قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ : وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ،
عُلَيْشٌ : رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ مَنَاطَ عَدَمِ تَدَاخُلِ العِبَادَاتِ المَقْصُودَةِ لِذَاتِهَا مَانِعٌ مِنْ إِجْزَاءِ الفَرْضِ عِنْدَ جَمْعِهِ مَعَ النَّذْرِ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَقَعُ الفِعْلُ عَنِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ المِلْكُ الَّذِي أَوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ ابْتِدَاءً بِتَقْيِيدِهِ، فَيَكُونُ هُوَ المَقْضِيُّ أَوَّلًا، وَتَبْقَى حَجَّةُ الإِسْلَامِ فِي ذِمَّتِهِ بِيَقِينٍ، وَهُوَ تَوْجِيهُ المَذْهَبِ المَنْقُولِ عَنِ المُدَوَّنَةِ.
الدَّرْدِيرُ : رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ وَذَلِكَ بِأَنَّ النِّيَّةَ المُشْتَرِكَةَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ (أَحَدُهُمَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَالآخَرُ بِالنَّذْرِ) لَا تَقْوَى عَلَى إِسْقَاطِهِمَا مَعًا لِتَشَاحِّ العِبَادَاتِ، لَكِنَّهُ صَوَّرَ الإِجْزَاءَ عَنِ النَّذْرِ فَقَطْ تَبَعًا لِظَاهِرِ النَّقْلِ الرُّشْدِيِّ، لِأَنَّ عَقْدَ النَّذْرِ تَعَيَّنَ بِالوُجُوبِ المَحْصُورِ لِلْمَشْيِ المُلْتَزَمِ فِى تِلْكَ السَّنَةِ، فَقَامَ الفِعْلُ بِهِ، وَخَرَجَ الفَرْضُ عَنْ مَحَلِّ الإِجْزَاءِ لِعَدَمِ خُلُوصِ نِيَّتِهِ.
مَحَلُّ النِّزَاعِ : الصَّرُورَةُ إِذَا نَذَرَ المَشْيَ إِلَى مَكَّةَ أَوْ نَذَرَ حَجًّا مَاشِيًا، ثُمَّ أَوقَعَ الحَجَّ فَرْضًا وَنَذْرًا مَعًا فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ بِإِحْرَامِ الإِفْرَادِ أَوْ القِرَانِ؛ هَلْ تَتَدَاخَلُ النِّيَّتَانِ فَيُجْزِئُ عَنْهُمَا، أَمْ يَمْتَنِعُ التَّدَاخُلُ فَيُجْزِئُ عَنِ النَّذْرِ دُونَ الفَرْضِ، أَمْ عَنِ الفَرْضِ دُونَ النَّذْرِ؟
ثَمَرَةُ الْخِلَافِ : بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحِ الشَّيْخَيْنِ لِمَذْهَبِ المُدَوَّنَةِ، فَإِنَّ الحَالِفَ الصَّرُورَةَ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ هَذَا، يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ تَمَامًا فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لَهُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةٍ أُخْرَى قَضَاءً لِفَرِيضَةِ الإِسْلَامِ (الفَرْضِ). وَعَلَى مُقَابِلِ المَشْهُورِ عَنِ المِغِيرَةِ وَابْنِ المَاجِشُونِ تَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الإِسْلَامِ وَيَقْضِي النَّذْرَ، وَعَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ المُخَرَّجِ يَقْضِيهِمَا مَعًا لِبُطْلَانِ النِّيَّتَيْنِ بِالتَّشْرِيكِ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ : قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الأَمْرَ بِالإِتْمَامِ يَقْتَضِي إِيقَاعَ كُلِّ نُسُكٍ عَلَى وَجْهِ الخُلُوصِ المَشْرُوطِ لَهُ شَرْعًا، فَلَمَّا جَمَعَ القَارِنُ بَيْنَ الفَرْضِ وَالنَّذْرِ فِى نِيَّةِ حَجِّهِ، أَوْ جَعَلَ العُمْرَةَ لِلْنَّذْرِ وَالحَجَّ لِلْفَرْضِ، تَعَارَضَ مَنَاطُ الإِتْمَامِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، فَوَجَبَ فِعْلُهُ كَمَا لَزِمَ بِالنَّذْرِ تَعْظِيمًا لِمَا أَوْجَبَهُ المَرْءُ، وَبَقِيَ الفَرْضُ الشَّرْعِيُّ مُعَلَّقًا بِالطَّلَبِ الأَصْلِيِّ.
التَّرْجِيحُ مِنْ حَيْثُ الأُصُولِ (دَلَالَاتُ المَفَاهِيمِ وَالأَقْيِسَةِ وَالقَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ) : يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الإِمَامِ ابْنِ عَرَفَةَ تَبَعًا لِعُلَيْشٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ «تَشْرِيكُ النِّيَّةِ فِي عِبَادَتَيْنِ مَقْصُودَتَيْنِ لَا يَقْبَلَانِ التَّدَاخُلَ يُبْطِلُ أَقْوَاهُمَا سَبَبًا عِنْدَ التَّزَاحُمِ»؛ وَمَفْهُومُ المُخَالَفَةِ مِنْ عَدَمِ تَدَاخُلِ النَّوَافِلِ مَعَ الفَرَائِضِ فِى بَابِ البَدَنِيَّاتِ يَمْنَعُ قِيَاسَ الحَجِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ مُتَعَيِّنًا بِالِالْتِزَامِ فِى مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، قَوِيَ جَانِبُهُ فِى إِشْغَالِ الفِعْلِ العَيْنِيِّ، وَتَقَاعَدَ الفَرْضُ عَنِ السُّقُوطِ لِعَدَمِ خُلُوصِ مَحْضِ المَقْصِدِ لَهُ، فَعَادَتِ الذِّمَّةُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ طَلَبُ حَجَّةِ الإِسْلَامِ بِيَقِينٍ لِأَنَّ «مَا شُغِلَ بِيَقِينٍ لَا يَبْرَأُ إِلَّا بِيَقِينٍ».
👁️ الـمشاهدون:
0