جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر

 العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر: ثلاث وقائع مالكية

من المسائل المهمة في فقه الفتوى أن المفتي قد لا يقتصر في بعض الوقائع على القول المشهور أو الأيسر، بل يعدل إلى قول آخر أشد؛ نظرًا إلى حال المستفتي، أو إلى مآل الفتوى، أو قصدًا إلى الزجر والمنع من التمادي في المعصية أو الظلم.

وقد حفظت لنا كتب الفقه والأصول عددًا من الوقائع المالكية التي تكشف عن هذا المعنى، ومن أبرزها ثلاث وقائع:

 أولًا: فتوى المازري في زرع الغاصب

صورة المسألة أن شخصًا غصب أرضًا فزرعها، ثم استحق صاحب الأرض أرضه بعد فوات إبان الزرع، أي بعد انتهاء الوقت الذي يمكن فيه الانتفاع بالأرض بزرع آخر في ذلك الموسم.

والمشهور في المذهب المالكي أن الزرع يكون للغاصب، وعليه كراء الأرض، ولا يُجبر على قلعه بعد فوات الإبان.

لكن رُويت عن الإمام مالك رواية أخرى، نقلها الداودي، تجعل الزرع لصاحب الأرض. وقد وصف الشاطبي هذه الرواية بالشذوذ، ونقل أن المازري أفتى بها، مع علمه بضعفها وشذوذها.

ولم يكن ذلك من المازري جهلًا بالمشهور، ولا انتقالًا إلى مذهب فقهي آخر، وإنما كان عدولًا عن المشهور إلى رواية أخرى عن الإمام مالك؛ لأن المقام مقام تشديد على الغاصب الظالم.

وقد علل الشاطبي هذا المسلك بقوله: «التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف من الشرع وقواعد المذهب».

فهذا المثال يمثل صورة واضحة للعدول عن المشهور إلى قول أشد، لمقصد الزجر والتشديد على المعتدي.

 ثانيًا: فتوى يحيى بن يحيى الليثي لأمير الأندلس

ومن أشهر الوقائع المنقولة في هذا الباب قصة يحيى بن يحيى الليثي، صاحب مالك وعالم الأندلس، مع أميرها عبد الرحمن بن الحكم.

فقد جامع الأمير جارية له في نهار رمضان، فسأل الفقهاء عن كفارة ذلك. فبادر يحيى بن يحيى فأفتاه بأن يصوم شهرين متتابعين.

وكان ذلك مغايرًا لما جرى عليه المذهب المالكي في هذه المسألة من التخيير بين خصال الكفارة؛ فسأله الفقهاء: لم خصصته بالصيام ولم تخيره؟

فقال بمعنى: لو فتحت له هذا الباب، لوطئ كل يوم وأعتق رقبة، فلا يكون في العتق زاجر له؛ أما الصيام فإنه أشق عليه فيمنعه من العود.

وقد نقلت كتب الفقه هذه القصة عن يحيى بن يحيى، ونقل ابن عرفة مضمونها في التاج والإكليل.

وهذه الواقعة أوضح في قصد الزجر؛ إذ لم يكتف المفتي ببيان ما يجزئ في أصل الحكم، وإنما نظر إلى خصوص حال المستفتي ومآل الفتوى عليه، فاختار له ما هو أشد وأبلغ في الردع.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذه الواقعة وقع الكلام في توجيهها عند العلماء؛ ولذلك لا يصح جعلها دليلًا على أن للمفتي أن يخالف النص أو الحكم المقرر لمجرد الاستحسان، وإنما هي واقعة فقهية تحتاج إلى حملها على أصل معتبر في النظر إلى حال المستفتي ومآل الفتوى.

 ثالثًا: عبد الرحمن بن القاسم مع ابنه

ومن الوقائع الدالة على هذا المعنى ما نُقل عن عبد الرحمن بن القاسم، من كبار أصحاب الإمام مالك.

فقد حنث ابنه في يمين تعلقت بالمشي إلى بيت الله الحرام، فاستفتى أباه، فأفتاه أولًا بقول الليث بن سعد: عليه كفارة يمين، ثم قال له: «إن عدت أُفتيك بقول مالك»، أي بالقول الذي يوجب عليه الوفاء بالمشي.

وهذه القصة مهمة؛ لأن عبد الرحمن بن القاسم لم يكن يجهل مذهب مالك، بل كان من أخص أصحابه، ومع ذلك عدل في هذه الواقعة إلى قول الليث، ثم هدده بأنه إن عاد إلى الأمر أفتاه بقول مالك، وهو الأشد عليه. وقد نقلت كتب الأصول والفتاوى هذه القصة في سياق الكلام على اختلاف الفتوى باختلاف حال المستفتي والمصلحة المترتبة عليها.

فهي تمثل صورة أخرى من صور استعمال اختلاف الأقوال في الفتوى لتحقيق مقصد خاص، لا على سبيل التشهي وتتبع الرخص، وإنما مع ملاحظة حال المستفتي وما يترتب على الفتوى.

 الجامع بين هذه الوقائع

هذه الوقائع الثلاث، مع اختلاف صورها، تكشف عن أصل مهم في فقه الفتوى عند المالكية:

أن المفتي قد يعدل في واقعة مخصوصة عن القول الذي يجري عليه عادةً، إلى قول آخر أشد، إذا قام موجب شرعي لذلك، كالتشديد على الظالم، أو زجر المتعدي، أو مراعاة مآل الفتوى على المستفتي.


فالمازري عدل عن المشهور إلى رواية شاذة عن مالك للتشديد على الغاصب.

ويحيى بن يحيى اختار للأمير الصيام، وهو الأشد عليه، قصدًا إلى زجره عن معاودة الجماع في رمضان.

وعبد الرحمن بن القاسم أفتى ابنه أولًا بقول الليث، ثم هدده بالرجوع إلى قول مالك، ليحمله بذلك على التحرز من العود.

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

العدول عن المشهور لمسوغ معتبر، وهذا له نظائر في كلام فقهاء المالكية؛ وبين اتباع الأقوال لمجرد التشهي أو طلب الأسهل، وهو أمر آخر لا تدل عليه هذه الوقائع.

ولذلك فإن العبارة الأدق في وصف هذا المسلك ليست: «مخالفة المذهب»، وإنما:

العدول في الفتوى عن القول المعتاد أو المشهور إلى قول آخر معتبر، لمصلحة شرعية، ومن ذلك قصد الزجر والتشديد على المعتدي أو المتهاون.

وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الشاطبي عند حديثه عن فتوى المازري، حين جعل التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد من المآخذ المعتبرة في هذا الباب.


👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->