تَحْتَمِلُ مَسْأَلَةُ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ أَبْعَادًا تَعَبُّدِيَّةً وَتَنْظِيمِيَّةً دَقِيقَةً، تَقُومُ عَلَى فَلْسَفَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ إِظْهَارِ الشَّعَائِرِ الْعَامَّةِ وَتَحْقِيقِ الْإِخْلَاصِ الْفَرْدِيِّ، وَيُمْكِنُ بَلْوَرَةُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كالتَّالِي:
أَوَّلًا: التَّكْيِيفُ الْفِقْهِيُّ وَالْمَشْرُوعِيَّةُ تُصَنَّفُ التَّرَاوِيحُ ضِمْنَ النَّوَافِلِ الْمُؤَكَّدَةِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا شَهْرُ رَمَضَانَ، وَتَكْتَسِبُ صِفَةَ "التَّأْكِيدِ" مِنْ مُوَاظَبَةِ الشَّارِعِ عَلَيْهَا وَإِقْرَارِ الصَّحَابَةِ لَهَا كَشَعِيرَةٍ جَامِعَةٍ. وَيَتَجَلَّى الْمَنَاطُ التَّشْرِيعِيُّ هُنَا فِي رَبْطِ قِيَامِ اللَّيْلِ بِفَرِيضَةِ الصِّيَامِ تَعْظِيمًا لِلزَّمَانِ، مَعَ تَرْتِيبِ مَغْفِرَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الذَّنْبِ جَزَاءً لِهَذَا الْعَمَلِ.
ثَانِيًا: مَوْضِعُ الْأَدَاءِ وَجَدَلِيَّةُ الِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَمَيَّزُ الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ بِتَفْضِيلِ الِانْفِرَادِ فِي أَدَاءِ التَّرَاوِيحِ (أَيِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ) لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ وَأَمِنَ الْغَفْلَةَ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى تَعْطِيلِ الْمَسَاجِدِ. وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا التَّفْضِيلِ هِيَ صِيَانَةُ الْعِبَادَةِ عَنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ، وَتَحْقِيقُ أَقْصَى دَرَجَاتِ الْإِخْلَاصِ فِي النَّفْلِ، تَمَاشِيًا مَعَ الْأَصْلِ النَّبَوِيِّ فِي نَدْبِ صَلَاةِ النَّفْلِ فِي الْبُيُوتِ.
ثَالِثًا: الْمِعْيَارُ الْكَمِّيُّ وَالْعَدَدِيُّ لِلرَّكَعَاتِ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ، ثُمَّ ارْتَقَى فِي عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى سِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً. وَيَسْتَنِدُ هَذَا التَّطَوُّرُ الْعَدَدِيُّ إِلَى رَغْبَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مُسَاوَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْفَضْلِ، حَيْثُ جَعَلُوا الرَّكَعَاتِ الزَّائِدَةَ بَدِيلًا عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ التَّرْوِيحَاتِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُرُونَةِ الشَّرِيعَةِ فِي الِاسْتِزَادَةِ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَةِ لِعِمَارَةِ الْوَقْتِ الْفَاضِلِ.
رَابِعًا: الْمَنْهَجِيَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ اسْتِيعَابُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ "خَتْمًا" طَوَالَ الشَّهْرِ لِتَحْقِيقِ مَقْصِدِ سَمَاعِ الْوَحْيِ فِي شَهْرِ نُزُولِهِ. كَمَا يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي فِي خِتَامِ صَلَاتِهِ (الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ) سُوَرًا مَخْصُوصَةً (الْأَعْلَى، الْكَافِرُونَ، الْإِخْلَاصُ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ) تَرْتِيخًا لِمَعَانِي التَّنْزِيهِ وَالتَّوْحِيدِ، إِلَّا إِذَا تَعَارَضَ ذَلِكَ مَعَ "حِزْبِهِ" الرَّاتِبِ، فَيُقَدَّمُ الْحِزْبُ رِعَايَةً لِدَوَامِ الْعَمَلِ وَتَسَلْسُلِ الْخَتْمَةِ.
خَامِسًا: الضَّوَابِطُ التَّنْظِيمِيَّةُ لِلْمَسْبُوقِ رِعَايَةً لِنَظْمِ الْجَمَاعَةِ، نَدَبَ الْفِقْهُ لِلْمَسْبُوقِ تَخْفِيفَ رَكْعَتِهِ الْمَقْضِيَّةِ لِيُدْرِكَ الْإِمَامَ فِي الشَّفْعِ التَّالِي، وَهَذَا يَعْكِسُ قَاعِدَةً أَصِيلَةً تَقْضِي بِتَقْدِيمِ "فَضِيلَةِ الِائْتِمَامِ وَالْمُتَابَعَةِ" عَلَى "فَضِيلَةِ طُولِ الْأَدَاءِ الْفَرْدِيِّ"، تَحْقِيقًا لِلْمَقْصِدِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ.
............
من كتابي إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل