إن من يطالع كلامه في "إثبات الواجب الزوراء والحوراء" يجد أنه لا يتحدث عن مجرد علاقة العلة بالمعلول على الطريقة المعروفة عند المتكلمين، وإنما يجعل المعلول وجهًا من وجوه العلة واعتبارًا من اعتباراتها، وينفي عنه الوجود المستقل، حتى تنتهي القضية إلى أن الكثرة ليست إلا تعينات واعتبارات للوجود الواحد.
وهذا ليس هو مذهب أهل السنة، ولا هو مذهب جمهور المتكلمين، بل هو أقرب إلى الأصول التي قامت عليها نظرية وحدة الوجود، وإن اختلفت العبارات أو امتزجت ببعض المصطلحات الإشراقية والفلسفية.
أما تصور أهل السنة : وهو مذهب المتكلمين
المتكلمون يقولون: إن العلة -أي المؤثر- غير المعلول، فالفاعل غير المفعول، والخالق غير المخلوق. فالعلة تُوجد المعلول، لكن بعد وجوده يكون للمعلول وجود حقيقي يغاير وجود علته، وإن كان مفتقرًا إليها في الإيجاد والإبقاء. فإذا خلق الله تعالى العالم، فالعالم موجود حقيقة، لكنه ليس عين الله، ولا جزءًا منه، ولا وجهًا من وجوه ذاته، بل هو مخلوق منفصل عنه، قائم بإيجاده سبحانه. ولهذا يقررون أن بين الخالق والمخلوق المغايرة، وإن كان المخلوق مفتقرًا إلى خالقه في كل لحظة.
أما الدواني : يزيد على ذلك بأن المعلول ليس له وجود مستقل مغاير للعلة أصلاً، بل هو وجه من وجوهها، واعتبار من اعتباراتها، وشأن من شؤونها. ومعنى هذا أن الكثرة التي نراها في الموجودات ليست عنده موجودات مباينة للعلة، وإنما هي تجليات أو تعينات أو اعتبارات لذلك الوجود الواحد.
فهو لا يتحدث عن مجرد علاقة العلة بالمعلول؛ لأن العلاقة عند المتكلمين تكون بين شيئين متغايرين: علة ومعلول. أما هنا فالمغايرة تكاد ترتفع، ويصبح المعلول ليس شيئًا آخر غير العلة، وإنما هو كيفية من كيفيات ظهورها أو اعتبار من اعتباراتها.
لذلك فلو ثبت أن الدواني يقول بالفعل: "المعلول وجه من وجوه العلة واعتبار من اعتباراتها وليس له وجود مغاير لها"، فإن الاعتراض لا يكون على مجرد استعمال لفظ "العلة والمعلول"، وإنما على المضمون الذي يرفع التغاير الحقيقي بين المؤثر والأثر، وهو ما يخالف ما عليه أهل السنة من إثبات المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، مع افتقار المخلوق إلى خالقه في إيجاده وبقائه.
ولهذا فإن الاحتجاج بكلام الدواني لمجرد مكانته العلمية لا يستقيم؛ إذ العالم قد يصيب في مسائل ويخطئ في أخرى، والعبرة بالدليل لا بالأسماء. فلا يلزم من تعظيم الدواني في علوم كثيرة قبول جميع ما قرره في هذه المباحث الفلسفية والعرفانية، كما لا يلزم من نقد هذه الأقوال الطعن في منزلته العلمية.
ومن تأمل كلام أئمة أهل السنة وجد أنهم يقررون تغاير الخالق والمخلوق، وأن الله تعالى بائن عن خلقه، وأن المخلوقات موجودة بإيجاده وإرادته، لا أنها مجرد وجوه واعتبارات قائمة بذاته سبحانه. وهذا أصل قطعي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو مناقض للأساس الذي تقوم عليه نظريات وحدة الوجود.
فليس الإشكال في أن الدواني استعمل لفظ **العلة والمعلول**، فإن هذا اصطلاح معروف عند الفلاسفة والمتكلمين، وإنما الإشكال في حقيقة العلاقة التي قررها بينهما.
