضرورة هو المحراب المعروف في أكثر مساجد العصر الحاضر، والذي يُبنى مع المسجد منذ إنشائه، ويدخل في مخططه الهندسي وبنائه الأصلي. فهذا النوع من المحاريب إذا أُنشئ مع المسجد ابتداءً، ودخل في بنائه وحدوده منذ أول يوم، فإن إلحاقه بالمسجد أقرب، ويضعف فيه وجه الخلاف الذي ذكره المتقدمون.
أما الصورة التي يظهر أنها محل البحث عند كثير من الفقهاء، فهي أن يكون المسجد قد أُنشئ ابتداءً بلا محراب، ثم يُفتح بعد ذلك في جدار القبلة تجويف أو بناء زائد خارج سمت الجدار الأصلي للمسجد، فينشأ السؤال: هل هذا الجزء المستحدث يلحق بالمسجد أم لا؟ وهل تثبت له أحكام المسجدية أم يبقى خارج حدود المسجد المحبس؟
ويزداد الأمر وضوحًا عند مراجعة بعض الصور التاريخية للمحاريب التي كانت تُنشأ ملاصقة لجدار المسجد من الخارج، بحيث يُفتح إليها منفذ من داخل المسجد، وتكون في حقيقتها بناءً زائدًا خارج الجدار الأصلي. وقد استعملت بعض هذه المواضع للخلوة أو الاعتكاف أو النوم أو الانفراد عن المصلين، الأمر الذي جعل البحث في كونها من المسجد أو خارجه بحثًا ذا أثر عملي حقيقي، لا مجرد خلاف نظري في البناء.
ومن هنا فإن حمل كلام الفقهاء في المحراب على جميع المحاريب الموجودة في عصرنا قد يكون نوعًا من التوسع في محل النزاع، لأن كثيرًا من محاريب المساجد المعاصرة ليست محاريب ملحقة بعد إنشاء المسجد، بل هي جزء من بنائه الأصلي، ولم تنشأ مستقلة عنه حتى يثار فيها الإشكال نفسه.
كما أن من أسباب الخلط في هذه المسألة عدم التمييز بين عدة أمور مختلفة:
أولها: المحراب بمعنى موضع الإمام أو صدر المسجد.
وثانيها: المحراب المجوف المعروف في عمارة المساجد.
وثالثها: المحاريب أو الخلوات الملحقة بالمساجد التي كانت تُنشأ خارج الجدار الأصلي للمسجد.
ورابعها: البحث في حكم استحداث المحراب من حيث الأصل، والبحث في حكمه بعد وجوده.
فإذا لم تُحرر هذه المعاني اختلطت الأقوال، ونُسب إلى الفقهاء ما لم يريدوه، وحُملت نصوصهم على غير محلها.
ومن هنا جاءت هذه الدراسة محاولةً لتحرير محل النزاع، وبيان حقيقة الخلاف المالكي في المحراب المجوف، وعلاقته بمسألة التحبيس وحدود المسجد، وبيان مدى ارتباطه بمسائل الرحاب والتوسعات والزيادات الملحقة بالمساجد، وصولًا إلى فهم أدق للمسألة بعيدًا عن التعميمات التي شاعت في بعض الكتابات المعاصرة.

.... يتبع

تفضيل بعض الأولاد بالعطية

المستقر في المذهب المالكي بشأن مسألة تفضيل بعض الأولاد بالعطية أو التصدق بجميع المال عليهم يتلخص في الآتي:

الحكم المعتمد في المذهب فالمعتمد والمشهور من مذهب الإمام مالك أن تفضيل بعض الأولاد بالهبة أو الصدقة بجميع المال أو جله على بعضهم دون بعض مكروه كراهة تنزيهية، فإذا نزل هذا الفعل وحيزت الهبة أو الصدقة (أي انتقلت الحيازة الفعلية للولد في حياة الواهب والصحة) مضى التصرف ونفذ شرعاً، ولا يفسخ بقضاء. أما التصدق بجميع المال على غير الأولاد (كالأجانب والفقراء) فهو جائز مستحب لمن علم من نفسه الصبر والجلد ولم يكن في ذلك ضياع لمن تلزمه نفقتهم.

وجه الاستدلال

استدل فقهائنا على الكراهة والمضي بعد الحيازة بوجوه عدة من الأثر والنظر:

1. من السنة النبوي : حديث النعمان بن بشير حين نحل ابنه نحلاً وأتى النبي × ليشهد فقال: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا، قال: فارتجعه" وفي رواية: "أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور". ووجه الدلالة للمشهور أن النبي × امتنع عن الشهادة وسماه جوراً فدل على عدم كمال الفعل وكراهته، ولو كان باطلاً لفسخه في الحين ولم يقل "أشهد غيري"، لأن المعصوم لا يأمر بالإشهاد على الباطل المستحيل شرعاً، فصار أمره بالرجوع والعدل على وجه الندب والإرشاد.

