جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

آراء شيخ الإسلام مصطفى صبري في الصوفية

القول بوحدة الوجود ليس ثمرة كشفٍ صوفي صحيح ولا ذوقٍ إيماني، وإنما هو فلسفة عقلية دخيلة تسربت إلى بعض كتب التصوف، وأصلها مأخوذ من فلسفات سابقة، فإذا بطل الأصل بطل ما تفرع عنه.

ثم يفرق بين:

  • وحدة الشهود: وهي أن يغيب السالك عن ملاحظة المخلوقات لاستغراقه في شهود عظمة الله، مع بقاء اعتقاده بأن الله غير العالم، وأنه يرى الله ولا يرى العالم في تلك الحال. وهذا يعده المؤلف مقامًا من مقامات التصوف السني.

  • وحدة الوجود: وهي القول بأن وجود العالم هو عين وجود الله، أو أن العالم ليس له وجود مستقل، بل وجوده هو وجود الله. ويرى المؤلف أن هذا القول ناشئ عن الفلسفة لا عن التجربة الصوفية.

ويقرر أن من قال: «الله هو الوجود» على المعنى الذي يساوي بين الخالق والمخلوق فقد وقع في أصل فلسفة وحدة الوجود، لأن هذا يؤدي إلى اعتبار جميع الموجودات مظاهر للوجود الإلهي، وهو ما يرفضه المؤلف ويعده باطلًا.

فالخلاصة النهائية: الصفحة تميز بين وحدة الشهود المقبولة عند كثير من أهل التصوف، ووحدة الوجود التي يعدها المؤلف مذهبًا فلسفيًا دخيلًا مخالفًا لعقيدة الإسلام.

من كلام شيخ الإسلام مصطفى صبري، وهي من كتابه «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين»، في الجزء الثالث، ضمن المباحث التي ناقش فيها وحدة الوجود وردَّ عليها. وقد نقلت دراسات أكاديمية عديدة عبارات من هذا الموضع نفسه مع الإحالة إلى الجزء الثالث من الكتاب. 


وحدة الوجود وإن جملوها بالوحدة المطلقة

 هذه المصطلحات قد تُستعمل بمعانٍ مختلفة عند الفلاسفة والمتصوفة، لذلك لا يمكن الحكم عليها بمجرد الاسم، بل لا بد من معرفة المراد بها.
لكن إذا قصد بها المعاني الشائعة في الدراسات العقدية، فيمكن التفريق كالآتي:
وحدة الوجود: وهي القول بأن الوجود الحقيقي واحد، وأن الخالق والمخلوق ليس بينهما تغاير حقيقي، وإنما الكثرة مجرد مظاهر أو تجليات. وهذا من أخطر المذاهب، وقد حكم علماء أهل السنة ببطلانه وكفر من اعتقد حقيقته؛ لأنه يزيل الفرق بين الرب والعبد.
الوجود الواحد: ليس اسماً لمذهب مستقل، وإنما قد يكون مجرد تعبير آخر عن وحدة الوجود عند بعض الكتّاب، وقد يراد به معنى فلسفي مختلف. فإن أريد به أن الوجود الحقيقي واحد هو الله، وأن الموجودات ليست مباينة له، فهو عين وحدة الوجود في المعنى.
الوحدة المطلقة: هذا أيضاً اصطلاح مجمل. فإن أريد به نفي كل تمايز على الإطلاق، وأن الحقيقة واحدة لا ثنائية فيها بين الخالق والمخلوق، فهو أعم وأشد غلواً؛ لأنه ينفي كل صور التغاير، ويُعد أساساً فلسفياً تنبني عليه وحدة الوجود.
فالترتيب - إذا أريد بهذه المصطلحات معانيها الوجودية الشائعة - يكون تقريباً:
الوحدة المطلقة (إن قصد بها نفي كل تغاير مطلقاً) هي الأعم والأشد.
ثم وحدة الوجود، وهي التطبيق العقدي لهذا الأصل.
أما "الوجود الواحد" فغالباً هو مجرد تسمية أخرى لوحدة الوجود، وليس مذهباً مستقلاً.
أتباع ابن عربي وعبد الكريم الجيلي، فإن هذه المصطلحات متقاربة جداً، لكن بينها فروق في مستوى التنظير:
الوحدة المطلقة: هي الأصل الفلسفي الأعلى عندهم، ومعناها أن الحقيقة في نفسها واحدة لا يقابلها شيء على الحقيقة، وأن كل ما يظهر من كثرة ليس إلا اعتبارات أو تجليات. فهي الأساس الذي تُبنى عليه بقية النظريات.
الوجود الواحد: هو التعبير عن أن الوجود في الحقيقة واحد، وليس هناك وجودان مستقلان: وجود للخالق ووجود للمخلوق، بل الموجودات كلها ظهورات لذلك الوجود الواحد.
وحدة الوجود: هو الاسم الأشهر للمذهب كله، ويُطلق على النتيجة العقدية المترتبة على الأصلين السابقين، وهي أن الوجود واحد، وأن التعدد إنما هو في الصور والتعينات لا في حقيقة الوجود.
ولهذا فإن كثيراً من الباحثين يرون أن:
الوحدة المطلقة هي الجذر النظري.
الوجود الواحد هو تقرير لهذا الجذر بلغة الوجود.
وحدة الوجود هي الاسم المشهور للمذهب عند المتأخرين.
ولذلك لا يصح عدُّها ثلاثة مذاهب مستقلة، بل هي حلقات في بناء فكري واحد عند المدرسة الوجودية.
ومن جهة العقيدة السنية، فإن ما ينتهي إليه هذا المذهب من نفي المباينة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، وجعل الكثرة مجرد تجليات أو تعينات، قد أنكره علماء أهل السنة وعدّوه من أبطل الأقوال لمخالفته النصوص القطعية الدالة على تمييز الخالق عن خلقه واستوائه على عرشه مع مباينته لمخلوقاته.

كِتَابُ «تَذَوُّقُ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»

 #مكتبتي_المقروءة
كِتَابُ «تَذَوُّقُ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»
بُشْرَى عِلْمِيَّةٌ لِطَلَبَةِ الْفِقْهِ الْمَالِكِيِّ وَشُرَّاحِ الْمُتُونِ
بَعْدَ أَنْ قَدَّمْنَا لَكُمْ سِلْسِلَةَ التَّحْقِيقَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْ «الْأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ»، وَ«الْقَوَاعِدَ الْفِقْهِيَّةَ»، وَ«مَفَاهِيمَ الْمُخَالَفَةِ والدَّلالات»، وَ«التَّحْلِيلَ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ» فِي رِحَابِ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ؛ يَسُرُّنَا أَنْ نَضَعَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَحْدَثَ الْإِصْدَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُمَيَّزَةِ الْجَاهِزَةِ الْآنَ لِلتَّحْمِيلِ الْمُبَاشِرِ.  كِتَابُ «تَذَوُّقُ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ»
وهو تَشْرِيحٌ بَلَاغِيٌّ وَنَحْوِيٌّ فَرِيدٌ.
الْمَحْتَوَى؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَتْنُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ مُجَرَّدَ جَمْعٍ لِلْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ، بَلْ هُوَ هَنْدَسَةٌ لُغَوِيَّةٌ عَالِيَةُ الرَّصَانَةِ. يَأْتِي هَذَا الْكِتَابُ لِيَكْشِفَ عَنْ أَسْرَارِ الْإِيجَازِ، وَالِاحْتِبَاكِ، وَالْإِحَالَاتِ النَّحْوِيَّةِ، وَجَمَالِيَّاتِ الصِّيَاغَةِ الَّتِي تَزْخَرُ بِهَا الْعِبَارَاتُ الْخَلِيلِيَّةُ، مِمَّا يُعِينُ الْبَاحِثَ عَلَى فَهْمِ الْمَتْنِ فَهْماً بَلَاغِيّاً مُتَكَامِلاً يُفْضِي إِلَى دِقَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ.

«وَهَذَا الْإِصْدَارُ (بِالتَّوَازِي): مَعَ كِتَابِ «إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسَائِلِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ» عَمَلٌ فِقْهِيٌّ مُؤَصَّلٌ، مِنَ الدَّلِيلِ إِلَى بَيَانِ الْأَقْوَالِ الْمُقَابِلَةِ لِلْمُعْتَمَدِ دَاخِلَ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ وَصَلْنَا فِيهِ إِلَى الْجُزْءِ التَّاسِعَ عَشَرَ، عَلَى أَنْ نَرْفَعَ كِتَابَ الْبُيُوعِ بِأَجْزَائِهِ الْكَامِلَةِ لِلتَّحْمِيلِ قَرِيباً جِدّاً»

رابط التحميل  :  





شرح قصيدة لذاتي بذاتي - 2

 قال الشيخ النابلسي : 
وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ
 أولًا: غريب الألفاظ
 الأكوان: جمع كون، والمراد بها جميع الموجودات المخلوقة، كالسموات والأرض والإنسان وسائر المخلوقات.
 مظاهر: جمع مَظْهَر، وهو محل الظهور والتجلِّي، أي ما يظهر فيه الشيء أو يُعرف به.
 ثانيًا: إعراب العجز
 الواو: للاستئناف.
 ما: نافية تعمل عمل ليس عند بعض النحاة، أو حرف نفي لا عمل له عند آخرين.
 هذه: اسم إشارة في محل رفع اسم (ما) أو مبتدأ.
 الأكوان: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة.
 إلا: أداة حصر.
 مظاهر: خبر (ما) أو خبر المبتدأ، مرفوع.
والأسلوب يفيد القصر، أي: ليس للأكوان وصفٌ معتبر هنا إلا أنها مظاهر.
 ثالثًا: المعنى اللغوي
المعنى اللغوي للجملة:
 ليست هذه المخلوقات إلا مواضع يظهر فيها أمرٌ آخر أو يدل عليها.
ولا يقتضي اللفظ بمجرده بيان ما الذي يظهر فيها؛ وإنما يتحدد ذلك بحسب اعتقاد القائل وسياق كلامه.
 رابعًا: تفسيره عند التصوف السني
يفسر كثير من أهل التصوف السني هذه العبارة على معنى صحيح إذا قُيِّدت بالضوابط الشرعية، فيقولون:
إن الأكوان مظاهر لأسماء الله وصفاته وآثار قدرته وحكمته، فهي تدل على الخالق وتشهد بعظمته، لا أنها ذاته ولا أنها جزء منه.
فالسماوات مثلًا مظهر لقدرته، والرزق مظهر لاسمه الرزاق، والرحمة بين الخلق مظهر لآثار اسمه الرحيم، والعدل مظهر لآثار اسمه العدل، وهكذا.
وهذا المعنى موافق لقوله تعالى:
 ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53].
وقوله:
 ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190].
فالمخلوقات آيات ودلالات على الله، وليست هي الله، ولا حالًّا فيها، ولا متحدًا بها.
 خامسًا: تفسيره عند أصحاب وحدة الوجود
أما عند أصحاب وحدة الوجود، فإن لفظ المظاهر يُحمل على معنى آخر، وهو أن الموجود الحقيقي واحد، وأن هذه الأكوان ليست إلا مظاهر أو تجليات لذلك الوجود الواحد.
وعلى هذا التفسير لا تكون الموجودات مجرد مخلوقات تدل على الله، بل تكون صورًا أو تعينات للوجود الإلهي عندهم، وإن اختلفت عباراتهم في صياغة ذلك.
ولذلك يفسرون قولهم: "الأكوان مظاهر" بأنها مظاهر للحق نفسه لا مجرد مظاهر لآثار أسمائه وصفاته.
 سادسًا: خطورة هذا الاعتقاد
إذا أُريد بالمظاهر المعنى الذي يقوله أصحاب وحدة الوجود، فإنه يفضي إلى لوازم خطيرة، منها:
 إلغاء الباينة بين الخالق والمخلوق.
 جعل الفرق بين الرب والعبد فرقًا في المظاهر لا في الحقيقة.
 إبطال حقيقة الخلق والإيجاد، إذ تصير الموجودات مجرد تجليات للوجود الواحد.
 معارضة النصوص الكثيرة الدالة على أن الله سبحانه خالقٌ والعالم مخلوق، وأنه سبحانه بائنٌ عن خلقه، ليس حالًّا فيهم ولا متحدًا بهم.

ولهذا أنكر جمهور علماء أهل السنة هذا الفهم، وعدّوه مخالفًا لأصل التوحيد الذي يقرر التمييز بين الخالق والمخلوق، مع الإيمان بأن المخلوقات كلها آيات دالة على ربها، وآثار لقدرته وحكمته، لا أنها ذاته أو تجليات لعين وجوده.

شرح قصيدة لِذَاتِي بِذَاتِي - 1

  تمهيد
هذه القصيدة من أشهر القصائد الصوفية المنسوبة إلى الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (ت 1143هـ)، الفقيه الحنفي، والمفسر، والأديب، وأحد أبرز أعلام التصوف في القرن الثاني عشر الهجري. والمشهور أن هذه القصيدة لا يُعرف لها عنوان أصلي وضعه عبد الغني النابلسي نفسه، وإنما اشتهرت بين الناس والمحققين بمطلعها، فيقال:  قصيدة: لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرُ
والتصوف السني يسميها قصيدة في التوحيد. ، أما التصوف الوجودي  يزعم بتسميتها قصيدة في الحقيقة المحمدية أو التجليات
وقد عُرف النابلسي بسعة علمه وكثرة مؤلفاته، إلا أنه تأثر في كثير من تقريراته العقدية والذوقية بمدرسة محيي الدين ابن عربي، ولا سيما في مباحث التجليات ووحدة الوجود.
وتُعد هذه القصيدة من النصوص التي تكثر فيها المصطلحات الصوفية الدقيقة، كالتجلي، والمظاهر، والظهور، وغيرها من الألفاظ التي قد تُحمل على معانٍ صحيحة إذا فُسرت بما يوافق عقيدة أهل السنة، وقد تُحمل على معانٍ باطلة إذا فسرت على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود.
ولهذا كان من الواجب أن تُقرأ قراءةً علميةً ناقدة، لا قراءةً قائمة على التسليم بكل ألفاظها، ولا على ردها جميعًا دون تمييز.
وسيكون منهج هذا الشرح في كل بيت على النحو الآتي:
 ذكر البيت.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)، وهو حمل اللفظ - متى أمكن - على معنى يوافق أصول أهل السنة والجماعة.
 التفسير الوجودي، وهو بيان المعنى الذي يحمله عليه أصحاب وحدة الوجود، أو ما يدل عليه اصطلاحهم.
 بيان فساد التفسير الوجودي بالأدلة الشرعية وأقوال أئمة أهل السنة، مع التنبيه إلى ما في العبارة من إجمال أو إيهام.
ليس كل بيت في القصيدة يُحكم عليه بالخطأ، وإنما يُوزن كل بيت بميزان الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة الأشاعرة، 
وبذلك يتبين للقارئ مواضع الصواب والخطأ، ويظهر الفرق بين التصوف السني المبني على الكتاب والسنة، وبين المصطلحات الفلسفية التي دخلت على بعض المتأخرين من المنتسبين إلى التصوف.
 البيت الأول

 لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرٌ               وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ

لِذاتي : الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر على معنى: ظاهرٌ لذاتي
بذاتي : الجار والمجرور متعلقان أيضًا بـ ظاهر، والباء تحتمل السببية أو الملابسة، أي: ظاهر بذاتي لا بغيري.
لا لكم :  الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر، أي: لست ظاهرًا لكم
يجوز أن يتعلق الجاران معًا بـ ظاهر، وهو الأظهر، فيكون المعنى اللغوي:  أنا ظاهرٌ لذاتي، وبذاتي، لا بغيري، ولا لكم.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)
يمكن حمل هذا البيت  على أن الله تعالى ظاهر الدلالة على وجوده وكماله بما أظهره من آثار قدرته وآيات حكمته، لا أنه ظاهر بذاته في المخلوقات.
ومعنى قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ﴾ أي: مظاهر لآثار القدرة الإلهية، ومجالٍ لظهور آثار أسمائه الحسنى؛ فالخلق يدل على الخالق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾.
وعلى هذا التفسير يبقى الفرق محفوظًا بين الخالق والمخلوق؛ فالكون ليس إلا آيةً ودليلًا، وليس جزءًا من ذات الله ولا مظهرًا لذاته.
قال الإمام البيهقي : وهو أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها، بمعنى أنها لا تحلّه ولا يحلّها، ولا يمسّها ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة، تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسّة علواً كبيراً
تفسير التصوف الوجودي
أما على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود، فالبيت يُفهم على أن الأكوان ليست مجرد دلائل على الله، بل هي تجلّيات ومظاهر للوجود الإلهي نفسه، وأن الكثرة المشاهدة في العالم ليست إلا مظاهر للوجود الواحد، فلا يكون بين الخالق والمخلوق تغاير حقيقي، وإنما اختلاف في مراتب الظهور والتجلي.
وهذا هو الاصطلاح الذي شاع عند محيي الدين ابن عربي ومن تأثر به، حيث يُطلق لفظ المظاهر والتجليات بمعانٍ تتجاوز مجرد الدلالة إلى اعتبار الموجودات ظهورًا للحق.
 بيان فساد التفسير الوجودي
هذا الفهم باطل عند أهل السنة، ومنهم الأشاعرة؛ لأنه يصادم أصلًا من أعظم أصول العقيدة، وهو المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق.
فالله تعالى هو الخالق، والعالم كله مخلوق حادث، قال تعالى:
 ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فلو كانت الأكوان هي ظهور الذات الإلهية أو تجلياتها بالمعنى الوجودي، لانتفى الفرق الحقيقي بين الخالق والمخلوق، ولأصبح العالم في حقيقته هو عين الوجود الإلهي أو مظهرًا له، وهذا يناقض النصوص القطعية وإجماع أهل السنة.
ولهذا قرر الأشاعرة أن الله تعالى ليس حالًّا في خلقه، ولا الخلق حالون فيه، ولا ذاته متحدة بشيء من مخلوقاته، وأن ما في الكون إنما هو آثار صنعه ودلائل ربوبيته، لا ظهور ذاته ولا انكشافها في الموجودات.

