اسْتِخْرَاجِ أَقْوَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، مَعَ رَبْطِهَا بِنُصُوصِ «مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ» مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ (بِفُصُولِهِ الْمُخْتَلِفَةِ)، مُبَيِّناً وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا:
بعض القواعد الفقهية الكبرى في كتاب الطهارة من مختصر خليل
1. القاعدة الفقهية: (الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل الوضوء): "وَإِنْ شَكَّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ، أَوْ فِي طُهْرٍ بَعْدَ حَدَثٍ عُلِمَ؛ بَنَى عَلَى مَا عَلِمَ".
وجه الاستدلال: أَنَّ الطَّهَارَةَ إِذَا ثَبَتَتْ بِيَقِينٍ، فَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ الشَّكِّ، بَلْ يَجِبُ الِاسْتِصْحَابُ لِلْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى زَوَالِهِ.
2. القاعدة الفقهية: (الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل النجاسات): "وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ، كَمَطَرِ طِينٍ، وَأَثَرِ دُمَّلٍ، وَحَدَثٍ مُسْتَنْكِحٍ".
وجه الاستدلال: لَمَّا كَانَ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذِهِ النَّجَاسَاتِ أَوْ دَفْعُهَا فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّخْفِيفِ وَالْعَفْوِ عَنْهَا تَيْسِيراً، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا ضَاقَ اتَّسَعَ.
3. القاعدة الفقهية: (الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل التيمم): "فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي".
وجه الاستدلال: أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ (الْمَعْسُورِ) لَا يُسْقِطُ وُجُوبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ السَّلِيمَةِ (الْمَيْسُورِ)، فَيَأْتِي الْمُكَلَّفُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَنْتَقِلُ لِلْبَدَلِ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ.
4. القاعدة الفقهية: (الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل المياه): "وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ؛ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهَا إِلَّا بِيَقِينٍ".
وجه الاستدلال: أَنَّ كُلَّ مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ جِسْمٍ يُبْدَأُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ، وَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ لِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَوْ الْيَقِينِ بِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ بِنَجَاسَةٍ.
5. القاعدة الفقهية: (لَا ثَوَابَ إِلَّا بِنِيَّةٍ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل الغسل): "فَرَائِضُهُ نِيَّةٌ تَعُمُّهُ، أَوْ رَفْعُ حَدَثٍ، أَوْ أَدَاءُ فَرْضٍ".
وجه الاستدلال: لَمَّا كَانَ الْغُسْلُ عِبَادَةً مَحْضَةً وَلَيْسَ مُجَرَّدَ تَنْظِيفٍ بَارِدٍ، اشْتُرِطَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنِ الْعَادَةِ، وَلَا يَصِحُّ الْفِعْلُ شَرْعاً بَعْدَهَا إِلَّا بِهَا.
6. القاعدة الفقهية: (الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل قضاء الحاجة): "وَجَازَ لِلْخَائِفِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا لَا لِغَيْرِهِ".
وجه الاستدلال: أَنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ يَسْقُطُ عِنْدَ وُجُودِ الضَّرُورَةِ (كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَكَاناً يَسْتَتِرُ فِيهِ إِلَّا بِهَذَا الْوَضْعِ)، فَالْمَحْظُورُ يُصْبِحُ مُبَاحاً لِدَفْعِ الضَّرَرِ.
7. القاعدة الفقهية: (إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قُدِّمَ الْمَانِعُ)
مثالها قول الشيخ خليل في المختصر (فصل الحيض): "وَمَنَعَ (أَيِ الْحَيْضُ) صِحَّةَ صَلَاةٍ، وَوُجُوبَهَا، وَصَوْماً".
وجه الاستدلال: الْمُقْتَضِي هُنَا هُوَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ (الَّذِي يُوجِبُهَا)، وَالْمَانِعُ هُوَ وُجُودُ الْحَيْضِ، فَقُدِّمَ الْمَانِعُ فَلَمْ تَجِبِ الصَّلَاةُ وَلَمْ تَصِحَّ، صِيَانَةً لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالْمَانِعِ.
.
من كتابي اقامة الدليل لمسائل مختص خليل
وكذلك في كتابي تهذيب كتاب اقامة الدليل لمسائل مختصر خليل