2. من عمل الصحابة رضي الله عنهم : ما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه نحل ابنته عائشة رضي الله عنها جاد عشرين وسقاً دون سائر ولده، ولم ينقضه عمر ولا عثمان رضي الله عنهم، فدل على جواز التخصيص والجمع بين الآثار بحمل المنع على كراهة الإيثار المفضي للتباغض.

3. من جهة المعنى والعلة : أن عطية الوالد لبعض ولده كل ماله أو جلّه يورث عداوة وبغضاء بين الأولاد ويسوق إلى عقوق الباقين، والشريعة حريصة على الموادة والبر، فإذا انتفت هذه العلة في الأجانب والفقراء زالت الكراهة وجازت الصدقة بالكل تبرعاً.

بيان الخلاف في المذهب 

وقع في المسألة اختلاف وتفصيل بين متقدمي علماء المذهب ومتأخريهم على ثلاثة أقوال رئيسية:

 القول الأول: المضي وعدم الرد إذا حيزت (وهو المشهور والمعتمد)

يرى أصحاب هذا القول أن التفضيل مكروه، لكن إن وقع وحيزت العطية في حياة الأب نفذت ولا ترد بقضاء.

 من قال به: هو قول ابن القاسم (في أحد قوليه وهو الأشهر عنه في العتبية)، وبه قال أصبغ، وابن المواز، وأبو محمد بن أبي زيد، والقاضي أبو محمد عبد الوهاب، والباجي في المنتقى، وهو ظاهر ما مشى عليه الشيخ خليل في أصل طهورية التبرعات وصحتها بالحوز.

 القول الثاني: رد العطية وفسخها في حياة الأب ومماته

يرى هذا القول أن الصدقة بجميع المال لبعض الولد لا تجوز ويقضى بردها وإبطالها، إما مطلقاً وإما بشرط عدم كفاية ما بقي للأب أو بقصد الفرار من فرائض الله. و من قال به: روى ابن زياد عن مالك أنه قضى برده في المدنية، وقال ابن القاسم في رواية العتبية: "من تصدق بماله كله على بعض ولده لا أراه جائزاً"، وفصّل سحنون في العتبية فقال: "إذا تصدق بكل ماله ولم يكن فيما أبقى ما يكفيه ردت، وإن بقي ما يكفيه لم ترد". وخرج الشيخ أبو الحسن اللخمي: أنه إذا تصدق على الذكور خاصة أو بعضهم دون الإناث يبطل التصرف إذا لم يشركهم فيه.

 القول الثالث: التفصيل في سبب التفضيل لنفي الكراهة

يرى هذا القول أن إعطاء بعض الأولاد دون بعض يعرى من الكراهة ويجوز مطلقاً إذا كان لوجه يختص به الولد كحاجة، أو غرامة تلزمه، أو زمانة فيه، أو لخير وصلاح يظهر منه فيخص لمزيته الدينية، وإنما يكره إذا كان على سبيل الإيثار المحض والهوى.

 من قال به: هو اختيار القاضي أبي الوليد الباجي في المنتقى.

وفي صفة العدل

وعلى القول بالندب والاستحباب للمساواة بين الأولاد، اختلف أئمتنا في صفة هذا العدل على رأيين:

1. الرأي الأول: أن يعطي الأنثى مثل ما يعطي الذكر تماماً تسوية بين العطايا، وقال به أبو الحسن بن القصار.

2. الرأي الثاني: أن تكون العطية على حسب فرائض الله سبحانه في الميراث (للذكر مثل حظ الأنثيين) لأنها القسمة التي رضيها الله، واستحسنه ابن شعبان.

بيان الخلاف في المذاهب

المعتمد عند الشافعية هو ما قُرّر في تحفة المنهاج؛ حيث إنَّ التسوية بين الأولاد (وفروعهم وإن سفلوا) في العطايا بجميع أنواعها من هبة، وهدية، وصدقة، ووقف، مستحبة وسنة مؤكدة في حق الوالد (وإن علا).

الحكم عند عدم التسوية: يكره التفضيل أو تخصيص بعضهم بالعطية لغير عذر أو حاجة تقتضي ذلك، والتصرف نافذ صحيح لا يبطل.

والمعتمد في المذهب الحنفي أن الرجل يندب له ويستحب أن يعدل بين أولاده في العطايا والهبات حال الصحة

"لو وهب رجل شيئاً لأولاده في الصحة وأراد التفضيل بين الأولاد في ذلك: إن كان لتفضيله زيادة إيذاء لكسوة أو أدب أو صلاح أو نحو ذلك فلا بأس به، وإن كان لمجرد الهوى بغير زيادة فضل فإنه يكره، وإن وهب ماله كله لواحد من أولاده جاز في القضاء وهو آثم".

في "رد المحتار على الدر المختار" أن التفضيل لمجرد الهوى مكروه كراهة تنزيه، والتصرف نافذ في القضاء يثبت به الملك بالحيازة، ونقل عن محمد بن الحسن أن التفضيل لا بأس به إذا لم يقصد به الإضرار، فإن قصد الإضرار بالباقين كره

والمذهب عند الحنابلة يخالف الجمهور صراحة؛ إذ المعتمد عندهم أن التسوية بين الأولاد في العطية واجبة وتفضيل بعضهم أو تخصيصه لغير عذر أو سبب شرعي محرم يحرم قضاء وديانة وجاء ما ملخصه في أخصر المختصرات وفي "عمدة الطالب لنيْل المآرب". فالحكم التكليفي هو التحريم، والحكم الوضعي هو بطلان التفضيل أو وجوب فسخه.



حكم الصلاة على الغائب في مذهب مالك

   حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَلَا غَائِبٍ 
إِلَى مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ بَعِيداً عَنِ الْمُصَلِّينَ، سَوَاءً كَانَ غَرِيقاً، أَوْ أَكِيلَ سَبُعٍ، أَوْ مَنْ مَاتَ فِي أَرْضِ الْكُفَّارِ وَهَذَا النَّفْيُ الصَّرِيحُ يُمَثِّلُ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فِي "الْمُخْتَصَرِ"
أَوَّلًا: الْخِلَافُ الْمَذْهَبِيُّ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ 
انْقَسَمَ نَظَرُ شُرَّاحِ الْمَذْهَبِ فِي فَهْمِ حَقِيقَةِ هَذَا "الْمَنْعِ" الْوَارِدِ فِي النُّصُوصِ إِلَى قَوْلَيْنِ:
 الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ: وَهُوَ مَذْهَبُ "الْمُدَوَّنَةِ" وَمَا نَصَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَالشُّبْرَاخِيتِيُّ يَرَى أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ حُضُورَ الْمَيِّتِ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَالشَّرْطُ إِذَا انْتَفَى بَطَلَ الْمَشْرُوطُ، فَالْفِعْلُ هُنَا يُعَدُّ إِحْدَاثاً فِي الدِّينِ وَتَشْرِيعاً لِمَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ، فَمَنْ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ فَقَدْ أَتَى بِبَاطِلٍ
 الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ: وَهُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبَاقِي وَنَحَا إِلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وِجْهَةُ نَظَرِهِمْ أَنَّ "الْمَنْعَ" الْوَارِدَ عَنْ مَالِكٍ فِي "الْمُدَوَّنَةِ" يُحْمَلُ عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، كَمَا أَشَارَ اللَّخْمِيُّ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْمَنْعِ عِنْدَهُ غَالِباً مَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَرَاهَةُ، فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِثْمِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَوْلَى
ثَانِيًا: مُنَاقَشَةُ وَاقِعَةِ النَّجَاشِيِّ فِي ضَوْءِ التَّحْقِيقِ
اسْتَنَدَ الْمَانِعُونَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِوَجْهَيْنِ:
الْخُصُوصِيَّةُ: أَنَّهَا كَانَتْ وَاقِعَةَ عَيْنٍ خَاصَّةً بِالنَّبِيِّ ﷺ، بِدَلِيلِ أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ مَاتُوا فِي الْغُرْبَةِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمِ الْخُلَفَاءُ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً مُتَّبَعَةً لَمَا تَرَكُوا الصَّلَاةَ عَلَى أَمْثَالِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَوْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
كَشْفُ الْحِجَابِ رَفْعُ الْأَرْضِ: أَنَّ الْأَرْضَ رُفِعَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَصَارَ يُشَاهِدُ النَّجَاشِيَّ قَبْلَ دَفْنِهِ، فَهِيَ فِي حَقِّهِ صَلَاةٌ عَلَى "حَاضِرٍ مُشَاهَدٍ"، وَإِنَّمَا لَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ شَرْعاً
نَقْدُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: لَفَتَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ النَّظَرَ بِذَكَائِهِ الْأُصُولِيِّ الْمَعْهُودِ إِلَى أَنَّ ادِّعَاءَ "الْخُصُوصِيَّةِ" أَوْ "رَفْعِ الْأَرْضِ" يَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ نَقْلِيٍّ صَرِيحٍ، وَلَا دَلِيلَ قَوِيّاً يَقْطَعُ بِذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ ظَلَّ مُلْتَزِماً بِالْعَمَلِ الْمَذْهَبِيِّ
التَّرْجِيحُ وَفْقَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَقُوَّةِ الدَّلِيلِ
بِنَاءً عَلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ لِلْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِـ "التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ" هُوَ الْأَرْجَحُ وَالْأَقْوَى دَلِيلًا، وَذَلِكَ لِلْآتِي:
الِاسْتِدْلَالُ بِوَاقِعَةِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ: وَهُوَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ؛ فَلَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْغَائِبِ مَشْرُوعَةً، لَكَانَتِ الْأُمَّةُ فِي مَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ أَعْظَمَ رَغْبَةً فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُبِضَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي، عُلِمَ أَنَّ الْمَنْعَ هُوَ "السُّنَّةُ الْمُتَّبَعَةُ"
إِبْطَالُ "شَرْطِ الْمُوَاجَهَةِ": صَلَاةُ الْجَنَازَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى مَيِّتٍ "حَاضِرٍ" كَشَأْنِ الْقِبْلَةِ لِلْمُصَلِّي، وَالصَّلَاةُ لِغَيْرِ حَاضِرٍ تُخْرِجُ الْعِبَادَةَ عَنْ هَيْئَتِهَا الْمَعْهُودَةِ وَتَجْعَلُهَا "لَغْواً" فِي بَابِ الْهَيْئَاتِ التَّعَبُّدِيَّةِ
x

