جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

عبارة تأمل عند الفقهاء

تُعَدّ عِبَارَةُ «فَتَأَمّلْ» (وَمَا يَشْتَقّ مِنْهَا كَـ «تَأَمّلْ») مِنْ أَبْرَزِ المُصْطَلَحَاتِ الدّقِيقَةِ فِي لُغَةِ الفُقَهَاءِ وَالْحَوَاشِي، وَخَاصّةً عِنْدَ مُتَأَخّرِي المَالِكِيّةِ كَالشّيْخِ الدّرْدِيرِ وَالْعَلّامَةِ الدّسُوقِيّ.

أولًا: المَعْنَى العَامّ لِلْمُصْطَلَحِ عِنْدَ الفُقَهَاءِ

يَقْصِدُ الفُقَهَاءُ بقَوْلِهِمْ «فَتَأَمّلْ» عَقِيبَ عَرْضِ المَسْأَلَةِ أَوْ التّوْجِيهِ:

إِشَارَةً لَطِيفَةً إِلَى وُجُودِ دِقّةٍ أَوْ إِشْكَالٍ أَوْ دَخَلٍ خَفِيّ فِي الكَلَامِ المَذْكُورِ لاَ يَظْهَرُ لِلْمُبْتَدِئِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ، وَدَعْوَةً لِلنّاظِرِ إِلَى إِعَادَةِ الفِكْرِ وَإِجَالَةِ النّظَرِ.

وَهِيَ تُمَثّلُ أَدَاةً نَقْدِيّةً مُؤَدّبَةً، بَدَلًا مِنْ الصّرَاحَةِ بالتّخْطِئَةِ أَوْ الجَزْمِ بالبُطْلاَنِ، كَأَنّ الشّارِحَ أَوْ المحّقَ يَقُولُ: "إِنّ فِي هَذَا الوَجْهِ أَوْ التّعْلِيلِ أَمْرًا يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةٍ وَإِعَادَةِ نَظَرٍ دَقِيقٍ".

ثانيًا: أَقْسَامُ وَمَرَاتِبُ كَلِمَةِ «تَأَمّلْ» عِنْدَ الفُقَهَاءِ

قَسّمَ أَهْلُ التّحْقِيقِ عِبَارَاتِ النّظَرِ وَالتّأَمّلِ إِلَى مَرَاتِبَ تُفِيدُ قُوّةَ الإِشْكَالِ أَوْ ضَعْفَهُ:

1.    «فَتَأَمّلْ» (بالفَاءِ):

o        تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِذَا كَانَ الإِشْكَالُ دَقِيقًا أَوْ خَفِيّا، أَوْ أَنّ المَكْنُونَ فِي الكَلَامِ يَحْتَاجُ إِلَى لَطَافَةِ ذِهْنٍ لِلْوُقُوفِ عَلَى مَكْنُونِهِ أَوْ الدّخَلِ الّذِي فِيهِ.

2.    «تَأَمّلْ» (بلاَ فَاءٍ):

o        تُسْتَعْمَلُ إِذَا كَانَ الإِشْكَالُ أَكْثَرَ ظُهُورًا وَأَقَلّ خَفَاءً.

ثالثًا: المَقَاصِدُ الدّقِيقَةُ لِلْمُصْطَلَحِ عِنْدَ المَالِكِيّةِ (الَدّرْدِيرِ وَالدّسُوقِيّ)

عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ صَنِيعِ الشّيْخِ أَحْمَدَ الدّرْدِيرِ فِي «الشّرْحِ الكَبيرِ» أَوْ «الشّرْحِ الصّغِيرِ»، وَالعَلّامَةِ مُحَمّدٍ الدّسُوقِيّ فِي «حَاشِيَتِهِ»، نَجِدُ أَنّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ مَقَاصِدَ المَصِيرِ إِلَيْهَا، أَبْرَزُهَا:

1. التّنْبيهُ عَلَى ضَعْفِ التّعْلِيلِ أَوْ التّوْجِيهِ

قَدْ يَذْكُرُ الشّارِحُ (كَالدّرْدِيرِ) تَوْجِيهًا أَوْ دَلِيلًا لِمَسْأَلَةٍ ثُمّ يَقُولُ فِي خِتَامِهِ: «فَتَأَمّلْ»؛ وَيَقْصِدُ بهِ أَنّ هَذَا التّوْجِيهَ المَذْكُورَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا إِلاّ أَنّ فِي سَنَدِهِ أَوْ طَرْدِهِ ضَعْفًا.

