جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

تحرير حكم الموالاة في الوضوء

 حكم الموالاة  في الوضوء

قال الناظم في هذه الأبيات

يَبْنِي بِالإِطْلَاقِ الَّذِي أَعَدَّ مَا  *-*  يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ إِذَا مَا جَزَمَا

وَإِنْ يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ يَكْفِي *-* يَبْنِي بِشَرْطِ الْقُرْبِ دُونَ خُلْفِ

وَإِنْ يَظُنَّ أَوْ يَشُكَّ أَوْ قَطَعْ *-* بِأَنَّهُ لَمْ يُجْزِ فَالْبِنَا امْتَنَعْ


هذه لا تمثل المعتمد على إطلاقها إذا كان المراد بالعاجز الحقيقي.

فالذي جزم بأن الماء يكفيه ثم ظهر أنه لا يكفيه: هذا ملحق بالناسي، ويبني مطلقًا.

وأما من ظن أو شك في كفاية الماء ثم لم يكفه فهذه الصورة وقع فيها خلاف، لكن الدسوقي صرّح بأن المعتمد عنده هو البناء، وجعلها من صور العجز الملحقة بالناسي، مع نقل قول بعدم البناء.

بل إن الدسوقي نقل تحقيقًا مهمًّا جدًا، خلاصته أن مقتضى جعل الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة أن يكون الناسي والعاجز الحقيقي سواء في البناء مطلقًا، وأن يحمل كلام المصنف الذي فرّق في العاجز بين الطول وعدمه على العاجز غير الحقيقي، أي من عنده نوع تفريط.

إذا كان المقصود المعتمد في المذهب المالكي في التفصيل المذكور في الأبيات، فالمسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأن عبارة الدردير في أقرب المسالك ليست هي آخر ما قرره المحققون من أصحاب الحواشي.

المعتمد عند الدسوقي ومن قرره

المالكية يجعلون الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة، أما الناسي والعاجز الحقيقي فلا تجب الموالاة في حقهما.

وعليه:

  1. الناسي: إذا ترك إكمال وضوئه نسيانًا ثم تذكر، يبني مطلقًا، طال الفصل أو لم يطل، ويكون البناء بنية جديدة؛ لأن النية الأولى قد انقطع حكمها بالنسيان.

  2. العاجز الحقيقي: كمن أعد ماءً يظن أنه يكفيه أو يشك في كفايته، ثم ظهر عدم كفايته، أو عرض له مانع قهري، فهذا في المعتمد يُلحق بالناسي، فيبني مطلقًا، ولا يحتاج إلى تجديد نية؛ لأنه لم يعرض عن الوضوء.

  3. من كان تفريقه بسبب نوع تفريط، فهذا ليس العاجز الحقيقي الذي تُسقط عنه الموالاة؛ بل يأخذ حكم من فرّق مع القدرة، فيبني ما لم يطل الفصل، فإن طال ابتدأ الوضوء.

  4. الطول عندهم ليس بمجرد عدد دقائق محدد، وإنما يُعتبر جفاف الأعضاء في زمن ومكان وحال معتدلة؛ فجفاف الأعضاء في الزمن المعتدل علامة على فوات الموالاة.

الصورة الحكم
نسي إكمال الوضوء    يبني مطلقًا
العجز الحقيقي القهري    يبني مطلقًا
أعد ماءً يظن كفايته أو يشك فيها ثم لم يكفِ    يبني على المعتمد
جزم بكفاية الماء ثم ظهر خلافه      يبني مطلقًا
فرّق مع وجود نوع تفريط   يبني ما لم يطل
العامد المختار في التفريق    يبني ما لم يطل على ما قرره الدسوقي
طال الفصل مع من تلزمه الموالاة    يستأنف الوضوء


والعلامة الدسوقي نفسه يقول في موضع آخر إن التفريق اليسير لا يضر مطلقًا، سواء كان سهوًا أو عجزًا أو عمدًا، وأن اليسير يقدّر بعدم الجفاف.

فالنتيجة: إذا كان السؤال: هل الأبيات المنقولة تمثل المعتمد المالكي؟ فالجواب: لا على إطلاقها؛ وخصوصًا الشطر الأخير الذي يفيد امتناع البناء بمجرد الظن أو الشك في عدم كفاية الماء. المعتمد الذي يظهر من تقرير الدسوقي: التفريق بين العجز الحقيقي والتفريط، وإلحاق صور العجز القهري بالناسي في البناء مطلقًا.

وهذه المسألة تحديدًا فيها اضطراب في عبارة الدردير، وتحرير الدسوقي لها مهم جدًا؛ لأن قوله: «وما ذكره المصنف من التفرقة في العاجز بين الطول وعدمه ... فغير ظاهر» يدل على أن المسألة ليست مجرد حفظ عبارة أقرب المسالك، بل فيها تحقيق من الدسوقي في مراد المصنف والمعتمد.


د. زياد حبوب أبو رجائي


اجتمع الساف مؤيدون ومعارضون على تخطئة وفساد كلام ابن عربي

اتجاه بعض المتفقهة لتصحيح كلام ابن عربي المخالف لظاهر الشريعة ليس يستقيم امام أهل العلم كأمثال الشيخ أ.د. سعيد فودة فقد أجاد في ردوده المدوية على أهل التمييع في هذا العصر...

وهذا الاتجاه في تصحيح كلام ابن عربي وتأويل عباراته يخالف ما كان عليه السلف الصالح والأئمة الأعلام؛ فإنهم تجاهلوا هذا التأويل أو تعاملوا معه بحذر، فمنهم من أنكر على ابن عربي صراحةً، ومنهم من سكت عنه ولم يخض في كلامه؛ لأنه لم يجد له تأويلًا سائغًا، ومنهم من أوّل بعض عباراته، والتأويل في حقيقته فرعٌ عن إثبات الإشكال في ظاهر اللفظ، إذ لو لم يكن في الكلام ما يحتاج إلى تأويل، لما احتيج إلى التأويل أصلًا.

أما هذا الاتجاه الجديد اليوم، فإنه لا يكتفي بالتأويل، بل يسعى إلى تصحيح كلام ابن عربي ابتداءً، وكأن الأئمة الذين سبقوا قد أخطؤوا في فهمه أو في الحكم على عباراته. وهذا أمرٌ يدعو إلى التوقف والتأمل، ولا سيما أن هذا المسلك قد يلتقي ـ من حيث يشعر أصحابه أو لا يشعرون ـ مع بعض الطروحات المعاصرة التي تدعو إلى ما يسمى بـ«الديانة الإبراهيمية»، القائمة على التقريب بين الأديان وإزالة الفوارق العقدية بينها.

ومن هنا ينبغي الحذر من ترك تراث الأئمة الأعلام الذين تعاملوا مع كلام ابن عربي بالنقد أو التخطئة أو التوقف، ثم الانتقال إلى مسلكٍ جديد غايته تصحيح جميع عباراته وتأويلها بما يرفع عنها الإشكال؛ فإن إنصاف ابن عربي لا يكون بإهدار مواقف الأئمة المتقدمين ولا بإلغاء ما رأوه من مواضع الإشكال في كلامه.إذا أردت، أستطيع جعلها أشدّ لهجةً وجدليةً، مع إبقاء العبارة منضبطة علميًا بحيث لا يظهر فيها اتهامٌ مباشر لمن يمارس هذا الاتجاه.

زياد حبُّوب أبو رجائي

البيوع الفاسدة

1. الشرط المناقض لمقتضى البيع

اشترى شخص شقة تمليكًا، واشترط البائع عليه: «لا يجوز لك بيع الشقة ولا هبتها ولا تأجيرها أبدًا».

فهذا ينافي مقتضى الملك، فيكون من الشروط المفسدة للبيع عند المالكية بحسب التفصيل.

2. الشرط المخل بالثمن أو الموجب لجهالته

قال البائع: «بعتك السيارة بـ50 ألفًا نقدًا، أو بـ60 ألفًا بالتقسيط، على أن نحدد عند التسليم أي الثمنين ستدفع»، وجاء الشرط على وجه لم يتعين معه الثمن وقت العقد.

فجهالة الثمن تفسد البيع.

3. البيع المشروط بالسلف

باع شخص عقارًا بـ200 ألف، وقال للمشتري: «بعتك البيت بهذا الثمن بشرط أن تقرضني 20 ألفًا لمدة سنة».

فجمع البيع مع السلف على الوجه الممنوع.

4. الشرط الذي يجعل العقد مترددًا بين البيع والسلف

مثال معاصر قريب من ذلك: شركة تمويل تشتري سيارة ثم تبيعها للعميل بشرط أن يعيدها إليها أو يرد مثل ثمنها في حالة معينة غير منضبطة، مع بقاء حقيقة المعاملة مترددة بين البيع والتمويل.

وهنا لا بد من دراسة حقيقة العقد، لا مجرد تسميته بيعًا.

5. شرط الخيار بمدة زائدة عن المعتبر

اشترى شخص سيارة وقال للبائع: «لي خيار فسخ البيع لمدة ستة أشهر»، مع أن مدة الخيار المعتبرة في مثل هذه السلعة عند التخريج المالكي لا تبلغ هذه المدة.

فهذه الزيادة في مدة الخيار مؤثرة في صحة البيع.

6. شرط الخيار بمدة مجهولة

قال المشتري: «اشتريت السيارة، ولي الخيار حتى أرى هل أجد سيارة أرخص في السوق».

فالمدة غير معلومة، ولا ينضبط وقت انتهاء الخيار.

7. تعليق البيع على مشورة شخص بعيد

قال المشتري: «اشتريت العقار، ولكن لي الخيار حتى أسافر إلى بلدي وأستشير أخي، ثم أقرر»، من غير تحديد مدة منضبطة.

فبقاء اللزوم معلقًا على أمر مجهول يوقع في الغرر.

8. شرط الثُّنيا

باع شخص مزرعة وقال: «بعتك المزرعة كلها بمليون، إلا الجزء الذي سأختاره لاحقًا».

فالمستثنى غير معين، فيدخل في الجهالة والغرر المفسد.

9. شرط النقد مع بيع الخيار

مثال معاصر: «بعتك السيارة بـ50 ألفًا، ولك الخيار ثلاثة أيام، بشرط أن تدفع الثمن كاملًا الآن»، إذا كانت الصورة هي المقصودة في تخريج المالكية لشرط النقد في بيع الخيار.

فهذه ليست مجرد مسألة «دفع الثمن مقدمًا»، بل اجتماع النقد مع الخيار على الصورة التي بحثها المالكية.

10. اشتراط سقوط الدين بالموت

باع شخص سلعة بالتقسيط، وقال للمشتري: «الثمن 120 ألفًا على خمس سنوات، فإن متَّ قبل إتمام الأقساط سقط باقي الدين عنك ولا أطالب ورثتك به».

هذه صورة معاصرة واضحة للشرط الذي يجعل الدين يسقط بالموت.

11. بيع السلعة مع شرط يتعلق بالوطء والعتق

هذه الصورة التاريخية لا يوجد لها نظير تجاري معاصر مطابق، لكن يمكن تصوير أصلها في بيع ما يملكه الإنسان من رقيق في زمن الرق، وهو أمر غير موجود في المعاملات المعاصرة المعتادة؛ ولذلك لا يصح التكلف في إيجاد نظير حديث لها.

12. الشروط المتعلقة بالعتق

كذلك هي من مسائل الرق القديمة، فلا يوجد لها تطبيق تجاري معاصر مباشر بعد زوال محلها. والعبرة بذكرها في كتب المالكية من جهة القاعدة الفقهية، لا من جهة تنزيلها على معاملات اليوم.

وأهم مثال بالنسبة : الشرط الجزائي

إذا قال شخص:

 «بعتك العقار بـ500 ألف، على أن تدفع 5000 دينار عن كل شهر تتأخر فيه عن دفع الأقساط».

فهذه الصورة لا تُخرَّج مباشرة على الشرط المنافي لمقتضى البيع، وإنما ينظر فيها من جهة أخرى، وهي أن المبلغ الإضافي زيادة على الدين لأجل التأخير.

أما إذا قال:

 «بعتك العقار، فإن تأخرتُ أنا عن تسليم العقار في الموعد التزمتُ بدفع 5000 دينار تعويضًا لك».

فهذه صورة مختلفة جذريًا؛ لأن الجزاء هنا ليس زيادة في دين سابق لأجل تأجيله، بل تعويض مشروط عن إخلال بالتزام، وتحتاج إلى تخريج مستقل على أصول المالكية في الضمان والضرر والشروط.


وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأنه يمنع من القول: «كل شرط جزائي فاسد عند المالكية». بل ينبغي دراسة سبب الشرط ومحل الجزاء ومن يتحمله وما الذي يترتب عليه.

العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر

 العدول إلى القول الأشد في الفتوى لمقصد الزجر: ثلاث وقائع مالكية

من المسائل المهمة في فقه الفتوى أن المفتي قد لا يقتصر في بعض الوقائع على القول المشهور أو الأيسر، بل يعدل إلى قول آخر أشد؛ نظرًا إلى حال المستفتي، أو إلى مآل الفتوى، أو قصدًا إلى الزجر والمنع من التمادي في المعصية أو الظلم.

وقد حفظت لنا كتب الفقه والأصول عددًا من الوقائع المالكية التي تكشف عن هذا المعنى، ومن أبرزها ثلاث وقائع:

 أولًا: فتوى المازري في زرع الغاصب

صورة المسألة أن شخصًا غصب أرضًا فزرعها، ثم استحق صاحب الأرض أرضه بعد فوات إبان الزرع، أي بعد انتهاء الوقت الذي يمكن فيه الانتفاع بالأرض بزرع آخر في ذلك الموسم.

والمشهور في المذهب المالكي أن الزرع يكون للغاصب، وعليه كراء الأرض، ولا يُجبر على قلعه بعد فوات الإبان.

لكن رُويت عن الإمام مالك رواية أخرى، نقلها الداودي، تجعل الزرع لصاحب الأرض. وقد وصف الشاطبي هذه الرواية بالشذوذ، ونقل أن المازري أفتى بها، مع علمه بضعفها وشذوذها.

ولم يكن ذلك من المازري جهلًا بالمشهور، ولا انتقالًا إلى مذهب فقهي آخر، وإنما كان عدولًا عن المشهور إلى رواية أخرى عن الإمام مالك؛ لأن المقام مقام تشديد على الغاصب الظالم.

وقد علل الشاطبي هذا المسلك بقوله: «التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف من الشرع وقواعد المذهب».

فهذا المثال يمثل صورة واضحة للعدول عن المشهور إلى قول أشد، لمقصد الزجر والتشديد على المعتدي.

 ثانيًا: فتوى يحيى بن يحيى الليثي لأمير الأندلس

ومن أشهر الوقائع المنقولة في هذا الباب قصة يحيى بن يحيى الليثي، صاحب مالك وعالم الأندلس، مع أميرها عبد الرحمن بن الحكم.

فقد جامع الأمير جارية له في نهار رمضان، فسأل الفقهاء عن كفارة ذلك. فبادر يحيى بن يحيى فأفتاه بأن يصوم شهرين متتابعين.

وكان ذلك مغايرًا لما جرى عليه المذهب المالكي في هذه المسألة من التخيير بين خصال الكفارة؛ فسأله الفقهاء: لم خصصته بالصيام ولم تخيره؟

فقال بمعنى: لو فتحت له هذا الباب، لوطئ كل يوم وأعتق رقبة، فلا يكون في العتق زاجر له؛ أما الصيام فإنه أشق عليه فيمنعه من العود.

وقد نقلت كتب الفقه هذه القصة عن يحيى بن يحيى، ونقل ابن عرفة مضمونها في التاج والإكليل.

وهذه الواقعة أوضح في قصد الزجر؛ إذ لم يكتف المفتي ببيان ما يجزئ في أصل الحكم، وإنما نظر إلى خصوص حال المستفتي ومآل الفتوى عليه، فاختار له ما هو أشد وأبلغ في الردع.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذه الواقعة وقع الكلام في توجيهها عند العلماء؛ ولذلك لا يصح جعلها دليلًا على أن للمفتي أن يخالف النص أو الحكم المقرر لمجرد الاستحسان، وإنما هي واقعة فقهية تحتاج إلى حملها على أصل معتبر في النظر إلى حال المستفتي ومآل الفتوى.

 ثالثًا: عبد الرحمن بن القاسم مع ابنه

ومن الوقائع الدالة على هذا المعنى ما نُقل عن عبد الرحمن بن القاسم، من كبار أصحاب الإمام مالك.

فقد حنث ابنه في يمين تعلقت بالمشي إلى بيت الله الحرام، فاستفتى أباه، فأفتاه أولًا بقول الليث بن سعد: عليه كفارة يمين، ثم قال له: «إن عدت أُفتيك بقول مالك»، أي بالقول الذي يوجب عليه الوفاء بالمشي.

وهذه القصة مهمة؛ لأن عبد الرحمن بن القاسم لم يكن يجهل مذهب مالك، بل كان من أخص أصحابه، ومع ذلك عدل في هذه الواقعة إلى قول الليث، ثم هدده بأنه إن عاد إلى الأمر أفتاه بقول مالك، وهو الأشد عليه. وقد نقلت كتب الأصول والفتاوى هذه القصة في سياق الكلام على اختلاف الفتوى باختلاف حال المستفتي والمصلحة المترتبة عليها.

فهي تمثل صورة أخرى من صور استعمال اختلاف الأقوال في الفتوى لتحقيق مقصد خاص، لا على سبيل التشهي وتتبع الرخص، وإنما مع ملاحظة حال المستفتي وما يترتب على الفتوى.

 الجامع بين هذه الوقائع

هذه الوقائع الثلاث، مع اختلاف صورها، تكشف عن أصل مهم في فقه الفتوى عند المالكية:

أن المفتي قد يعدل في واقعة مخصوصة عن القول الذي يجري عليه عادةً، إلى قول آخر أشد، إذا قام موجب شرعي لذلك، كالتشديد على الظالم، أو زجر المتعدي، أو مراعاة مآل الفتوى على المستفتي.


فالمازري عدل عن المشهور إلى رواية شاذة عن مالك للتشديد على الغاصب.

ويحيى بن يحيى اختار للأمير الصيام، وهو الأشد عليه، قصدًا إلى زجره عن معاودة الجماع في رمضان.

وعبد الرحمن بن القاسم أفتى ابنه أولًا بقول الليث، ثم هدده بالرجوع إلى قول مالك، ليحمله بذلك على التحرز من العود.

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

العدول عن المشهور لمسوغ معتبر، وهذا له نظائر في كلام فقهاء المالكية؛ وبين اتباع الأقوال لمجرد التشهي أو طلب الأسهل، وهو أمر آخر لا تدل عليه هذه الوقائع.

ولذلك فإن العبارة الأدق في وصف هذا المسلك ليست: «مخالفة المذهب»، وإنما:

العدول في الفتوى عن القول المعتاد أو المشهور إلى قول آخر معتبر، لمصلحة شرعية، ومن ذلك قصد الزجر والتشديد على المعتدي أو المتهاون.

وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الشاطبي عند حديثه عن فتوى المازري، حين جعل التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد من المآخذ المعتبرة في هذا الباب.


👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء الدروس هذا اليوم: ...
0

جاري جلب أحدث المقالات...

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.
-->