جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات باب البيوع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات باب البيوع. إظهار كافة الرسائل

صور الرق والعبودية في القرن الحديث

: لا، لم ينتهِ الرق بمعناه الاجتماعي تمامًا، لكنه انتهى في صورته القانونية التقليدية في معظم دول العالم، إذ أُلغي نظام تملك الإنسان للإنسان، وأصبح محظورًا في القانون الدولي والوطني في أغلب الدول. لكن ظهرت أنظمة تعاقدية واقتصادية قد تُفضي عمليًا إلى تقييد حرية الإنسان أو استغلاله استغلالًا شديدًا، حتى صار بعض الباحثين يسميها: الرق الحديث ، مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا وصف اجتماعي أو حقوقي، وليس حكمًا فقهيًا بأن هذه العقود هي عين الرق الشرعي.

ويمكن تقسيم المسألة إلى ثلاث درجات:

  1. الرق الحقيقي: وهو ملك اليمين المعروف في الفقه.

  2. العمل الجبري والاتجار بالبشر: وهو محرم قانونًا ودوليًا، ويعده كثير من الباحثين من صور الرق الحديث.

  3. العقود المجحفة أو عقود الإذعان: وهي ليست رقًا، لكنها قد تسلب أحد الطرفين كثيرًا من حريته الاقتصادية بسبب اختلال القوة التفاوضية.

أولًا: عقود الإذعان

عقد الإذعان هو العقد الذي يضع شروطه الطرف القوي سلفًا، ولا يملك الطرف الآخر إلا:

  • أن يقبل جميع الشروط.

  • أو يرفض العقد كله.

دون قدرة حقيقية على التفاوض.

ومن أمثلته:

  • الاشتراك في الإنترنت.

  • شركات الهاتف.

  • برامج الحاسوب.

  • التأمين.

  • بعض خدمات البنوك.

  • تذاكر الطيران.

ولهذا يقرر الفقهاء المعاصرون أن مجرد الإذعان لا يبطل العقد، لكنه يوجب إزالة الشرط الظالم إذا بلغ حد الغبن أو الضرر.


ثانيًا: نظام الكفيل

من أشهر الأمثلة المعاصرة.

يقوم على ربط إقامة العامل الأجنبي بكفيل أو صاحب عمل، فيصبح انتقاله أو بقاؤه مرتبطًا بموافقته في بعض الدول أو في بعض الأنظمة السابقة، وقد تعرض هذا النظام لانتقادات واسعة بسبب ما قد يتيحه من استغلال إذا غابت الضمانات القانونية. وقد أجرت عدة دول خليجية إصلاحات واسعة خلال السنوات الأخيرة لتخفيف هذه القيود أو إلغائها في كثير من الحالات. 

ولهذا يرى كثير من الباحثين الحقوقيين أنه من أقرب صور الرق الحديث إذا اقترن بمنع العامل من ترك العمل أو احتجاز جوازه أو منعه من السفر.

أما إذا كان مجرد تنظيم للإقامة مع حفظ الحقوق وحرية الانتقال وفق القانون، فلا يصح وصفه بالرق.


ثالثًا: شرط الشريك المحلي 51٪ مقابل 49٪

هذه المعلومة كانت صحيحة في دول معينة، وعلى رأسها الإمارات سابقًا؛ إذ كان القانون يشترط في كثير من الأنشطة أن يملك المواطن المحلي 51٪، والأجنبي 49٪.

لكن هذا تغيّر؛ ففي الإمارات أُلغي هذا الشرط في معظم الأنشطة منذ تعديل قانون الشركات، وأصبح يجوز في غالب الأنشطة تملك الأجنبي 100٪، مع بقاء استثناءات تتعلق بالأنشطة الاستراتيجية. (يو إيه)

إذن لا يصح اليوم إطلاق القول بأن جميع الاستثمارات الأجنبية لا بد فيها من 49٪ و51٪؛ فهذا كان هو الأصل سابقًا في بعض الدول، أما الآن فقد تغيرت الأنظمة في كثير من القطاعات.


رابعًا: صور أخرى للإذعان الاقتصادي

منها:

  • عقود الامتياز التجاري .

  • عقود الوكالات الحصرية.

  • عقود متاجر التطبيقات.

  • شروط المنصات الرقمية.

  • عقود العمل التي تمنع المنافسة مدة طويلة.

  • شروط شركات البرمجيات.

  • عقود التمويل التي تفرض غرامات باهظة.

  • عقود الاحتكار التي لا يجد المستهلك بديلًا عنها.

فهذه كلها تقوم على تفاوت القوة بين المتعاقدين.


الربط الفقهي

من جهة الفقه الإسلامي، فإن الجامع بين هذه الصور ليس أنها رق، وإنما أنها قد تدخل تحت:

  • الغرر.

  • الغبن.

  • أكل المال بالباطل.

  • الشرط الجائر.

  • استغلال الحاجة.

  • الإكراه الاقتصادي عند بعض الباحثين المعاصرين.

ولهذا فإن الفقه الإسلامي يقرر قاعدة عامة:

كل شرط يؤدي إلى ظلم أحد المتعاقدين أو الإضرار به أو أكل ماله بغير حق فهو شرط مردود، ولو رضي به حال اضطراره.

وبناءً على ذلك، فالأدق علميًا أن يقال:

لقد انتهى الرق القانوني في صورته التقليدية، لكن ظهرت بدائل اقتصادية وتعاقدية قد تُقيد حرية الإنسان أو تستغل حاجته، ولذلك يصفها كثير من الباحثين المعاصرين بأنها من صور "الرق الحديث"، مع أنها ليست رقًا بالمعنى الفقهي الموروث، بل هي عقود قد تكون صحيحة في أصلها وتفسد بما يلحقها من شروط مجحفة أو استغلال أو إكراه اقتصادي.

بيع الجزاف جملة لا وزنا ولا كيل

 التعريف: بيع ما يُكال أو يُوزن أو يُعد جملةً دون كيل أو وزن أو عد، اعتمادًا على المشاهدة والتقدير.
 سبب جوازه: استثناء من اشتراط معرفة المقدار؛ رفعًا للحرج وتيسيرًا على الناس عند مشقة الكيل أو الوزن.
 دليله: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في شراء الطعام جزافًا، مع النهي عن بيعه قبل قبضه، فدل على أصل جواز بيع الجزاف.
 حكمه: جائز عند جمهور الفقهاء بشروط تمنع الغرر.
 أهم شروطه:

  1. رؤية المبيع.
  2. جهل الطرفين بمقداره على وجه التحديد.
  3. أن يكون المبيع ظاهرًا يمكن تقديره (كأن يكون على أرض مستوية).
  4. وجود مشقة أو كلفة معتبرة في الكيل أو الوزن أو العد.
 في الأموال الربوية: لا يجوز بيع الربوي بجنسه جزافًا؛ لأن التماثل يشترط فيه العلم، والجهل بالتماثل يفضي إلى الربا.
 إذا ظهر تفاوت بعد البيع: يثبت الخيار لمن تضرر إذا كان التفاوت مؤثرًا.
 الحكمة: التيسير، وتقليل الكلفة، وتسهيل المعاملات مع المحافظة على منع الغرر والظلم.
 من أمثلته: بيع كومة من القمح أو الخضار أو الحديد والخردة جملةً دون وزن أو عد.
 

مَتَى يَعُودُ الْحَيَوَانُ لِصَاحِبِهِ وَمَتَى تَجِبُ قِيمَتُهُ

كَيْفَ يُقَدِّرُ الْمَالِكِيَّةُ فَوْاتَ الْحَيَوَانِ
 لَوْ أَنَّ رَجُلاً اشْتَرَى دِيكاً بِعَقْدٍ فَاسِدٍ شَرْعاً (كَأَنْ يَكُونَ بِشَرْطِ سَلَفٍ مَالِيٍّ مَمْنُوعٍ، أَوْ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ)، فَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الدِّيكَ وَمَكَثَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ (أَيْ قَرِيباً مِنَ الشَّهْرِ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُوتَ الدِّيكُ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ سِعْرُ الدُّيُوكِ فِي السُّوقِ، ثُمَّ عُثِرَ عَلَى الْفَسَادِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ النَّازِلَةِ حَسَبَ الْخِلَافِ التَّوْجِيهِيِّ بَيْنَ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ مَا يَلِي:
عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيِّ: يَنْظُرُ إِلَى التَّقْدِيرِ الرَّقَمِيِّ لِزَمَنِ الْمُدَوَّنَةِ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الشَّهْرَ هُوَ الطُّولُ، فَلَنْ يَجْعَلَ الثَّلَاثَةَ أَسَابِيعَ فَوْتاً لِأَنَّهَا دُونَ الشَّهْرِ، فَيَحْكُمُ بِوُجُوبِ رَدِّ عَيْنِ الدِّيكِ إِلَى الْبَائِعِ وَفَسْخِ الْعَقْدِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَسَابِيعَ قَرِيبَةٌ مِنَ الشَّهْرِ فَتُعَدُّ طُولاً (فَوْتاً)، فَيَمْنَعُ رَدَّ عَيْنِ الدِّيكِ، وَيَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إِلَى الْبَدَلِ الْمَالِيِّ.
عَلَى طَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) : النَّظَرُ لَيْسَ إِلَى الْأَيَّامِ جَامِدَةً، بَلْ إِلَى مَظِنَّةِ التَّغَيُّرِ فِى طَبِيعَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ؛ فَلَمَّا كَانَ الدِّيكُ طَائِراً صَغِيرَ الْبِنْيَةِ، يَتَبَدَّلُ حَالُهُ سَرِيعاً فِي اللَّحْمِ وَالْوَزْنِ وَالصِّيَاحِ خِلَالَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، فَإِنَّ مُرُورَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِيَدِ الْمُشْتَرِي يُعَدُّ فَوْتاً قَاطِعاً لِلْرَّدِّ الْعَيْنِيِّ.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفَوَاتِ هُنَا لِلْعَاقِدَيْنِ؟
بِمَا أَنَّ النَّقْلَ وَالزَّمَنَ قَدْ أَحْدَثَا الْفَوَاتَ فِي الدِّيكِ حُكْمِيّاً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَا يَحِقُّ لِلْبَائِعِ اِسْتِرْدَادُ دِّيكِهِ عَيْناً، بَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الدِّيكِ لِلْمُشْتَرِي، وَيُفْسَخُ الْأَثَرُ التَّعَاقُدِيُّ بِإِلْزَامِ الْمُشْتَرِي دَفْعَ قِيمَتِهِ النَّقْدِيَّةِ يَوْمَ الْقَبْضِ فِى الْأَسْوَاقِ (إِنْ كَانَ الْبَيْعُ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى فَسَادِهِ)، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ تَمَاماً لِانْقِطَاعِ عَيْنِ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ.

