13. حُكْمُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانُ أَصَالَتِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.
أَشَارَ الشَّيْخُ عبد الغني النابلسي لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:
ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضُ ... لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَغَيْرُهَا عَرَضْ
3. يَعْنِي: أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ شَرْعًا هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى (بِمَا يَجِبُ وَيَمْتَنِعُ وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ)، وَهَذَا الْوُجُوبُ عَيْنِيٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْخَالِقِ هِيَ الْأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْفُرُوعُ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ عُلُومٍ فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهَا.
النَّظْرَةُ الْأُصُولِيَّةُ: هِيَ مَسْأَلَةُ (أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ)؛ فَأُصُولِيًّا يَرَى الْأَشَاعِرَةُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَاجِبَةٌ "بِالشَّرْعِ" لَا بِالْعَقْلِ ابْتِدَاءً، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمَعْرِفَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْفَرْعِ تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الْأَصْلِ.
أوّلاً : الْمَنَاطُ الْعَقَدِيُّ:
مَنَاطُ "وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ" هُوَ (التَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ)؛ وَشَرْطُهُ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ. وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ هُنَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَدَى الْمُكَلَّفِ "قُدْرَةٌ عَلَى النَّظَرِ" تُوصِلُهُ إِلَى الْيَقِينِ، لِأَنَّ الْمَنَاطَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِفْظِ الْأَسْمَاءِ، بَلْ "انْعِقَادُ الْقَلْبِ" عَلَى الْحَقِيقَةِ عَنْ دَلِيلٍ.
ثانياً : الْفُرُوقُ الْعَقَدِيَّةُ:
الْفَرْقُ بَيْنَ (الْمَعْرِفَةِ) وَ (الْعِلْمِ)؛ الْمَعْرِفَةُ هُنَا تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْإِدْرَاكُ الْجَازِمُ عَنْ دَلِيلٍ، وَقَدْ تُسَمَّى "عِلْمًا" إِذَا كَانَتْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ (الْأَصْلِ) وَ (الْعَرَضِ)؛ أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ (التَّوْحِيدُ)، وَالْعَرَضُ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ (فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ).
ثالثاً : الِاعْتِرَاض وَالْجَوَابُ:
• الشُّبُهَةُ : إِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةً، وَالْمَعْرِفَةُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ لَا يُتَحَكَّمُ فِيهِ اِضْطِرَارًا، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ؟
• الْجَوَابُ: الْوَاجِبُ ابْتِدَاءً هُوَ "النَّظْرُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ"، وَالنَّظْرُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، فَإِذَا نَظَرَ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ فِي قَلْبِهِ (عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَقِبَ النَّظْرِ)، فَالْمُكَلَّفُ مُطَالَبٌ بِالْوَسِيلَةِ لِيَصِلَ إِلَى الْغَايَةِ.
7. الثَّمَرَةُ السُّلُوكِيَّةُ:
تُثْمِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقَامَ (الِاشْتِغَالِ بِالْأَهَمِّ)؛ فَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ "الْأَصْلُ"، يَجْعَلُ جُلَّ هَمِّهِ تَصْحِيحَ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، فَلَا يَكُونُ كَالْبَنَّاءِ الَّذِي يُزَيِّنُ السَّطْحَ وَالْقَوَاعِدُ هَشَّةٌ، وَسُلُوكِيًّا يُورِثُ ذَلِكَ تَعْظِيمَ اللَّهِ الَّذِي يَسْبِقُ كُلَّ طَاعَةٍ.
8. تَرْجَمَةُ الْكَلِمَاتِ مُعْجَمِيًّا:
• مَعْرِفَةُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِحَقِيقَتِهِ.
• تُفْتَرَضُ: تُوجَبُ وُجُوبًا قَطْعِيًّا.
• أَصْلٌ: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
• عَرَضٌ: مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ يَتْبَعُ غَيْرَهُ.
9. إِعْرَابُ الْبَيْتِ:
• ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ.
• مَعْرِفَةُ: مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ، وَهُوَ مُضَافٌ.
• اللَّهِ: لَفْظُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ عَلَى التَّعْظِيمِ.
• عَلَيْكَ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُفْتَرَضُ".
• تُفْتَرَضُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ (هِيَ)، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.
• لِأَنَّهَا: اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، (أَنَّ) حَرْفُ نَصْبٍ وَتَوْكِيدٍ، وَ(الْهَا) اسْمُهَا.
• أَصْلٌ: خَبَرُ (أَنَّ) مَرْفُوعٌ.
• وَغَيْرُهَا: الْوَاوُ حَالِيَّةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ، (غَيْرُ) مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ.
• عَرَضٌ: خَبَرُ (غَيْرُهَا) مَرْفُوعٌ.
10. النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ: بِنَاءُ "تُفْتَرَضُ" لِلْمَجْهُولِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ "الْفَارِضَ" هُوَ الشَّارِعُ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ هَذَا الْفَرْضَ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ قَهْرًا بِحُكْمِ الْعُبُودِيَّةِ.
11. النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ: "التَّذْيِيلُ" فِي قَوْلِهِ (لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَغَيْرُهَا عَرَضْ)؛ حَيْثُ جَاءَ بِجُمْلَةٍ تَعْلِيلِيَّةٍ تَجْرِي مَجْرَى الْمَثَلِ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِيجَازِ.
12. النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ: لَفْظُ "تُفْتَرَضُ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ بِمَعْنَى "تُوجَبُ"، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَالنَّاظِمُ هُنَا يَسْتَعْمِلُهَا بِمَعْنَى "الْإِلْزَامِ الْقَطْعِيِّ" الَّذِي يَكْفُرُ جَاحِدُهُ.
13. قَضِيَّتُهُ الْمَنْطِقِيّةِ : وُجُوبُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ لِأَصَالَتِهَا.
• مَوْضُوعُهُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ.
• محْمُولُهُ: كَوْنُهَا مَفْرُوضَةً وَأَصْلًا لِمَا سِوَاهَا.
أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ:
• 1. الْقُرْآنُ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).
o وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْعِلْمِ (الْمَعْرِفَةِ) قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَدَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْمَعْرِفَةِ.
• 2. السُّنَّةُ: حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).
o وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: تَقْدِيمُ الشَّهَادَةِ (الَّتِي هِيَ عُنْوَانُ الْمَعْرِفَةِ) عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا "الْأَصْلُ".
• 3. قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ : (مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ): وَبِمَا أَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ "الْمَعْبُودِ"، فَصَارَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةً.
• أوّلاً : قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ : (الْأَصْلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْفَرْعِ): فَالْمَعْرِفَةُ أَصْلٌ وَالْأَعْمَالُ فُرُوعٌ، وَتَقْدِيمُ الْأَصْلِ وَاجِبٌ رُتْبَةً وَزَمَانًا.
• ثانياً : قِيَاسُ (الْأَوْلَى): إِذَا كَانَ مَعْرِفَةُ "صَاحِبِ الْبَيْتِ" أَوْلَى مِنَ الِانْشِغَالِ بِزِينَةِ الْبَيْتِ لِتَصِحَّ الضِّيَافَةُ، فَمَعْرِفَةُ "خَالِقِ الْكَوْنِ" أَوْلَى وَأَوْجَبُ مِنَ الِانْشِغَالِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ ابْتِدَاءً.
• ثالثاً : قِيَاسُ (الْعِلَّةِ): كَمَا أَنَّ "الْأَسَاسَ" هُوَ عِلَّةُ قِيَامِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَسَاسُ سَقَطَ الْبِنَاءُ، فَكَذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ هِيَ عِلَّةُ "قَبُولِ" الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ.
• 7. قِيَاسُ (الْمُسَاوِي): كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ "الْمَلِكِ" وَصِفَاتِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ دِيوَانِهِ لِيَتَأَدَّبَ مَعَهُ، فَمَعْرِفَةُ "مَلِكِ الْمُلُوكِ" وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ فِي دِينِهِ تَبَعًا لِنَفْسِ عِلَّةِ التَّعْظِيمِ.
• 8. قِيَاسُ (الشَّبَهِ): كَمَا أَنَّ "الشَّمْسَ" هِيَ أَصْلُ الضَّوْءِ وَالْقَمَرُ "عَرَضٌ" يَسْتَمِدُّ مِنْهَا، فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ شَمْسُ الْإِيمَانِ وَكُلُّ الطَّاعَاتِ تَبَعٌ لَهَا.
• 9. قِيَاسُ (الْجَلِيِّ): إِذَا كَانَ مِنَ "الْمُسْتَقْبَحِ" عَقْلًا وَشَرْعًا أَنْ تَخْدِمَ سَيِّدًا لَا تَعْرِفُهُ، فَمِنَ الْأَوْجَبِ وَالْأَجْلَى أَنْ تَعْرِفَ مَنْ تَعْبُدُهُ لِتَكُونَ الْعِبَادَةُ عَلَى بَصِيرَةٍ.
فائِدَةٌ : : أَنَّ الدَّرْدِيرَ جَعَلَ غَيْرَ الْمَعْرِفَةِ "عَرَضًا"؛ لِيُنَبِّهَ الطَّالِبَ إِلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْأَحْكَامَ مَهْمَا عَظُمَتْ فَهِيَ "عَرَضٌ" زَائِلٌ إِذَا لَمْ يَقُمْ عَلَى "جَوْهَرِ" التَّوْحِيدِ، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُقَالُ فِي تَرْتِيبِ الْعُلُومِ.
~~**~~