جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

شرح قصيدة لِذَاتِي بِذَاتِي - 1

  تمهيد
هذه القصيدة من أشهر القصائد الصوفية المنسوبة إلى الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (ت 1143هـ)، الفقيه الحنفي، والمفسر، والأديب، وأحد أبرز أعلام التصوف في القرن الثاني عشر الهجري. والمشهور أن هذه القصيدة لا يُعرف لها عنوان أصلي وضعه عبد الغني النابلسي نفسه، وإنما اشتهرت بين الناس والمحققين بمطلعها، فيقال:  قصيدة: لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرُ
والتصوف السني يسميها قصيدة في التوحيد. ، أما التصوف الوجودي  يزعم بتسميتها قصيدة في الحقيقة المحمدية أو التجليات
وقد عُرف النابلسي بسعة علمه وكثرة مؤلفاته، إلا أنه تأثر في كثير من تقريراته العقدية والذوقية بمدرسة محيي الدين ابن عربي، ولا سيما في مباحث التجليات ووحدة الوجود.
وتُعد هذه القصيدة من النصوص التي تكثر فيها المصطلحات الصوفية الدقيقة، كالتجلي، والمظاهر، والظهور، وغيرها من الألفاظ التي قد تُحمل على معانٍ صحيحة إذا فُسرت بما يوافق عقيدة أهل السنة، وقد تُحمل على معانٍ باطلة إذا فسرت على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود.
ولهذا كان من الواجب أن تُقرأ قراءةً علميةً ناقدة، لا قراءةً قائمة على التسليم بكل ألفاظها، ولا على ردها جميعًا دون تمييز.
وسيكون منهج هذا الشرح في كل بيت على النحو الآتي:
 ذكر البيت.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)، وهو حمل اللفظ - متى أمكن - على معنى يوافق أصول أهل السنة والجماعة.
 التفسير الوجودي، وهو بيان المعنى الذي يحمله عليه أصحاب وحدة الوجود، أو ما يدل عليه اصطلاحهم.
 بيان فساد التفسير الوجودي بالأدلة الشرعية وأقوال أئمة أهل السنة، مع التنبيه إلى ما في العبارة من إجمال أو إيهام.
ليس كل بيت في القصيدة يُحكم عليه بالخطأ، وإنما يُوزن كل بيت بميزان الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة الأشاعرة، 
وبذلك يتبين للقارئ مواضع الصواب والخطأ، ويظهر الفرق بين التصوف السني المبني على الكتاب والسنة، وبين المصطلحات الفلسفية التي دخلت على بعض المتأخرين من المنتسبين إلى التصوف.
 البيت الأول

 لِذَاتِي بِذَاتِي لَا لَكُمْ أَنَا ظَاهِرٌ               وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ

لِذاتي : الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر على معنى: ظاهرٌ لذاتي
بذاتي : الجار والمجرور متعلقان أيضًا بـ ظاهر، والباء تحتمل السببية أو الملابسة، أي: ظاهر بذاتي لا بغيري.
لا لكم :  الجار والمجرور متعلقان بـ ظاهر، أي: لست ظاهرًا لكم
يجوز أن يتعلق الجاران معًا بـ ظاهر، وهو الأظهر، فيكون المعنى اللغوي:  أنا ظاهرٌ لذاتي، وبذاتي، لا بغيري، ولا لكم.
 التفسير الأشعري (على اصطلاح التصوف السني)
يمكن حمل هذا البيت  على أن الله تعالى ظاهر الدلالة على وجوده وكماله بما أظهره من آثار قدرته وآيات حكمته، لا أنه ظاهر بذاته في المخلوقات.
ومعنى قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ﴾ أي: مظاهر لآثار القدرة الإلهية، ومجالٍ لظهور آثار أسمائه الحسنى؛ فالخلق يدل على الخالق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾.
وعلى هذا التفسير يبقى الفرق محفوظًا بين الخالق والمخلوق؛ فالكون ليس إلا آيةً ودليلًا، وليس جزءًا من ذات الله ولا مظهرًا لذاته.
قال الإمام البيهقي : وهو أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها، بمعنى أنها لا تحلّه ولا يحلّها، ولا يمسّها ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة، تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسّة علواً كبيراً
تفسير التصوف الوجودي
أما على اصطلاح أصحاب وحدة الوجود، فالبيت يُفهم على أن الأكوان ليست مجرد دلائل على الله، بل هي تجلّيات ومظاهر للوجود الإلهي نفسه، وأن الكثرة المشاهدة في العالم ليست إلا مظاهر للوجود الواحد، فلا يكون بين الخالق والمخلوق تغاير حقيقي، وإنما اختلاف في مراتب الظهور والتجلي.
وهذا هو الاصطلاح الذي شاع عند محيي الدين ابن عربي ومن تأثر به، حيث يُطلق لفظ المظاهر والتجليات بمعانٍ تتجاوز مجرد الدلالة إلى اعتبار الموجودات ظهورًا للحق.
 بيان فساد التفسير الوجودي
هذا الفهم باطل عند أهل السنة، ومنهم الأشاعرة؛ لأنه يصادم أصلًا من أعظم أصول العقيدة، وهو المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق.
فالله تعالى هو الخالق، والعالم كله مخلوق حادث، قال تعالى:
 ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فلو كانت الأكوان هي ظهور الذات الإلهية أو تجلياتها بالمعنى الوجودي، لانتفى الفرق الحقيقي بين الخالق والمخلوق، ولأصبح العالم في حقيقته هو عين الوجود الإلهي أو مظهرًا له، وهذا يناقض النصوص القطعية وإجماع أهل السنة.
ولهذا قرر الأشاعرة أن الله تعالى ليس حالًّا في خلقه، ولا الخلق حالون فيه، ولا ذاته متحدة بشيء من مخلوقاته، وأن ما في الكون إنما هو آثار صنعه ودلائل ربوبيته، لا ظهور ذاته ولا انكشافها في الموجودات.

تنبيه لك أيها السُّنّي : هذا البيت وحده يمكن أن يُحمل على معنى صحيح إذا فُسر بأن الأكوان مظاهر للقدرة والحكمة والآيات

👁️ الـمشاهدون:
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.