خُلُودُ الكُفَّارِ فِي النَّارِ وَصَرِيحُ القُرْآنِ فِي بُطْلَانِ دَعْوَى انْقِطَاعِ العَذَابِ
هذا رد على ابن تيمية الحراني وابن عربي الحاتمي في زعمهما انقطاع العذاب عن الكفار سواء بفناء النار كما عند ابن تيمية أو بانقلاب العذاب الى عذوبة عند ابن عربي
من المسائل التي دلَّ عليها القرآن الكريم دلالةً متكررةً ظاهرةً: خلود الكفار في النار، وعدم انقطاع عذابهم.
وليس المقام محتاجًا إلى التعلُّق بنصٍّ واحدٍ محتمل الدلالة، بل القرآن جمع في مواضع كثيرة بين إثبات الخلود، ونفي الموت، ونفي التخفيف، ونفي التفريج، وذكر مكوثهم في النار، حتى تتضافر هذه المعاني جميعًا في تقرير الحقيقة نفسها.
ومن أصرح المواضع في ذلك قول الله تعالى في سياق الرد على دعوى اليهود:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۗ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 80-82].
دعوى المدة المحدودة
كان من دعوى اليهود أن النار لا تمسهم إلا مدةً محدودةً تنتهي بانتهاء تلك الأيام.
فأبطل الله تعالى دعواهم أولًا بقوله:
﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ثم جاء البيان الحاسم:
﴿بَلَىٰ ... فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فالسياق القرآني انتقل من دعوى الأمد المحدود إلى إثبات الخلود.
وليس هذا مجرد تشابه في الألفاظ؛ فإن مقابلة القول بانتهاء العذاب بإثبات الخلود تجعل دلالة السياق في غاية الوضوح: العذاب الذي أخبر الله عن خلود صاحبه فيه لا يصح حمله على عذاب له نهاية محددة ينتهي عندها.
ثم أكّد القرآن المعنى بذكر المقابل مباشرة:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فذكر خلود أهل النار، ثم خلود أهل الجنة، في سياق واحد، يرفع توهُّم إرادة مجرد طول المكث دون بقاء.
الخلود ليس مجرد طول مدة
ومن الخطأ أن يُنظر إلى لفظ الخلود في هذه النصوص مجردًا عن القرائن التي أحاطت به.
فالقرآن لم يكتف بقوله:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
بل ضم إليه نصوصًا تنفي انتهاء العذاب بطرق متعددة.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفْ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ... فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 36-37].
فتأمل اجتماع:
عدم الموت، وعدم تخفيف العذاب، واستمرار المكوث في النار.
وهذا أبعد ما يكون عن صورة عذاب مؤقت ينتهي بانتهاء مدته.
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ... وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 74-77].
فهنا يجتمع الخلود مع نفي الفتور، ثم يأتي طلبهم إنهاء العذاب بالموت، فيكون الجواب:
﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
فأيُّ معنى لبقاء العذاب إلى أمد ينتهي، مع هذا السياق الذي ينفي الموت والفتور ويثبت المكوث؟
تكرار النفي في القرآن
وتتكرر هذه المعاني في مواضع متعددة، قال تعالى:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162].
وقال:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: 88].
وقال سبحانه:
﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69].
وقال:
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [النحل: 85].
وهذه النصوص لا تذكر مجرد أصل العذاب، وإنما تصف استمراره وتنفي وجوه الانقطاع والتخفيف.
الاستغاثة من داخل النار
ومن أبلغ ما يرد في هذا الباب أن القرآن حكى لنا أحوال أهل النار وهم فيها، فقال:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَىٰ قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49-50].
فهم لا يطلبون نعيمًا، وإنما يطلبون تخفيف العذاب يومًا واحدًا، ويأتي الجواب بما يدل على أن دعاءهم لا يحقق لهم ما يريدون.
وهذا كله ينسجم مع قوله تعالى:
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ﴾.
الاستدلال من مجموع النصوص
وعند جمع هذه النصوص بعضها إلى بعض تظهر بنية الاستدلال القرآني بوضوح:
فليس الاستدلال إذن قائمًا على لفظ واحد يمكن عزله عن سياقه، وإنما على تراكم نصوص متضافرة المعنى.
وأما دعوى أن العذاب ينقطع
فإذا قيل: إن الكافر يخلد في النار، ولكن العذاب نفسه ينقطع في وقت من الأوقات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما معنى الخلود الذي أثبته القرآن في هذه المواضع، مع نفي الموت والتخفيف والفتور، وإثبات المكوث؟
ثم إن القول بأن العذاب له نهاية يجعله عذابًا محدود الأمد، فيكون من جنس الدعوى التي أبطلها القرآن في قوله تعالى:
﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
والفارق بين مجرد اختلاف التفاصيل وبين أصل المعنى لا ينبغي أن يحجب دلالة النص: القرآن أبطل تحديد عذاب الكافر بمدة تنتهي، وأثبت بدل ذلك الخلود.
الخلاصة
الذي يقرأ مجموع الآيات الواردة في هذا الباب يجد أن القرآن يقرر خلود الكفار في النار بعبارات متعددة، ويقرن الخلود بنفي الموت، ونفي التخفيف، ونفي الفتور، وإثبات المكوث.
ومن ثم فدعوى انتهاء عذاب الكفار لا تنسجم مع هذا البناء القرآني المتضافر، ولا يكفي في دفع هذه النصوص تأويل لفظ «الخلود» إلى مجرد المكث الطويل؛ لأن القرآن نفسه قرن هذا اللفظ بقرائن أخرى تنفي ما يقتضي انتهاء العذاب أو زواله.
وهذه المسألة من مسائل الاعتقاد التي تضافرت فيها نصوص الوحي، فلا يصح التعامل مع آية واحدة بمعزل عن سائر الآيات، بل الواجب جمع النصوص وردُّ المتشابه إلى المحكم، وفهم بعضها في ضوء بعض.
والقرآن في هذا الباب واضح في تقرير أصل جامع:
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
ثم يفسر معنى هذا الخلود بسائر نصوصه:
﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.
فمن أراد إثبات انتهاء العذاب بعد ذلك، فعليه أن يبين وجه الجمع بين هذا التقرير القرآني المتكرر وبين دعوى الانقطاع، لا أن يكتفي بإثبات إمكان التأويل من جهة اللغة أو بنقل بعض الأقوال المجردة عن مجموع سياقات الوحي.