حكم القراءة عند الميت: تأملات في فقه المالكية

 حكم القراءة عند الميت: تأملات في فقه النوازل عند المالكية
أشار الشيخ خليل في مختصره بعبارة: **"وقراءة عند موته"** إلى مسألة فقهية دقيقة كثر حولها النقاش، وهي حكم قراءة القرآن عند احتضار الميت أو بعد موته. ولتحرير هذه المسألة، لا بد من تفكيك مناط الكراهة وفهم مقاصد الفقهاء.
### أولاً: تحقيق مناط الكراهة (بين الاستنان والاتعاظ)
ذهب جمهور المحققين من المالكية، كابن يونس وابن رشد، إلى أن الكراهة الواردة في المذهب ليست مطلقة، بل هي **كراهة تنزيهية** مقصورة على من جعل القراءة "سنة راتبة" يُتدين بخصوصيتها في هذا المحل (بمعنى اعتقاد أنها سنة واجبة أو مطلقة). أما من قرأ لطلب الرحمة أو التبرك دون اعتقاد سنيتها المخصوصة، فإن الكراهة ترتفع عنه.
وفي المقابل، ذهب العدوي إلى أن الكراهة قد تكون أوسع؛ حيث إن القراءة في هذا المقام قد تشتت الذهن عن **"المقصود الأعظم"** وهو الاعتبار والاتعاظ بحال الموت، فالمنع هنا ليس فقط سداً لذريعة الابتداع، بل هو رعاية لحال القلب في مقام الهيبة.
### ثانياً: توجيه الاستحباب (مقصد تهوين السكرات)
في مقابل القول بالكراهة، استحب بعض المالكية -وعلى رأسهم ابن حبيب- القراءة عند الميت، مستندين في ذلك إلى الحديث المروي في سورة "يس": **«مَنْ قَرَأَ يس أَوْ قُرِئَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ»**. وعلى الرغم من كلام بعض المحدثين في إسناد هذا الحديث، إلا أن تصحيح بعض أهل العلم له جعل المالكية يستأنسون به لقصد "تهوين السكرات" على المحتضر.
### ثالثاً: الدليل من النظر (رأي ابن أبي جمرة)
يُقدم ابن أبي جمرة نظرة تربوية عميقة، حيث يرى أن المقصود من الحضور عند الميت هو **"التفكر والاعتبار"** بحاله. والقرآن عبادة تستلزم "التدبر"، والجمع بينهما قد يؤدي إلى التقصير في أحدهما. لذا، يندب ترك القراءة ليترك للميت وللحاضرين فرصة للانفراد بموعظة الموت؛ فالموت "وعظة صامتة" والقرآن "وعظة ناطقة"، والقلب في تلك اللحظة يحتاج إلى استشعار عظمة الموقف.
### خلاصة التحقيق: المذهب بين المرونة والاتساع
يظهر لنا من خلال هذه الأقوال أن المذهب المالكي يتسم بالمرونة، حيث يتأرجح بين:
1. **كراهة تنزيهية:** خيفة الابتداع في الدين، وهو مسلك الإمام مالك والعدوي.
2. **استحباب تعبدي:** رجاءً للرحمة وتخفيفاً للسكرات، وهو مسلك ابن حبيب وابن رشد.
**والمعول عليه في ذلك كله:** هو "نية الفاعل"، وضابطها ألا تتحول العبادة إلى طقس مبتدع، وألا يغيب عن الحاضرين مقصد الاتعاظ والاعتبار بحال الميت.
--------------------------------------------------------
*مقتبس من فقه "مختصر خليل" وما سطره محققو المذهب المالكية.*
وما سطرته في كتابي "إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل"
وكتابي "مفاتيج مختصر خليل"

