جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

المعتدة في الاحداد والخروج للأعراس

  لَمْ يَقَيِّدْ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ لِلْعُرْسِ نَهَارًا بِسِنٍّ مَخْصُوصَةٍ (كَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً)؛ بَلْ جَاءَ النَّصُّ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مُطْلَقًا فِي حَقِّ «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا» أَوْ «الْمُطَلَّقَةِ» إِذَا دُعِيَتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ شَابَّةً أَمْ عَجُوزًا.
لَمْ يَلْتَزِمِ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطَ «الْكِبَرِ أَوْ الصِّغَرِ» فِي خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ لِلْعُرْسِ؛ وَإِنَّمَا أَنَاطُوا الْحُكْمَ بِـ

1. الْخُرُوجِ نَهَارًا  2.  عَدَمِ التَّزَيُّنِ  3. خُلُوِّ الْعُرْسِ مِنَ الْمُنْكَرِ 4. لُزُومِ الْمَبِيتِ فِي الْبَيْتِ 5. مَدْعُوَّةٌ لِلْعُرْسِ

فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمَنَاطَاتُ جَازَ لِلشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ عَلَى السَّوَاءِ. إِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي «الْخُرُوجِ لِلْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةِ وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ الْعَامَّةِ»؛ حَيْثُ يُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ خُرُوجُ الشَّابَّةِ الْمُتَجَمِّلَةِ الَّتِي تُشْتَهَى أَيْ: مُهَيَّأةٌ لِلزَّواجِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَيُرَخَّصُ لِلْمُتَجَالَّةِ (الْكَبِيرَةِ). أَمَّا فِي «شُهُودِ الْعُرْسِ» لِلْمُعْتَدَّةِ، فَقَدْ جَرَى النَّصُّ عَلَى الإِبَاحَةِ لِلْجَمِيعِ إِذَا أَمِنَتِ الْفِتْنَةَ وَالتَزَمَتْ بِأَحْكَامِ الإِحْدَادِ.

فِي انْخِرَامِ مَنَاطَاتِ رُخْصَةِ الْخُرُوجِ لِلْأَعْرَاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ

 قُلْتُ : «وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ نِسَاءِ هَذَا الزَّمَانِ يَلْتَزِمْنَ بِبَعْضِ مَنَاطَاتِ الرُّخْصَةِ — كَلُزُومِ الْمَبِيتِ فِي الْمَسْكَنِ وَاجْتِنَابِ التَّصَنُّعِ بالزِّينَةِ المُنَافِي لِلْإِحْدَادِ — فِي حِينِ يُخِلَّنَ بِأَعْظَمِ أَرْكَانِهَا الْمَنَاطِيَّةِ اسْتِسْهَالًا وَتَهَاوُنًا؛ وَذَلِكَ بِالْخُرُوجِ لَيْلًا إِذْ صَارَتْ غَالِبُ أَعْرَاسِ الْعَصْرِ لَيْلِيَّةً، مَعَ شُهُودِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي قَلَّ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهَا مَشْهَدٌ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي. فَالْوَاجِبُ التَّنَبُّهُ لِهَذَا الِانْخِرَامِ الْمَنَاطِيِّ الَّذِي يُبْطِلُ الرُّخْصَةَ وَيُوجِبُ الْمَأْثَمَ، حَذَرًا مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْخَطَوَاتُ هِيَ الْقَاصِمَةَ لِلْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

متى تعتد المرأة سنة كاملة

 السَّنَةُ الْبَيْضَاءُ مَنَاطُهَا الشَّرْعِيُّ هُوَ «التَّرَبُّصُ وَمَنْعُ الْخِطْبَةِ وَالنِّكَاحِ» حَسْمًا لِلْمَادَّةِ وَاحْتِيَاطًا لِلأَنْسَابِ، مَعَ اسْتِمْرَارِ أَهْلِيَّتِهَا لِلْعِبَادَاتِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ كَالطَّاهِرَاتِ. تُسْتَخْدَمُ السَّنَةُ الْبَيْضَاءُ كُلَّمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مَعَ انْقِطَاعِ أَمَارَةِ الْحَيْضِ الْحِسِّيَّةِ، لِيَكُونَ التِّسْعَةُ أَشْهُرٍ لِاسْتِبْرَاءِ الْحَمْلِ، وَالثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِلْعِدَّةِ التَّعَبُّدِيَّةِ.

تُسْتَخْدَمُ فِي الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ فِي أَبْوَابِ الْعِدَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْأَقْرَاءِ (الْأَطْهَارِ/الْحِيَاضِ) حِسًّا أَوْ شَرْعًا مَعَ عَدَمِ الْبُلُوغِ حَدَّ الْإِيَاسِ، وَذَلِك فِي خَمْسِ صُوَرٍ رَئِيسِيَّةٍ ضَبَطَهَا شُرَّاحُ «مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»:

 1. الْمُرْتَابَةُ بِغَيْرِ سَبَبٍ (مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا فُجَاءَةً):

الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ انْتِظَامًا، ثُمَّ طُلِّقَتْ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَانْقَطَعَ فُجَاءَةً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَعْرُوفٍ (كَمَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ)؛ فَهَذِهِ تَنْتَظِرُ سَنَةً بَيْضَاءَ (تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ وَاحْتِمَالِ الْحَمْلِ + ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عِدَّةً).

 2. الْمُسْتَحَاضَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ (الَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَعَجَزَتْ عَنِ التَّمْيِيزِ):

الْمُطَلَّقَةُ الَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَلَمْ تَعْرِفْ دَمَ حَيْضِهَا مِنْ دَمِ مَرَضِهَا (بِلاَ لَوْنٍ أَوْ رَائِحَةٍ أَوْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ)؛ فَتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمُرْتَابَةِ وَتَعْتَدُّ بِـ السَّنَةِ الْبَيْضَاءِ اتِّفَاقًا.

 3. الْمُرْضِعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الرَّضَاعِ وَالْفِطَامِ:

الْمُطَلَّقَةُ الْمُرْضِعُ الَّتِي انْقَطَعَ دَمُهَا حَالَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ فَطَمَتْ وَلَدَهَا وَانْقَطَعَ الرَّضَاعُ حَقِيقَةً ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا الْحَيْضُ؛ فَتَبْدَأُ حِينِئِذٍ بِاحْتِسَابِ سَنَةٍ بَيْضَاءَ مِنْ يَوْمِ قَطْعِ الرَّضَاعِ.

 4. الْمُمْتَدَّةُ طُهْرُهَا عِنْدَ فَوْاتِ زَمَنِ الْعَادَةِ:

الْمَرْأَةُ الَّتِي مِنْ عَادَتِهَا أَنْ تَأْتِيَهَا الْحَيْضَةُ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَوْ كُلَّ خَمْسِ سِنِينَ أَوْ عَشْرِ سِنِينَ؛ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ عَادَتِهَا الْمُعْتَادُ فَلَمْ تَحِضْ فِيهِ، صَارَتْ مُرْتَابَةً وَانْتَقَلَتْ إِلَى الاعْتِدَادِ بِـ السَّنَةِ الْبَيْضَاءِ.

 5. الْمُطَلَّقَةُ الْمَرِيضَةُ الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بِالسَّقَمِ ثُمَّ بَرِئَتْ:

الْمَرْأَةُ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا بِسَبَبِ مَرَضٍ طَارِئٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَرَضُ وَبَرِئَتْ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا الْحَيْضُ، اسْتَقْبَلَتْ سَنَةً بَيْضَاءَ مِنْ يَوْمِ بُرْئِهَا وَشِفَائِهَا.

لَا يَا بَاشَا، لَا تَمْتَنِعُ الْمَرْأَةُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي أَيَّامِ «السَّنَةِ الْبَيْضَاءِ»؛ بَلْ يُجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ كَأَيِّ امْرَأَةٍ طَاهِرٍ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي المَذْهَبِ المَالِكِيِّ كَالْتَّالِي:

1. حَالَةُ المُرْتَابَةِ (وَالمُرْضِعِ وَالمَرِيضَةِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهُنَّ):

هَاتِهِ الْمَرْأَةُ لَا تَرَى دَمًا أَصْلًا طِيلَةَ «السَّنَةِ الْبَيْضَاءِ»، وَإِنَّمَا احْتِسابُ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ الثَّلَاثَةِ أَشْهُرٍ هُوَ تَرَبُّصٌ لِلْعِدَّةِ فَقَطْ (أَيْ مَنْعٌ مِنَ النِّكَاحِ وَالْخِطْبَةِ)، أَمَّا عِبَادَاتُهَا مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ فَهِيَ فِيهَا طَاهِرٌ يَقِينًا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَيَصِحُّ مِنْهَا الصَّوْمُ.

