جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

صور الرق والعبودية في القرن الحديث

: لا، لم ينتهِ الرق بمعناه الاجتماعي تمامًا، لكنه انتهى في صورته القانونية التقليدية في معظم دول العالم، إذ أُلغي نظام تملك الإنسان للإنسان، وأصبح محظورًا في القانون الدولي والوطني في أغلب الدول. لكن ظهرت أنظمة تعاقدية واقتصادية قد تُفضي عمليًا إلى تقييد حرية الإنسان أو استغلاله استغلالًا شديدًا، حتى صار بعض الباحثين يسميها: الرق الحديث ، مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا وصف اجتماعي أو حقوقي، وليس حكمًا فقهيًا بأن هذه العقود هي عين الرق الشرعي.

ويمكن تقسيم المسألة إلى ثلاث درجات:

  1. الرق الحقيقي: وهو ملك اليمين المعروف في الفقه.

  2. العمل الجبري والاتجار بالبشر: وهو محرم قانونًا ودوليًا، ويعده كثير من الباحثين من صور الرق الحديث.

  3. العقود المجحفة أو عقود الإذعان: وهي ليست رقًا، لكنها قد تسلب أحد الطرفين كثيرًا من حريته الاقتصادية بسبب اختلال القوة التفاوضية.

أولًا: عقود الإذعان

عقد الإذعان هو العقد الذي يضع شروطه الطرف القوي سلفًا، ولا يملك الطرف الآخر إلا:

  • أن يقبل جميع الشروط.

  • أو يرفض العقد كله.

دون قدرة حقيقية على التفاوض.

ومن أمثلته:

  • الاشتراك في الإنترنت.

  • شركات الهاتف.

  • برامج الحاسوب.

  • التأمين.

  • بعض خدمات البنوك.

  • تذاكر الطيران.

ولهذا يقرر الفقهاء المعاصرون أن مجرد الإذعان لا يبطل العقد، لكنه يوجب إزالة الشرط الظالم إذا بلغ حد الغبن أو الضرر.


ثانيًا: نظام الكفيل

من أشهر الأمثلة المعاصرة.

يقوم على ربط إقامة العامل الأجنبي بكفيل أو صاحب عمل، فيصبح انتقاله أو بقاؤه مرتبطًا بموافقته في بعض الدول أو في بعض الأنظمة السابقة، وقد تعرض هذا النظام لانتقادات واسعة بسبب ما قد يتيحه من استغلال إذا غابت الضمانات القانونية. وقد أجرت عدة دول خليجية إصلاحات واسعة خلال السنوات الأخيرة لتخفيف هذه القيود أو إلغائها في كثير من الحالات. 

ولهذا يرى كثير من الباحثين الحقوقيين أنه من أقرب صور الرق الحديث إذا اقترن بمنع العامل من ترك العمل أو احتجاز جوازه أو منعه من السفر.

أما إذا كان مجرد تنظيم للإقامة مع حفظ الحقوق وحرية الانتقال وفق القانون، فلا يصح وصفه بالرق.


ثالثًا: شرط الشريك المحلي 51٪ مقابل 49٪

هذه المعلومة كانت صحيحة في دول معينة، وعلى رأسها الإمارات سابقًا؛ إذ كان القانون يشترط في كثير من الأنشطة أن يملك المواطن المحلي 51٪، والأجنبي 49٪.

لكن هذا تغيّر؛ ففي الإمارات أُلغي هذا الشرط في معظم الأنشطة منذ تعديل قانون الشركات، وأصبح يجوز في غالب الأنشطة تملك الأجنبي 100٪، مع بقاء استثناءات تتعلق بالأنشطة الاستراتيجية. (يو إيه)

إذن لا يصح اليوم إطلاق القول بأن جميع الاستثمارات الأجنبية لا بد فيها من 49٪ و51٪؛ فهذا كان هو الأصل سابقًا في بعض الدول، أما الآن فقد تغيرت الأنظمة في كثير من القطاعات.


رابعًا: صور أخرى للإذعان الاقتصادي

منها:

  • عقود الامتياز التجاري .

  • عقود الوكالات الحصرية.

  • عقود متاجر التطبيقات.

  • شروط المنصات الرقمية.

  • عقود العمل التي تمنع المنافسة مدة طويلة.

  • شروط شركات البرمجيات.

  • عقود التمويل التي تفرض غرامات باهظة.

  • عقود الاحتكار التي لا يجد المستهلك بديلًا عنها.

فهذه كلها تقوم على تفاوت القوة بين المتعاقدين.


الربط الفقهي

من جهة الفقه الإسلامي، فإن الجامع بين هذه الصور ليس أنها رق، وإنما أنها قد تدخل تحت:

  • الغرر.

  • الغبن.

  • أكل المال بالباطل.

  • الشرط الجائر.

  • استغلال الحاجة.

  • الإكراه الاقتصادي عند بعض الباحثين المعاصرين.

ولهذا فإن الفقه الإسلامي يقرر قاعدة عامة:

كل شرط يؤدي إلى ظلم أحد المتعاقدين أو الإضرار به أو أكل ماله بغير حق فهو شرط مردود، ولو رضي به حال اضطراره.

وبناءً على ذلك، فالأدق علميًا أن يقال:

لقد انتهى الرق القانوني في صورته التقليدية، لكن ظهرت بدائل اقتصادية وتعاقدية قد تُقيد حرية الإنسان أو تستغل حاجته، ولذلك يصفها كثير من الباحثين المعاصرين بأنها من صور "الرق الحديث"، مع أنها ليست رقًا بالمعنى الفقهي الموروث، بل هي عقود قد تكون صحيحة في أصلها وتفسد بما يلحقها من شروط مجحفة أو استغلال أو إكراه اقتصادي.

👁️ الـمشاهدون:
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.