شراء خضار أو فواكه مختلفة مجتمعة في كيس واحد

على مذهب المالكية، يجوز شراء خضار أو فواكه مختلفة مجتمعة في كيس واحد، ويكون الوزن للجميع بسعر واحد للكيلوغرام، إذا توفرت الشروط الآتية:
1. أن يكون سعر الكيلو موحدًا لجميع الأنواع، فلا يكون بعضها أغلى من بعض في العقد.
2. أن يكون المبيع معلومًا بالمشاهدة، بحيث يرى المشتري ما في الكيس، أو يكون الوصف كافيًا لرفع الجهالة.
3. أن يوزن الجميع عند البيع، فيكون الثمن معلومًا بناءً على الوزن.
4. ألا يكون في ذلك غش أو تدليس، كإخفاء الرديء تحت الجيد أو خلط الفاسد بالصالح.
ولا يضر كون الكيس يشتمل على أنواع متعددة؛ لأن الجميع يباع بيعًا واحدًا بثمن معلوم، والغرر منتفٍ غالبًا.
 التعليل عند المالكية
المقصود في البيع هو العلم بالمبيع والثمن، فإذا كان المبيع مشاهدًا، والوزن معلومًا، والثمن محددًا (مثل: دينار لكل كيلو من هذا الخليط)، صح البيع، ولا يشترط أن يفرد كل نوع ببيع مستقل.
أما لو كان:
 لكل نوع سعر مختلف، ثم بيع الجميع بسعر واحد دون معرفة مقدار كل نوع، فقد يفضي ذلك إلى الجهالة والنزاع، فلا يجوز بهذه الصورة إلا بعد تمييز كل نوع أو التراضي على بيع الجميع صفقة واحدة بقيمة معلومة لا تتعلق بسعر كل صنف على حدة.
فالجواب المختصر:
يجوز عند المالكية شراء خليط من الخضار أو الفواكه في كيس واحد إذا بيع الجميع بالوزن، وكان سعر الكيلو موحدًا، وكان المبيع معلومًا خاليًا من الغش والجهالة.
أما قول بعضهم هذه المعاملة لا تحلّ على قواعد مذهب المالكيّة؛ لوجود الجهالة حيث لا نعلم حين العقد الثمن التفصيلي لكلّ من البرتقال والتفاح، وذلك لجهالة وزن كلّ واحد منهما مع اختلافهما من ناحية القصد، ولو كانا معلومين على وجه الجملة؛ إذ إنّ البيع قد وقع على عقدين مع الجهل بالقدر المشترى لكلّ من السلعتين، فآل ذلك إلى الجهل بالثمن على جهة التفصيل لاختلاف وزنهما، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (رواه مسلم). وهذه المعاملة من قبيل الغرر المفسد للبيع.
هذا الكلام لا أراه موافقًا للمعتمد في المذهب المالكي على إطلاقه، بل فيه عدة ملاحظات:

1. قوله: "وقع البيع على عقدين" غير مسلم.

    فالواقع أن البيع صفقة واحدة على مجموع ما في الكيس، وليس عقدين مستقلين على البرتقال والتفاح.
    لو قال البائع: "بعتك هذا الكيس بما فيه، وزنُه خمسة كيلو، وسعر الكيلو دينار"، فقد وقع العقد على مبيع واحد مجموع.

2. قوله: "لا نعلم الثمن التفصيلي لكل من البرتقال والتفاح".

    لا يشترط في صحة البيع معرفة الثمن المنسوب إلى كل جزء من أجزاء المبيع إذا بيع الجميع صفقة واحدة.
    نظيره أن يبيع دارًا فيها غرف متعددة، أو قطيعًا من الغنم بثمن واحد، أو صبرة من الطعام تختلف حباتها جودةً ورداءةً، فلا يلزم معرفة ما يقابل كل جزء من الثمن.

3. الاستدلال بحديث النهي عن الغرر.

    هذا استدلال عام، لكن لا بد من إثبات وجود الغرر المؤثر.
    فإذا كان المشتري يرى محتويات الكيس، ويعلم أن الجميع يباع بسعر موحد، فأين الغرر المفسد؟ الجهالة المنهية عنها هي التي تفضي إلى المنازعة أو يكون المبيع مجهولًا، أما هنا فالمبيع والوزن والثمن معلومون.

4. اختلاف القصد بين البرتقال والتفاح.

    مجرد اختلاف الجنس أو القصد لا يمنع من بيعهما في صفقة واحدة.
    المالكية يجيزون بيع أشياء متعددة في عقد واحد إذا كانت معلومة، ولم يوجد مانع آخر.

 متى يكون الإشكال صحيحًا؟

لو كان: البرتقال سعره ديناران للكيلو.
 والتفاح ثلاثة دنانير للكيلو.
ثم وُزن الخليط كله وقيل: "ادفع بحسب أسعارها" دون معرفة وزن كل نوع، فهنا تظهر الجهالة في الثمن، لأن مقدار ما يستحقه كل نوع مجهول.
أما إذا كان سعر الكيلو واحدًا للجميع، فلا تظهر هذه الجهالة؛ لأن الثمن يحسب على الوزن الإجمالي فقط.
 الخلاصة
أرى أن العبارة التي نقلتها تحتاج إلى تقييد، ولا يصح إطلاقها على الصورة المذكورة في السؤال (إذا كان سعر الكيلو واحدًا). بل أقرب إلى قواعد المالكية أن يقال:

 إذا بيع خليط من الفواكه أو الخضار وكان الجميع بسعر واحد للكيلوغرام، وعُلم المبيع بالمشاهدة، وعُرف الوزن الإجمالي، فالظاهر صحة البيع؛ لأنه بيعٌ واحد على مجموع معلوم، ولا يضر عدم معرفة وزن كل نوع على انفراده، إذ لا يتوقف عليه معرفة الثمن.


مسألة مُدُّ عجوة ودرهم

 مسألة «مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ» هي من مسائل الرِّبا في البيوع، وضُربت بها الأمثال عند الفقهاء في اجتماع مالين أحدهما ربوي والآخر غير ربوي في عقد واحد.
ومعناها: أن يبيع شخصٌ مُدًّا من تمر العَجْوَة (وهي نوع معروف من التمر) مع درهمٍ، مقابل شيء من جنس التمر، أو مقابل مال ربوي آخر.
وصورتها المشهورة:
أن يقول رجل: بعتك مُدَّ عجوةٍ ودرهمًا بدرهمين، أو بمُدَّي عجوةٍ، ونحو ذلك.
وجه الإشكال: أن العقد جمع بين شيئين:
 التمر: وهو من الأصناف الربوية التي يجري فيها الربا إذا بيع بجنسه.
 الدرهم: وهو من الأثمان (الذهب والفضة قديمًا) وهو أيضًا ربوي.
فإذا كان المقابل مجهولَ التقسيم: هل العوض في مقابلة التمر أم الدرهم؟ وقع الاشتباه، ولذلك اختلف الفقهاء في حكم هذه الصورة.
وعند المالكية تُذكر هذه المسألة ضمن باب الصرف وبيع الطعام الربوي، ويُنظر فيها إلى اجتماع الربوي مع غيره، وإلى ما يترتب عليه من جهالة أو تحايل على الربا.
وسميت بـ «مد عجوة ودرهم» لأن هذه الصورة اشتهرت في كتب الفقه، حتى صارت كناية عن كل عقد اجتمع فيه ربوي مع غير ربوي بحيث يخشى أن يكون أحدهما ستارًا للربا.
.2- الحنفية
عند الحنفية الأصل أن العقد يفسد إذا كان فيه ربا أو جهالة مؤدية إليه؛ لأن وجود الربوي مع غير الربوي لا يمنع عندهم إذا كان العوضان معلومين، لكن إذا جهل مقدار ما يقابل الربوي دخلت الجهالة المفسدة.
وفي صورة مد عجوة ودرهم بدرهمين: يمنعونها.
3- الشافعية
عند الشافعية المشهور البطلان؛ لأنهم يرون أن العوض الربوي لا بد أن يكون معلومًا، وهنا لا يعلم هل الدرهم بالدرهم أو الدرهم مقابل التمر، فيقع الربا أو الجهالة.
لكن لهم تفصيل: إن كان الجزء غير الربوي هو المقصود، أو كان يمكن تقويمه وضبطه، ففي بعض الصور خلاف.
4- الحنابلة
عند الحنابلة فيها روايتان مشهورتان:
المنع: وهو قريب من قول الجمهور؛ للجهالة وخوف الربا.
الجواز في بعض الصور إذا كان المقصود غير الربوي أو كان الجزء الربوي تابعًا، واستدلوا بأن النبي ﷺ قال: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا»، فدل على جواز الفصل بين الأمرين.