حكم من دفن بلا غسل وبلا صلاة ميت

 مَن دُفِنَ بلا غُسْلٍ أو بلا صلاةٍ

تُعدُّ هذه المسألةُ من دقيقِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ في الجمعِ بينَ "تعظيمِ الحُرْمَةِ" وبينَ "استدراكِ الفريضةِ" فالأصلُ أنَّ الغُسْلَ والصلاةَ حقَّانِ للمؤمنِ على إخوانِهِ، فإذا فاتَ مَحَلُّهُما بالدَّفنِ، وقَعَ التعارُضُ بينَ نبشِ القبرِ لاستدراكِ ما فاتَ، وبينَ كرامةِ الميِّتِ في عدمِ انتهاكِ سِتْرِهِ بعدَ مُواراتِهِ والضابطُ المشتَرَكُ عندَ المالكيةِ هو "حصولُ التغيُّرِ" في الجسدِ؛ فهو المِعْيارُ الفاصلُ بينَ الاستدراكِ وبينَ السُّقوطِ

النَّظرُ الفقهيُّ يرى أنَّ الغُسْلَ يُرادُ بهِ النظافةُ الشرعيةُ والتكريمُ، فإذا دُفِنَ الميِّتُ بلا غُسْلٍ نُبِشَ ما لم يُخَفْ عليهِ التفسُّخُ وتغيُّرُ الرائحةِ؛ لأنَّ بَقاءَهُ نَجِساً حُكماً في مَحَلِّ القُربِ القبرِ مُنافٍ للتكريمِ أمَّا الصلاةُ، فهي شفاعةٌ ودُعاءٌ، فإذا دُفِنَ بلا صلاةٍ، فالمذهبُ على أنَّ القبرَ لا يُنبَشُ لأجلِ الصلاةِ وحدَها، بل يُكتَفى بالصلاةِ عليهِ وهو في لَحْدِهِ الصلاةُ على القبرِ؛ لأنَّ مقصودَ الشفاعةِ يَحْصُلُ بالوقوفِ عندَ مَحَلِّهِ، بخلافِ الغُسْلِ الذي لا يَقْبَلُ النيابةَ عن بُعْدٍ

مَا رَواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما: "أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ المَرْأَةِ التي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ بَعْدَمَا دُفِنَتْ"؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ استدراكِ الصلاةِ على القبرِ لِمَنْ فَاتَتْهُ، وهوَ أصْلُ المالكيةِ في عدمِ الحاجةِ للنبشِ لأجلِ الصلاةِ

مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحابةِ في تركِ نبشِ مَنْ دُفِنَ لِعلَّةٍ أو ضَرورةٍ إذا خِيفَ عليهِ التغيُّرُ؛ لأنَّ حُرْمَةَ الميِّتِ مَيِّتاً كَحُرْمَتِهِ حَيّاً، والنبشُ معَ التفسُّخِ انتهاكٌ صريحٌ لِهذهِ الحُرْمَةِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّ الاستدراكَ مَشروطٌ بسلامةِ الجسدِ


حكم أكل المضطر لحم الانسان الميت

 أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ والنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ، وصُحِّحَ أَكْلُهُ أَيْضا 

إِلَى نَازِلَةٍ مِنْ أَصْعَبِ النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ، وَهِيَ تَعَارُضُ "ضَرُورَةِ حِفْظِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ الْحَيِّ" مَعَ "حُرْمَةِ وَكَرَامَةِ الْجَسَدِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ"

 أَوَّلًا: عَرْضُ الْقَوْلَيْنِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُصَحَّحِ

 الْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ: عَدَمُ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا

 وَهُوَ مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي أُمَّهَاتِ الْمَذْهَبِ كَالْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ عَرَفَةَ

