تَرْجِيحُ السَّدْلِ بِناءً عَلَى القَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ عِنْدَ المَالِكِيَّةِ
يَسْتَنِدُ تَرْجِيحُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَمُحَقِّقِي المَالِكِيَّةِ لِحُكْمِ "نَدْبِ السَّدْلِ" وَ "كَرَاهَةِ القَبْضِ فِي الفَرْضِ" إِلَى مَنْظُومَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ مِنَ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ وَالفِقْهِيَّةِ، وَأَبْرَزُهَا مَا يَلِي:
1. قَاعِدَةُ: (تَقْدِيمُ عَمَلِ أَهْلِ الـمَدِينَةِ عَلَى خَبَرِ الآحَادِ)
بَيَانُ القَاعِدَةِ: يَرَى الإِمَامُ مَالِكٌ أَنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ العَمَلُ الـمُسْتَمِرُّ فِي الـمَدِينَةِ (دَارِ السُّنَّةِ وَالتَّنْزِيلِ) مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى عَهْدِهِ، هُوَ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الأَحَادِيثِ الـمَرْوِيَّةِ بِأَسَانِيدَ فَرْدِيَّةٍ (الآحَادِ)، وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةَ السَّنَدِ.
التَّطْبِيقُ فِي السَّدْلِ: رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ القَبْضِ فِي "الـمُوَطَّأِ"، لَكِنَّهُ رَأَى "العَمَلَ" فِي الـمَدِينَةِ عَلَى "السَّدْلِ"، فَعَلِمَ أَنَّ الحَدِيثَ إِمَّا مَنْسُوخٌ، أَوْ أَنَّ القَبْضَ كَانَ لِعِلَّةٍ زَالَتْ، فَقَدَّمَ (العَمَلَ الـمُتَوَاتِرَ عَمَلِيّاً) عَلَى (الرِّوَايَةِ اللَّفْظِيَّةِ).
2. قَاعِدَةُ: (سَدُّ الذَّرَائِعِ)
بَيَانُ القَاعِدَةِ: هِيَ مَنْعُ أَمْرٍ مُبَاحٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إِذَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى مَفْسَدَةٍ أَوْ خَلَلٍ شَرْعِيٍّ.
التَّطْبِيقُ فِي السَّدْلِ: خَشِيَ مَالِكٌ أَنْ يُوَاظِبَ النَّاسُ عَلَى وَضْعِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الفَرْضِ، فَيَعْتَقِدَ العَوَامُّ أَنَّ هَذِهِ الـهَيْئَةَ "رُكْنٌ" أَوْ "وَاجِبٌ" لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ، فَسَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ بِحُكْمِ "الكَرَاهَةِ" فِي الفَرْضِ لِحِمَايَةِ حُدُودِ الفَرِيضَةِ مِنَ الزِّيَادَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ.
3. قَاعِدَةُ: (الاسْتِصْحَابُ / البَرَاءَةُ الأَصْلِيَّةُ)
بَيَانُ القَاعِدَةِ: بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَتَّى يَرِدَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ الـمُقْطُوعُ بِهِ.
التَّطْبِيقُ فِي السَّدْلِ: الأَصْلُ فِي يَدِ الإِنْسَانِ أَنْ تَكُونَ مُرْسَلَةً (مَسْدُولَةً) بِحُكْمِ الـخِلْقَةِ. وَالقَبْضُ هَيْئَةٌ طَارِئَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَمُسْتَمِرٍّ، فَلَمَّا تَعَارَضَتِ الآثَارُ وَالعَمَلُ عِنْدَ الـمَالِكِيَّةِ، رَجَعُوا إِلَى "الأَصْلِ" وَهُوَ السَّدْلُ، وَاسْتَصْحَبُوا حَالَ الـمُصَلِّي قَبْلَ التَّكْبِيرِ.
4. قَاعِدَةُ: (مَا شُرِعَ لِعِلَّةٍ يَدُورُ مَعَهَا وُجُوداً وَعَدَماً)
بَيَانُ القَاعِدَةِ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الحُكْمَ شُرِعَ لِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا انْتَفَى السَّبَبُ انْتَفَى الحُكْمُ.
التَّطْبِيقُ فِي السَّدْلِ: نَظَرَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الـمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ "القَبْضَ" شُرِعَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ x لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ طُولِ القِيَامِ (إِذْ كَانُوا يَقُومُونَ الَلَّيْلَ طَوِيلًا حَتَّى تَتَوَرَّمَ أَقْدَامُهُمْ). فَلَمَّا صَارَتِ الفَرَائِضُ مُخَفَّفَةً وَمَحْدُودَةَ الوَقْتِ، انْتَفَتِ العِلَّةُ (الـحَاجَةُ لِلِاعْتِمَادِ)، فَرَجَعَ الـحُكْمُ إِلَى السَّدْلِ.
5. قَاعِدَةُ: (تَمْيِيزُ الفَرْضِ عَنِ النَّفْلِ)
بَيَانُ القَاعِدَةِ: الفَرْضُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالعَزِيمَةِ، وَالنَّفْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَالرُّخْصَةِ.
التَّطْبِيقُ فِي السَّدْلِ: أَجَازَ الـمَالِكِيَّةُ القَبْضَ فِي النَّفْلِ لِأَنَّ بَابَهُ أَوْسَعُ وَيُحْتَمَلُ فِيهِ طُولُ القِيَامِ، بَيْنَمَا شَدَّدُوا فِي الفَرْضِ بِكَرَاهَةِ القَبْضِ لِتَمْيِيزِ "العَزِيمَةِ" وَتَجْرِيدِ الصَّلَاةِ الوَاجِبَةِ عَنْ كُلِّ شَائِبَةِ رَاحَةٍ أَوْ تَشْرِيكٍ.