خِيَارَاتُ الْبَيْعِ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ الْمالِكيِّ

هَذِهِ هِيَ الْخِيَارَاتُ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ، مُوَزَّعَةً عَلَى الْقِسْمَيْنِ الرَّئِيسَيْنِ :
أَوَّلًا: خِيَارَاتُ التَّرَوِّي وَالِاخْتِيَارِ
1. خِيَارُ الشَّرْطِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا مُدَّةً مَعْلُومَةً لِلتَّفَكُّرِ وَالِاسْتِشَارَةِ قَبْلَ إِمْضَاءِ الْعَقْدِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ آلَةٍ صِنَاعِيَّةٍ مِنْ مَوْقِعٍ تِجَارِيٍّ مَعَ تَفْعِيلِ مِيزَةِ حَقِّ التَّجْرِبَةِ وَالِارْتِجَاعِ خِلَالَ 7 أَيَّامٍ لِتَجْرِبَتِهَا فِِي الْمَصْنَعِ.
2. خِيَارُ النَّقْدِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْتِيَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ لَزِمَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فُلَا.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: حَجْزُ أَقْمِشَةٍ عَبْرَ مَتْجَرٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ، مَعَ شَرْطِ النِّظَامِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتِمَّ السَّدَادُ خِلَالَ 24 سَاعَةً يُلْغَى الْحَجْزُ آلِيًّا.
3. خِيَارُ الْمَشِيئَةِ (الْاستِئْمَارِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَعْقِدَ الشَّخْصُ الْبَيْعَ مَشْرُوطاً بِرِضَا أَوْ مَشِيئَةِ شَخْصٍ آخَرَ خَارِجٍ عَنِ الْعَقْدِ كَأَهْلِ الْخِبْرَةِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: أَنْ يَشْتَرِيَ مُهَنْدِسٌ بَرْمَجِيَّةً لِشَرِكَتِهِ، وَيَشْتَرِطَ فِِي الْعَقْدِ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى مُوَافَقَةِ مُدِيرِ قِسْمِ تِقْنِيَّةِ الْمَعْلُومَاتِ بَعْدَ فَحْصِهَا.
4. خِيَارُ التَّعْيِينِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَ شَيْئَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَلَى أَنْ يَقُومَ بِاخْتِيَارِ وَتَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا فَقَطْ خِلَالَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: قِيَامُ شَرِكَةٍ بِشِرَاءِ نِظَامٍ أَمْنِيٍّ رَقْمِيٍّ، وَتَشْتَرِطُ عَلَى الْمُوَرِّدِ مَنْحَهَا 3 أَيَّامٍ لِتَعْيِينِ وَاخْتِيَارِ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ ثَلَاثِ بَاقَاتٍ مَعْرُوضَةٍ.
5. خِيَارُ الرُّؤْيَةِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ الْخِيَارُ الَّذِي يَثْبُتُ حُكْماً لِمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَةً غَائِبَةً لَمْ يَرَهَا وَلَمْ تُوصَفْ لَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهَا عَيْنًا بَيْنَ قَبُولِهَا أَوْ رَدِّهَا.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ سَيَّارَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ عَبْرَ مِنْصَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ مَوْقِعِهَا فَقَطْ دُونَ صُوَرٍ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ كَامِلًا عِنْدَ مُعَايَنَتِهَا الْفِعْلِيَّةِ.
6. خِيَارُ الْمَجْلِسِ (عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ حَقُّ الْفَسْخِ لِكِلَا الْعَاقِدَيْنِ مَا دَامَا فِِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بَدَنِيّاً، وَهُوَ قَوْلٌ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ فِِي الْمَذْهَبِ.(لَيْسَ الْمُعْتَمَدُ)
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: أَنْ يَقُومَ شَخْصٌ بِتَوْقِيعِ عَقْدِ شِرَاءِ هَاتِفٍ دَاخِلَ الْمَحَلِّ، وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ يَبْدُو لَهُ التَّرْجِيعُ فَيَفْسَخُ الْعَقْدَ اِعْتِمَاداً عَلَى بَقَائِهِ فِِي الْمَجْلِسِ.
ثَانِيًا: خِيَارَاتُ النَّقِيصَةِ وَجَبْرِ الْخَلَلِ
7. خِيَارُ الْعَيْبِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِِي رَدِّ السِّلْعَةِ إِذَا اِكْتَشَفَ فِيهَا عَيْباً قَدِيماً خَفِيّاً يَنْقُصُ مِن مَنْفَعَتِهَا الْعُرْفِيَّةِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ شَاشَةِ تِلِفْزِيُونٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ تَبَيُّنُ وُجُودِ نِقَاطٍ سَوْدَاءَ مَيِّتَةٍ خَفِيَّةٍ فِي زَوَايَا الشَّاشَةِ (بِكْسِلَاتٍ تَالِفَةٍ).
8. خِيَارُ الْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَثْبُتُ إِذَا بِيعَتِ السِّلْعَةُ الْغَائِبَةُ بِنَاءً عَلَى أَوْصَافٍ مَشْرُوطَةٍ، ثُمَّ جَاءَتْ عِنْدَ التَّسْلِيمِ مُخَالِفَةً لِتِلْكَ الْأَوْصَافِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: طَلَبُ حَاسُوبٍ بِمَوَاصِفَاتٍ رَقْمِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ (مِثْلُ ذَاكِرَةِ 32 جِيجَابَايْت)، فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي وَجَدَهُ بِمَوَاصِفَاتٍ أَقَلَّ (16 جِيجَابَايْت).
9. خِيَارُ الْغَبْنِ (الْمُسْتَرْسِلِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْجَاهِلِ بِالْأَسْعَارِ إِذَا اُشْتُرِيَتِ السِّلْعَةُ بِزِيَادَةٍ فَاحِشَةٍ خَرَجَتْ عَنِ الْعُرْفِ (كَالثُّلُثِ) بِسَبَبِ غِشِّ الْبَائِعِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: سَائِحٌ لَا يَعْرِفُ أَسْعَارَ الْبَلَدِ، يَقُومُ صَاحِبُ مَتْجَرٍ بِبَيْعِهِ سَاعَةً عادِيَّةً بِأَضْعَافِ ثَمَنِهَا الْحَقِيقِيِّ اِسْتِغْلَالًا لِجَهْلِهِ بِالسُّوقِ.
10. خِيَارُ نَقْصِ الثَّمَنِ (لِلْبَائِعِ الْمَغْبُونِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ مُقابلُ خِيَارِ الْغَبْنِ لِلْمُشْتَرِي؛ حَيْثُ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ الْجَاهِلِ بِالسِّعْرِ إِذَا بَاعَ مَالَهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ جِدّاً بِسَبَبِ اِسْتِغْلَالِ الْمُشْتَرِي لَهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ أَوْ تِكْمِلَةُ الثَّمَنِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: وَارِثٌ جَاهِلٌ بِقِيمَةِ الْأَرَاضِي، يَقُومُ مُطَوِّرٌ عَقَارِيٌّ بِشِرَاءِ أَرْضِهِ مِنْهُ بِرُبُعِ قِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْوَارِثُ السِّعْرَ السَّائِدَ.
11. خِيَارُ الْخَدِيعَةِ (التَّخْبِيرِ بِالثَّمَنِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَظْهَرَ فِِي بُيُوعِ الْأَمَانَةِ كَالْمُرَابَحَةِ؛ فَإِذَا أَخْبَرَ الْبَائِعُ أَنَّ رَأْسَ مَالِ السِّلْعَةِ مِئَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَأَنَّهَا ثَمَانُونَ، ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرَّدِّ أَوْ الْحَطِّ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: مَعْرِضُ سَيَّارَاتٍ يَبِيعُ مَرْكَبَةً بِنِظَامِ الْمُرَابَحَةِ فِِي هَامِشِ الرِّبْحِ، وَيُظْهِرُ فَاتُورَةَ شِرَاءٍ مُزَوَّرَةً، فَلَمَّا تَبَيَّنَ التَّزْوِيرُ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ.
12. خِيَارُ التَّصْرِيَةِ وَالتَّدْلِيسِ الفِعْلِيِّ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ خِيَارٌ يَثْبُتُ حُكْماً لِمَنْ اِشْتَرَى دَابَّةً جُمِعَ لَبَنُهَا فِِي ضَرْعِهَا خَدِيعَةً، وَيُلْحَقُ بِهِ كُلُّ تَدْلِيسٍ فِعْلِيٍّ يُغَيِّرُ ظَاهِرَ السِّلْعَةِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: قِيَامُ تَاجِرِ سَيَّارَاتٍ بِتَعْدِيلِ عَدَّادِ الْمَسَافَاتِ (الْكِيلُومِتْرَاتِ) إِلِكْتْرُونِيًّا لِيُوهِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ السَّيَّارَةَ لَمْ تُسْتَهْلَكْ، فَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرَّدِّ.
13. خِيَارُ الِاسْتِحْقَاقِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ أَنَّ السِّلْعَةَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَيُرَدُّ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ هَاتِفٍ مُسْتَعْمَلٍ مِنْ مَحَلٍّ، ثُمَّ صُدُورُ تَقْرِيرٍ أَمْنِيٍّ يَقْضِي بِأَنَّ الْهَاتِفَ مَسْرُوقٌ وَمَطْلُوبٌ لِلْمَالِكِ الْأَصْلِيِّ، فَيُرَدُّ الْهَاتِفُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ.
14. خِيَارُ تَغْيِيرِ السِّلْعَةِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَثْبُتُ إِذَا رَأَى الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ ثُمَّ تَرَاخَى الْقَبْضُ، فَتَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا أَوْ طَبِيعَتُهَا إِلَى الْأَسْوَأِ قَبْلَ التَّسَلِّمِ الْفِعْلِيِّ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ طَنٍّ مِنَ الْخُضَارِ بَعْدَ مُعَايَنَتِهِ طَازَجاً، وَلَكِنْ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ شَاحِنَةِ التَّبْرِيدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَصَلَتِ الشُّحْنَةُ وَقَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا.
هَذِهِ الْخِيَارَاتُ فِي أَصْلِهَا الشَّرْعِيِّ مَأْذُونٌ بِهَا، وَمَشْرُوعَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَلَا تَحْرِيمَ؛ بَلْ جَاءَتْ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ لِتَحْقِيقِ الرِّضَا التَّامِّ وَرَفْعِ الْغَبْنِ وَالضَّرَرِ عَنِ الْمُتَعَاقِدِينَ.
وَلَكِنَّ الْفِقْهَ الْمَالِكِيَّ يَضَعُ لِكُلِّ خِيَارٍ مِنْهَا ضَوَابِطَ صَارِمَةً، إِذَا خَرَجَ الْعَقْدُ عَنْهَا انْقَلَبَ إِلَى الْحُرْمَةِ وَالْفَسَادِ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى مَنَاطَيْنِ:
مَنَاطُ خِيَارَاتِ التَّرَوِّي (كَالشَّرْطِ وَالنَّقْدِ): هَذِهِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَيَسِيرَةً طَبْقاً لِمَا يَحْتَمِلُهُ نَوْعُ السِّلْعَةِ (كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ، وَجُمْعَةٍ فِي الرَّقِيقِ، وَشَهْرٍ فِي الدَّارِ). فَإِذَا اِشْتَرَطَا مُدَّةً مَجْهُولَةً أَوْ طَوِيلَةً جِدّاً خَارِجَةً عَنِ الْعُرْفِ، انْقَلَبَ الْخِيَارُ إِلَى حَرَامٍ فَاسِدٍ لِدُخُولِ الْغَرَرِ الْكَبِيرِ فِي الصَّفْقَةِ.
مَنَاطُ خِيَارَاتِ النَّقِيصَةِ (كَالْعَيْبِ وَالْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ): هَذِهِ خِيَارَاتٌ حُكْمِيَّةٌ قَهْرِيَّةٌ يَفْرِضُهَا الشَّرْعُ جَبْراً لِلْمَظْلُومِ، فَلَا تَحْرُمُ بِأَصْلِهَا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ تَعَمُّدُ كِتْمَانِ الْعَيْبِ أَوْ التَّدْلِيسِ فِِي الصِّفَةِ، لِأَنَّ التَّدْلِيسَ وَالْغِشَّ حَرَامٌ، أَمَّا ثُبُوتُ حَقِّ الرَّدِّ لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ مَشْرُوعٌ وَمَأْذُونٌ فِيهِ تَمَاماً.

بيْعِ الْغَائِبِ بَيْنَ مَنَاطِ الصِّفَةِ وَمَنَاطِ الْحُضُورِ

بيْعِ الْغَائِبِ بَيْنَ مَنَاطِ الصِّفَةِ وَمَنَاطِ الْحُضُورِ (عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ)
الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ: الْأَصْلُ فِي الْبُيُوعِ هُوَ رُؤْيَةُ السِّلْعَةِ، وَالِانْتِقَالُ إِلَى "الْوَصْفِ اللَّفْظِيِّ" هُوَ رُخْصَةٌ بَدِيلَةٌ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ غَائِبَةً عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
مَتَى يَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى الصِّفَةِ (الْجَوَازُ)؟
إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ (وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً دَاخِلَ الْبَلَدِ، أَوْ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ، أَوْ أَكْثَرَ)، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْوَصْفِ لَازِماً (قَاطِعاً) لِأَنَّ خُرُوجَهَا عَنِ الْمَجْلِسِ يَمْنَعُ رُؤْيَتَهَا حَالاً، فَيَقُومُ الْوَصْفُ مَقَامَ الْعِيَانِ.

إِذَا بِيعَتِ السِّلْعَةُ بِشَرْطِ "خِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُشْتَرِي"، فَيَجُوزُ بِالصِّفَةِ (أَوْ حَتَّى بِلَا صِفَةٍ) فِِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَتْ، لِأَنَّ الْغَرَرَ يَرْتَفِعُ بِكَوْنِ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَلْزُومٍ بِالصَّفْقَةِ حَتَّى يَرَى السِّلْعَةَ وَيَرْضَى.

مَتَى يَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى الْحُضُورِ (الْمَنْعُ مِنَ الصِّفَةِ)؟

إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ حَاضِرَةً دَاخِلَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَيُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهَا حَالاً بِلَا مَشَقَّةٍ، فَيَمْتَنِعُ الْعَدُولُ إِلَى الْوَصْفِ فِِي عَقْدٍ لَازِمٍ (قَاطِعٍ)، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهَا وَمُعَايَنَتِهَا بَصَراً (مِثْلُ الثِّيَابِ الْمَطْوِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ نَشْرُهَا).

إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ بَعِيدَةً جِدّاً (كَخُرَاسَانَ مَعَ مَظِنَّةِ التَّغَيُّرِ)، فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا بِالصِّفَةِ لَازِماً، لِأَنَّ طُولَ مَسَافَةِ الشَّحْنِ مَظِنَّةٌ لِفَسَادِ الصِّفَاتِ، فَيَجِبُ حُضُورُ السِّلْعَةِ أَوْ بَيْعُهَا بِالْخِيَارِ لَا غَيْرُ.

مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ يَدُورُ بَيْنَ الْجَوَازِ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ، وَبَيْنَ الْمَنْعِ حِمَايَةً مِنَ الْغَرَرِ، وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ أَقْوَالِهِمْ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:

 مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:
 يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ (عَقْداً قَاطِعاً) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ التَّغَيُّرِ، وَأَنْ يَكُونَ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
 الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ (وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ) أَنَّ مَا كَانَ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلَوْ فِي الْبَلَدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ، خِلَافاً لِابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي شَرَطَ الْمَشَقَّةَ وَبُعْدَ الْمَسَافَةِ.
 يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ وَلَا رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يُجْعَلَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ مُنْحَلّاً مِنْ جِهَتِهِ حَتَّى يُعَايِنَ السِّلْعَةَ.
 يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِالصِّفَةِ لَازِماً إِذَا كَانَ بَعِيداً جِدّاً (كَخُرَاسَانَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ) لِأَنَّ الْمَسَافَةَ مَظِنَّةٌ لِتَبَدُّلِ الصِّفَاتِ وَطُرُوءِ الْفَسَادِ.


 مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
 يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْغَائِبِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أُطْلِقَ الْعَقْدُ أَوْ وُصِفَ.
 يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي حُكْماً (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَبِيعِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ التَّامَّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالنَّظَرِ.


 مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ:
 الْقَوْلُ الْجَدِيدُ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَنْعُ بَيْعِ الْغَائِبِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ الْعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُطْلَقاً، وَلَوْ وُصِفَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْغَيْبَةُ غَرَرٌ فِيهِمَا.
 الْقَوْلُ الْقَدِيمُ عِنْدَهُمْ يُجِيزُ بَيْعَ الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.


 مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ:
 يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ إِذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إِذَا جَرَتْ رُؤْيَتُهُ مُتَقَدِّمَةً فِِي زَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ غَالِباً.
 إِذَا خَالَفَتِ السِّلْعَةُ الصِّفَةَ الْمَشْرُوطَةَ عِنْدَ الْقَبْضِ، فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ لِتَخَلُّفِ الْوَصْفِ.
 يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْغَائِبِ إِذَا لَمْ يُوصَفْ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ رُؤْيَةٌ، لِعِظَمِ الْجَهَالَةِ.