 وَجْهُهُ: أَنَّ كَرَامَةَ الْآدَمِيِّ مَانِعَةٌ مِنِ ابْتِذَالِهِ بِالْأَكْلِ، وَلَا تُنْتَهَكُ حُرْمَةُ آدَمِيٍّ لِأَجْلِ بَقَاءِ آخَرَ؛ لِأَنَّ "الْحُرْمَةَ" هُنَا لَا تَقْبَلُ التَّفْضِيلَ، فَالْمَيِّتُ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا كَالْحَيِّ

 الْقَوْلُ الْمُصَحَّحُ: جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ صُلْبَهُ

 وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الْقَصَّارِ، وَهُوَ "الظَّاهِرُ" مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْمَقَاصِدِيُّ

 وَجْهُهُ: أَنَّ الْحَيَّ مَعْصُومُ الدَّمِ بِيَقِينٍ، وَالْمَيِّتَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَرَمًا إِلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ، وَحِفْظُ حَيَاةِ الْحَيِّ أَوْجَبُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ مِنْ صِيَانَةِ جُثَّةٍ تَتَحَلَّلُ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ الْمَذْهَبِ

إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَبَانِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، نَجِدُ الصِّرَاعَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْنِ كُبْرَيَيْنِ:

وَالتَّرْجِيحُ الْمَذْهَبِيُّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ: هُوَ الْبَدْءُ بِالْمَنْعِ وَالنَّصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّقْلِ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ لِلْقَوْلِ "الْمُصَحَّحِ" بَعْدَهُ يُشِيرُ إِلَى قُوَّةِ النَّظَرِ فِيهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ ضَبَطُوا هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَأْكُلَ "بَعْضَ نَفْسِهِ" كَقَطْعِ أُصْبُعِهِ لِيَأْكُلَهُ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ مُحَقَّقَةٌ عَلَى حَيٍّ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِهِ الْمَيِّتِ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ

بِالنَّظَرِ إِلَى قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ الْمُصَحَّحَ هُوَ الْأَقْوَى لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

 تَقْدِيمُ الْحَيَاةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ: كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي "الْبَقْرِ"؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ الْمُضْطَرِّ أَقْوَى بِيَقِينٍ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ قَاتِلَ الْحَيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ إِجْمَاعًا، بَيْنَمَا لَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ نَبَشَ مَيِّتًا أَوْ جَرَحَهُ

 خُرُوجُ الْآدَمِيِّ عَنْ مُسَمَّى "الْمَيْتَةِ" الرِّجْسِ: كَمَا حَقَّقَ ابْنُ الْقَصَّارِ؛ فَالْآدَمِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي حُرِّمَتْ إِنَّمَا لِنَجَاسَتِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْمَيِّتُ الْآدَمِيُّ طَاهِرًا، بَطَلَتْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ "النَّجَاسِيَّةُ"، وَبَقِيَتْ عِلَّةُ "الْإِكْرَامِ"، وَالْإِكْرَامُ مَصْلَحَةٌ تَنْحَنِي أَمَامَ ضَرُورَةِ "إِحْيَاءِ النَّفْسِ"

 عُمُومُ آيَاتِ الِاضْطِرَارِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا عُمُومٌ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُنْقِذُ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَخُصَّ الشَّارِعُ مَيْتَةً دُونَ مَيْتَةٍ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَدِيلِ وَخَوْفِ الْهَلَاكِ

 الْخُلَاصَةُ: الْأَرْجَحُ دَلِيلًا هُوَ جَوَازُ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صِيَانَةِ جَسَدِ الْمَيِّتِ


مسائل في حنث اليمين

 لو حلف ليكسرن على رأس أمته عودا فكسره ثم ضربها به حتى انفلق حنث. قاله الخرشي.

 لو حلف ليضربن الرأس فضرب الوجه حنث، وإن حلف لاضرب رأسه حنث بضرب وجهه، إلا أن يريد فوق رأسه. قاله الخرشي.

 لو حلف لاضربه حنث بلكزه أو فتل أذنه أو قرصه إلا أن ينوي بالسوط أو غيره. قاله الخرشي.

 لا يبر في ليضربن أمته بضرب قدميها نقله الشيخ الخرشي. عن القرينين

 لو ضرب امرأته بعصا فشكت وقالت: ضربني، فحلف بالبتة ما ضربها بيده فهو حانث إلا أن ينوي بيده لطمة أو مثل ما يضرب به الناس، ولا ينوى مع البينة. قاله الشيخ الخرشي.

