تناول الشيخ خليل في مختصره هذه المسألة بقوله: "وهَلْ بِلَاحْنٍ مُطْلَقاً أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ، وبِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وظَاءٍ". واللحان هو الذي يخطئ في قواعد الإعراب (النحو) أو في مخارج الحروف. وقد أثار هذا الوصف جدلاً واسعاً بين الأئمة، خاصة عند الخلط بين حروف متقاربة كـ "الضاد" و"الظاء"، وهو ما يتطلب منا تحرير المسألة بعناية.
أولاً: تحرير محل النزاع وحالات الاتفاق
قبل الدخول في الخلاف، لابد من تمييز الحالات التي اتفق فيها الفقهاء لضبط حدود المسألة:
متعمد اللحن: صلاته وصلاة من خلفه باطلة اتفاقاً؛ لأنه متلاعب بنظم القرآن ومخالف للهيئة الشرعية عمداً.
الساهي (المخطئ عرضاً): صلاته وصلاة من خلفه صحيحة اتفاقاً؛ لأن الخطأ العارض معفو عنه، ولا يخلو منه بشر.
العاجز الذي لا يقبل التعلم: صلاته وصلاة من خلفه صحيحة اتفاقاً؛ لأنه بذل وسعه، والقاعدة أن "الميسور لا يسقط بالمعسور".
محل الخلاف: ينحصر في "الجاهل القابل للتعلم" (سواء أمكنه التعلم حالاً أو لا، وسواء وجد غيره ليقتدي به أم لا).
ثانياً: عرض الأقوال الستة في الجاهل القابل للتعلم
في هذه الحالة المعينة، ذكر الفقهاء ستة أقوال تعكس تباين الأنظار في رعاية الركن القولي:
عدم صحة الاقتداء مطلقاً: سواء كان اللحن في الفاتحة أو في غيرها.
عدم الصحة في الفاتحة خاصة: لكونها ركناً لا تصح الصلاة إلا به.
عدم الصحة عند تغيير المعنى: خاصة في الفاتحة (وهو قول قوي في النظر).
الصحة مطلقاً: وهو المعتمد في المذهب تخفيفاً على الناس، وإن منع ابتداءً.
المنع ابتداءً مع الصحة (قول اللخمي): وهو الأظهر؛ أي يحرم تقديمه مع وجود غيره، لكن إن صلى أجزأت.
الكراهة (قول ابن رشد): أي تُكره إمامته وتصح صلاة من خلفه.
ثالثاً: الترجيح الفقهي المختار
بناءً على قواعد المذهب ورعايةً لجوهر العبادة، يترجح التفصيل التالي كخلاصة جامعة ومنضبطة:
١. ترجيح البطلان في خصوص الفاتحة عند تغيير المعنى: يُرجَّح أن الاقتداء باللحان لا يصح إذا كان لحنه في سورة الفاتحة لحناً جلياً يغير المعنى ويحيله؛ كمن يضم تاء "أنعمتَ" (فتصبح: أنعمتُ) أو يكسرها، لأن الفاتحة ركن قولي متعين، واللحن المغير للمعنى يخرج اللفظ عن كونه قرآناً، وبما أن الإمام ضامن، فلا يصح أن يتحمل عن المأموم ركناً فاسداً في أصله.
٢. ترجيح الصحة عند عدم تغيير المعنى (وفي الضاد والظاء): يُرجَّح أن الصلاة صحيحة إذا كان اللحن لا يغير المعنى، أو كان في مخارج الحروف التي يشق على العامة التمييز بينها، كالضاد والظاء. فالمعتمد هنا هو الصحة رعايةً لميسور المكلف، وإن كان يُمنع تقديمه ابتداءً مع وجود غيره (عند اللخمي) أو يُكره (عند ابن رشد)، إلا أن الصلاة تقع مجزئة في نهاية الأمر.
٣. ترجيح الصحة فيما تيسر من القرآن (السورة): يُرجَّح أن اللحن فيما زاد على الفاتحة لا يبطل الصلاة مطلقاً؛ وذلك لاحتمال تحقيق "أقل الواجب" في القراءة الزائدة، وهو أن يكون الإمام قد أتى بآية واحدة صحيحة ومستقيمة المعنى من ضمن ما قرأه، مما يحقق امتثال الأمر النبوي بقراءة ما تيسر، بخلاف الفاتحة التي لا يُقبل فيها التبديل لكونها عيناً لا بدلاً.
رابعاً: الأدلة من السنة والقواعد الفقهية
١. من السنة النبوية: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ". وجه الاستدلال: أن نفي الصلاة يقتضي بطلانها عند الإخلال بقراءة الفاتحة؛ واللحن المغير للمعنى يُعد إخلالاً بالقراءة الصحيحة للركن، مما يقوي جانب البطلان في الفاتحة دون غيرها.
٢. من القواعد الفقهية: قاعدة "المشقة تجلب التيسير": وهي المستند في تصحيح صلاة من لا يميز بين الضاد والظاء أو اللحن الذي لا يغير المعنى، لأن التدقيق في مخارج الحروف على كل فرد من العامة فيه حرج عظيم. قاعدة "إعمال العمل أولى من إهماله": وهي المستند في تصحيح الصلاة عند اللحن في السورة (ما تيسر)، لأن الإتيان بآية واحدة صحيحة يكفي لإعمال فعل القراءة المندوب أو الواجب في الجملة.
٣. من القياس: قياس "اللحن في السورة" على "القراءة بالمعنى في غير الصلاة"؛ فبما أن القصد هو الاعتبار والتذكر، فإن وقوع آية واحدة صحيحة من الإمام يحقق مقصد "ما تيسر"، بخلاف الفاتحة التي هي "توقيفية" في كل حرف منها لاتصالها بصحة الركن.
كتاب مفاتيح مختصر خليل