قال الشيخ النابلسي :
وَمَا هَذِهِ الْأَكْوَانُ إِلَّا مَظَاهِرُ
أولًا: غريب الألفاظ
الأكوان: جمع كون، والمراد بها جميع الموجودات المخلوقة، كالسموات والأرض والإنسان وسائر المخلوقات.
مظاهر: جمع مَظْهَر، وهو محل الظهور والتجلِّي، أي ما يظهر فيه الشيء أو يُعرف به.
ثانيًا: إعراب العجز
الواو: للاستئناف.
ما: نافية تعمل عمل ليس عند بعض النحاة، أو حرف نفي لا عمل له عند آخرين.
هذه: اسم إشارة في محل رفع اسم (ما) أو مبتدأ.
الأكوان: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة.
إلا: أداة حصر.
مظاهر: خبر (ما) أو خبر المبتدأ، مرفوع.
والأسلوب يفيد القصر، أي: ليس للأكوان وصفٌ معتبر هنا إلا أنها مظاهر.
ثالثًا: المعنى اللغوي
المعنى اللغوي للجملة:
ليست هذه المخلوقات إلا مواضع يظهر فيها أمرٌ آخر أو يدل عليها.
ولا يقتضي اللفظ بمجرده بيان ما الذي يظهر فيها؛ وإنما يتحدد ذلك بحسب اعتقاد القائل وسياق كلامه.
رابعًا: تفسيره عند التصوف السني
يفسر كثير من أهل التصوف السني هذه العبارة على معنى صحيح إذا قُيِّدت بالضوابط الشرعية، فيقولون:
إن الأكوان مظاهر لأسماء الله وصفاته وآثار قدرته وحكمته، فهي تدل على الخالق وتشهد بعظمته، لا أنها ذاته ولا أنها جزء منه.
فالسماوات مثلًا مظهر لقدرته، والرزق مظهر لاسمه الرزاق، والرحمة بين الخلق مظهر لآثار اسمه الرحيم، والعدل مظهر لآثار اسمه العدل، وهكذا.
وهذا المعنى موافق لقوله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53].
وقوله:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190].
فالمخلوقات آيات ودلالات على الله، وليست هي الله، ولا حالًّا فيها، ولا متحدًا بها.
خامسًا: تفسيره عند أصحاب وحدة الوجود
أما عند أصحاب وحدة الوجود، فإن لفظ المظاهر يُحمل على معنى آخر، وهو أن الموجود الحقيقي واحد، وأن هذه الأكوان ليست إلا مظاهر أو تجليات لذلك الوجود الواحد.
وعلى هذا التفسير لا تكون الموجودات مجرد مخلوقات تدل على الله، بل تكون صورًا أو تعينات للوجود الإلهي عندهم، وإن اختلفت عباراتهم في صياغة ذلك.
ولذلك يفسرون قولهم: "الأكوان مظاهر" بأنها مظاهر للحق نفسه لا مجرد مظاهر لآثار أسمائه وصفاته.
سادسًا: خطورة هذا الاعتقاد
إذا أُريد بالمظاهر المعنى الذي يقوله أصحاب وحدة الوجود، فإنه يفضي إلى لوازم خطيرة، منها:
إلغاء الباينة بين الخالق والمخلوق.
جعل الفرق بين الرب والعبد فرقًا في المظاهر لا في الحقيقة.
إبطال حقيقة الخلق والإيجاد، إذ تصير الموجودات مجرد تجليات للوجود الواحد.
معارضة النصوص الكثيرة الدالة على أن الله سبحانه خالقٌ والعالم مخلوق، وأنه سبحانه بائنٌ عن خلقه، ليس حالًّا فيهم ولا متحدًا بهم.
ولهذا أنكر جمهور علماء أهل السنة هذا الفهم، وعدّوه مخالفًا لأصل التوحيد الذي يقرر التمييز بين الخالق والمخلوق، مع الإيمان بأن المخلوقات كلها آيات دالة على ربها، وآثار لقدرته وحكمته، لا أنها ذاته أو تجليات لعين وجوده.
👁️ الـمشاهدون:
0