·         مِثَالُهُ: عِنْدَمَا يَعْلَلُ الشّارِحُ حُكْمًا بمُنَاسَبَةٍ ظَاهِرَةٍ تُخَالِفُ أُصُولَ المَذْهَب القَوِيّةِ، فَيُقَيّدُهَا بـ «فَتَأَمّلْ»؛ لِيُنَبّهَ أَنّ فِي التّعْلِيلِ خَلَلًا أَوْ أَنّهُ غَيْرُ مُطّرِدٍ.

2. الإِشَارَةُ إِلَى وُقُوعِ المسَامَحَةِ فِي التّعْبيرِ أَوْ المثَالِيّةِ

تُسْتَخْدَمُ لِلتّنْبيهِ عَلَى أَنّ فِي عِبَارَةِ المَتْنِ (كَمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ) أَوْ الكَلاَمِ المَسْرُودِ نَوْعًا مِنَ التّسَامُحِ اللّفْظِيّ أَوْ التّشْبيهِ المَشْرُوطِ عَالَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ.

·         تَطْبيقٌ مِمّا مَرّ مَعَكَ: حِينَ يُشَبّهُ الصّدَاقُ بالبَيْعِ أَوْ الثّمَنِ فِي مَسَائِلَ تَفْتَرِقُ فِيهَا الأحْكَامُ (كَالِاسْتِحْقَاقِ الّذِي يُبْطِلُ البَيْعَ وَلاَ يُبْطِلُ النّكَاحَ)، يَذْكُرُ الدّرْدِيرُ الحُكْمَ ثُمّ يَقُولُ: «فَتَأَمّلْ»؛ لِلإِشَارَةِ إِلَى أَنّ التّشْبيهَ كَانَ فِي الجُمْلَةِ وَلَيْسَ تَاَمّا، وَأَنّ الإِطْلاَقَ فِيهِ المسَامَحَةُ.

3. التّحْذِيرُ مِنْ قِيَاسٍ زَائِفٍ أَوْ إِيهَامِ الخِلاَفِ

عِنْدَمَا يَتَوَهّمُ الطّالِبُ أَنّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ قِيَاسٌ عَلَى غَيْرِهَا أَوْ أَنّ فِيهَا خِلاَفًا يَجْرِي، يُورِدُ الفَقِيهُ الحُكْمَ المَعْتَمَدَ ثُمّ يَخْتِمُ بـ «فَتَأَمّلْ»، لِيَمْنَعَ الذّهْنَ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى ذَاَكَ المتَوَهّمِ.

4. الإِشَارَةُ إِلَى جَوَاب الَإِشْكَالِ عِنْدَ المحَقّقِينَ

فِي حَاشِيَةِ الدّسُوقِيّ، حِينَمَا يَقُولُ الدّرْدِيرُ «فَتَأَمّلْ»، يَأْتِي الدّسُوقِيّ لِيَفُكّ هَذَا الشّفْرَةَ الفِقْهِيّةَ غَالِبًا بقَوْلِهِ:

«قَوْلُهُ: (فَتَأَمّلْ)؛ إِشَارَةٌ إِلَى كَذَا وكَذَا...» أَوْ «دَلّ بهِ إِلَى أَنّ فِي هَذَا التّشْبيهِ مَسَامَحَةً لِأَنّ...».

رَابعًا: صَنِيعُ الدّسُوقِيّ فِي حَلّ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الدّرْدِيرِ

العَلّامَةُ الدّسُوقِيّ فِي حَاشِيَتِهِ يُعْتَبَرُ أَعْظَمَ مَنْ حَرّرَ وَفَكّ إِشَارَاتِ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الشّيْخِ الدّرْدِيرِ.

فِعِنْدَمَا يَرِدُ هَذَا المُصْطَلَحُ، يُحَلّلُهُ الدّسُوقِيّ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

1.    وَجْهُ الخَفَاءِ: بَيَانُ أَيْن يَكْمُنُ المَزْلَقُ فِي العِبَارَةِ.

2.    وَجْهُ المسَامَحَةِ: بَيَانُ بَعْدِ العِبَارَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ المحَقّقِ المعْتَمَدِ فِي المَذْهَب.

3.    وَجْهُ الرّدّ: حَشْدُ الأَدِلّةِ وَالأُصُولِ لِبَيَانِ اسْتِحَالَةِ الأَخْذِ بظَاهِرِ الكَلاَمِ المرُوضِ.

وَمَحَلّ الشّاهِدِ:

قَالَ الشّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: الصّدَاقُ كَالثّمَنِ... كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ لَا هُوَ

وَعَقّبَ الإِمَامُ الدّرْدِيرُ فِي الشّرْحِ الكَبيرِ عَلَى اخْتِيَارِ العَبْدِ فِي الصّدَاقِ وَمُقَارَنَتِهِ بالبَيْعِ قَائِلًا:

وَمَثّلَ لِمَا يَجُوزُ صَدَاقًا وَثَمَنًا بقَوْلِهِ: (كَعَبْدٍ) مِنْ عَبيدٍ ملُوكَةٍ لِلزّوْجِ أَوْ لِلْبَائِعِ حَاضِرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ غَائِبَةٍ وَوُصِفَتْ، (تَخْتَارُهُ هِيَ) لِأَنّهُ دَاخِلٌ عَلَى أَنّهَا تَخْتَارُ الأَحْسَنَ، وَكَذَا المُشْتَرِي فَلَا غَرَرَ، (لَا) يَخْتَارُهُ (هُوَ) أَيْ الزّوْجُ، وَكَذَا البَائِعُ لِحُصُولِ الغَرَرِ، إِذْ لَا يَتَعَيّنُ أَنْ يَخْتَارَ الأَدْنَى، فَتَأَمّلْ

تَفْكِيكٌ وَتَطْبيقٌ لِمُصْطَلَحِ «فَتَأَمّلْ» عِنْدَ الدّرْدِيرِ:

حِينَ يَخْتِمُ الإِمَامُ الدّرْدِيرُ التّعْلِيلَ بعِبَارَةِ «فَتَأَمّلْ»، فَإِنّهُ يَضَعُ إِشَارَةً نَقْدِيّةً خَفِيّةً تُنَبّهُ الطّالِبَ إِلَى أَنّ ظَاهِرَ التّعْلِيلِ المَذْكُورِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ وَدَخَلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

التّنْبيهُ عَلَى ضَعْفِ التّعْلِيلِ وَطَرْدِ القِيَاسِ: ذَكَرَ الدّرْدِيرُ فِي الظّاهِرِ أَنّ اخْتِيَارَ الزّوْجِ متَنِعٌ «لِأَنّ الزّوْجَ لَا يَتَعَيّنُ أَنْ يَخْتَارَ الأَدْنَى»؛ وَفِي هَذَا التّعْلِيلِ خَلَلٌ أُصُولِيّ وَنَظَرِيّ، إِذْ إِنّ طَبْعَ المعَاوَضَاتِ يَقْتَضِي أَنّ الزّوْجَ (كَبَائِعٍ) يَمِيلُ غَالِبًا لِاخْتِيَارِ الأَدْنَى رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَالزّوْجَةُ (كَمُشْتَرٍ) تَخْتَارُ الأَرْفَعَ، فَالدّخُولُ عَلَى الِاخْتِيَارِ مَبْنِيّ عَلَى مُشَاحّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التّرَدّدُ المَجْهُولُ المسَبّبُ لِلْغَرَرِ الشّدِيدِ.

الإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَالِ التّنَاظُرِ بَيْنَ النّكَاحِ وَالبَيْعِ: اسْتِعْمَالُ «فَتَأَمّلْ» جَاءَ لِيُرْشِدَ النّاظِرَ إِلَى أَنّ القِيَاسَ الشّكْلِيّ بَيْنَ الزّوْجِ وَالزّوْجَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَبَيْنَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لَيْسَ طَرْدِيّا فِي كُلّ الصّوَرِ: فَفِي البَيْعِ: الِاخْتِيَارُ لِلْمُشْتَرِي جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَيُمْنَعُ لِلْبَائِعِ فِي العَدَدِ القَلِيلِ (ثَلَاثَةٍ فَأَقَلّ). وَفِي النّكَاحِ: خَصّ المعْتَمَدُ التّخْيِيرَ بالزّوْجَةِ فِي العَدَدِ القَلِيلِ، وَمَنَعَهُ عَنِ الزّوْجِ، مَعَ أَنّ كُلّا مِنْهُمَا إِنّمَا يَخْتَارُ مَا يُحَقّقُ مَصْلَحَتَهُ المَالِيّةَ.


من كتاب إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - باب النكاح الجزء 35 ص 290

👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->