مسائل في اليمين والحنث

 من حلف ليفعلن فعلا فهو على حنث حتى يفعل كما علمت، فإذا لم يفعل حتى مات وقع عليه الحنث بعد الموت بالطلاق أو بالعتق، فوجب أن ترثه المرأة لأن الطلاق بعد الموت لا يصح، وأن يعتق الغلام في الثلث على حكم العتق بعد الموت، ومن حلف ليشترين دار زيد فليشترها بثمن مثلها في الوقت، فإن طلبوا منه ثمنا فاحشا فإنه لا يلزمه يمين، وإن حلف ليبيعن داره إن وجد من يشتريها فلا يحنث، ولا يحال بينه وبين امرأته حتى تبلغ القيمة فيحنث إذا.
وسئل الشيخ السيوري عمن حلف لا دخل الدار ولا أكل الطعام في هذا العيد، فما قدر العيد؟ فأجاب: العيد على قدر ما يعرفه الناس بينهم، ومن حلف أن لا يعيد مع أهله فليخرج من بلده إلى بلد آخر ولو قربت مسافته، ولا يرجع إلا في اليوم الثاني إن كان عيد الفطر، وإن كان عيد الأضحى فلا يرجع إلا بعد ثلاثة أيام.

الحلفان واليمين وحقيقته الشرعية

 قالَ الشَّيْخُ خَليلٌ في الْمُختَصَرِ : (الْيَمِينُ: تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ)
 الْمُعْتَمَدُ : (أَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ عَادَةً أَو عَقْلًا تَنْعَقِدُ فِيهِ الْيَمِينُ وَيَحْنَثُ فَوْرًا) وَقَالَ بِهِ (الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ).
الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : (عَدَمُ الِانْعِقَادِ فِي الْمُمْتَنِعِ لِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ) وَنَقَلَهُ (الْأَمِيرُ وَغَيْرُهُ)
قَوْلٌ آخَرُ : (التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمُمْتَنِعِ عَادَةً فَتَنْعَقِدُ، وَالْمُمْتَنِعِ عَقْلًا فَلَا تَنْعَقِدُ) وَحَكَاهُ (بَعْضُ الشُّرَّاحِ)
الْخِلَافُ فِي حُكْمِ الْحَلِفِ : (الْجَوَازُ) وَقَالَ بِهِ (الْأَكْثَرُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَقْلًا وَنَظَرًا)، وَقِيلَ (رَاجِحُ التَّرْكِ)
التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ : حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ فَإِنَّ : (الْقَوْلَ بِالِانْعِقَادِ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةً لِاسْمِ اللَّهِ عَنِ الْجَعْلِ فِي مَقَامِ الْمُحَالِ، فَأَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ الْكَفَّارَةَ زَجْرًا لِلْحَالِفِ)
 


حُكْمُ تَقْيِيدِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ

 الْمُعْتَمَدُ : أَنَّ نِيَّةَ الْحَالِفِ تُخَصِّصُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ وَالْمُشْتَرَكَ إِذَا نَافَتْهُ وَسَاوَتْهُ فِي الِاحْتِمَالِ الْعُرْفِيِّ وَاللُّغَوِيِّ، الْجَارِي عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ يُونُسَ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّعَرُّضِ لِإِخْرَاجِ الْغَيْرِ لَفْظًا أَوْ قَصْدًا صَرِيحًا بَلْ يَكْفِي قَصْرُ النِّيَّةِ عَلَى الْفَرْدِ، وَهُوَ الْجَارِي بِهِ الْعَمَلُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.

والْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : طَرِيقَةُ الْقَرَافِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْحَطَّابِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً حَقِيقَةً بِأَنْ يَنْوِيَ إِخْرَاجَ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ صَرَاحَةً لِيَصِحَّ التَّخْصِيصُ، وَإِلَّا اعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ مُؤَكِّدَةً وَحَنِثَ بِالْجَمِيعِ كَمَسْأَلَةِ مَنْ نَوَى بَيْضَ الدَّجَاجِ وَلَم| يَنْوِ إِخْرَاجَ غَيْرِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ رَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ كَابْنِ مَرْزُوقٍ وَأَبِي زَيْدٍ الْفَاسِيِّ.

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ : حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ فَإِنَّ : الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَيْمَانِ مَدَارُهَا عَلَى النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ لِقَوْلِهِ × إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَالنَّكِرَةُ أَوِ الْمُطْلَقُ أَوِ الْعَامُّ إِذَا صَاحَبَتْهُ نِيَّةٌ مُخَصِّصَةٌ صَالِحَةٌ فِي الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ لَمْ يَبْقَ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ الْأَصْلِيِّ بَلْ يَتَقَيَّدُ بِالْمَنْوِيِّ حَتْمًا، لِأَنَّ نِيَّةَ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَالتَّرْجِيحُ مُتَوَجِّبٌ لِطَرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ الْمُسْقِطَةِ لِشَرْطِ الْقَرَافِيِّ الْمُتَكَلَّفِ، فَيُقْبَلُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ الْمُسَاوِيَةِ وَالْمُخَالِفَةِ لِلظَّاهِرِ تَيْسِيرًا وَصِيَانَةً لِإِيمَانِ الْمُكَلَّفِينَ.

وأَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ : وَقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ

وَمَعْنَاهَا : أَنَّ نِيَّةَ الْمُكَلَّفِ تَمْلِكُ صَلَاحِيَّةَ تَقْيِيدِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ أَوِ النَّكِرَةِ أَوِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ وَتَحْوِيلِ دَلَالَتِهِ الشَّائِعَةِ إِلَى فَرْدٍ مُعَيَّنٍ، بِشَرْطِ أَنَّ تَكُونَ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً وَمُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ بِحَيْثُ تَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ بَعْضِ الصُّوَرِ، وَأَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لَهُ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُ اللَّفْظِ لَهَا لُغَةً أَوْ عُرْفًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ صَوْنًا لِلْمَقَاصِدِ الْبَاطِنَةِ.

وَمِثَالُهَا : أَنْ يَحْلِفَ الْمُكَلَّفُ قَائِلًا وَاللَّهِ لَا تَزَوَّجْتُ عَمْرَةَ حَيَّةً، وَهُوَ يَقْصِدُ فِي نَفْسِهِ مَا دَامَت| فِي عِصْمَتِي وَنِكَاحِي، فَإِذَا طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً غَيْرَهَا وَعَمْرَةُ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ نِيَّتَهُ نَافَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَسَاوَتْهُ فِي الِاحْتِمَالِ الْعُرْفِيِّ التَّخَاطُبِيِّ، أَوْ كَمَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ بِاسْمِ عَائِشَةَ فَيَقُولُ عَائِشَةُ طَالِقٌ وَهُوَ يَنْوِي إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا.


يَدُورُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ حَوْلَ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَقُوَّةِ النِّيَّةِ؛ فَالْمَالِكِيَّةُ يَق|َلُونَ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ وَتَخْصِيصَ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ إِذَا صَلَحَ اللَّفْظُ لُغَةً أَوْ عُرْفًا لِلْمَنْوِيِّ، وَجَرَى النِّزَاعُ حَوْلَ طَرِيقَةِ الْقَرَافِيِّ الشَّارِطَةِ لِلْمُنَافَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ صَرَاحَةً فِي الْقَصْدِ كَمَسْأَلَةِ بَيْضِ الدَّجَاجِ، وَبَيْنَ طَرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ يُونُسَ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهِيَ الْحَقُّ الْجَارِي عَلَيْهَا الْعَمَلُ بِأَنَّ مُطْلَقَ نِيَّةِ الْخَاصِّ فِي الْعَامِّ كَافِيَةٌ فِي التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ دُونَ اشْتِرَاطِ التَّعَرُّضِ لِإِخْرَاجِ الْغَيْرِ لِأَنَّ نِيَّةَ الشَّيْءِ تَسْتَلْزِمُ إِخْرَاجَ غَيْرِهِ حَتْمًا.

وقَضِيَّةُ الْمَسْأَلَةِ : قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ، تَقْضِي بِتَلَازُمِ ثُبُوتِ حُكْمِ اِعْتِبَارِ التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ بِثُبُوتِ شَرْطَيِ الْمُنَافَاةِ وَالْمُسَاوَاةِ اللَّفْظِيَّةِ فِي حَقِّ كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ الْحَانِثِينَ.

وَمَوْضُوعُهَا : اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ أَوِ الْعَامُّ الَّذِي صَاحَبَتْهُ نِيَّةٌ مُخَصِّصَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلشَّرْطِ عِنْدَ حُنْثِ الْحَالِفِ، لِكَوْنِهِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالتَّقْيِيدِ فِقْهِيًّا وَقَضَاءً.

وَمَحْمُولُهَا : لُزُومُ الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْمُقَيَّدِ وَالْمَنْوِيِّ دُونَ الْمُطْلَقِ الظَّاهرِ، وَالنِّسْبَةُ إِثْبَاتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ تَبَعًا لِقَصْدِ الْمُكَلَّفِ الشَّرْعِيِّ الْمُعْتَمَدِ.


---------------------------

من كتابي إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - باب الأيمان والنذور ج 17 ص 293



تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.