مسائل يجبر عليها بالبيع

 الْمَسَائِلُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ الَّتِي يُجْبَرُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ شَرْعًا
(وَهِيَ مَحَارِزُ الْجَبْرِ بِحَقٍّ الَّتِي تُخَالِفُ الْجَبْرَ الْحَرَامَ) تَعُودُ جَمِيعُهَا إِلَى مَنَاطِ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ وَالْجِنَايَةِ عَنِ الْغَيْرِ".
وَقّدْ نَظَمَها الإمامُ الرَّهونيُّ المالِكيُّ بأبْياتٍ
 1. جَبْرُ الْمِدْيَانِ لِوَفَاءِ الْغُرَمَاءِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: يُجْبِرُ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ (الْمُمَاطِلَ أَوِ الْمُفْلِسَ) عَلَى بَيْعِ عُرُوضِهِ وَعَقَارِهِ لِتَسْدِيدِ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ ظُلْمٌ لِحَدِيثِ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»، وَفِيهِ تَقْدِيمُ حَقِّ الْمَظْلُومِينَ عَلَى رِغْبَةِ الظَّالِمِ.
 2. بَيْعُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: مَنْ جَبُرَ نَفْسَهُ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجَتِهِ، أَوْ أَوْلَادِهِ، أَوْ أَبَوَيْهِ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ جَبْرًا لِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ عَنِ الْهَلَاكِ وَالضَّيَاعِ وَاجِبٌ مُقَدَّمٌ، وَالْإِنْفَاقُ حَقٌّ لَازِمٌ لَا يَسْقُطُ بِالِامْتِنَاعِ.
 3. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا ضَاقَ مَسْجِدُ الْجُمُعَةِ (الْجَامِعُ) بِالْمُصَلِّينَ، أُجْبِرَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ عَلَى بَيْعِهَا لِلْمَسْجِدِ بِقِيمَتِهَا؛ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ إِقَامَةِ الشَّعِيرَةِ الْعَامَّةِ لِلْأُمَّةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْفَرْدِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ تَعْوِيضِهِ الْعَادِلِ.
 4. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: يُجْبِرُ الْإِمَامُ صَاحِبَ الْعَقَارِ عَلَى دَفْعِ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِهِ لِتَوْسِعَةِ سَبِيلِ النَّاسِ إِذَا ضَاقَتْ بِهِمْ وَأَضَرَّتْ بِمُرُورِهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ لِلْكَافَّةِ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ حَقِّ الِاخْتِصَاصِ لِلْآحَادِ، وَالضَّرَرُ الْعَامُّ يُزَالُ بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْخَاصِّ.
 5. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ الْمَقْبَرَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا غَصَّتْ مَقَابِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُوجَدْ مَدْفَنٌ، أُجْبِرَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْمُلَاصِقَةِ عَلَى الْبَيْعِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ دَفْنَ الْمُسْلِمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، فَصَارَ الْبَيْعُ هُنَا مُتَعَيِّنًا لِلضَّرُورَةِ.
 6. جَبْرُ الْمُحْتَكِرِ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْحَاجَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: مَنْ حَبَسَ الْأَقْوَاتَ وَالطَّعَامَ عَنِ النَّاسِ فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ وَالضِّيقِ رَجَاءَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ إِلَى السُّوقِ وَبَاعَهُ جَبْرًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ زَجْرًا لَهُ عَنِ الْإِضْرَارِ، وَدَفْعًا لِلْمَخْمَصَةِ وَالْهَلَاكِ عَنِ الْأُمَّةِ.
 7. بَيْعُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ أَوْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمُصْحَفِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا مَلَكَ الْكَافِرُ مُصْحَفًا، أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ صَبِيًّا صَغِيرًا، أُجْبِرَ قَضَاءً عَلَى بَيْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَوْرًا؛ لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُوَ قَطْعُ سَبِيلِ الْوِلَايَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.
 8. بَيْعُ مَالِ مُلْتَزِمِ الْإِقْلِيمِ لِوَفَاءِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ الْحَقِّ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا جَبَى عَامِلُ الْبَلَدِ أَوِ الْمُلْتَزِمُ الْأَمْوَالَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ الْحَقِّ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، بَاعَ السُّلْطَانُ عُرُوضَهُ جَبْرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ الثُّغُورِ وَالْجُيُوشِ وَالْمَنَافِعِ الْكُلِّيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
 9. جَبْرُ صَاحِبِ الْمَاءِ عَلَى بَيْعِهِ لِمَنْ بِهِ عَطَشٌ أَوْ لِزَرْعِهِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا مَلَكَ رَجُلٌ بِئْرًا أَوْ عَيْنَ مَاءٍ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَاحْتَاجَ جَارُهُ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ لِسَقْيِ نَفْسِهِ أَوْ دَوَابِّهِ أَوْ زَرْعِهِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَصْلُ الْحَيَاةِ، وَالْمَنْعُ فِيهِ يُفْضِي إِلَى إِهْلَاكِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ مَعَ وُجُودِ الْغِنَى عَنْهُ.
 10. بَيْعُ مِلْكِ صَاحِبِ الْفَدَّانِ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ لِلْحِرَاسَةِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا احْتَاجَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلُ الثَّغْرِ إِلَى إِقَامَةِ حِصْنٍ أَوْ مَوْقِعٍ لِلْحِرَاسَةِ مِنَ الْعَدُوِّ فِي أَرْضِ رَجُلٍ (كَفَدَّانٍ فِي رَأْسِ جَبَلٍ)، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا لِلسُّلْطَانِ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ حِمَايَةَ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّ الْعَدُوِّ عَنِ الدِّمَاءِ أَعْظَمُ الْفُرُوضِ، فَتَبْطُلُ فِيهَا خُصُوصِيَّةُ الْمِلْكِ دَفْعًا لِلِاسْتِئْصَالِ.
 11. جَبْرُ صَاحِبِ الْفَرَسِ أَوِ الْجَارِيَةِ إِذَا طَلَبَهَا السُّلْطَانُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا تَعَيَّنَتْ دَابَّةُ رَجُلٍ (كَفَرَسٍ سَرِيعٍ لِلْبَرِيدِ) أَوْ أَمَتُهُ لِحَاجَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ قَاطِعَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ دَفْعِهَا إِضْرَارٌ عَامٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا بِالْقِيمَةِ؛ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ تَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا الَّتِي لَا تَنْدَفِعُ بِغَيْرِهَا.
 12. جَبْرُ صَاحِبِ الْعِلْجِ عَلَى بَيْعِهِ لِفِدَاءِ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا طَلَبَ الْعَدُوُّ عَلْجًا (أَسِيرًا أَوْ عَبْدًا كَافِرًا) مُعَيَّنًا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ، وَشَرَطُوا أَنَّهُ لَا فِكَاكَ لِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِهِ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ لِيُفَادَى بِهِ؛ لِأَنَّ فِكَاكَ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ يَتَعَلَّقُ بِحُرِّيَّتِهِ وَدِينِهِ، فَيُرْجَحُ عَلَى مِلْكِيَّةِ الرَّقِيبِ لِلْعَبْدِ، وَيُعْطَى سَيِّدُهُ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
 13. بَيْعُ مَسْلَكِ الْمَاءِ (مَجْرَى الْمَاءِ) لِلْقَوْمِ
 وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا احْتَاجَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى سَوْقِ الْمَاءِ لِأَرْضِهِمْ أَوْ بُيُوتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْلَكٌ إِلَّا فِي أَرْضِ رَجُلٍ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ مَوْضِعِ الْمَجْرَى بِثَمَنِ الْمِثْلِ شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ لِغَيْرِ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ (أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ)؛ لِأَنَّ مَنْعَ مَسْلَكِ الْمَاءِ فِيهِ تَعْطِيلٌ لِمَنَافِعِ الْأَرْضِ وَتَعْطِيشٌ لِلزُّرُوعِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا قِوَامُ الْمَعَاشِ.
.

لتفصيل المسألة انظر  كِتابي إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - كتاب البيةع ج 20

محلات الخلاف في صيغ انعقاد البيع بين الاحناف والمالكية

 نَصُّ الْحَنَفِيَّةِ الْوَارِدِ فِي كِتَابِ "الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ" للْمَوْصِلِيِّ،  مَعَ عَقْدِ الْمُقَارَنَةِ مَعَ مَا تَقَرَّرَ في مَذهَبِنَا مَعاشِرِ الْمَالِكِيَّةِ فِي (فَرْعِ صِيَغِ الِانْعِقَادِ في الْبُيوع)
تَتَّفِقُ الْمَدْرَسَتَانِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ) فِي الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ لِهَذَا الْفَرْعِ، وَتَفْتَرِقَانِ فِي طَرِيقَةِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ قَضَاءً عِنْدَ النِّزَاعِ، وَالْبَيَانُ فِي مَوَاضِعِ الِاتِّفَاقِ وَالِافْتِرَاقِ هَكَذَا:
قَسَّمَ الْمُؤَلِّفُ صِيَغَ الِانْعِقَادِ وَأَحْكَامَ الْمَجْلِسِ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُنْضَبِطَةِ:

1. صِيغَةُ الْمَاضِي: يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ قَطْعاً (مِثْلُ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ)؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَ الْإِخْبَارَ بِالْمَاضِي لِيَكُونَ إِنْشَاءً لِلْعُقُودِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُفِيدُ الْقَطْعَ 2. وَالْبَتَّ.
الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعْنَى: يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَالرِّضَا عُرْفاً (مِثْلُ: أَعْطَيْتُكَ، خُذْهُ، مَلَّكْتُكَ)؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ.

3. الْمُعَاطَاةُ : الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا (الْخَسِيسَةِ وَالنَّفِيسَةِ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا، خِلَافاً لِلْكَرْخِيِّ الَّذِي خَصَّهُ بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ جَرْياً عَلَى الْعَادَةِ.

صِيغَةُ الْأَمْرِ وَالْمُضَارِعِ: لَفْظُ الْأَمْرِ (بِعْنِي أَوْ اشْتَرِ مِنِّي) لَيْسَ إِيجَاباً بَلْ هُوَ طَلَبٌ وَاسْتِدْعَاءٌ، فَلَا يَتِمُّ الْعَقْدُ بِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْآخَرِ "بِعْتُ" حَتَّى يَعُودَ الْآمِرُ فَيَقُولَ "اشْتَرَيْتُ"، إِلَّا إِذَا نَوَى الْإِيجَابَ فِي الْحَالِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمُضَارِعُ (أَبِيعُكَ)  لَا يَنْعَقِدُ بِهِ إِلَّا عِنْدَ قَصْدِ الْإِنْشَاءِ فِي الْأَصَحِّ.

أَحْكَامُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَخِيَارِ الْقَبُولِ: إِذَا أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا فَالْآخَرُ مُخَيَّرٌ فِي الْمَجْلِسِ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ (وَهُوَ خِيَارُ الْقَبُولِ)، وَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ إِذَا قَامَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبُولِ، أَوْ صَدَرَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، أَوْ تَفَرَّقَا بَعْدَ الْمَشْيِ بِسَكْتَةٍ. كَمَا لَا يَصِحُّ تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْرَارٍ بِالْبَائِعِ.
لُزُومُ الْعَقْدِ وَنَفْيُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ: مَتَى الْتَقَى الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ الْبَيْعُ حَالاً، وَلَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ (الْفَسْخُ بِالْأَبْدَانِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالاً لِحَقِّ الْآخَرِ، وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ (الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ لَا بِالْأَبْدَانِ تَوْفِيقاً.
وَعَلَيْه؛
تَتَّفِقُ الْمَدْرَسَتَانِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ) فِي الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ لِهَذَا الْفَرْعِ، وَتَفْتَرِقَانِ فِي طَرِيقَةِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ قَضَاءً عِنْدَ النِّزَاعِ، وَالْبَيَانُ فِي مَوَاضِعِ الِاتِّفَاقِ وَالِافْتِرَاقِ هَكَذَا:
1. صِيغَةُ الْمَاضِي: يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ قَطْعاً (مِثْلُ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ)؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَ الْإِخْبَارَ بِالْمَاضِي لِيَكُونَ إِنْشَاءً لِلْعُقُودِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُفِيدُ الْقَطْعَ وَالْبَتَّ. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
2. الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعْنَى: يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَالرِّضَا عُرْفاً (مِثْلُ: أَعْطَيْتُكَ، خُذْهُ، مَلَّكْتُكَ)؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
3. الْمُعَاطَاةُ  فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ: عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا (الْخَسِيسَةِ وَالنَّفِيسَةِ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
4. صِيغَةُ لَفْظِ الْأَمْرِ (بِعْنِي): لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ حَتَّى يَقُولَ الْآمِرُ بَعْدَ جَوَابِ الْبَائِعِ: "اشْتَرَيْتُ"؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِإِيجَابٍ بَلْ هُوَ طَلَبٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّطْرِ الثَّانِي لِيَتِمَّ. (وَهَذَا يُخَالِفُ الْمَالِكِيَّةَ).
5. النِّيَّةُ : قَصْدُ الْإِنْشَاءِ فِي الْأَمْرِ وَالْمُضَارِعِ: قِيلَ إِذَا نَوَى الْإِيجَابَ فِي الْحَالِ بِالْأَمْرِ أَوْ بِالْمُضَارِعِ (مِثْلُ: أَبِيعُكَ فَيَقُولُ أَشْتَرِيهِ) انْعَقَدَ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ وَإِلَّا فَلَا. (وَهَذَا يُخَالِفُ الْمَالِكِيَّةَ فِي الْإِجْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقْطَعُونَ بِاللُّزُومِ فِي الْأَمْرِ بِلَا نِيَّةٍ، وَيُوَجِّهُونَ الْيَمِينَ فِي الْمُضَارِعِ عِنْدَ النِّزَاعِ، وَلَا يَعْرِفُ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الِاسْتِحْلَافَ الْمَذْهَبِيَّ).
6. خِيَارُ الْقَبُولِ وَامْتِدَادُهُ فِي الْمَجْلِسِ: إِذَا أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا فَالْآخَرُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، وَيَمْتَدُّ هَذَا الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ لِلْحَاجَةِ إِلَى التَّفَكُّرِ. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
7. بُطْلَانُ الْإِيجَابِ بِالْقِيَامِ أَوْ الْإِعْرَاضِ: أَيُّهُمَا قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَ الْإِيجَابُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَلِلْمُوجِبِ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِ صَاحِبِهِ. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
8. مَنْعُ تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْقَبُولُ فِي بَعْضِ السِّلْعَةِ دُونَ بَعْضٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَالْإِضْرَارِ بِالْبَائِعِ. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
9. عَقْدُ الْغَائِبِ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الرِّسَالَةِ: شَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْغَائِبِ مُجَرَّداً بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ، فَيُعْتَبَرُ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ أَوْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ هُوَ مَجْلِسُ الْعَقْدِ. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).
10. التَّبَايُعُ حَالَ الْمَشْيِ أَوِ السَّيْرِ: إِذَا تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ انْعَقَدَ الْبَيْعُ إِنْ لَمْ يَفْصِلَا بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا بِسَكْتَةٍ، فَإِنْ فَصَلَا لَمْ يَنْعَقِدْ لِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ بِالْمَشْيِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافاً لِمَنْ قَالَ يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ. (وَهَذَا يُخَالِفُ الْمَالِكِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَتَّسِعُ عِنْدَهُمُ الْمَجْلِسُ فِي حَالِ الْمَشْيِ مَا دَامَ الْعُرْفُ يَرَى الصِّلَةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ قَائِمَةً وَلَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ جِدّاً).
11. لُزُومُ الْعَقْدِ وَنَفْيُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بَعْدَ الْقَبُولِ: إِذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَهُمَا الْبَيْعُ فَوْراً، وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا فِي الْفَسْخِ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُجَّةِ عَدَمِ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ تَوْفِيقاً. (وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ).

هل العرف مخصص في البيع والشراء

النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ : اِعْتِبَارُ الْعُرْفِ مُخَصِّصًا وَمُبَيِّنًا لِوَسَائِلِ التَّعْبِيرِ  في باب البُيُوع كَما قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ : ( يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ )

فِي مَسْأَلَةِ الصِّيغَةِ، هُوَ أَنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ لَمْ يَحُدَّ لِلْعُقُودِ صِيغَةً مُعَيَّنَةً لَا تَتَعَدَّاهَا، بَلْ أَنَاطَ الْأَحْكَامَ بِالْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لَا بِالْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي؛ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ أَوِ الْفِعْلِيَّ كَالْمُعَاطَاةِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ الصَّرِيْحِ فِي الْكَشْفِ عَنِ الرِّضَا الْبَاطِنِيِّ، فَيُقَيِّدُ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ السُّوقِ، وَيَجْعَلُ الْأَفْعَالَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ بِمَثَابَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيَّيْنِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ حَمْلِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْمَعْهُودِ عُرْفًا.

إِنَّ التَّخْصِيصَ بِالْعُرْفِ لَيْسَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ أُصُولِيٌّ تَقَاسَمَتْهُ جَمَاهِيرُ أَهْلِ النَّظَرِ فِي الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ التَّوَسُّعُ الْأَكْبَرُ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ.

وَتَفْصِيلُ مَوْقِفِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ يَجْرِي عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

 الْمَذْهَبُ الْحَنَفِيُّ : يُعَدُّ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ إِعْمَالاً لِلْعُرْفِ، حَتَّى قَرَّرُوا فِي قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ «التَّعْيِينَ بِالْعُرْفِ كَالتَّعْيِينِ بِالنَّصِّ»، وَأَجَازُوا تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ بِالْعُرْفِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَمَّامِ بِأُجْرَةٍ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةِ الْمُكْثِ أَوْ مِقْدَارِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ خَصَّصُوا عُمُومَاتِ النُّصُوصِ بِالْعُرْفِ التِّجَارِيِّ الْعَمَلِيِّ إِذَا كَانَ عَامّاً.

 الْمَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ : يُقَرِّرُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْعُرْفَ مَرْجِعٌ لِتَحْدِيدِ مَفَاهِيمِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَقَاصِدِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ (كَالْقَبْضِ، وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ). وَعِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ وَجْهٌ مَشْهُورٌ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ الشَّرْعِيِّ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ الْمُقَارِنِ لِلِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ يَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْوَضْعِيَّةِ إِلَى الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّخَاطُبِ.

 الْمَذْهَبُ الْحَنْبَلِيُّ : يَسِيرُ الْحَنَابِلَةُ عَلَى سَنَنِ التَّوَسُّعِ فِي رِعَايَةِ الْعُرْفِ خُصُوصاً فِي أَبْوَابِ الشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ؛ حَيْثُ نَصَّ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ فَمَرْجِعُهُ إِلَى الْعُرْفِ، وَأَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي يُخَصِّصُ إِطْلَاقَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَمِيعَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ الْمُطَّرِدَ صَالِحٌ لِتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَبَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ، لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ دَلِيلِ السِّيَاقِ وَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ إِرَادَةَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ عِنْدَ النُّطْقِ.


من كتابي الجزء 20 إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل


 