2. حَالَةُ المُلْتَبِسِ عَلَيْهَا (المُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ المُمَيِّزَةِ):

المُسْتَحَاضَةُ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا الدَّمُ بَاسْتِمْرَارٍ وَلَمْ تَسْتَطِعْ تَمْيِيزَ الحَيْضِ، يُعْتَبَرُ دَمُهَا دَمَ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ (اسْتِحَاضَةً) لَا دَمَ حَيْضٍ؛ فَتَغْتَسِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ يَقِينِ الِاسْتِحَاضَةِ، ثُمَّ تُصَلِّي وَتَصُومُ فِِي جَمِيعِ أَيَّامِ هَذِهِ السَّنَةِ (تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ حَسَبَ قَوَاعِدِ سَلَسِ المَذْهَبِ)، وَلَا تَمْتَنِعُ عَنِ العِبَادَةِ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَا الصَّوْمَ.

«السَّنَةِ الْبَيْضَاءِ» فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ: 

السَّنَةُ الْبَيْضَاءِ هِيَ: مُدَّةُ سَنَةٍ قَمَرِيَّةٍ كَامِلَةٍ (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) تَمْرُّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ نَقِيَّةً خَالِيَةً عَنِ الْحَيْضِ (أَوْ خَالِيَةً عَنِ التَّمْيِيزِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ). وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا سَنَةٌ خَالِيَةٌ وَعَارِيَةٌ عَنِ «السَّوَادِ» (وَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ)؛ فَالْعَرَبُ وَالْفُقَهَاءُ يُعَبِّرُونَ عَنِ النَّقَاءِ وَتَرْكِ الدَّمِ بِـ «الْبَيَاضِ»، وَعَنِ الْحَيْضِ بِـ «السَّوَادِ» لِقَوْلِهِ ×: «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ». وكَيْفِيَّةُ احْتِسَابِهَا فِي عِدَّةِ الْمُرْتَابَةِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ:

تَتَكَوَّنُ «السَّنَةُ الْبَيْضَاءُ» فِي حَقِّ الْمُرْتَابَةِ (أَوْ الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ) مِنْ جُزْأَيْنِ: تِسْعَةِ أَشْهُرٍ (أَمَدِ الْحَمْلِ): وَهِيَ زَمَنُ الاِرْتِيَابِ وَالاِحْتِيَاطِ لاِحْتِمَالِ وُجُودِ حَمْلٍ خَفِيٍّ في الرَّحِمِ. وثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ (عِدَّةِ الآئِسَةِ/الصَّغِيرَةِ): تَسْتَقْبِلُهَا بَعْدَ تَمَامِ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ وَلَمْ يَأْتِ حَيْضٌ.

فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ: (9 أَشْهُرٍ + 3 أَشْهُرٍ = 12 شَهْرًا كَامِلَةً)، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِـ «السَّنَةِ الْبَيْضَاءِ»

x

هل القروء الطهر أو الحيض

 «الْقَرْءُ» فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي المُرَادِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}:
• الْقَوْلُ الْأَوَّلُ (أَنَّهَا الْأَطْهَارُ): وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ)، وَبِهِ قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَمَاهِيرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَالسَّلَفِ (كَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدَ.
• الْقَوْلُ الثَّانِي (أَنَّهَا الْحِيَاضُ): وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالسُفْيَانِان الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَرِوِيٌّ عَنْ جَمْعٍ غَفِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ)، وَعَامَّةِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ (كَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ).
• تَرْجِيحُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لِكَوْنِ «الْأَقْرَاءِ» هِيَ الْأَطْهَارَ يُعْزَى إِلَى ثَلَاثَةِ مَآخِذَ ٍ:
1. التَّنْسِيقُ مَعَ زَمَنِ الطَّلَاقِ
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]؛ أَيْ فِي اسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بَيَّنَتْ أَنَّ الطَّلَاقَ الشَّرْعِيَّ يَكُونُ فِي «الطُّهْرِ» لَا فِي «الْحَيْضِ». فَلَوْ كَانَتِ الْعِدَّةُ هِيَ الْحِيَاضَ، لَكَانَ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ طَلَاقًا فِي غَيْرِ عِدَّةٍ (لِأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ سَيَلْغَى وَلَا يُحْسَبُ)، وَهَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الآيَةِ، بَيْنَمَا إِذَا جُعِلَتِ الْأَقْرَاءُ هِيَ الْأَطْهَارَ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَبْدَأُ فَوْرًا مِنْ بَقِيَّةِ الطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ.
2. التَّأْنِيثُ النَّحْوِيُّ فِي الْعَدَدِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}؛ جَاءَ الْعَدَدُ مَكْتُوبًا بِالتَّاءِ «ثَلَاثَةَ» (مُؤَنَّثًا)، وَقَوَاعِدُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَقْضِي بِأَنَّ الْعَدَدَ يُؤَنَّثُ مَعَ الْمُمَيَّزِ الْمُذَكَّرِ، وَ«الطُّهْرُ» مُذَكَّرٌ (يُقَالُ: هَذَا طُهْرٌ)، فَيُقَالُ مَعَهُ: «ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ»، بِخِلَافِ «الْحَيْضَةِ» فَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُرَادَةَ لَقِيلَ: «ثَلَاثُ قُرُوءٍ» بِالتَّذْكِيرِ.
3. عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالنَّقْلُ عَنِ الصَّحَابَةِ:
صِحَّةُ النَّقْلِ عَنْ عَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّ «الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ»، وَحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمَاعَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَفِقْهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُقَدَّمٌ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَخَارِجِ التَّنْزِيلِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ.

أَلْفَاظِ الصّرِيحِ فِي الطّلَاقِ

 أَشَارَ الشّيْخُ خَلِيلٌ إِلَيْهِ بقَوْلِهِ: (وَلَفْظُهُ طَلّقْت، وَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ، أَوْ مُطَلّقَةٌ أَوْ الطّلَاقُ لِي لَازِمٌ، لَا مُنْطَلِقَةٌ. وَتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ)

َهِيَ مَسْأَلَةٌ مَبْنِيّةً عَلَى قَاعِدَةِ (الصّرِيحِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النّيّةِ لِلْإِيقَاعِ وَيَتَعَيّنُ فِي أَلْفَاظٍ مَحْصُورَةٍ)

وَاُصولُنا فيها : 

الْأَصْلُ الْأَوّلُ (حَصْرُ أَلْفَاظِ الصّرِيحِ فِي الأَرْبَعَةِ): أَنّ الصّرِيحَ المُنْحَصِرَ فِي عُرْفِ الشّرْعِ وَالمَذْهَب هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى حُرُوفِ (الطّاءِ وَاللّامِ وَالقَافِ) وَجَرَى العُرْفُ باسْتِعْمَالِهِ ، وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ: (طَلّقْتُ، وَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ مُطَلّقَةٌ، أَوْ الطّلَاقُ لِي لَازِمٌ)، بَيْنَمَا تَبْقَى أَلْفَاظٌ كَـ (مُنْطَلِقَةٍ وَمَطْلُوقَةٍ وَمُطْلَقَةٍ بسُكُونِ الطّاءِ) مِنَ الكِنَايَاتِ أَوِ الإِخْبَارِ الخَالِصِ فَلَا يَقَعُ بهَا طَلَاقٌ إِلّا بنِيّةٍ.

الْأَصْلُ الثّانِي (لُزُومُ الوَاحِدَةِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ وَاعْتِبَارِ النّيّةِ): أَنّ صَدُورَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الأَرْبَعَةِ يُوجِبُ وُقُوعَ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ رَجْعِيّةٍ إِذَا لَمْ يَنْوِ الزّوْجُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ لو لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيّةٌ، بَيْنَمَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ إِنْ نَوَى الاثْنَتَيْنِ أَوِ الثّلَاثَ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الشّرّاحِ فِي إِيجَاب اليَمِينِ لِلتّهْمَةِ أَوْ عَدَمِهَا عِنْدَ الإنْكَارِ (عَلَى المَشْهُورِ

 الصَّرِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (مَادَّةُ الطَّلاَقِ فَقَطْ): اللَّفْظُ الصَّرِيحُ: هُوَ لَفْظُ «الطَّلاَقِ» وَتَصَارِيفُهُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْهُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الإِنْشَاءِ (مِثْلُ: «أَنْتِ طَالِقٌ»، «طَلَّقْتُكِ»، «عَلَيَّ الطَّلاَقُ»). 

حُكْمُهُ: يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (قَضَاءً وَدِيَانَةً) بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهِ، وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى عَدَمِ القَصْدِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَنُوِ الطَّلاَقَ. يَخْتَلِفُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْدِيدِ الأَلْفَاظِ؛ فَالْمَالِكِيَّةُ يَخُصُّونَ الصَّرِيحَ بِلَفْظِ «الطَّلاَقِ» وَمَا اشْتُقَّ مِنْهُ فَقَطْ، وَيَجْعَلُونَ «الْفِرَاقَ» وَ«السَّرَاحَ» مِنَ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.

