قَالَ الْقَرَافِيُّ: حَكَى صَاحِبُ «مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ» أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي، المتوفى سنة 337هـ،
أَنَّ الرَّشِيدَ كَتَبَ إِلَى قَاضِيهِ أَبِي يُوسُفَ يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه، وأول من اشتهر بلقب قاضي القضاة في الدولة العباسية. هَذِهِ الْأَبْيَاتَ يَمْتَحِنُهُ بِهَا:
فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ ** وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتِ طَلَاقٌ، وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ ** ثَلَاثٌ، وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ
فَبِينِي بِهَا إِنْ كُنْتِ غَيْرَ رَفِيقَةٍ ** وَمَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُقَدَّمُ
وَقَالَ لَهُ: «إِذَا نَصَبْنَا «ثَلَاثًا» مَا يَلْزَمُهُ؟ وَإِذَا رَفَعْنَاهَا مَا يَلْزَمُهُ؟».
فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَحَمَلَ الرُّقْعَةَ إِلَى الْكِسَائِيِّ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّرْبِ، فَقَالَ لَهُ الْكِسَائِيُّ: اكْتُبْ لَهُ فِي الْجَوَابِ: «يَلْزَمُ بِالرَّفْعِ وَاحِدَةً؛ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ الَّذِي هُوَ «الطَّلَاقُ» الثَّانِي، وَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا قَوْلُهُ: «فَأَنْتِ طَلَاقٌ»، فَيَلْزَمُ وَاحِدَةً.
وَبِالنَّصْبِ: ثَلَاثًا، عَلَى التَّمْيِيزِ لِقَوْلِهِ: «فَأَنْتِ طَلَاقٌ». وَلَا يُقَالُ: كَمَا يُمْكِنُ نَصْبُهُ تَمْيِيزًا عَنِ الْأَوَّلِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنِ الثَّانِي أَيْضًا، أَوْ حَالًا مِنْهُ؛ أَيْ: الطَّلَاقُ مُعْزَمٌ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا. فَلِمَ خُصَّ التَّمْيِيزُ بِالْأَوَّلِ؟
لِأَنَّ الْأَوَّلَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً شَدِيدُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّمْيِيزِ، وَالثَّانِي غَنِيٌّ بِتَعْرِيفِهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ النَّاشِئِ عَنْ لَامِ التَّعْرِيفِ عَنِ الْبَيَانِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَجِّحُ».
قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ.
فَيُحْكَى أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَ بِهَذِهِ الرُّقْعَةِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَجَاءَهُ الْجَوَابُ مِنْ سَاعَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي يُوسُفَ بِغِالٍ مُوَسَّقَةٍ قُمَاشًا وَتُحَفًا جَائِزَةً عَلَى الْجَوَابِ، فَبَعَثَ بِهَا أَبُو يُوسُفَ إِلَى الْكِسَائِيِّ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا أَبُو يُوسُفَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَعَانَهُ عَلَى الْجَوَابِ.
قَالَ فِي «الْمُغْنِي»: «وَأَقُولُ: إِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلثَّلَاثِ وَالْوَاحِدَةِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ «أَلْ» فِي الرَّفْعِ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْكَمَالِ، بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَتَحْتَمِلُ الْعَهْدَ، فَيَلْزَمُ الثَّلَاثُ؛ وَلِأَنَّ «ثَلَاثًا» فِي النَّصْبِ لَا يَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ إِلَى «طَلَاقٍ»، بَلْ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَزِيمَةٌ»، فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ. هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَهُ هَذَا الشَّاعِرُ الْمُعَيَّنُ فَهُوَ الثَّلَاثُ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: «فَبِينِي بِهَا»».
قَالَ ابْنُ غَازِي: «وَهُوَ تَحْرِيرٌ عَجِيبٌ».
وَقَالَ عَبْدُ الْبَاقِي: «مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا لُزُومُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ احْتِيَاطًا».
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: «ذَلِكَ صَحِيحٌ؛ إِذْ حَيْثُ تَبَيَّنَ احْتِمَالُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ تَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَيْهَا احْتِيَاطًا، كَمَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ».