فالمتكلمون كافة، ومنهم أهل السنة، وإن قالوا إن المعلول مفتقر إلى علته، فإنهم يثبتون له وجودًا حقيقيًا مغايرًا لوجود علته؛ فالخالق غير المخلوق، والفاعل غير المفعول، والمؤثر غير الأثر، وهذه المغايرة أصل من أصول التوحيد دل عليه الكتاب والسنة والعقل السليم.
أما الدواني في هذا الموضع، فإنه لا يكتفي بإثبات الافتقار، بل يصرح بأن المعلول **وجه من وجوه العلة، واعتبار من اعتباراتها، وشأن من شؤونها، وليس له وجود مستقل عنها**. وهذا ليس مجرد تفسير للعلية، بل هو إلغاء للمغايرة بين العلة والمعلول، وردّ للكثرة إلى مجرد اعتبارات وتعينات للوجود الواحد.
وهذا بعينه هو الأصل الذي تقوم عليه وحدة الوجود؛ فإن أصحابها لا ينكرون ظهور الكثرة، وإنما ينكرون أن تكون لها حقيقة وجودية مباينة للوجود الواحد، ويجعلون الموجودات وجوهًا وتجليات واعتبارات لذلك الوجود. فاختلاف الألفاظ لا يغير من حقيقة المذهب شيئًا.
ومن هنا كان الاحتجاج بكلام الدواني على أنه يمثل مذهب أهل السنة من أعجب ما يكون؛ فإن أهل السنة يقررون أن الله سبحانه موجود، والعالم موجود، لكن وجود العالم مخلوق حادث، مباين لوجود خالقه، قائم بإيجاده سبحانه لا بذاته، وليس العالم صفة لله، ولا شأنًا من شؤونه، ولا وجهًا من وجوه ذاته، ولا تعينًا من تعيناتها، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومن زعم أن المخلوقات ليست إلا صورًا قائمة بالحق، أو اعتبارات فيه، أو شؤونًا له، فقد ناقض ما دلت عليه نصوص الوحي من إثبات الخلق الحقيقي، والربوبية الحقيقية، والمغايرة الحقيقية بين الرب وعباده، وإن تستر وراء ألفاظ فلسفية أو إشراقية أو عرفانية.
ولهذا فإن مجرد نسبة هذا القول إلى الدواني لا تكسبه صحة، كما أن موافقة ابن عربي له فيه ليست تزكية له، بل هي قرينة على أن المصدر الفكري واحد، وإن اختلفت العبارات والأساليب. والحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف بموافقته للوحي وإجماع الأمة، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد على قائله كائنًا من كان.
فمثلا من أخطر ما في مقدمته قوله في شرح عنوان الرسالة:
"قوله: (الحمد لله لوليه بذاته) أي الضمير الأول راجع إلى الحمد، والثاني إلى ذاته، وضمير بذاته راجع إلى الله تعالى، بمعنى أنه لا يحتاج في رجوعه إليه إلى وجه حامل يدل عليه، فإن حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية..." ثم يقرر أن جميع الكمالات راجعة إلى الحقيقة الإلهية، وأن الصور الظهورية متفرعة عنها.
وهذا ليس مجرد كلام في اللغة، بل هو تفسير مبني على مذهبه في الوجود، ويتضح ذلك من عباراته
وبيان عقيدته الفاسدة المخالفة لأهل السنة
النصوص بالفعل أخطر بكثير مما كنت أظن. فالدواني هنا لا يتكلم عن مجرد احتياج المعلول إلى العلة، بل يقرر عدة أصول متلازمة:
أن العلة هي الحقيقة، وما سواها ظهور لها، إذ يقول: «العلة التي بحقيقتها ما يكون سببًا... فإن ما هو علة لظهور مثلاً فليس بحقيقة علة، بل هو صنف من أوصافه، وهو ظاهر...» فهو يجعل ما يسمى علة إنما هو ظهور للحقيقة لا شيئًا مباينًا لها.
ثم يصرح بأن:
«المعلول إذن ليس إلا اعتبارًا محضًا، فهو من حيث نسبته إلى العلة، وعلى النحو الذي انتسب إليها، كان له تحقق، وإن اعتبر ذاتًا مستقلة كان معدومًا باطلًا.» وهذه العبارة في غاية الخطورة؛ لأنه لا يقول: المعلول مفتقر، بل يقول: إذا اعتبرته ذاتًا مستقلة فهو معدوم باطل. أي إن استقلال المعلول بالوجود عنده أمر باطل.