تنبيه لك أيها السُّنّي : هذا البيت وحده يمكن أن يُحمل على معنى صحيح إذا فُسر بأن الأكوان مظاهر للقدرة والحكمة والآيات

تنبيه :
ليسَ الأصلُ في منهجِ أهلِ السنةِ أنْ كلَّ كلامٍ موهمٍ يجبُ أنْ يُؤوَّلَ مهما بلغَ.
فما يقومُ به الشيخُ د. سعيدُ فودةُ صحيحٌ، ولو كانَ كلامُ ابنِ عربي او الحلاج أو النابلسي قابلًا للتأويلِ؛ وكثيرٌ منه لا يندفعُ ظاهرُه إلا بتكلُّفٍ في التأويلِ بعيد. ولأنَّ إحسانَ الظنِّ لا يقتضي تصحيحَ كلِّ عبارةٍ، ولا إلزامَ الناسِ بتأويلِها.
فإذا كانتِ العبارةُ مخالفةً لظاهرِ الكتابِ والسنةِ، وتحتملُ معنًى باطلًا ظاهرًا، ولم يقمْ دليلٌ قويٌّ على إرادةِ معنًى صحيحٍ، فإنَّ الواجبَ ردُّ ظاهرِها، والتحذيرُ منها، ولا يُكلَّفُ الناسُ بالبحثِ عن مخارجَ بعيدةٍ.
لذا نحملُ المتكلمَ على أحسنِ المحاملِ ما أمكنَ، لكنْ لا نحملُ كلامَهُ على أحسنِ المحاملِ إذا كانَ في ذلكَ إقرارٌ لانتشارِ ألفاظٍ موهمةٍ، أو معانٍ تخالفُ العقيدةَ.
وقد أوَّلتُ صدرَ قصيدةِ «لِذاتي بذاتي» للشيخِ عبدِ الغنيِّ النابلسيِّ على وجهٍ يوافقُ عقيدةَ أهلِ السنةِ، لا لأنِّي أجزمُ بأنَّه مرادُ الناظمِ في مجموعِ القصيدةِ، وإنما لبيانِ أنَّ البيتَ الأولَ إذا أُفردَ عن سياقِه يحتملُ هذا الوجهَ. أمَّا إذا نُظرَ إلى القصيدةِ كلِّها، فإنَّ سياقَها يجعلُ هذا التأويلَ متكلَّفًا عندي، ويقوِّي احتمالَ المعاني التي نُسبت إلى مذهبِ ابنِ عربي الوجودي ، 
ولذلكَ لا أدعو إلى نشرِ القصيدةِ، بل أرى أنَّ فيها أبياتًا مشكلةً يجبُ التحذيرُ منها، كما يجبُ التحذيرُ من العباراتِ المشكلةِ في «الفصوصِ» و«الفتوحاتِ» إذا أفضتْ إلى نشرِ معانٍ تخالفُ ما استقرَّ عليه اعتقادُ أهلِ السنةِ.
فإحسانُ الظنِّ بالمتكلمِ شيءٌ، وتصحيحُ كلامِه أو إلزامُ الناسِ بتأويلِه شيءٌ آخرُ، والواجبُ حفظُ عقائدِ أهلِ السنةِ، مع العدلِ في الحكمِ على الأشخاصِ.
#زياد_حبوب_أبورجائي

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.