من المسائل التي تحتاج إلى تحرير علمي، لا إلى مجرد التقليد، مسألة استظهار المعتادة بثلاثة أيام.
فإن كثيرًا من الشراح والمتأخرين يذكرون حديث أم سلمة رضي الله عنها في معرض الاستدلال على الاستظهار، مع أن المتأمل في لفظ الحديث لا يكاد يجد فيه إشارة إلى ذلك، فضلاً عن تحديده بثلاثة أيام.
فالحديث إنما يقول:
«لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك.»
وهذا نصٌّ ظاهر في الرجوع إلى العادة، لا في الزيادة عليها.
ولو تُرك الحديث وظاهره، لكان مقتضاه أن المرأة إذا انقضت عادتها اغتسلت وصلّت، ولم يذكر النبي ﷺ استظهارًا بيوم، ولا يومين، ولا ثلاثة.
ولهذا استدل به الشافعي ومن وافقه على عدم الاستظهار أصلًا.
أما المالكية، فإنهم لم يبنوا القول بالثلاثة على منطوق الحديث، وإنما جمعوا بينه وبين ما رأوه من أصول أخرى، كعمل أهل المدينة والاجتهاد في باب الحيض، فصار الحديث عندهم دليلًا على أصل اعتبار العادة، لا على مقدار الاستظهار.
والذي يلفت النظر أكثر أن الباحث إذا فتش عن مستند الثلاثة، لم يجد - فيما صح من الآثار - حديثًا مرفوعًا يحددها، ولا أثرًا صحيحًا صريحًا عن صحابي يقول: تستظهر ثلاثة أيام.
بل إن الأثر المشهور عن ابن عباس - إن ثبت - إنما فيه: يوم أو يومان، لا ثلاثة.
وهنا تظهر أهمية الأمانة العلمية؛ فليس من التحقيق أن يُقال: دل الحديث على الاستظهار بثلاثة أيام، لأن الحديث لا يدل على ذلك بلفظه، ولا بإشارته الظاهرة.
والصواب أن يقال:
الحديث أصل في الرجوع إلى العادة، وأما الاستظهار بثلاثة أيام فهو حكم مذهبي استند فيه المالكية إلى أدلة أخرى، وليس إلى ظاهر هذا الحديث وحده.
وهذا التفريق هو الذي يحفظ للنص دلالته، وللاجتهاد منزلته؛ فلا يُحمَّل الحديث ما لا يحتمله، ولا يُنسب إلى النبي ﷺ ما لم يدل عليه كلامه.
والمالكية قالوا: الحديث سكت عما بعد العادة، وقد جاءت آثار أخرى من قول الإمام مالك نفسه، وهو آخر قوليه كما نقله معن بن عيسى ورواية ابن القاسم عن مالك، أن المعتادة تستظهر بثلاثة أيام، وهو الذي استقر عليه المذهب وعمل أهل المدينة تدل على أنها تستظهر بثلاثة أيام، فضموا هذه الأدلة إلى الحديث.
فليس معنى الحديث عند المالكية:
"اجلسي العادة مع الثلاثة."
بل معناه:
المرجع أولًا هو العادة، ثم ثبت عندنا بدليل آخر أن المرأة لا تنتقل مباشرة إلى حكم الاستحاضة، بل تستظهر ثلاثًا عند توفر شروط الاستظهار.
ولهذا لا يرون أن الحديث نفسه نص في الثلاثة.
فالعلم إنما يقوم على تحرير محل الاستدلال، لا على مجرد موافقة النتيجة للمذهب. ومن أعظم الإنصاف أن نفرق بين دليل الحكم، ووجه الاستدلال به، والدليل المكمل له؛ فبذلك تستقيم مناهج البحث، وتسلم نسبة الأحكام إلى أدلتها.
نقل ابن المنذر في الأوسط:
«وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا استحيضت المرأة فلتقعد أيام أقرائها التي كانت تقعد، ثم تقعد بعده يوماً أو يومين، ثم تصلي.»
يثبت الاستظهار بأيام ، و أصل الاستظهار، لا في الثلاثة.
وقول الحسن البصري بمثل ذلك.
وقول الأوزاعي: تستظهر يومًا أو يومين.
أما الثلاثة فهي المشهور عن الإمام مالك، وآخر قوله
ولهذا قال شراح المالكية: إن الاستظهار زيادة ثبتت بعمل أهل المدينة، وليست مستفادة من منطوق هذا الحديث وحده.
وذكر المالكية لذلك عدة توجيهات، أشهرها:
أنه عمل أهل المدينة الذي رآه مالك حجة.
وأنه اجتهاد مبني على الاحتياط في الدماء والعبادات.
وأن الثلاثة ليست تعبدًا محضًا، بل تقديرًا فقهيًا لا يتجاوز به أكثر الحيض (خمسة عشر يومًا).
👁️ الـمشاهدون:
0