حُكْمُ لَفْظَيْ «الْفِرَاقِ» وَ«السَّرَاحِ» عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُرُودِ اللَّفْظَيْنِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ / أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَعْتَبِرُونَهُمَا صَرِيحًا كَالشَّافِعِيَّةِ، بَلْ يُدْخِلُونَهُمَا فِي «الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ»:

سَبَبُ عَدَمِ جَعْلِهِمَا صَرِيحًا: لِأَنَّ عُرْفَ الاِسْتِعْمَالِ فِي لِسَانِ النَّاسِ لاَ يَجْعَلُهُمَا خَالِصَيْنِ فِي حَلِّ عِقْدَةِ النِّكَاحِ مِثْلَ لَفْظِ «الطَّلاَقِ»، بَلْ يَحْتَمِلاَنِ الْفِرَاقَ فِي الأَبْدَانِ أَوْ السَّرَاحَ مِنَ المَحْبِسِ أَوْ الْمَنْزِلِ.

حُكْمُهُمَا (حُكْمُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ):

يَفْتَقِرَانِ إِلَى النِّيَّةِ: وَتَكُونُ نِيَّتُهُ حَاكِمَةً فِي عَدَدِ الطَّلَقَاتِ. وإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرُدِ الطَّلاَقَ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي القَضَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ كِنَايَةٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الطَّلاَقِ 

وَمَعْنَاهَا : أَنّ أُصُولَ الْمَذْهَب الْمَالِكِيّ فِي بَاب «تَعْيِينِ أَلْفَاظِ الإِنْشَاءِ الصّرِيحِ» بَيّنَتْ أَنّ الشّارِعَ وَالعُرْفَ الفِقْهِيّ ضَبَطَا الصّرِيحَ بمَا لَا يَقْبَلُ الصّرْفَ عَنْ مَعْنَى الطّلَاقِ بمُجَرّدِ الدّعْوَى:

فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَاحِدًا مِنَ الأَلْفَاظِ الأَرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الطّلَاقُ حَتْمًا وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَنّهُ أَرَادَ غَيْرَهُ (كَأَنْ يَدّعِيَ أَنّهُ أَرَادَ الخُرُوجَ أَوْ فَكَّ الوِثَاقَ)؛ لِأَنّ العُرْفَ نَقَلَهَا مِنَ المَعْنَى اللّغَوِيّ إِلَى الإِنْشَاءِ الصّرِيحِ.

وَيَتَرَتّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنّ تِلْكَ الصّيغَةَ مَحْمُولَةٌ شَرْعًا عَلَى إِيقَاعِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ إِذَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، وَتَكُونُ رَجْعِيّةً فِي المَدْخُولِ بهَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهَا الطّلَاقُ، وَهَذَا هُوَ التّحْقِيقُ المُعْتَمَدُ عِنْدَ الإِمَامِ الدّرْدِيرِ وَالشّيْخِ الدّسُوقِيّ وَ.

أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ :

• مِثَالٌ 1 (إِطْلَاقُ لَفْظِ الصّرِيحِ بلَا نِيّةٍ): أَنْ يَقُولَ الزّوْجُ لِزَوْجَتِهِ فِي حَالَةِ خِصَامٍ: "أَنْتِ طَالِقٌ"، ثُمّ يَدّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يُرِدْ إِيقَاعَ الطّلَاقِ الحَقِيقِيّ بَلْ أَرَادَ المَزَاحَ أَوِ الخُرُوجَ.

o حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَب : يَقَعُ الطّلَاقُ وَتَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيّةٌ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى صَرْفِهِ عَنِ المَعْنَى العُرْفِيّ.

• مِثَالٌ 2 (اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِ الخَبَرِ غَيْرِ الصّرِيحَةِ): أَنْ يَقُولَ لَهَا: "أَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ" أَوْ "مُطْلَقَةٌ" (بسُكُونِ الطّاءِ).

o حُكْمُهَا فِي الْمَذْهَب : لَا يَقَعُ الطّلَاقُ بهَا إِلّا إِذَا نَوَى بهَا الحَلّ؛ لِكَوْنِهَا مِنَ الكِنَايَاتِ أَوْ الأَلْفَاظِ الخَبَرِيّةِ غَيْرِ المَنْقُولَةِ عُرْفًا.




👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->