ثم يقرر النتيجة صراحة: «لما كان منتهى سلسلة العلة واحدًا... فهو الذات الحقيقية، والكل شؤونه وحيثياته ووجوهه...» فهذه العبارة لا تحتمل كثيرًا من التأويل؛ لأنه جعل الكل شؤونًا للذات ووجوهًا لها، ولم يقل: مخلوقات أوجدها.
ثم يؤكد ذلك بقوله:
«فزوال المعلول بالحقيقة ظهور العلة بطور آخر، وكمال لوحدته... فهو إذن مزايلة العلة لاعتباراتها، وتطورها في شؤون ذاتها.»
أي إن الفناء والحدوث ليس انتقالًا بين موجودين متغايرين، وإنما تبدل أطوار واعتبارات للذات الواحدة.
لماذا يعد هذا من أصول وحدة الوجود؟
لأن أهل السنة يقولون:
الله موجود. والعالم موجود.
لكن وجود العالم غير وجود الله، وهو مخلوق حادث أوجده الله من العدم.
أما الدواني فيقول:
الموجود بالحقيقة واحد. وما يسمى معلولًا ليس إلا اعتبارًا. وإذا اعتبرته ذاتًا مستقلة فهو باطل.
والكل شؤون الذات ووجوهها. وزوال المعلول انتقال العلة بين شؤونها.
وهذا ليس مجرد الافتقار، بل نفي للمغايرة الحقيقية بين العلة والمعلول.
ولهذا فإن من يعرف اصطلاح ابن عربي والقونوي لا يكاد يفرق بين هذه العبارات وبين قولهم: "الأعيان تعينات للوجود الواحد."
أو: "الكثرة نسب وإضافات."
فالاختلاف في اللفظ، لا في أصل المعنى.
فمن أراد أن ينصر هذه الأقوال، فليأت بالدليل على صحتها، لا بمجرد نسبة القول إلى الدواني أو غيره؛ فإن الحق يعرف بدليله، لا بقائله.
ولهذا فإن من يحتج بكلام الدواني على أهل السنة، فكأنه يحتج على أهل السنة بما يخالف أصل مذهبهم؛ إذ لم يقل أحد من أئمة أهل السنة إن العالم صفات لله، أو شؤون له، أو تعينات لذاته، وإنما هذا من الألفاظ التي اشتهرت عند الاتحادية وأرباب وحدة الوجود.
وأهل السنة الأشاعرة براء من هذه التقريرات
وأهل السنة الأشاعرة براء من هذه التقريرات
إن من يزعم أن الدواني في هذه العبارات يقرر مذهب أهل السنة، فقد نسب إلى أهل السنة ما هم منه براء.
فأهل السنة لم يقولوا قط إن المخلوقات اعتبارات محضة، ولا إنها شؤون الذات الإلهية، ولا إنها وجوهها وحيثياتها، ولا أن استقلالها بالوجود باطل معدوم.
بل أجمعوا على أن الله سبحانه خالق، وأن الخلق غيره، وأن حقيقة الخلق هي إيجاد موجود مباين للخالق، لا ظهور الخالق بطور جديد، ولا انتقال الذات بين شؤونها.
ولهذا كانت عبارات الدواني هنا متفقة مع البناء الفلسفي العرفاني الذي قرره ابن عربي والقونوي، وإن صيغت بعبارات العلة والمعلول بدل التجليات والتعينات؛ إذ المدار ليس على الألفاظ، وإنما على المعاني. فإذا كان المعلول ليس له وجود مستقل، وإنما هو اعتبار، والكل شؤون الذات ووجوهها، وزواله انتقال للذات في أطوارها، فأي فرق جوهري بقي بين هذا وبين وحدة الوجود؟
ولهذا فلا يصح أن يُحتج بهذه العبارات على أهل السنة، بل هي من المواضع التي يظهر فيها تأثر الدواني بالإشراقية والعرفان النظري، وخروجه عن الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة من إثبات المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوقات أعيان موجودة خلقها الله، لا وجوهًا لذاته، ولا شؤونًا قائمة بها، ولا اعتبارات ذهنية لها.
والحمد لله على الاسلام والحمد لله على السنة كما قال سبدنا الإمام أحمد بن حنبل
👁️ الـمشاهدون:
0