المسألة : شخص يتصل عليك و يقول لك أريد سلعة مواصفاتها كذا و كذا فتقول له موجودة و ثمنها كذا و هي ليست عندك بل ستذهب لتشتريها من عند آخر و تدفعها له بالثمن الذي اتفقتما عليه و تارة يقدم لك هو الثمن أو بعضه قبل أن تأتيه بالسلعة و تارة تقدم له أنت السلعة أولا ثم يدفع لك هو الثمن الذي اتفقتما عليه
الجواب " بسم الله والصلاة على رسول الله
على مذهب الإمام مالك وأصحابه
من اتفق مع غيره على سلعة لا يملكها فالمعاملة تدور بين الحظر والإباحة؛ فإن وقع بينهما عقد جازم وملزم على سلعة معينة أو على سلعة موصوفة مع تأخير الثمن والمثمن فهذا عقد ممنوع، وإن قدم الثمن كاملا في الذمة بأجل معلوم فهو سلم جائز، وإن كان الاتفاق على سبيل الوعد غير الملزم حتى يشتريها العاقد ثم يبيعها بعقد جديد فهو جائز أيضا.
تصنيف هذه المسألة وما يتفرع عنها إلى صور ممنوعة وصور جائزة:
الصور الممنوعة
الصورة الأولى: العقد الجازم على غير المملوك مع تأخير الثمن والسلعة
وهي أن يقع العقد ملزماً بين الطرفين على السلعة الوصفية أو المعينة والثمن غير مقبوض، مع كون السلعة غير مملوكة للعاقد وقتئذٍ؛ فهذا شرط أول يقع في النهي عن «بيع ما ليس عندك»، ويلزم منه بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين بالدين)، وهو ممنوع.
الصورة الثانية: العقد الجازم على عين معينة لا يملكها العاقد
وهي أن يلتزم العاقد ببيع عين شخصية محددة بذاتها (كرقم هيكل سيارة معينة أو دار محددة) وهي ليست في ملكه وقت العقد، سواء تعجل الثمن أو تأخر؛ فهذا شرط ثاني ممنوع لكونه بيعاً لما لا يملك.
الصورة الثالثة: تعجيل بعض الثمن مع الإلزام وإهمال شروط السلم
وهي أن يأخذ العاقد جزءاً من الثمن على وجه العقد اللازم لسلعة موصوفة في الذمة، مع اشتراط تأخير باقي الثمن لغير أجل معلوم، أو تأخير رأس مال السلم لأكثر من ثلاثة أيام؛ فهذا شرط ثالث فاسد لتخلف شروط السلم الشرعية.
الصور الجائزة
الصورة الأولى: عقد السلم المستوفي لشروطه
وهي أن يقع الاتفاق على سلعة موصوفة في الذمة ضبطاً تاماً، مع تعجيل رأس المال كاملاً (أو جلّه بشرط ألا يتأخر بقية رأس المال عن ثلاثة أيام)، وتأجيل تسليم السلعة إلى أجل معلوم؛ فهذا شرط رابع جائز شرعاً لاستيفائه أحكام باب السلم.
الصورة الثانية: المواعدة غير الملزمة ثم إنشاء عقد جديد
وهي أن يقتصر الطرفان على مجرد التواعد والرغبة دون وقوع عقد جازم أو التزام بينهما، فيذهب العاقد ويشتري السلعة لنفسه اتدخل في ملكه وضمانه، ثم يحضرها للمشتري وينشئان بعد ذلك عقداً جديداً برضاهما وخيارهما؛ فهذا شرط خامس جائز لا حرج فيه.
القول المقابل :
أما الجمهور يصح السلم وتجوز المعاملة جزئياً بقدر ما دُفع من الثمن فقط (وينفسخ العقد فيما لم يُقْبَض). أما المالكية يرون أن الصفقة لا تتجزأ؛ فمتى قُبض بعض الثمن وأُخّر البعض الآخر (فوق الأجل المغتفر شرعاً)، فسد العقد في الجميع ويبطل بطلاناً تاماً؛ لعلة جمع الصفقة بين جائز وممنوع، ولدخول دين بدين.
أما الجمهور يصح السلم وتجوز المعاملة جزئياً بقدر ما دُفع من الثمن فقط (وينفسخ العقد فيما لم يُقْبَض). أما المالكية يرون أن الصفقة لا تتجزأ؛ فمتى قُبض بعض الثمن وأُخّر البعض الآخر (فوق الأجل المغتفر شرعاً)، فسد العقد في الجميع ويبطل بطلاناً تاماً؛ لعلة جمع الصفقة بين جائز وممنوع، ولدخول دين بدين.
تفنيد قول الجمهور والتنصير لمذهب المالكية أصوليا وفقهيا:
إن القول بتصحيح عقد السلم فيما قبض من الثمن وإبطاله فيما لم يقبض (تفريق الصفقة) أوردت عليه اعتراضات أصولية وفقهية قوية، ويتوجه الترجيح لمذهب المالكية القائل بفساد العقد كله؛ وبيان ذلك من خلال الوجوه الآتية:
1. بناء العقد على أهلية الإرادة وامتناع إحداث عقد جديد
العقد شريعة المتعاقدين، وهو ينعقد بارتباط الإيجاب بالقبول على مجموع الصفقة (كمية السلعة كاملة في مقابلة كامل الثمن).
تفنيد قول الجمهور: إن القول بتصحيح العقد في نصف المبيع مثلا وإبطاله في النصف الآخر، يلزم العاقدين بعقد لم تتجه إليه إرادتهما ابتداء؛ إذ قد يكون غرض المشتري شراء الكمية كاملة ولا يفيه بعضها، وقد يكون غرض البائع بيع الكل لا البعض. فتجزئة الصفقة قهرا إنشاء لعقد جديد لم يتراضيا عليه، وهو مخالف لأصل التراضي المشروط في البيوع.
2. سراية الفساد من باب "ما بني على الفاسد فهو فاسد"
السلم رخصة استثنائية خرج بها عن أصل نهي "بيع ما ليس عندك"، وشرط هذه الرخصة الأعظم هو "تعجيل رأس المال كاملا" في المجلس كيلا يقع الملام في نهي "بيع الكالئ بالكالئ" (الدين بالدين).
التنصير للمالكية: متى اشترط تأخير بعض الثمن أو دفع بعضه وتفرقا عن طوع قبل كماله، فقد دخل الفساد في العقد في لحظة انعقاده. والأصل الأصولي عند المالكية أن العقد وحدة حكمية واحدة لا تتجزأ إذا كان موجب الفساد مقارنا لأصله؛ فيسري الفساد من الشق الممنوع إلى الشق المأذون فيه لاشتراكهما في علة الصفقة الواحدة، فيفسد الجميع طردا لأصل الحظر.
3. إعمال قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام»
هذه القاعدة الأصولية الترجيحية تقدم عند تعارض الممكنات في العقد الواحد.
وجه الاستدلال: الصفقة هنا اشتملت على شقين: شق مأذون فيه (ما قبض ثمنه)، وشق حرام ممنوع شرعا لكونه دينا بدين (ما تأخر ثمنه). وتغليب جانب المنع والحظر أولى سدا لذريعة الربا ومنعا للمعاملات المغشوشة؛ فتبطُل الصفقة بكليتها رعاية لجانب النهي.
4. قوة قياس المالكية على العبادات والمركبات
يقيس المالكية الصفقات المالية المشروطة بشروط محددة على العبادات المركبة؛ فكما أن الصلاة إذا بطل بعضها بطلت كلها لكونها عملا واحدا، فكذلك عقد السلم إذا بطل بعض رأس ماله المشروط شرعا بطل العقد برمته.
خلاصة الموقف الأصولي
مذهب المالكية يمتاز بالاطراد الأصولي وسد الذرائع؛ فمتى خرج الممارس عن ضوابط الرخصة (وهي تعجيل كامل رأس المال)، عاد العقد إلى الأصل المنيع وهو حرمة بيع ما لا يملك وحرمة بيع الكالئ بالكالئ، ولا معنى لتجزئة العقد لتصحيح بعضه مع التلبس بالمنشئ للفساد في الصفقة ذاتها.
تكييف المال الناشئ عن المعاملات الممنوعة والعذر بالجهل عند الجمهور:
أولاً: حكم المال الأرباح والمكتسبات عند الجمهور
يفرق الجمهور بين أصل المال (الثمن) وبين الربح المكتسب من المعاملة الفاسدة:
1. أصل الثمن والسلعة (القبض في العقد الفاسد):
القبض لا يفيد الملك التام: القبض الناشئ عن عقد فاسد أو بيع ممنوع لا ينقل الملكية نقل استقرار عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة).
وجوب التراد: يجب شرعاً فسخ العقد وتراد العوضين؛ فيرجع المشتري بثمنه، ويرجع البائع بسلعته إن كانت قائمة. فإن تلفت السلعة لزم المشتري رد مثلها أو قيمتها يوم القبض.
2. حكم الأرباح الناشئة عن المعاملة (الربح والمكسب):
عند الحنفية: الملك يثبت في العقد الفاسد بالقبض ملكاً خبيثاً غير طيب، وتطيب الأرباح إذا كانت ناتجة عن تصرف جديد أخرج السلعة عن يد المشتري، مع الإثم ووجوب الاستغفار.
عند الشافعية والحنابلة: الغلة والربح يتبعان الضمان استناداً للحديث: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»؛ فما دام المشتري أو البائع هو الضامن للسلعة لو تلفت، فالربح يطيب له ولا يلزمه التصدق به بعد فسخ العقد ورد الأصول لصحابها، وإن كان أصل الفعل معصية يجب التوبة منها.
ثانياً: هل يُعذر المتعاقد بالجهل في هذه المسائل؟
في مسألة العذر بالجهل بالتفاصيل الفقهية للمعاملات المال مع وجود الشبهة:
1. الجهل بالحكم الشرعي مع حسن النية:
رفع الإثم: يُعذر الشخص بالجهل في الجانب الجنائي والإثم الشرعي إذا كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، أو كان من عامة الناس الذين يجهلون دقائق أحكام البيوع وتفاصيل شروط السلم وبيع ما لا يملك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقوله ×: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
2. أثر الجهل على وضع المال والمعاملة:
الجهل لا يقلب العقد الفاسد صحيحاً: الجهل يرفع الإثم والذنب عن المكلف، ولكنه لا يصحح العقد الفاسد ولا يغير حكمه الوضعِي؛ فالواجب متى علم بالحرمة والفساد أن يصحح معاطاته في المستقبل، ويلتزم بالصور الجائزة شرعاً.
الطيب والحلية في الماضي: ما مضى وقُبض واستهلك بناءً على الجهل وعفوه قبل العلم بالحكم، فالأظهر عدم لزوم التصدق بأرباحه السابقة أو تتبع الصفقات القديمة للفسخ، لقوله تعالى في ربا المعاملات: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ فالجهل بالشرط يُسقط الإثم والتضمين المالي الفائض عن الأصول الماضية.
👁️ الـمشاهدون:
0