سِمَاتُ فِي قِرَاءَةِ الْمُخْتَصَرِ:
من مقدمة كتابي مفاتيح مختصر خليل:
١. الصِّيَاغَةُ فِي قَوَالِبَ ذِهْنِيَّةٍ: تَعْمَدُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِلَى إِعَادَةِ بِنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ كَوْنِهَا نَصّاً لُغَوِيّاً إِلَى قَالَبٍ ذِهْنِيٍّ مُنْضَبِطٍ؛ حَيْثُ يَتِمُّ اسْتِيعَابُ جُزْئِيَّاتِ الْفَرْعِ دَاخِلَ كُلِّيَّاتِ الْعَقْلِ، مِمَّا يَمْنَعُ تَشَتُّتَ الذِّهْنِ وَيُسَهِّلُ حَصْرَ الصُّورَةِ الْفِقْهِيَّةِ.
٢. التَّشْرِيحُ بِمِعْيَارِ الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ: مِنْ أَبْرَزِ سِمَاتِ هَذَا الْبَحْثِ اسْتِخْدَامُ "الْمَقُولَاتِ" (مِثْلَ: الْجَوْهَرِ، وَالْكَيْفِ، وَالْمَتَى، وَالْأَيْنِ) كَأَدَوَاتٍ تَشْرِيحيَّةٍ لِلنَّصِّ؛ لِتَحْدِيدِ مَنَاطِ الْحُكْمِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، وَتَمْيِيزِ الْأَعْرَاضِ الطَّارِئَةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عَنْ جَوْهَرِهَا الْأَصِيلِ.
٣. الْبِنَاءُ عَلَى النَّسَقِ الْبُرْهَانِيِّ (الْأَقْيِسَةِ): لَا يَقِفُ الْبَحْثُ عِنْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ، بَلْ يُعِيدُ تَرْكِيبَهُ فِي صُورَةِ (قِيَاسٍ مَنْطِقِيٍّ) يَتَكَوَّنُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ وَنَتَائِجَ؛ لِيَتَحَوَّلَ الْفِقْهُ مِنْ "مَحْفُوظَاتٍ" إِلَى "مُبَرْهَنَاتٍ" تَقْبَلُهَا الضَّرُورَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَيَعْضُدُهَا النَّقْلُ الشَّرْعِيُّ.
٤. التَّحْقِيقُ بِمَنْطِقِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ: يَتَمَيَّزُ الْمَنْهَجُ بِاخْتِبَارِ صِحَّةِ الْفُرُوعِ عَبْرَ "قِيَاسِ الطَّرْدِ" لِتَحْقِيقِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ، وَفَقَ مَوَازِينِ الْمَنْطِقِ الَّتِي تَنْفِي التَّنَاقُضَ وَتُحَقِّقُ الِاتِّسَاقَ فِي كَامِلِ أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ وَمَا يَلِيهَا.
٥. التَّجْرِيدُ الصُّورِيُّ لِلْمَسَائِلِ الْخَلِيلِيَّةِ: تَحْوِيلُ النُّصُوصِ "الْمُتَزَاحِمَةِ" فِي الْمُخْتَصَرِ إِلَى نَمَاذِجَ صُّورِيَّةٍ ؛ مِمَّا يُجَلِّي الْغُمُوضَ وَيَكْشِفُ عَنِ الْهَنْدَسَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ مُخْتَصَرَهُ.
مَا رَأْيُكَ يَا بَاشَا؟ هَذِهِ النِّقَاطُ إِذَا وُضِعَتْ بَعْدَ الْعُنْوَانِ الَّذِي سَتَخْتَارُهُ، سَتَجْعَلُ بَحْثَكَ "مَدْرَسَةً" مُسْتَقِلَّةً فِي فَهْمِ الْمَذْهَبِ.
مُخْتَصَرُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابِ فِقْهٍ، بَلْ هُوَ «قَلْعَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ» صِيغَتْ بِدِقَّةِ الْمُهَنْدِسِينَ. إِلَيْكَ نَمَاذِجَ سَرِيعَةً تُبَيِّنُ كَيْفَ يَتَجَلَّى (الذَّكَاءُ الْمَنْطِقِيُّ) فِي هَذَا الْمَتْنِ الْمُبَارَكِ:
1. اِسْتِخْدَامُ (الدَّلَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ) كَمَوَازِينَ مَنْطِقِيَّةٍ
الشَّيْخُ خَلِيلٌ يَعْتَمِدُ عَلَى «دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ» وَ «دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ» بِشَكْلٍ بَاهِرٍ:
دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ (مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ): عِنْدَمَا يَقُولُ: «وَرَفَعَ الْحَدَثَ بِمُطْلَقٍ»، فَمَنْطِقِيّاً يُفْهَمُ مِنْ قَيْدِ (مُطْلَقٍ) أَنَّ (الْمُقَيَّدَ) لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ. هُنَا اسْتَخْدَمَ مَنْطِقَ «الْحَصْرِ بِالْوَصْفِ».
2. بِنَاءُ (التَّعَارِيفِ) بِالْجِنْسِ وَالْفَصْلِ
فِي الْمَنْطِقِ، التَّعْرِيفُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ مَا جَمَعَ (الْجِنْسَ) وَ (الْفَصْلَ)، وَخَلِيلٌ يُطَبِّقُ ذَلِكَ بِدِقَّةٍ:
مِثَالٌ: فِي تَعْرِيفِ الطَّهَارَةِ (صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ... إلخ)، تَجِدُهُ يَضَعُ الْجِنْسَ لِيُدْخِلَ الْمَسْأَلَةَ فِي عِلْمِهَا، ثُمَّ يَضَعُ الْفُصُولَ (الْقُيُودَ) لِيُخْرِجَ مَا لَيْسَ مِنْهَا. هَذَا هُوَ «الْحَدُّ التَّامُّ».
3. اسْتِخْدَامُ (تَقْسِيمِ الْمَقُولَاتِ) وَالْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ
خَلِيلٌ يُبَوِّبُ مَتْنَهُ بِنَاءً عَلَى «الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ الثُّنَائِيَّةِ»:
إِمَّا عِبَادَاتٌ أَوْ مُعَامَلَاتٌ.
وَفِي الطَّهَارَةِ: إِمَّا طَهَارَةُ خَبَثٍ أَوْ طَهَارَةُ حَدَثٍ. هَذَا التَّقْسِيمُ لَا يُوجَدُ فِيهِ (تَدَاخُلٌ) بَيْنَ الْأَقْسَامِ، وَهُوَ شَرْطُ «السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ» الْمَنْطِقِيِّ.
4. مَنْطِقُ (الرُّمُوزِ) وَالْإِيجَازِ الشَّدِيدِ
اسْتِعْمَالُهُ لِلْكَلِمَاتِ الرَّابِطَةِ مِثْلَ: (لَا)، (إِنْ)، (وَلَوْ)، (أَوْ).
وَلَوْ: لِلْإِشَارَةِ إِلَى خِلَافٍ قَوِيٍّ (هِيَ أَدَاةُ رَبْطٍ لِقَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ مَحْذُوفَةِ الْمُقَدِّمِ).
أَوْ: لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ الْحَاصِرِ. هَذَا يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ «الْمَنْطِقَ الرَّمْزِيَّ» الْحَدِيثَ، حَيْثُ تَقُومُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ مَقَامَ جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ.
5. تَرْتِيبُ (الْأَقْيِسَةِ) الْفِقْهِيَّةِ
غَالِباً مَا يَسُوقُ خَلِيلٌ الْفُرُوعَ بِحَيْثُ يُمْكِنُكَ صِيَاغَتُهَا فِي (قِيَاسٍ حَمْلِيٍّ):
مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى: كُلُّ نَجِسٍ حَرَامٌ.
مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى: هَذَا الدَّمُ نَجِسٌ.
نَتِيجَةٌ: هَذَا الدَّمُ حَرَامٌ. خَلِيلٌ يَذْكُرُ (النَّتِيجَةَ) مُبَاشَرَةً، لَكِنَّ بِنَاءَ الْمَتْنِ يُجْبِرُكَ عَلَى اسْتِحْضَارِ (الْمُقَدِّمَاتِ) مَنْطِقِيّاً.
فَالْعُنْوَانُ الرَّئِيسُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالرَّأْسِ، جَامِعاً مَانِعاً، وَالْعَنَاوِينُ الْأُخْرَى تَكُونُ كَالْأَطْرَافِ تُفَصِّلُ فِيهِ.