ردّ شبهات حمشية
كتاب: حديث المجددين بين الرواية والدراية للمؤلف: الدكتور عداب محمود الحمش . سنة التأليف: 2001م. حجم الكتاب: نحو 47 صفحة. موضوعه: دراسة نقدية احتجاجية لحديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، من جهتي السند والمتن.
نرد على د عداب الحمش وأصل المنهج الذي بُني عليه النقد؛ لأن في العرض المذكور خلطًا بين تفرد الراوي، وجهالة بعض الرواة، واختلاف الألفاظ، وبين ثبوت العلة القادحة.
في الرد ابتداء ، في نظري، هي قلب السؤال: ليس المطلوب أن يثبت المدافع أن الحديث «مشهور»، بل أن يُلزم الناقد بإثبات العلة القادحة بعينها؛ لأن التفرد، واختلاف بعض الطرق، وعدم موافقة تصور المؤلف للتاريخ، ليست كل واحدة منها علة قادحة بمجرد إطلاقها.
هذا الكتاب ـ على وجازته ـ يقوم في جوهره على نتيجة أكبر من مقدماته، ويبدو أن صاحبه تعامل مع الحديث بمنهج «تجميع الاعتراضات» أكثر من تعامله معه بمنهج المحدثين في تحرير العلل وتمييز القادح منها عن غير القادح.
فمجرد كون الحديث يدور على طريق ابن وهب لا يجعله ضعيفا؛ إذ التفرد ليس جرحا في ذاته، وإنما ينظر في حال المتفرد، وفي إمكان تحمله، وفي موافقة روايته للأصول والطرق الأخرى. والحديث مخرج في «سنن أبي داود» بهذا الإسناد، كما أخرجه الحاكم والطبراني، ونص أبو داود نفسه على طريق آخر عن عبد الرحمن بن شريح، وبين أن روايته لم تتجاوز شراحيل. فهذا كله يحتاج إلى تحرير حديثي دقيق، لا إلى تحويل مجرد التفرد إلى علة قادحة بمجرده.
وأما التعويل على أن ابن وهب أخرج الحديث في «كتاب الرجال» لا في كتبه الحديثية، فهذه من أغرب الحجج في باب التصحيح والتضعيف؛ لأن العبرة بثبوت الرواية وإسنادها، لا بالرف الذي وضع فيه المحدث الحديث، ولا بعنوان الكتاب الذي أدرجه فيه. ومن أراد إسقاط الحديث بهذه الحجة فعليه أولا أن يثبت أن تصنيف ابن وهب لذلك الكتاب يقتضي عنده تضعيف مروياته، وإلا كان مجرد وجود الحديث في كتاب معين لا قيمة له في ميزان الجرح والتعديل.
وأشد من ذلك دعوى «جهالة شراحيل بن يزيد». فالحديث لا يصح إسقاطه بمجرد إطلاق الجهالة من غير تحرير لحال الرجل في كتب الرجال، ولا سيما أن القضية ليست حديثا مجهولا ظهر في مصدر متأخر، بل حديث مروي في دواوين السنة المبكرة، ومداره معروف، وقد تلقاه عدد من أئمة الحديث بالقبول.
ثم إن قول أبي داود: «رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، لم يجز به شراحيل» لا يصح قلبه إلى طعن في الحديث؛ فإن أقصى ما فيه بيان اختلاف في الطريق، لا الحكم بأن الطريق المشهور باطل. بل إن وجود هذا الاختلاف نفسه يحتاج إلى دراسة حديثية دقيقة: هل هو اختلاف يقتضي اضطرابا لا يحتمل الجمع؟ أم أن الرواية المشهورة محفوظة، والاختلاف في بعض الطرق لا يقدح فيها؟
والأعجب أن يُجعل اختلاف بعض الرواة في الرفع والوقف دليلا حاسما على بطلان الحديث، مع أن علم العلل لا يعمل بهذه الآلية الميكانيكية. فليس كل اختلاف في الرفع والوقف اضطرابا، ولا كل رواية موقوفة معارضة للرواية المرفوعة؛ بل المدار على القرائن، والحفظ، وعدد الرواة، ووجوه الرواية، ومن الذي خالف ومن وافق، وهل يمكن أن يكون الوقف من قبيل الاختصار أو عدم التصريح بالرفع.
أما دعوى أن «المتن منكر» لأن بعض الوقائع التاريخية لا توافقه، فهي أضعف من ذلك كله. فالحديث لا يقول إن كل قرن لا بد أن يظهر فيه شخص واحد مشهور عند جميع المسلمين، ولا يقول إن وظيفة المجدد إنشاء دين جديد، ولا يحدد شخص المجدد ولا صور تجديده ولا يشترط أن يكون التجديد سياسيا أو شاملا لجميع أقطار الأمة. وإنما غايته الإخبار بأن الله يقيض لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها.
ولهذا فإن محاولة نقض الحديث بذكر أن بعض القرون شهدت فسادا أو اختلافا أو تعدد العلماء والمصلحين لا تمس دلالة الحديث أصلا، إلا إذا ثبت أولا أن هذا هو المعنى الذي يقتضيه النص، وهو غير ثابت.