عقود الاشتراكات الدورية في المنصات التعليمية وخدمات الانترنت

 عقود الاشتراكات الدورية في المنصات التعليمية وخدمات الانترنت 
 (بمبلغ مقطوع شهريا مع عدم تحديد مرات الحضور أو المشاهدة)
 توصيف المعاملة: يدفع المشترك مبلغا ثابتا كل شهر مقابل دخول النادي الرياضي في أي وقت، أو مشاهدة أي عدد من الدروس في المنصة، دون إلزام بعدد ساعات معين. وجه الدراسة: هل هذا الغرر في حجم الاستفادة الفردية مؤثر، أم أنه يغتفر بناء على قاعدة "الجهالة اليسيرة في الإجارات" وجريان العرف؟ تحقيق القول في هذه المسألة يرجع إلى تكييف عقد الاشتراك الدوري؛ فهو يتردد فقهيا بين الجواز والمنع بناء على نظر المالكية في علة الغرر ومدى تأثير الجهالة في عقود المنافع. المثال التطبيقي المعاصر: اشتراك المنصات التعليمية الرقمية (مثل منصات تعلم اللغات أو البرمجة): أن يدفع الطالب مبلغا مقطوعا قدره عشرة دنانير شهريا، مقابل فتح الموقع له بالكامل ليدخل في أي وقت، ويشاهد أي عدد من الدروس والمساقات دون حد أقصى، سواء شاهد ساعة واحدة في الشهر أو مئة ساعة. التوجيه الفقهي للمثال بناء على أصول المذهب: وجه المنع (وجود الغرر والجهالة): المنفعة المعقود عليها هنا مجهولة جهالة فاحشة وقت العقد؛ فالمنصة لا تدري كم يستهلك الطالب من خوادمها وبياناتها، والطالب لا يدري هل يتمكن من المشاهدة أم يمنعه مانع، فيصير العقد معاوضة مال بمجهول يتردد بين الغنم والغرم، وهو أصل الغرر الممنوع في المذهب. وجه الجواز والترجيح (اغتفار الجهالة بالعرف): الظاهر الأقرب لقواعد المذهب المعاصرة هو جواز هذه الاشتراكات،
 ومناط الجواز ينبني على أصلين:
 أولا: جريان العرف المستقر: المالكية من أوسع المذاهب إعمالا للعرف، والعرف الجاري في هذه الخدمات جعل المنفعة هي "تمكين المشترك من الدخول وإتاحة الخدمة تحت يده" لا "الاستهلاك الفعلي"، فالمنصة باعت بذل الخدمة وتمكين الطالب منها، وهذا معلوم ومقدور على تسليمه.
 ثانيا: قاعدة اغتفار الجهالة اليسيرة في الإجارات: الغرر هنا ليس في أصل العقد بل في كمية الاستفادة، وهو غرر تابع يغتفر للحاجة العامة، ولأن البديل وهو حساب المشاهدة بالدقيقة أو الثانية فيه حرج وضيق كبير على الناس، والحرج مرفوع شرعا. سياسة الاستخدام العادل (Fair Usage Policy) المطبقة في شبكات الإنترنت والخدمات الرقمية تؤثر بشكل مباشر على التكييف الفقهي للمعاملة، ولها توجيه دقيق عند المالكية. المثال التطبيقي المعاصر: > اشتراك الإنترنت المنزلي: أن يشترك الشخص بإنترنت يسمى عرفا (غير محدود) بمبلغ عشرين دينارا شهريا، ولكن تنص الشركة في بند خفي أو ظاهر على (سياسة الاستخدام العادل)، وهو أنه إذا حمل المشترك بيانات تتجاوز 500 جيجابايت مثلا خلال الشهر، يتم خفض السرعة إلى حد أدنى جدا يمنع الاستخدام المعتاد، أو يقطع الاتصال تماما حتى نهاية الشهر. الأثر الفقهي لسياسة الاستخدام العادل على العقد:
 أولا: رفع الغرر والجهالة (من جهة الشركة): هذا الشرط يغير مناط المسألة تماما؛ فهو يرفع الجهالة الفاحشة عن كاهل الشركة، لأن المنفعة القصوى المطلوبة أصبحت محددة ومعلومة السقف (500 جيجابايت)، ولم تعد المنفعة مطلقة مجهولة النهاية، وهذا يؤول بالمعاملة إلى الجواز والصحة لارتفاع غرر الشركة. 
ثانيا: لزوم البيان والشرط: يشترط لصحة هذا العقد في المذهب أن تكون هذه السياسة (الحد الأقصى والسرعة الجديدة) معلومة للمشترك وقت العقد نصا أو عرفا مطردا؛ لأن المالكية يوجبون العلم بالمعقود عليه وصِفَته. فإن كانت الشركة تخفي هذا الشرط في عقودها وتفاجئ به العميل، دخلت المعاملة في باب "الغش والتدليس"، وثبت للمشترك خيار الفسخ لعدم مطابقة الواقع للشرط الظاهر. ثالثا: تكييف العقد عند قطع المنفعة: إذا وصل المشترك للحد الأقصى وقُطعت عنه الخدمة تماما، فإن العقد ينفسخ في المدة الباقية من الشهر فيما زاد عن الحد، ويكون ما دفعه مقابلا للمنفعة التي استوفاها سقفًا؛ وهو جائز لأنه صَار بيع منفعة مقدرة بحد معلوم. أما إذا خُفضت السرعة جدا، فهو رضى بصفة أدنى جرى عليها الشرط ابتداء. حكم عقد الاشتراك الذي يتضمن "سياسة الاستخدام العادل" هو الجواز والصحة شرعاً، بشرط أن يكون هذا الحد الأقصى معلوماً للمشترك عند إبرام العقد. ومناط الحكم بالصحة هنا يستند إلى أمرين: 
أولاً: تحديد سقف المنفعة: وجود حد أقصى يمنع تحول العقد إلى غرر فاحش، حيث تصبح كمية البيانات أو الخدمة المقابلة للمال محددة النهاية وليست مجهولة مطلقاً.
 ثانياً: انتفاء التدليس: إذا صرحت الشركة بهذا الشرط ولم تخفه، ارتفع الغش والنزاع، وصار العقد مبنياً على التراضي بين الطرفين على منفعة مخصوصة بصفة معلومة. أما إذا كانت الشركة تخفي هذا الحد وتوهم المشترك بأن الخدمة "مفتوحة ومطلقة" دون قيود، فالعقد هنا يدخل في دائرة المنع لثبوت الغش والتدليس، ويحق للمشترك فسخ العقد واسترداد ما يناسب المدة الباقية. تصحيح العقد الأول في اشتراكات المنصات والنوادي (التي لا تطبق سياسة الاستخدام العادل وتترك المنفعة مطلقة مجهولة) ليصبح صحيحا جائزا بلا إشكال في المذهب، يتم عبر مسلكين فقهيين: المسلك الأول: تحديد المدة الزمنية مع جريان العرف بالتمكين أن ينص العقد على أن المعقود عليه هو "إتاحة الخدمة وتمكين المشترك من الانتفاع بها خلال مدة محددة" (كشهر أو سنة) بمبلغ معلوم، دون النظر إلى حجم الاستهلاك الفعلي. التوجيه الفقهي: هنا يتحول مناط العقد من معاوضة على "كمية الاستهلاك" (وهي مجهولة) إلى معاوضة على "زمن التمكين" (وهو معلوم محدد)، والمالكية يجيزون كراء الدور والآلات بمجرد التمكين من العين وإن لم يسكنها المستأجر أو يستعملها، ما دام المؤجر قد وفى بالتسليم. المسلك الثاني: النص على التبرع والمسامحة في الزيادة أن تدرج المنصة في شروطها بندا يفيد بأنها تسمح وتسامح في أي استهلاك زائد قد يتجاوز القيمة المعتادة، وأن العقد مبني على المكارمة والمناهدة (وهي خلط النفقات مع التسامح في التفاوت). التوجيه الفقهي: الغرر والجهالة المؤثرة إنما تمنع في عقود المعاوضة المحضة التي يقصد فيها التشاح، أما إذا دخله معنى التبرع والمسامحة في الجانب المجهول، فإن الغرر يغتفر؛ لأن المالكية يتوسعون في الجهالة في أبواب التبرعات والإرفاق ما لا يتوسعون في غيرها.

حكم الشراء بالتقسيط عن طريق تطبيقات الوساطة المالية

 ما حكم الشراء بالتقسيط عن طريق تطبيقات الوساطة المالية  (اشتر الآن وادفع لاحقا) دون فوائد تأخير؟
المعاملة جائزة بشرط أن يشتري الوسيط السلعة تملكا وقبضا حقيقيا أو حكميا ثم يبيعها للمستهلك بالتقسيط، فإن اقتصر دور التطبيق على دفع المال عن المشتري مع أخذ عمولة من التاجر، جاز ذلك بناء على قضايا الجعالة أو الوكالة بأجر.
مناط المسألة 
هنا يدور حول تحقق علة الغرر الفاحش والمخاطرة في عقد المعاوضة المستقل. وبيان ذلك أن النظر الفقهي لم يلتفت إلى مجرد وجود الصيانة، وإنما إلى طبيعة العقد الذي احتواها، وينفك هذا المناط إلى أمرين:
 عند القول بالمنع: المناط هو الجهالة المفضية إلى التردد بين الغنم والغرم؛ لأن العقد استقل بنفسه، فصار بذل المال فيه مقابل عمل مجهول الوقوع والكمية، وهذا محض الغرر النبوي المنهي عنه.

 عند القول بالجواز: المناط هو التبعية لعين معلومة أو الإجارة على عمل دوري معهود؛ حيث يخرج العقد عن المخاطرة إما بانضمامه للبيع الأصلي فيغتفر تبعا، أو بتعيين الفعل المقصود شهريا فترتفِع الجهالة.

تطبيقا للترجيح الأصولي المبني على قواعد المذهب، يمكن تقسيم الأمثلة المعاصرة لعقود الصيانة المستقلة إلى قسمين:

أولا: أمثلة غير جائزة (لتحقق الغرر الفاحش والتردد بين الغنم والغرم)

عقود صيانة السيارات المستقلة الشاملة لقطع الغيار والأجور: أن يدفع صاحب السيارة مبلغا سنويا مقطوعا لشركة صيانة ليس لها علاقة بالوكالة الأصلية، يتضمن إصلاح أي عطل مفاجئ في المحرك أو ناقل الحركة مع تغيير القطع التالفة؛ فهذا منع لجهالة المعقود عليه جهالة تامة تفضي إلى النزاع.

عقود ضمان الأجهزة الإلكترونية المستعملة من المحلات التجارية: أن يشتري الشخص هاتفًا أو حاسوبًا مستعملا، فيعرض عليه صاحب المحل دفع مبلغ إضافي مستقل مقابل ضمان الجهاز ضد الأعطال المصنعية أو البرمجية لمدة سنة؛ فالغرر هنا مستقر في عقد مستقل لا يدري فيه العاقد أينتفع بماله أم يذهب هباء.

ثانيا: أمثلة جائزة (لانتفاء الغرر أو لاغتفاره لوجود الحاجة وتحديد العمل)

عقود الصيانة الدورية المحددة بالأعمال (إجارة على عمل معلوم): عقود صيانة المصاعد في البنايات، أو أجهزة التكييف المركزية، والتي تنص على مجيء الفني شهريا لتنظيف الفلاتر، وتزييت القطع، وفحص السلامة، بمبلغ مقطوع سنويا، على أن تكون قطع الغيار إن لزمت على صاحب البناية؛ فهذا جائز لأنه عقد إجارة على عمل دوري معلوم معتاد، والغرر فيه مغتفر ليلاشه.

عقود الصيانة التشغيلية المرتبطة بإنتاجية العين: أن تبرم مؤسسة عقدا مع شركة صيانة لآلات التصوير والطباعة، يكون الدفع فيه بناء على عدد الأوراق المطبوعة (مثلا: خمسة قروش لكل ورقة شاملة الحبر والصيانة)؛ فهذا جائز لارتفاع الجهالة، إذ صار الأجر مرتبطا بنسبة الانتفاع الفعلي المحقق لا بالأوهام.

حكم الشراء عبر الإنترنت مع خيار الفحص عند الاستلام

 ما حكم الشراء عبر الإنترنت مع خيار الفحص عند الاستلام؟

هذا التعامل جائز ويخرج على بيع الخيار، أو بيع على الوصف والبرنامج، ويشترط فيه علم المشتري بالثمن وتحديد مدة يسيرة للفحص، على أن يكون الضمان في فترة الخيار على البائع على مشهور المذهب.

البيع على الوصف والبرنامج هو الأصل الفقهي الذي تندرج تحته الصور المعاصرة مثل "الكتالوج" أو "قوائم العرض المصورة" عبر المواقع والتطبيقات، وتكييفه الفقهي يستند إلى قواعد واضحة.

البرنامج عند المالكية هو الدفتر أو السجل الذي تقيد فيه صفات السلع تفصيلا، والبيع بناء عليه جائز على مشهور المذهب، بشرط أن يكون الوصف دقيقا يرفع الجهالة الفاحشة، ويقوم مقام الرؤية البصرية للعين الغائبة.

