تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْعَقْلِيِّ" وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
أَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ في الخَريدَةِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:
فَالوَاجِبُ العَقْلِيّ مَا لَمْ يَقْبَلِ ... الانْتِفَا فِي ذَاتِهِ فَابْتَهِلِ
ويَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ الْعَقْلُ بِتَصَوُّرِ انْتِفَائِهِ أَوْ عَدَمِهِ، بَلْ يَجْزِمُ بِثُبُوتِهِ جَزْمًا لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الشَّيْءِ دُونَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ.
وَيُنَاظِرُهَا فِي مُتُونِ النَّظْمِ الْعَقَدِيَّةِ:
• الْمُرْشِدُ الْمُعِينُ لِابْنِ عَاشِرٍ:
فَوَاجِبٌ لَا يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحال ... وَمَا أَبَى الثُّبُوتَ عَقْلاً المُحال
• إِضَاءَةُ الدُّجُنَّةِ لِلْمَقَّرِيِّ:
فَوَاجِبٌ لَا يَنْتَفِي، وَمَا أَبَى ... ثُبُوتَهُ فَمُسْتَحِيلٌ لَقَبَا
• وَقُلْتُ فِي نَظْمِ الْمَعَالِي:
فَوَاجِبُهُ الَّذِي نَفْيٌ لَهُ قَدْ ... أُحِيلَ لِذَاتِهِ دُونَ اخْتِلَالِ
. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ
وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا:
إِنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ يُبَيِّنُ تَبَايُنَ الْمَسَالِكِ فِي تَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ الْحُكْمِ؛ فَقَدْ جَحَدَ ابْنُ عَاشِرٍ وَالْمَقَّرِيُّ الِانْتِفَاءَ عَنِ الْوَاجِبِ بِمَعْنَى "عَدَمِ الْقَبُولِ"، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ. أَمَّا مَا قَصَدْتُهُ فِي (نَظْمِ الْمَعَالِي) فَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ "النَّفْيِ" إِلَى "الْإِحَالَةِ"؛ إِذْ جَعَلْتُ الْعِلَّةَ فِي عَدَمِ النَّفْيِ هِيَ (الْإِحَالَةُ لِلذَّاتِ)، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْوَاجِبُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي (الْمُرْشِدِ) وَ(الْإِضَاءَةِ).
كَمَا أَنَّ قَيْدَ (دُونَ اخْتِلَالِ) الَّذِي أَوْرَدْتُهُ، جَاءَ لِصِيَانَةِ مَفْهُومِ الْوُجُوبِ مِنْ تَوَهُّمِ طُرُوِّ التَّغَيُّرِ، بَيْنَمَا اقْتَصَرَ الْأَعْلَامُ عَلَى مُطْلَقِ نَفْيِ الِانْتِفَاءِ. وَفِي بَابِ الْمُمْتَنِعِ، لَمْ يَقِفْ تَعْرِيفِي عِنْدَ حُدُودِ "إِبَاءِ الثُّبُوتِ" كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَاشِرٍ، بَلْ أَرَدْتُ رَبْطَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَدْرَكِ التَّصَوُّرِيِّ بِقَوْلِي (يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ)؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا هُوِيَّةَ لَهُ تَتَحَقَّقُ فِي الذِّهْنِ فَضْلًا عَنِ الْخَارِجِ، وَهُوَ مَلْحَظٌ مَنْطِقِيٌّ يُقَوِّي تَعْرِيفَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْمَعْدُومِ الْمُمْتَنِعِ.
وَبِهَذَا تَمْتَازُ هَذِهِ (الْفَرِيدَةُ) بِأَنَّهَا لَمْ تَنْقُلِ التَّعَارِيفَ نَقْلًا، بَلْ مَحَّصَتْهَا مَحْصًا، وَقَابَلَتْ بَيْنَ أَلْفَاظِ النُّظَّارِ لِيَتَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ مَوَاضِعُ الْإِيجَازِ وَمَوَاضِعُ الْإِعْجَازِ فِي كُلِّ مَتْنٍ...
من كتاب الفريدة في شرح الخريدو ص99-100
