تَعْلِيلُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي رَفْضِ النِّيَّةِ
١. الْمَنَاطُ الْأَوَّلُ: "عِبَادَةُ الْفِعْلِ" مُقَابِلَ "عِبَادَةِ التَّرْكِ"
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ؛ فَالصَّلَاةُ مَاهِيَّةٌ "وُجُودِيَّةٌ" تَتَكَوَّنُ مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَحَرَكَةٍ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ لَا تَكُونُ عِبَادَةً إِلَّا بِقَصْدٍ مُصَاحِبٍ لَهَا بِيَقِينٍ، فَإِذَا رَفَضْتَ النِّيَّةَ، صَارَتِ الْأَفْعَالُ حَرَكَاتٍ جَوْفَاءَ بَطَلَ مَعْنَاهَا. أَمَّا الصَّوْمُ، فَهُوَ مَاهِيَّةٌ "عَدَمِيَّةٌ" (كَفٌّ وَتَرْكٌ)، وَالتَّرْكُ اسْتِمْرَارٌ لِلْأَصْلِ (الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْأَكْلِ)، وَهَذَا الِاسْتِمْرَارُ الْعَدَمِيُّ لَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ "الْهَمِّ" أَوْ "الرَّفْضِ" مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِفِعْلٍ يُنَاقِضُهُ، لِأَنَّ "الْعَدَمَ لَا يَنْتَقِضُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ".
٢. الْمَنَاطُ الثَّانِي: "الزَّمَانُ الْمُضَيَّقُ" وَسُلْطَةُ الْوَقْتِ
الْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ زَمَانَ رَمَضَانَ (مَثَلًا) مَشْغُولٌ بِالْعِبَادَةِ قَهْراً بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْيَوْمِ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ. فَكَمَا أَنَّ نِيَّةَ غَيْرِهِ فِيهِ لَا تَعْمَلُ (كَمَا حَرَّرْنَا سَابِقاً)، فَكَذَلِكَ نِيَّةُ "الْخُرُوجِ مِنْهُ" بِلَا فِعْلٍ تَكُونُ ضَعِيفَةً أَمَامَ سُلْطَةِ الزَّمَانِ الْمُتَعَيِّنِ لِلْعِبَادَةِ. أَمَّا الصَّلَاةُ، فَلَا تَسْتَغْرِقُ كُلَّ الْوَقْتِ، وَالْمُكَلَّفُ يَمْلِكُ فِيهَا حُرِّيَّةَ الِابْتِدَاءِ، فَكَانَ رَفْضُهُ لَهَا أَمْضَى فِي إِبْطَالِهَا.
٣. الْمَنَاطُ الثَّالِثُ: "قُوَّةُ التَّلَبُّسِ" وَقَاعِدَةُ الِاسْتِصْحَابِ
فِي "الْأَصَحِّ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، يُعْتَبَرُ الصَّائِمُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ لَيْلًا قَدْ دَخَلَ فِي "حِصْنٍ حَصِينٍ" مِنَ الْعِبَادَةِ. هَذَا التَّلَبُّسُ قَوِيٌّ جِدّاً بِحَيْثُ لَا يَهْدِمُهُ إِلَّا نَاقِضٌ مِنْ جِنْسِهِ (أَيْ فِعْلٌ حِسِّيٌّ). أَمَّا فِي الصَّلَاةِ، فَالرَّابِطُ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَعِبَادَتِهِ "رَقِيقٌ" يَعْتَمِدُ عَلَى حُضُورِ الْقَلْبِ، فَإِذَا انْقَطَعَ هَذَا الرَّابِطُ بِالرَّفْضِ، انْحَلَّ الْعَقْدُ.
عِنْدَمَا نَقُولُ أَنَّ عَدَمَ الْبُطْلَانِ فِي الصَّوْمِ هُوَ "الْأَصَحُّ":
الْقَوْلُ الصَّحِيحُ (الْبُطْلَانُ): يَعْتَمِدُ عَلَى قَاعِدَةِ "النِّيَّةُ رُكْنٌ مُسْتَصْحَبٌ"، فَإِذَا فُقِدَ الرُّكْنُ سَقَطَ الْبِنَاءُ. وَهُوَ قَوْلٌ قَوِيٌّ لَهُ جَلَالَتُهُ.
الْقَوْلُ الْأَصَحُّ (عَدَمُ الْبُطْلَانِ): يَعْتَمِدُ عَلَى قَاعِدَةِ "الْفِعْلِ الْعَدَمِيِّ" وَأَنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّوْمِ تَبَعٌ لِلزَّمَانِ وَلَيْسَتْ حَاكِمَةً عَلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ.
الْخُلَاصَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ: الْمَالِكِيَّةُ رَجَّحُوا عَدَمَ الْبُطْلَانِ فِي الصَّوْمِ رِعَايَةً لِطَبِيعَةِ الصَّوْمِ كَـ (كَفٍّ مُسْتَمِرٍّ)، بَيْنَمَا لَمْ يَسَعْهُمْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا (عَمَلٌ مُتَجَدِّدٌ).