الكتالوج المعاصر وقوائم العرض بالصور يعتبران تطورا وتحديثا لـ "البرنامج" الفقهي، فالصورة الملونة عالية الدقة مع ذكر القياسات، والوزن، ونوع المادة، والشركة المصنعة، تحقق شرط العلم بالمبيع، وتجعل العقد صحيحا لازما، شريطة مطابقة السلع المستلمة لما ذكر في العرض.

هذا البيع يثبت فيه للمشتري "خيار الرؤية" على مشهور المذهب، فإذا وصلت السلعة وجدها المشتري غير مطابقة للوصف أو الصورة في الكتالوج، كان له الحق في ردها وفسخ العقد، لانتفاء الشرط الذي بني عليه الرضا.

حكم عقود الصيانة السنوية التي تدفع قيمتها مقدما

 ما حكم عقود الصيانة السنوية التي تدفع قيمتها مقدما؟

عقود الصيانة الممتدة للأجهزة والسيارات تشتمل على الغرر والجهالة، لأن المشتري يدفع مالا مقابل خدمة قد تقع وقد لا تقع، فتجرى على منع بيع الغرر، إلا إذا كانت تابعة لعين مشتراة فيغتفر فيها اليسير.

تأصيل هذه المسألة يبنى على قاعدة التبعية واستقلال العقود عند المالكية، ولها تفصيل في النوازل المعاصرة.

عقد الصيانة الممتدة إذا أفرد بعقد مستقل، كان الغرر فيه مؤثرا ومنوعا؛ لأن العقد يتمحور حول بذل مال في مقابل عمل قد يحتاج إليه المشري وقد لا يحتاج إليه مطلقا، فهذا غرر محض في المعقود عليه.

أما إذا كانت الصيانة الممتدة تابعة لعين مشتراة، كأن يشتري المرء سيارة أو جهازا ويكون في صلب العقد شرط الصيانة لمدة معلومة، فإن الغرر في هذه الحالة يغتفر على مشهور المذهب؛ لأن المقصود الأعظم من العقد هو العين المستقرة (السيارة أو الجهاز)، والصيانة جاءت تبعا لا استقلالا.

القاعدة الفقهية المقررة في هذا الباب تفيد أن "يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها"، فالغرر اليسير أو المتوسط الذي يكتنف الصيانة يضمحل في جنب المصلحة العظمى المتحققة من بيع العين، ولا يفسد العقد مادام لم يخرج البيع عن مقصوده الأصلي.

التفرقة الفقهية

1. الصورة الأولى التي تدفع فيها الشركة ضمانا مجانيا مع العين المشتراة (لسنة أو أكثر) تندرج فقهيا تحت باب "الضمان" أو "الكفالة" التابعة للعقد، وهي مشروعة ومغتفرة لأنها دخلت في ثمن العين الأصلي، وهي من التوابع التي يغتفر فيها الغرر.

2. الصورة الثانية، وهي التي تسمى في العرف المعاصر "عقود الصيانة الممتدة المستقلة"، فهي التي يقع فيها الإشكال؛ لأنها تبرم بعد انقضاء مدة الضمان المجاني، أو تبرم مع شركة صيانة ثالثة لا علاقة لها ببائع العين، فيدفع العميل مبلغا مقطوعا سنويا مقابل إصلاح أي عطل قد يحدث.

تفصيل الدفع على القطع ومجانية الأجور، أو المجانية الكاملة، يجرى على القواعد الآتية:

إذا كانت الصيانة مستقلة والأجور مجانية لكن قطع الغيار على العميل، فإن الجهالة تخف في جانب وتظل في جانب آخر، وهي صراع بين الجواز والمنع، والمنع فيها أظهر على مشهور المذهب لشبهها ببيع القمار (يدفع مالا لعله يستفيد من جهد العامل ولعله لا يستفيد).

إذا كانت الصيانة المستقلة شاملة للأجور والقطع معا، فإن الغرر يصل إلى أعلى درجاته؛ لأن المشتري يجهل عدد الأعطال، ويجهل نوعية وعدد قطع الغيار التي ستحتاجها العين، فيصير العقد معاوضة على مجهول محض من الطرفين.

الصورة الثانية التي تمثل عقد الصيانة المستقل بدفع مبلغ مقطوع مقدما، لا يمكن القول بأنها محرمة اتفاقا أو قولا واحدا في المذهب، بل هي محل نظر واجتهاد بين المعاصرين من فقهاء المالكية بناء على تخريج الفروع على الأصول، وذلك لاعتبارين:

الاعتبار الأول يرجع إلى تكييف العقد على أنه "إجارة"، والإجارة يشترط فيها العلم بالعمل والعلم بالأجر، فمنعها بعض الباحثين لوجود الغرر الناشئ عن جهالة العمل (هل ستحتاج العين صيانة أم لا؟ وما مقدارها؟).

الاعتبار الثاني يخرج المسألة على قاعدة "الغرر اليسير المعفو عنه" وقاعدة "المصالح المرسلة" وحاجة الناس المستقرة، فبعض الفقهاء المعاصرين يرى جواز هذه العقود المستقلة إذا جرت في أشياء يغلب على الظن احتياجها للصيانة الدورية (كالسيارات والمصاعد والأجهزة المعقدة)، لأن الغرر هنا ينقلب من غرر فاحش مؤثر إلى غرر يسير أو متوسط تقتضيه المصلحة وتدعو إليه الحاجة، والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.

لذلك، المسألة فيها خلاف معاصر في التخريج الفقهي على أصول المذهب، والقول بالتحريم قولا واحدا أو بالاتفاق فيه نظر، بل الظاهر أن المنع هو الأقرب لقواعد المذهب عند عدم الحاجة، والجواز هو المفتى به عند جني المصلحة وأمن الغرر الفاحش.

الترجيح في هذه المسألة 

ينبني على النظر في قوة الدليل الأصولي ومدى تأثير الغرر في عقود المعاوضات المستقلة، والظاهر الأقرب لأصول المذهب المالكي هو القول بالمنع في عقود الصيانة المستقلة الشاملة، ويستدل لهذا الترجيح بالعلل الأصولية الآتية:

أولا: إعمال قياس العلة على بيوع الغرر والمخاطرة؛ فإن العلة المؤثرة في منع بيع الغرر هي تردد العقد بين الغنم والغرم، وهذه العلة متحققة بكامل وصفها في عقد الصيانة المستقل، إذ يدفع العميل مالا محققا في مقابل عمل ومواد موهومة، فقد يغنم بإصلاح أعطال جسيمة تفوق ما دفعه، وقد يغرم بضياع ماله كاملا دون حصول أي عطل، والتردد بين الغنم والغرم هو حقيقة الميسر.

ثانيا: تقديم دلالة النهي على المصلحة المرسلة؛ فالقول بالجواز اعتمد على فتح ذرائع المصلحة والحاجة، لكن الأصول المقررة تفيد أن المصلحة إذا صادمت نصا خاصا أو قاعدة كلية مقطوعا بها كانت مصلحة ملغاة، والنهي عن بيع الغرر ثابت في السنة الثابتة مطلقا، فلا تخصع هذه الكلية للمصلحة الظنية.

ثالثا: عدم تنزيل هذه المعاملة منزلة الحاجة العامة؛ لأن الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة يشترط فيها أن يترتب على تركها حرج وضيق عام، والأمر في الصيانة المستقلة ليس كذلك، إذ يمكن للمستأجر أو المشتري الاعتماد على الإجارة المشروعة عند وقوع العطل حقيقة، فيدفع أجر العمل ويمتلك قطع الغيار بعقد معلوم مستقر، وبوجود هذا البديل الشرعي يسقط الاستدلال بالحاجة.


حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة (كالبتكوين)

 ما حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة (كالبتكوين)؟

التعامل بالعملات الرقمية المشفرة لا يجوز على مشهور المذهب، نظرا لانتفاء الثمنية شرعا لعدم اعتمادها من الجهات الرسمية، فضلا عن تحقق علة الغرر الكبير والجهالة في حقيقتها وقيمتها، مما يلحقها ببيوع المخاطرة والميسر.

تحقيق القول في هذه المسألة يستدعي النظر في حقيقة "الثمنية" عند المالكية، والفرق بين الثمنية الحقيقية (كالذهب والفضة) والثمنية الحكمية (كالنقود الورقية والاصطلاحية).

النقود الورقية الحالية (كالدولار وغيره) وإن كانت غير مدعومة بالذهب، إلا أنها تستمد ثمنيتها الحكمية من "السلطنة" أي إلزام القانون والشرعية الدولية، وجعلها معيارا عاما لتقييم السلع وضمان الحقوق، وهو ما يرفع عنها الجهالة والغرر ويحقق بها معنى "الرواج" المستقر.

أما العملات الرقمية المشفرة، فلم يتحقق فيها هذا الشرط على مشهور المذهب لعدة اعتبارات:

أولا: الثمنية الحكمية عند المالكية لا تثبت بمجرد تراضي أفراد طائفة معينة على اتخاذ شيء ثمنًا في سوق خاصة (كالبورصات الرقمية)، بل تفتقر إلى الاستقرار العام والاعتراف السيادي الذي يحمي التمويل ويمنع تبخر الثروات فجأة.

ثانيا: قياسها على الدولار غير المدعوم بالذهب فيه نظر؛ لأن الدولار مدعوم بقوة اقتصاد دولة، ومحمٍ بقوانينها ومؤسساتها، وتضمن الدولة الوفاء به في المعاملات، بينما العملات الرقمية تفتقر إلى جهة ضامنة أو مرجعية قانونية تحمي المستهلك عند الانهيار.

ثالثا: التداول في البورصات لا يمنح الشيء ثمنية شرعية حكمية، بل قد يكون مجرد مضاربة على "أصول رقمية" مجهولة الحقيقة، والمالكية يشترطون في الثمن أن يكون مأمونا من الغرر العظيم، والتقلبات الحادة للعملات الرقمية تنقلها من مسمى "الثمن" إلى مسمى "المخاطرة والقمار".

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.