جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

اسم «كان» فاعلٌ وخبرها حال

  اسم «كان» فاعلٌ وخبرها حال؟ دراسة في مذهب الفراء
تُعَدُّ مسألة عمل «كان» وأخواتها من المسائل التي اختلف فيها النحاة في توجيه الرفع والنصب، وإن اتفقوا في الاستعمال على أن ما بعد «كان» مرفوع يسمى اسمها، وما بعده منصوب يسمى خبرها. ومن أدق الأقوال في تفسير هذا العمل ما نُسب إلى الإمام الفراء، إذ لم يجعل المنصوب في نحو: «كان زيدٌ قائمًا» شبيهًا بالمفعول، بل جعله شبيهًا بالحال.
 أولًا: محل الاتفاق والخلاف
إذا قلنا:   كان زيدٌ قائمًا
فالإعراب المشهور:
 كان: فعل ماض ناقص.
 زيد: اسم كان مرفوع.
 قائمًا: خبر كان منصوب.
لكن هذا الإعراب يصف الوظيفة الإعرابية ولا يجيب بالضرورة عن السؤال الأصولي في تفسير العامل: لماذا رُفع الأول ونُصب الثاني؟
هنا اختلفت مناهج النحاة.
فمذهب سيبويه ومن تبعه أن «كان» وأخواتها شُبِّهت بالأفعال، فرفعت الاسم تشبيهًا بالفاعل، ونصبت الخبر تشبيهًا بالمفعول. وهذا هو الذي يقرره ابن جني صراحة في اللمع، إذ يقول إن اسمها «مشبه بالفاعل» وخبرها «مشبه بالمفعول». 
أما الفراء فله توجيه آخر أكثر ارتباطًا بالمعنى.
 ثانيًا: مذهب الفراء
نُقل عن الفراء أنه يرى أن «كان» يليها:  فاعل مرفوع وحال منصوب  وقد يعبر عنهما بعبارة أدق:   شبه فاعل وشبه حال.
وتنقل المصادر عنه أن الاسم ارتفع لشبهه بالفاعل، وأن الخبر انتصب لشبهه بالحال. ومثَّلوا لذلك بنحو:
 كان زيدٌ ضاحكًا
فهو عند الفراء شبيه بقولك:  جاء زيدٌ ضاحكًا. 
وهذا النقل صريح في المصادر التي تعرض الخلاف بين الفراء والبصريين.
وعليه فملاحظتك في أصلها صحيحة جدًا، بل لها سند نحوي قديم.  لكن ينبغي أن نضبط العبارة؛ فلا يقال بإطلاق:
 «اسم كان هو الفاعل، وخبرها هو الحال»
وكأن هذا هو الإعراب المتفق عليه؛ بل الأدق أن يقال:
 ذهب الفراء إلى أن مرفوع «كان» بمنزلة الفاعل أو شبيه به، وأن منصوبها بمنزلة الحال أو شبيه بها.
 ثالثًا: وجه التشبيه بين «كان زيد قائمًا» و«جاء زيد قائمًا»
إذا تأملنا الجملتين:   جاء زيدٌ قائمًا.  /    كان زيدٌ قائمًا.
نجد أن «زيدًا» في الأولى فاعل للفعل «جاء»، و«قائمًا» حال منه.  أما في الثانية، فـ«زيد» هو الذي اتصف بالقيام، و«قائمًا» يبين الهيئة أو الوصف الذي كان عليه زيد.
ومن هنا رأى الفراء أن نصب «قائمًا» يمكن أن يفهم على جهة مشابهة للحال.
وهذا التحليل يفسر العلاقة المعنوية بين الاسم والخبر بصورة مختلفة عن تفسير البصريين؛ فبدل أن نقول:
 كان زيدًا؟ لا، بل «زيد» بمنزلة الفاعل، و«قائمًا» بمنزلة المفعول.
نقول على طريقة الفراء:
 زيد بمنزلة الفاعل، وقائم بمنزلة الحال.
وقد نقلت بعض الدراسات النحوية عن الفراء أنه كان يقول إن «كان» يليها فاعل مرفوع وحال منصوب، وأنه ربما سمى اسمها شبه فاعل وخبرها شبه حال. 
 رابعًا: لماذا لم يقل الفراء: هو حال حقيقة؟
وهنا تظهر أهمية كلمة «شبه».
لو كان «قائمًا» في:   كان زيد قائمًا  حلًا حقيقةً، للزم أن تجري عليه جميع أحكام الحال.
لكن الحال له شروط وأحكام لا تنطبق على خبر «كان» في جميع استعمالاته.
فقد يأتي خبر «كان»:
 معرفة، نحو: كان زيد أخاك.
 جملة.
 ظرفًا أو جارًا ومجرورًا.
 وقد يكون هو المقصود الأساسي الذي يتم به معنى الجملة.

ولهذا اعترض النحاة على حمل خبر «كان» على الحال حقيقة، وفرقوا بين الحال الحقيقي وبين القول بأنه شبيه بالحال. وتذكر كتب النحو هذه الاعتراضات صراحة. 
فالمقصود إذن بـ«شبه الحال» الجهة المعنوية والوظيفة التي يؤديها الوصف، لا أنه حال مستوفٍ لكل أحكام باب الحال.
 خامسًا: الفرق بين الفراء وسيبويه
يمكن تلخيص الفرق هكذا:
1.  المرفوع          | عند سيبويه شبيه بالفاعل     | عند الفراء شبيه بالفاعل    |
2.  المنصوب          | عند سيبويه شبيه بالمفعول    | عند الفراء شبيه بالحال     |

وهذا الفرق ليس مجرد اختلاف في تسمية الإعراب، وإنما وراءه تصور مختلف لطبيعة عمل «كان».
فسيبويه ينظر إلى «كان» من جهة شبهها بالفعل العامل، ولذلك كان نصب الخبر عنده من جنس نصب المفعول من حيث التشبيه.
أما الفراء فيلاحظ أن «كان» لا تدل على حدث يقع من الاسم كما يقع الضرب من الفاعل، وإنما تدل على الكون والزمان، وأن الاسم بعدها هو الموجود المتصف بالخبر؛ ولذلك وجد في الخبر مشابهة للحال أكثر من مشابهته للمفعول.
 سادسًا: وهذا يفسر خصوصية «كان»  تظهر دقة مذهب الفراء عند ملاحظة أن «كان» ليست كـ«ضرب» مثلًا.

فالفعل:  ضرب زيدٌ عمرًا  يدل على حدث هو الضرب، وله فاعل وقع منه الحدث، ومفعول وقع عليه.

أما:
 كان زيدٌ قائمًا  فليس المراد أن زيدًا أحدث «الكون» في قائم، ولا أن «قائمًا» مفعول وقع عليه فعل «كان».
وإنما المراد أن:
 زيدًا اتصف بالقيام في زمن معين.
ومن هذه الجهة كان تشبيه «قائمًا» بالحال قريبًا من جهة المعنى؛ لأن الحال أيضًا وصف يبين الهيئة التي عليها صاحبه.
 سابعًا: هل الفراء وحده قال بهذا؟
ليس الفراء وحده في ملاحظة العلاقة بين خبر «كان» والحال، لكن النسبة الصريحة إلى الفراء هي الأبرز في هذا الباب.
أما الكوفيون فقد نُسب إليهم أيضًا القول بأن خبر «كان» منصوب على الحال، ثم ناقش النحاة هذا المذهب واعترضوا عليه؛ لأن خبر «كان» قد يكون معرفة، وقد يأتي جملة أو ظرفًا، ولأن الحال لا يستغنى عنه بهذا الوجه في تركيب «كان» الناقصة. ([Almerja][2])
وهذا يجعل عبارة «شبه الحال» أدق من عبارة «حال».
 ثامنًا: ثمرة هذا القول
أهمية مذهب الفراء ليست في تغيير الإعراب الاصطلاحي فحسب، وإنما في أنه يقدم تفسيرًا دلاليًا لعمل «كان».

والعبارة العلمية الأدق هي: ان نقول : 
 ذهب الفراء إلى أن اسم «كان» مرفوع لشبهه بالفاعل، وأن خبرها منصوب لشبهه بالحال، فـ«كان زيد قائمًا» عنده في معنى «جاء زيد قائمًا» من جهة كون «قائمًا» وصفًا مبينًا لهيئة زيد، لا مفعولًا به على الحقيقة.
وهذا المذهب يستحق عناية خاصة؛ لأنه ينقل البحث من مجرد «اسم كان وخبرها» إلى سؤال أعمق: ما طبيعة العلاقة الدلالية بين الفعل الناسخ واسمه وخبره؟ وهو سؤال يمكن أن يفسر كثيرًا من خصائص باب «كان وأخواتها».

👁️ الـمشاهدون:
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.