وَعَلَى كَوْنِهِ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَزِيمَةٌ» يَحْتَمِلُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ، كَمَا قَالَهُ الدَّمَامِينِيُّ، رَدًّا عَلَى صَاحِبِ «الْمُغْنِي»، بِأَنْ تُجْعَلَ «أَلْ» لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: «وَالطَّلَاقُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَيْسَ بِلَغْوٍ وَلَا لَعِبٍ، بَلْ هُوَ مُعْزَمٌ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا».
وَقَوْلُهُ: «تَخْرُقِي» بِفَتْحِ التَّاءِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَضَمِّ الرَّاءِ. قَالَ فِي «الْمِصْبَاحِ»: «خَرَقَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ» مَعْنَاهُ تَعِبَ، وَ«خَرِقَ الرَّجُلُ» مِنْ بَابِ تَعِبَ إِذَا دَهِشَ مِنْ حَيَاءٍ أَوْ خَوْفٍ، وَ«خَرُقَ» بِالضَّمِّ «يَخْرُقُ» إِذَا عَمِلَ شَيْئًا فَلَمْ يُرَفِّقْ فِيهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ هُنَا.
### ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْإِعْرَابِ
الثَّمَرَةُ هُنَا ظَاهِرَةٌ جِدًّا؛ فَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حَرَكَةِ «ثَلَاث» خِلَافًا لَفْظِيًّا، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى، وَمِنْ ثَمَّ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى اللَّفْظِ.
فَعَلَى الرَّفْعِ: «ثَلَاثٌ»، يَكُونُ «ثَلَاثٌ» خَبَرًا، وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ: «وَالطَّلَاقُ ثَلَاثٌ»، فَيَتَّجِهُ إِلَى إِثْبَاتِ الثَّلَاثِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ صَاحِبُ «الْمُغْنِي» بِالنَّظَرِ إِلَى احْتِمَالِ «أَلْ» لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
وَعَلَى النَّصْبِ: «ثَلَاثًا»، يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ تَوْجِيهٍ إِعْرَابِيٍّ؛ فَإِنْ جُعِلَ تَمْيِيزًا لِـ«طَلَاقٍ» فَهُوَ مِمَّا يَقْتَضِي تَعْدَادَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ جُعِلَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَزِيمَةٌ»، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: «وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا»، فَيَتَوَجَّهُ أَيْضًا مَعَ هَذَا التَّقْدِيرِ إِلَى الثَّلَاثِ عَلَى تَأْوِيلِ الدَّمَامِينِيِّ.
وَأَمَّا عَلَى تَحْرِيرِ ابْنِ هِشَامٍ فَالْفَرْقُ أَوْضَحُ: الرَّفْعُ يَلْزَمُ مِنْهُ وَاحِدَةٌ، وَالنَّصْبُ يَلْزَمُ مِنْهُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ «ثَلَاثًا» فِي النَّصْبِ تَمْيِيزٌ لِلنَّكِرَةِ «طَلَاقٍ»، فَتَكُونُ الثَّلَاثُ مَبْيِّنَةً لِمُبْهَمِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ.
لَكِنَّ ابْنَ هِشَامٍ فِي «الْمُغْنِي» نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مُجَرَّدِ تَعْيِينِ الْإِعْرَابِ إِلَى بَيَانِ احْتِمَالِ الْمَعْنَى؛ فَقَرَّرَ أَنَّ كِلَا الْإِعْرَابَيْنِ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَ وَالثَّلَاثَ، وَأَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ دَلَالَةَ اللَّفْظِ إِلَى الثَّلَاثِ هُوَ السِّيَاقُ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: «فَبِينِي بِهَا» وَ«مَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُقَدَّمُ».
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الْبَاقِي أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لُزُومُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ احْتِمَالُ الثَّلَاثِ فِي الْوَجْهَيْنِ، حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهَا احْتِيَاطًا فِي بَابِ الطَّلَاقِ.
ثَمَرَةِ الْخِلَافِ:
أَنَّ اخْتِلَافَ الْإِعْرَابِ فِي «ثَلَاثٌ/ثَلَاثًا» يَؤَثِّرُ فِي تَعْيِينِ مَرْجِعِ الْعَدَدِ وَوَجْهِ دَلَالَتِهِ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ نَفْسِهِ؛ فَعَلَى بَعْضِ التَّوْجِيهَاتِ تَلْزَمُ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى أُخْرَى تَلْزَمُ الثَّلَاثُ، وَعَلَى مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ عَبْدُ الْبَاقِي عَنِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ تُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ احْتِيَاطًا.
:::