وقفت انظار الشراح والحواشي بدءا بالشارح بهرام وتبعه الخرشي وتبعهم الدردير والدسوقي عند ظاهر ما رسمه الشيخ خليل في مختصره، حيث جعلوا مناط الفطر بابتلاع البلغم هو وصوله لحيز الفم المحدود بمخرج الحاء، فمتى ما امكن طرحه فابتلعه الصائم عمدا وجب عليه القضاء على المشهور عندهم. وهذا المسلك عند هؤلاء الاعلام جرى على ظاهر اللفظ، وقد نبه القباب الى ان من لم يقف على رخص المذهب في هذه المسألة تكلف في صومه اخراج البلغم مهما قدر، فلحقته بذلك مشقة شديدة لتكرر ذلك عليه، مما يدخل المكلف في ضيق الوسوسة وعنت التكليف بما يشق الاحتراز منه.
وعند سبري لامهات المصادر وتحقيق ما نقله المواق في تاجه، وجدت سعة بليغة عند ائمة المذهب المتقدمين؛ فقد قرر اللخمي انه لا شيء في البلغم اذا نزل الى الحلق وان كان الصائم قادرا على طرحه، كما نقل ابن يونس عن ابن حبيب ان من ابتلع نخامته من بين لهواته او بعد وصولها لطرف لسانه فلا شيء عليه وان كان قد اساء، لان النخامة ليست بطعام ولا شراب ومخرجها من الرأس. وهذا هو المسلك الذي وجهه الباجي بالحاقه بالريق لكونه معتادا في الفم لا مأخوذا من الارض، وهو عين ما رواه اصبغ عن ابن القاسم في عدم وجوب القضاء في ابتلاع النخامة عامدا، وقد رجحه عياض في قواعده والقباب وابن رشد الجد في بيانه وتحصيله.
وعليه، فقد اعتمد كتاب اقامة الدليل باب الصيام ج7 ما حققه الشيخ النفراوي في الفواكه الدواني والشيخ عليش في منحه تبعا لهؤلاء الفحول من المتقدمين، والارجح عندي ان ابتلاع البلغم لا يفسد الصوم، سواء وصل الى اللهوات او تجاوزها الى طرف اللسان وأمكن طرحه ام لا. وهذا هو المسلك الذي يجمع بين قوة الدليل ورعاية مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، اذ لا فرق جوهري بين الريق والبلغم في تعذر الصيانة وانتفاء مسمى الاكل والشرب شرعا وعرفا. فكان هذا هو القول الاصح في التحقيق تبعا لما تؤيده بطون الدواوين وسير سادة المذهب ومحققيه، وصلى الله على نبينا محمد x وعلى آله وصحبه.
قد تتبعت نص المدونة الكبرى في باب الصيام، فوجدت الإمام مالك x قد سئل عن النخامة والبلغم يكون في الفم، فأجاب بوضوح أنه لا يفسد ذلك صومه. ورأيت في كتابي إقامة الدليل أن هذا النص هو عمدة القول بالتيسير، إذ إن الإمام لم يشترط في المدونة وجوب الطرح أو القضاء إذا وصل البلغم إلى الفم، بل أطلق القول بصحة الصوم.
وقد روى سحنون عن ابن القاسم عن مالك هذا الإطلاق، وهو ما يعضد مذهبي في أن رطوبات الجسد لا تأخذ حكم الأجرام الخارجية. والأرجح عندي أن تقييد المتأخرين كبهرام والخرشي والدردير والدسوقي بوجوب القضاء عند إمكان الطرح هو زيادة على أصل ما في المدونة، بينما الأصح الذي يوافق أصول المذهب هو البقاء على أصل براءة الذمة وصحة الصوم، لأن ما تولد في الداخل لا يسمى أكلا ولا شربا بمجرد تردده في الحلق أو وصوله للفم.