هل قال ابن عربي بوحدة الأحكام لا بوحدة الوجود؟ مناقشة علمية
نقض تأويل أتباع ابن عربي لوحدة الوجود
جوابات عن دعوى: «وحدة الوجود في الأحكام لا في الذوات»
قال أتباع ابن عربي:
«وأما الذات فلا يوجد وجه جامع بينها وبين العالم، بل إثبات الجامع بينهما محال... وأما الإلهية فلها أحكام هي نسب وإضافات... ويصح الاجتماع بينها وبين العالم.»
هذا التفريق لا يرفع الإشكال، بل هو عين تقرير مذهب ابن عربي.
فإن الإلهية عند ابن عربي ليست شيئًا خارجًا عن ذات الله، وإنما هي أسماؤه وصفاته القائمة به. فإذا قيل: إن العالم يجتمع مع الإلهية، أو إنه مظهر لها، أو إنها تتجلى فيه، فقد جعل العالم متعلقًا بما هو قائم بالله سبحانه، ولم يبق إلا تغيير الألفاظ.
ولهذا فإن أهل السنة لم يجعلوا النزاع في مجرد لفظ "الذات"، وإنما في جعل العالم مظهرًا للحق وتجليًا له.
«لا يصح أن يجتمع الحق والخلق من حيث الذات، وإنما يصح ذلك من حيث الألوهية.»
هذا تناقض ظاهر.
فإن الألوهية ليست موجودًا آخر غير الله حتى يصح الاجتماع بها دون الذات.
فإذا كانت الألوهية هي صفات الله وأسماؤه، فإثبات اجتماع الخلق بها هو إثبات نوع اتحاد أو اشتراك فيما هو قائم بالله سبحانه.
ولهذا لم يعرف أحد من أئمة السلف هذا التفريق.
«الإلهية هي التي استدعت وجود العالم.»
هذا ليس مذهب أهل السنة.
بل مذهب أهل السنة أن الله تعالى خلق العالم بمحض مشيئته وإرادته، لا لأن الأسماء اقتضت ذلك اقتضاءً ذاتيًا.
قال تعالى:
﴿يفعل الله ما يشاء﴾
وقال:
﴿فعال لما يريد﴾
أما جعل العالم لازمًا للأسماء أو مستدعًى منها، فهو من البناء الفلسفي الذي أدخله ابن عربي في الإلهيات.
«العالم آثار الأسماء والصفات.»
إن أريد بذلك أن الله خلق العالم بقدرته ورحمته وعلمه، فهذا حق يعرفه جميع المسلمين.
أما إن أريد أن الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية، وأنها تجلياتها، فهذا هو أصل وحدة الوجود.
ولهذا كان النزاع في معنى "المظهر" و"التجلي"، لا في مجرد إثبات الصفات.
«صفات العباد هي صور الصفات الإلهية، والتجلي إنما يقع في الأحكام لا في الذوات.»
هذا باطل من وجوه:
أولًا: صفات الله قديمة قائمة بذاته.
وصفات العباد مخلوقة حادثة.
فلا يجوز أن تكون الحادثة صورة للقديمة بهذا المعنى الفلسفي.
ثانيًا: أهل السنة يثبتون الاشتراك في الاسم فقط.
فالله حي، والعبد حي.
والله عليم، والعبد عليم.
لكن حقيقة حياة الله ليست حقيقة حياة العبد، ولا علمه كعلم العبد.
أما جعل صفات العبد ظهورًا أو صورة للصفات الإلهية، فهذا مذهب لم يقله أحد من السلف.
«إذا ارتقيت بقيت أوصافك التي هي صور أوصاف الرب، فعند ذلك تعلم أنك الحق بأوصافه، والحق أنت بأوصافك.»
هذه العبارة تهدم جميع محاولات التأويل السابقة.
فإنه لم يقل:
"تعلم أن الله وفقك."
ولا قال:
"تعلم أنك متخلق بأسماء الله."
بل قال:
«أنك الحق.»
وهذا هو عين ما أنكره علماء الإسلام.
ولو صدرت هذه العبارة من أي شخص معاصر لما تردد هؤلاء في الحكم بفسادها، فكيف إذا كانت نصًا مقرَّرًا في مذهبه؟
«فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه.»
هذا من أوضح نصوص وحدة الوجود.
إذ لا معنى لكون الحق ظاهرًا تارة، والخلق ظاهرًا تارة أخرى، إلا أن الظاهر في الحالين حقيقة واحدة تظهر بصورتين.
ولو كان المراد مجرد التسديد أو الإعانة لما صح هذا التعبير أصلًا.
ولهذا احتج به القونوي والقاشاني وسائر الأكابر من أتباع المدرسة الأكبرية على وحدة الوجود.
«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.»
هذا استدلال في غير موضعه.
فالآية لم تقل إن الله هو عين النبي ﷺ.
ولا إن فعل النبي هو عين فعل الله.
بل أثبتت للنبي الرمي أولًا:
﴿إذ رميت﴾
ثم نفت استقلاله بالتأثير:
﴿ولكن الله رمى﴾
أي: الله هو الذي أوصل الرمية إلى غايتها وخلق أثرها.
وهذا تفسير جميع أئمة التفسير.
أما جعلها دليلًا على وحدة الوجود، فصرف للآية عن معناها.
«كنت سمعه الذي يسمع به...»
هذا الحديث لا علاقة له بوحدة الوجود.
فقد أجمع شراح الحديث من أهل السنة على أن المراد:
التسديد.
والحفظ.
والتوفيق.
والمعونة.
ولم يقل أحد من السلف إن الله يصير حقيقة سمع العبد أو بصره.
بل قال الإمام النووي وابن حجر وغيرهما: المعنى أن الله يحفظ جوارحه فلا يستعملها إلا في طاعته.
فأين هذا من تفسير ابن عربي؟
«وحدة الوجود إنما هي في أحكام الذوات لا في الذوات.»
هذه ليست عبارة ابن عربي، وإنما هي محاولة من بعض أتباعه لتلطيف مذهبه.
والعبرة في معرفة المذهب بكلام صاحبه، لا باعتذارات المنتسبين إليه.
فابن عربي نفسه يقول:
«سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها.»
ويقول:
«فما في الوجود إلا الله.»
ويقول:
«العبد رب والرب عبد.»
ويقول:
«فالحق خلق بهذا الوجه، فاعتبروا، وليس خلقًا بذاك الوجه فاذكروا.»
فهذه نصوص صريحة لا يمكن ردها إلى مجرد "وحدة الأحكام".
بل هي التي جعلت كبار العلماء؛ كابن تيمية، والبقاعي، وابن خلدون، وغيرهم، يقررون أن مذهبه هو القول بوحدة الوجود.
إن طريقة أتباع ابن عربي في الدفاع عنه تقوم غالبًا على انتقاء بعض العبارات المحتملة، ثم تفسير النصوص الصريحة على ضوئها، مع أن المنهج العلمي يقتضي العكس؛ وهو أن تُرد العبارات المحتملة إلى النصوص المحكمة المتكررة في كتبه.
ولذلك فإن دعوى أن ابن عربي لا يقول إلا بـ"وحدة الأحكام" دعوى لا تثبت أمام مجموع نصوصه، ولا أمام فهم أبرز تلامذته وشارحي مذهبه، الذين قرروا أن الوجود واحد، وأن الكثرة إنما هي في المظاهر والتعينات. ومن هنا أنكر علماء أهل السنة هذا المذهب وعدوه مخالفًا لأصل التوحيد القائم على المغايرة التامة بين الخالق والمخلوق، مع إثبات أن الله تعالى بائن من خلقه، ليس حالًا فيهم، ولا هم مظاهر لذاته أو لوجوده.
👁️ الـمشاهدون:
0