والأهم من ذلك كله أن الاحتجاج بأن الحديث «لا يوافق القرآن» يحتاج إلى بيان: ما الآية القرآنية التي تعارضه؟ وما وجه التعارض؟ فإن القرآن يقرر حفظ الدين، وقيام طائفة من الأمة بالحق، وبقاء من يقوم بأمر الله، ولا يوجد في أصل معنى الحديث ما يناقض شيئا من ذلك. أما القول بأن القرآن لم يذكر «التجديد» بهذا اللفظ فلا علاقة له بصحة الحديث؛ إذ عدم ذكر القرآن لحكم أو خبر بعينه ليس دليلا على بطلان ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما عرض الحديث على «العقل» و«الواقع التاريخي» بهذه الصورة، فليس نقدا حديثيا كافيا. فالخبر الغيبي أو النبوي لا يرد بمجرد أن الباحث لم يجد الواقع مطابقا للتصور الذي بناه هو للحديث. بل الواجب أولا تحرير دلالة النص، ثم النظر في الواقع في ضوئها، لا العكس.
واللافت أن صاحب الكتاب ـ بحسب هذا العرض ـ يقرر أن «الحاجة إلى التجديد» ثابتة، ولكنه يفصل هذه الحاجة عن ثبوت الحديث. وهذا من حيث الإمكان المنطقي صحيح: فقد يكون المعنى صحيحا والحديث ضعيفا. لكن إثبات صحة المعنى لا يصير دليلا على ضعف الحديث، كما أن وجود الحاجة إلى التجديد لا يصير دليلا على وضعه أو نكارته. فهذه قضيتان مستقلتان.
ثم إن القول بأن «شهرة الحديث العملية عند العلماء لا تعني صحته» صحيح من حيث الأصل، لكنه لا يجيب عن السؤال الحقيقي؛ فليس المطلوب أن يقال: الحديث مشهور إذن هو صحيح، وإنما المطلوب: هل قام دليل معتبر على تضعيفه؟ وهذه هي النقطة التي كان ينبغي أن يدور عليها البحث.
فالحديث ثابت في «سنن أبي داود» من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، وقد أخرجه الحاكم والطبراني أيضا. وقد صححه الألباني صراحة، وحكم على إسناده بالصحة، ونقلت مصادر التخريج تصحيح عدد من أهل العلم له.
ومن هنا فالمسألة ليست أن المؤلف «اكتشف» حديثا مهجورا فأسقطه، وإنما هي مسألة اجتهاد في النقد الحديثي، وقد اختار فيها رأيا مخالفا لما عليه جماعة من أهل الحديث. ولذلك فالتعبير العلمي المنصف هو: «ناقش المؤلف صحة الحديث وانتهى إلى تضعيفه»، لا أن يُعرض تضعيفه وكأنه نتيجة حاسمة أغلقت باب البحث.
بل إن أخطر ما في هذا النوع من الدراسات أن تتحول القرائن غير القادحة إلى «تراكم» يوهم القارئ بأن كثرة الاعتراضات تساوي قوة الاعتراض. وليس الأمر كذلك في علم الحديث؛ فقد يكون عند الباحث عشرة اعتراضات، وكل واحد منها غير قادح، فلا تنتج العشرة حديثا ضعيفا.
إن نقد الحديث صناعة لها أصولها: معرفة الرجال، وضبط مراتب الجرح والتعديل، وتمييز الجهالة من عدم الشهرة، والتفرد من المنكر، والاختلاف من الاضطراب، والوقف من الرفع، والشذوذ من مجرد المخالفة، ثم النظر في مجموع الطرق والقرائن. ومن لم يحرر هذه المصطلحات تحريرا دقيقا، فإن كثرة الصفحات لا تمنحه بالضرورة قوة في الحكم.
وأما القول بأن الحديث «من قول شراحيل» فهو دعوى تحتاج إلى دليل مستقل، لا يكفي لإثباتها مجرد وجود بعض الاختلاف في الطرق. فبين أن نقول: «وجدت رواية لم ترفع الحديث»، وبين أن نقول: «القول قول شراحيل ثم نسبه الرواة إلى النبي صلى الله عليه وسلم» مسافة علمية واسعة، لا يقطعها الاحتمال.
ولذا لا يجوز أن تتحول المناقشة إلى محاكمة للحديث بمجموعة من المؤاخذات الشكلية، ثم يُبنى على ذلك أن الحديث «منكر المتن» و«من قول شراحيل» وكأن هذه النتائج صارت حقائق حديثية مستقرة.
والذي يحتاجه هذا الكتاب ـ قبل أي شيء ـ هو أن يُناقش علة علة: أيها قادح؟ وأيها غير قادح؟ وما درجة كل راو؟ وما وجه الاضطراب؟ وما الرواية المحفوظة؟ وما وجه مخالفة الحديث للقرآن أو السنة؟ فإذا سقطت هذه الدعاوى واحدة بعد أخرى، لم يبق من «النقد» إلا الانطباع.
أما أن يقال: «الحديث لا يعجبنا تاريخيا، ونستبعد مضمونه عقليا، ثم نبحث عن كل احتمال إسنادي يمكن أن يقويه هذا الاستبعاد»، فهذه ليست طريقة المحدثين في نقد السنة، وإنما هي جعل النتيجة السابقة حاكمة على عملية النقد من أولها.
وكتب الدكتور زياد حبوب أبو رجائي
عمان - المملكة الاردنية الهاشمية