إن صح عن ابن المبارك قوله: «رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها»
الرد على المجسمة :
هذه الرواية إن ثبتت عن ابن المبارك، فهي حجة عليهم لا لهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يجعلوا قول ابن المبارك قاعدة حسية في القرب من الله ثم ينفوا عنه المكان والجهة والحيز.
، فإما أن يكون مراده قربًا مكانيًا حقيقيًا، كما يصرح مجسمة الحنابلة؛ فحينئذ يلزم أن يكون الله تعالى في جهةٍ فوقيةٍ محدودة، وأن المخلوقات تتفاوت في القرب من ذاته بالمسافة والارتفاع، وهذا هو التجسيم والتحديد بعينه.
وإما أن يكون المراد قربًا غير مكاني؛ فلا يصح الاستدلال بالرواية على إثبات أن الله في مكان فوق العالم، لأن قرب رأس المنارة من أسفلها حينئذ لا يكون قربًا من ذات الله أصلًا.
فلا مخرج لهم: إن حملوها على الحقيقة الحسية لزم التجسيم، وإن نفوا القرب المكاني بطل استدلالهم بها.
هذا رد علمي قوي أدقّ من الرد السابق؛ لأن الأشعري لا ينبغي أن يبني اعتراضه على مجرد لزوم التجسيم من إثبات العلو، بل يحرر محل النزاع:
أولًا: لا يجوز أن تبني أصلًا عقديًّا على أثر محتمل حتى تعلم صحة نسبته ومعنى قائله. فليس كل ما روي عن إمام يُجعل نصًّا في إثبات المكان والجهة لله تعالى، ولا سيما في مسألةٍ اختلفت فيها اصطلاحات المتقدمين والمتأخرين.
ثانيًا: لو صح عن ابن المبارك أنه قال: «رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها»، فلا بد من السؤال: ما معنى «أقرب»؟
فإن أريد القرب المكاني الحسي، كان معنى الكلام أن الله تعالى يكون في موضع مخصوص، وأن بينه وبين أجزاء العالم مسافات متفاوتة، فيكون من صعد المنارة قد نقصت المسافة بينه وبين ذات الله، ومن صعد الجبل كان أقرب، ومن صعد فوقه كان أقرب أيضًا.
وهذا لا يقال في حق الله تعالى؛ لأن المسافة لا تكون إلا بين متحيزين، والشيء الذي تقاس المسافة بينه وبين غيره لا بد أن يكون واقعًا في جهة ومقدار. ومن كان فوق العالم بمسافة تفصل بينه وبين أعلى المخلوقات، كان محتاجًا في تحديد ذلك إلى مكان وجهة، والله تعالى منزه عن ذلك؛ لأنه خالق المكان والجهة والمسافة، وكان قبلها موجودًا من غير أن يكون في مكان.
فإن قال: لا، بل القرب هنا ليس قرب مسافة.
قيل: فقد سقط استدلالك بالرواية على إثبات الجهة والمكان؛ لأنك حينئذ أقررت أن لفظ القرب لا يلزم منه قرب المسافة، وأن التفاوت في القرب يمكن أن يكون على معنى غير حسي.
وحينئذ نسأل: ما الدليل على أن المراد من هذه الرواية إثبات جهة مكانية لذات الله؟
فإن قلت: لأن رأس المنارة أعلى.
قلنا: هذا عين الدعوى التي تحتاج إلى دليل؛ إذ ارتفاع العبد في المكان لا يستلزم أن الله تعالى واقع في مكان فوقه، وإلا لزم أن يكون كل من ارتفع في الجو قد ازداد قربًا من ذات الله، وكلما ابتعد عنه في الفضاء ازداد قربًا، وهذا من لوازم القول بالمسافة.
ثم إن لفظ «القرب» في النصوص الشرعية ليس مختصًا بالمسافة أصلًا؛ فقد يكون قربَ علم، أو قدرة، أو إجابة، أو رحمة، أو كرامة، أو منزلة. فلا يجوز نقل اللفظ إلى القرب الحسي إلا بدليل.
فالحاصل أن الرواية — على فرض ثبوتها — لا تخلو:
إما أن يراد بها قرب المسافة، فيلزم إثبات المكان والجهة والمسافة، وهي لوازم لا تقبل في حق خالق المكان والجهة.
وإما ألا يراد بها قرب المسافة، فلا حجة فيها على ما تريد إثباته من الجهة المكانية.
فدع عنك قول: «هذا قول السلف»، فإن النزاع ليس في احترام ابن المبارك، وإنما في صحة الاستدلال وفهم الكلام. ولا يصير المعنى الباطل حقًّا بمجرد أن تنسب لفظًا محتملًا إلى إمام من أئمة السلف.
فلا تجعل عبارة «رأس المنارة أقرب» دليلًا على المكان إلا إذا التزمت بأن بين الله وبين خلقه مسافة حقيقية؛ فإن التزمتها أثبتَّ التحَيّز، وإن نفيتها بطل استدلالك بارتفاع المنارة.