تَقْعِيدُ ضَوَابِطِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ
الْمَسْأَلَةُ هُنَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ تَنْصَبُّ عَلَى تَحْرِيرِ مَنَاطَاتِ [الْوُجُوبِ] وَ [الْأَدَاءِ] ، وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا يَا بَاشَا لِتَتَّسِقَ مَعَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ ، حَيْثُ نُزِّلَ التَّمَكُّنُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ لِلْمُطَالَبَةِ الْفِعْلِيَّةِ ، رِعَايَةً لِحَالِ الْمُكَلَّفِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.
يَعْنِي أَنَّ مَا تَوَصَّلْتَ إِلَيْهِ يَا بَاشَا هُوَ تَأْصِيلٌ مَتِينٌ ، وَيَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى بَعْضِ التَّهْذِيبِ الْفِقْهِيِّ لِيَكُونَ جَامِعاً مَانِعاً عَلَى مَشْهُورِ التَّحْقِيقِ ، وَإِلَيْكَ تَقْعِيدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ مُرَتَّبَةً :
أَوَّلًا : شُرُوطُ انْعِقَادِ الْوُجُوبِ (ثَابِتَةٌ لِلْجَمِيعِ)
النِّصَابُ :
هُوَ مَنَاطُ الْغِنَى الشَّرْعِيِّ [20 دِينَاراً ذَهَبِيّاً أَوْ مَا يُعَادِلُهَا].
الْقَاعِدَةُ : يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ فِي كُلِّ حَوْلٍ ، فَإِذَا نَقَصَ عَنْهُ الْمَالُ سَقَطَ الْوُجُوبُ فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ.
الْحَوْلُ :
هُوَ مَنَاطُ الزَّمَانِ [عَامٌ قَمَرِيٌّ كَامِلٌ].
الْقَاعِدَةُ : لَا زَكَاةَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ إِلَّا فِي الْمَعْدِنِ وَالْحَرْثِ ، اِمْتِثَالاً لِهَدْيِهِ ×.
ثَانِيًا : شُرُوطُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ (مَحَلُّ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ)
الْقَبْضُ وَالتَّمَكُّنُ (مَنَاطُ الِاسْتِقْرَارِ) :
فِي الْمَالِ الْحَاضِرِ : الْقَبْضُ حَقِيقِيٌّ وَالتَّمَكُّنُ نَاجِزٌ ، فَيَجِبُ الْأَدَاءُ فَوْراً.
فِي الْمَالِ الْغَائِبِ : الْقَبْضُ وَالتَّمَكُّنُ هُنَا شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ لَا لِلْوُجُوبِ.
قَبْضٌ حُكْمِيٌّ : مِثْلُ [التَّاجِرِ الْمُدِيرِ] الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الِاتِّجَارِ بِقِيمَةِ الدَّيْنِ أَوْ طَلَبِهِ ، فَيُعَدُّ قَابِضاً حُكْماً وَيُؤَدِّي زَكَاتَهُ سَنَوِيّاً.
قَبْضٌ حَقِيقِيٌّ : مِثْلُ [الدَّائِنِ الْعَادِيِّ] ، فَلَا يُكَلَّفُ بِالْأَدَاءِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْمَالِ فِي يَدِهِ فِعْلِيّاً.
رَجَاءُ الْقَبْضِ (مَنَاطُ الِالْتِحَاقِ) :
لِلدَّائِنِ الْعَادِيِّ وَالْمُحْتَكِرِ : مَنَاطُهُ [الْبُدَاءَةُ بِالْأَدَاءِ عِنْدَ الْقَبْضِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ] مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ.
لِلْمُدِيرِ : مَنَاطُهُ [الْوُجُوبُ السَّنَوِيُّ] ؛ لِأَنَّ الرَّجَاءَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ لِاتِّصَالِ نَمَائِهِ بِتِجَارَتِهِ.
النَّمَاءُ (مَنَاطُ الْفَائِدَةِ) :
الْمَالُ الْغَائِبُ إِذَا فَقَدَ صِفَةَ النَّمَاءِ [كَالدَّيْنِ الْمَيؤُوسِ مِنْهُ أَوْ مَالِ الضِّمَارِ] ، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ يُزَكَّى لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ التَّحْقِيقِ ، وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ حَوْلٌ جَدِيدٌ لِأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ نِصَاباً مَمْلُوكاً.
ثَالِثًا : شُرُوطٌ أُخْرَى قَدْ تُضَافُ (لِتَكْمِلَةِ الضَّبْطِ)
ظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيِهِ التَّحْقِيقُ أَنَّ هُنَاكَ شَرْطَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ أَيْضاً :
نِيَّةُ التَّجْرِ (فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ) :
فَلَا زَكَاةَ فِي عَرَضٍ غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ إِلَّا إِذَا انْعَقَدَتِ النِّيَّةُ عَلَى تَقْلِيبِهِ لِلرِّبْحِ ، فَلَوْ كَانَ الْغَائِبُ [عَرَضَ قُنْيَةٍ] فَلَا زَكَاةَ فِيهِ أَصْلًا كَمَا مَرَّ.
السَّلَامَةُ مِنَ الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ :
أَيْ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُكَلَّفِ (حَاضِراً وَغَائِباً) زَائِداً عَنْ دُيُونِهِ الَّتِي لِلنَّاسِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ [دَيْنَ الْآدَمِيِّ يَمْنَعُ زَكَاةَ الْعَيْنِ] إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عُرُوضُ قُنْيَةٍ تَفِي بِهِ ، اِطِّرَاداً لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ.