النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ : اِعْتِبَارُ الْعُرْفِ مُخَصِّصًا وَمُبَيِّنًا لِوَسَائِلِ التَّعْبِيرِ في باب البُيُوع كَما قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ : ( يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ )
فِي مَسْأَلَةِ الصِّيغَةِ، هُوَ أَنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ لَمْ يَحُدَّ لِلْعُقُودِ صِيغَةً مُعَيَّنَةً لَا تَتَعَدَّاهَا، بَلْ أَنَاطَ الْأَحْكَامَ بِالْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لَا بِالْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي؛ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ أَوِ الْفِعْلِيَّ كَالْمُعَاطَاةِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ الصَّرِيْحِ فِي الْكَشْفِ عَنِ الرِّضَا الْبَاطِنِيِّ، فَيُقَيِّدُ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ السُّوقِ، وَيَجْعَلُ الْأَفْعَالَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ بِمَثَابَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيَّيْنِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ حَمْلِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْمَعْهُودِ عُرْفًا.
إِنَّ التَّخْصِيصَ بِالْعُرْفِ لَيْسَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ أُصُولِيٌّ تَقَاسَمَتْهُ جَمَاهِيرُ أَهْلِ النَّظَرِ فِي الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ التَّوَسُّعُ الْأَكْبَرُ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ.
وَتَفْصِيلُ مَوْقِفِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ يَجْرِي عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
الْمَذْهَبُ الْحَنَفِيُّ : يُعَدُّ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ إِعْمَالاً لِلْعُرْفِ، حَتَّى قَرَّرُوا فِي قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ «التَّعْيِينَ بِالْعُرْفِ كَالتَّعْيِينِ بِالنَّصِّ»، وَأَجَازُوا تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ بِالْعُرْفِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَمَّامِ بِأُجْرَةٍ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةِ الْمُكْثِ أَوْ مِقْدَارِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ خَصَّصُوا عُمُومَاتِ النُّصُوصِ بِالْعُرْفِ التِّجَارِيِّ الْعَمَلِيِّ إِذَا كَانَ عَامّاً.
الْمَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ : يُقَرِّرُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْعُرْفَ مَرْجِعٌ لِتَحْدِيدِ مَفَاهِيمِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَقَاصِدِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ (كَالْقَبْضِ، وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ). وَعِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ وَجْهٌ مَشْهُورٌ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ الشَّرْعِيِّ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ الْمُقَارِنِ لِلِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ يَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْوَضْعِيَّةِ إِلَى الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّخَاطُبِ.
الْمَذْهَبُ الْحَنْبَلِيُّ : يَسِيرُ الْحَنَابِلَةُ عَلَى سَنَنِ التَّوَسُّعِ فِي رِعَايَةِ الْعُرْفِ خُصُوصاً فِي أَبْوَابِ الشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ؛ حَيْثُ نَصَّ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ فَمَرْجِعُهُ إِلَى الْعُرْفِ، وَأَنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي يُخَصِّصُ إِطْلَاقَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَمِيعَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ الْمُطَّرِدَ صَالِحٌ لِتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَبَيَانِ الْمُجْمَلَاتِ، لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ دَلِيلِ السِّيَاقِ وَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ إِرَادَةَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ عِنْدَ النُّطْقِ.
من كتابي الجزء 20 إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل