أَحْكَامِ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
بَعْدَ أَنْ طَوَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ بَابَ
النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ (وَهُوَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ)، هَذِهِ خُلاَصَةٌ جَامِعَةٌ مُوَجَّزَةٌ لِكُلِّ مَا مَرَّ
مَعَنَا مِنْ أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ وَأَحْكَامِهَا الْمُعْتَمَدَةِ فِي
المَذْهَبِ:
أَوَّلًا:
حُكْمُ الْإِطْعَامِ مَعَ الْمَسِيسِ (وَشَبَهَهُ بِالصَّوْمِ)
· بُطْلَانُ الْإِطْعَامِ بِالْوَطْءِ: مَنْ شَرَعَ فِي
كَفَّارَةِ الْإِطْعَامِ ثُمَّ وَطِئَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ وَاحِدَةً
مِمَّنْ تُجْزِئُ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، بَطَلَ إِطْعَامُهُ السَّابِقُ
وَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مِنْ الْأَوَّلِ وَلَوْ لَمْ
يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا مُدٌّ وَاحِدٌ، قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ لِاتِّحَادِ
عِلَّةِ الْمُنَافَاةِ («مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»).
ثَانِيًا:
الأَعْذَارُ الَّتِي تَقْطَعُ تَتَابُعَ الصَّوْمِ (وَتُوجِبُ الاِسْتِئْنَافَ)
1. الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ: انْقَطَعَ تَتَابُعُ صَوْمِهِ
بِالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ اخْتِيَارِيٌّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى
رُخْصَةِ رَمَضَانَ.
2. الْمَرَضُ الْمَجْلُوبُ (مَرَضٌ هَاجَهُ): إِذَا أَدْخَلَ الصَّائِمُ
عَلَى نَفْسِهِ مَرَضًا بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ (كِالسَّفَرِ أَوْ أَكْلِ مَا
يَعْلَمُ أَنَّهُ يُمْرِضُهُ) فَأَفْطَرَ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ.
3. تَعَمُّدُ صَوْمِ الْعِيدِ: مَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ
كَفَّارَتِهِ فَتَعَمَّدَ صَوْمَ زَمَنٍ يَدْخُلُ فِيهِ عِيدُ الْأَضْحَى عَالِمًا
بِهِ، بَطَلَ تَتَابُعُهُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ.
4. جَهْلُ حُرْمَةِ صَوْمِ الْعِيدِ: مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ
صَوْمِ الْعِيدِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْمِيقَاتِ فَصَامَهُ، يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ
وَلَا يُعْذَرُ.
5. فَصْلُ الْقَضَاءِ (عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا): مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ
شَرْعِيٍّ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، فَتَرَكَ وَصْلَ قَضَائِهِ فَوْرًا بَلْ فَصَلَهُ
عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا، بَطَلَ تَتَابُعُهُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ
الشَّهْرَيْنِ.
6. تَرْكُ التَّبْيِيتِ لِلْقَضَاءِ: مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ
كَمَّلَ سِتِّينَ يَوْمًا فَبَيَّتَ الْإِفْطَارَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَ
تِسْعَةً وَخَمْسِينَ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ فَصْلِ
الْقَضَاءِ نِسْيَانًا.
ثَالِثًا:
الأَعْذَارُ الَّتِي لَا تَقْطَعُ التَّتَابُعَ (وَتُوجِبُ الْبَنَاءَ مَعَ صِلَةِ
الْقَضَاءِ)
1. الْمَرَضُ الذَّاتِيُّ (إنْ لَمْ يَهِجْهُ): إِذَا هَاجَ الْمَرَضُ
بِنَفْسِهِ دُونَ سَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ، لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ وَيَبْنِي
بَعْدَ الشِّفَاءِ.
2. الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ: لَا يَقْطَعَانِ التَّتَابُعَ قَهْرًا،
وَتَبْنِي الْمَرْأَةُ فَوْرَ طُهْرِهَا.
3. الْإِكْرَاهُ: الْفِطْرُ بِإِكْرَاهٍ مُؤْلِمٍ لَا يَقْطَعُ
التَّتَابُعَ وَيُبْنَى بَعْدَ زَوَالِهِ.
4. ظَنُّ الْغُرُوبِ أَوْ بَقَاءِ اللَّيْلِ: الْفِطْرُ خَطَأً لِظَنِّ
الشَّمْسِ غَرَبَتْ أَوْ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ
وَيُبْنَى عَلَيْهِ.
5. الأَكْلُ نَاسِيًا فِي النَّهَارِ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ
نَاسِيًا فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ الصَّوْمِ بَعْدَ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لَا
يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ اتِّفَاقًا، وَيَقْضِي يَوْمًا مَوْصُولًا.
6. الْجَهْلُ بِدُخُولِ الْعِيدِ فِي الشَّهْرَيْنِ: مَنْ ظَنَّ الشَّهْرَ
خَالِيًا مِنَ الْعِيدِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذُو الْحِجَّةِ، لَا يَبْطُلُ
تَتَابُعُهُ، وَيُفْطِرُ يَوْمَ الْعِيدِ وَيَبْنِي بَعْدَهُ مُتَّصِلًا
(تَأْوِيلُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ).
7. الْجَهْلُ بِدُخُولِ رَمَضَانَ: مَنْ ظَنَّ شَعْبَانَ رَجَبًا
فَلَقِيَهُ رَمَضَانُ فِي كَفَّارَتِهِ، لَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ عَلَى
الأَرْجَحِ؛ فَيَصُومُ رَمَضَانَ لِفَرْضِهِ الرَّاتِبِ، وَيَبْنِي بَعْدَهُ في
شَوَّالٍ بَِصِيَامِ الشَّهْرِ الثَّانِي مُتَّصِلًا وَيَقْضِي شَهْرَ
الْكَفَّارَةِ.
رَابِعًا:
حُكْمُ الشَّكِّ فِي مَوْضِعِ النِّسْيَانِ بَيْنَ كَفَّارَتَيْنِ
· الْحُكْمُ الْمُعْتَمَدُ (عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ
عَرَفَةَ): مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ فَصَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَأَفْطَرَ فِيهَا يَوْمَيْنِ نَاسِيًا فِي النَّهَارِ، ثُمَّ جَهِلَ مَوْضِعَ
الْيَوْمَيْنِ أَوْ اجْتِمَاعَهُمَا؛ فَالْوَاجِبُ
عَلَيْهِ فَقَطْ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَوْرًا (إِصْلَاحًا لِلثَّانِيَةِ) وَيَقْضِيَ
شَهْرَيْنِ آخَرَيْنِ (لِاحْتِمَالِ بَُطْلَانِ الْأُولَى بِفَصْلِ القَضَاءِ)، وَلاَ
يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كُلِّهَا، لِأَنَّ الأَكْلَ نَاسِيًا
فِي النَّهَارِ لَا يَهْدِمُ التَّتَابُعَ.