تعريف الجمعية : حداً ورسماً
حدا : عقدٌ يلتزم بمقتضاه جماعةٌ تبادلَ التمويل فيما بينهم على التعاقب وفق نظامٍ محدد.
وهذا الحد أفضل من الحد : التزامٌ جماعيٌّ بأسلافٍ متعاقبةٍ بين المشتركين على ترتيبٍ معلوم.
رسما : اتفاق جماعةٍ على دفع مبلغٍ محددٍ في أوقاتٍ معلومة، يُسلَّم مجموعُه في كل دورةٍ لأحد الأعضاء بحسب ترتيبٍ متفقٍ عليه حتى يستوفي جميعُ المشتركين نصيبهم.
أقول :
الأفضل عدم إدخال لفظ القرض أو السلف في الحد ابتداءً؛ لأن ذلك محل النزاع. وعليه فأنسب حدٍّ محايد هو: الجمعية المالية: عقدُ اشتراكٍ ماليٍّ دوريٍّ يثبت به للأعضاء حقُّ التداول على المال المجموع وفق ترتيبٍ معلوم.
فهذا أقرب إلى الحد من جهة بيان الماهية دون إدخال الحكم أو التكييف المختلف فيه.
من منظور المذهب المالكي، فالأقوى أن يكون مبنيًّا على تحرير محل النزاع أولًا، ثم بيان أن الدعوى القائلة إن الجمعيات لا تدخل في باب القرض أصلًا دعوى غير مسلَّمة، بل هي عين محل النزاع.
إن الحكم على الجمعيات الدورية بالجواز مطلقًا، وإخراجها عن باب القرض الذي جر منفعة، يحتاج إلى نظر فقهي أدق مما ذُكر في هذه الصورة؛ إذ بناؤها قائم على مقدمات محل نزاع بين الفقهاء، وليست مسلمات متفقًا عليها.
فأول ما يلاحظ أن القول بأن الجمعيات ليست من باب القرض أصلًا غير ظاهر؛ لأن حقيقتها الاقتصادية والفقهية أن من قبض المال في أول الأدوار قد انتفع بأموال بقية المشتركين قبل أن يدفع لهم ما يقابلها، فهو مقترض منهم في الجملة، ومن تأخر دوره كان مقرضًا لغيره مدة من الزمن قبل أن يستوفي حقه. وعليه فالقرض ليس وصفًا خارجًا عن الجمعية، بل هو ركن أساسي في بنيتها لا يمكن تصورها بدونه.
وإذا ثبت دخول القرض في حقيقتها، انتقل البحث إلى المنفعة المترتبة عليه، وهنا يرد الاعتراض المالكي المشهور، وهو أن كل مشترك لا يبذل ماله على وجه الإرفاق المجرد، وإنما يبذله ليحصل على المقابلة من بقية المشتركين، فيكون اشتراكه في الإقراض وسيلة إلى تحصيل منفعة راجعة إليه. والقرض في الشرع عقد إرفاق وإحسان، فإذا صار وسيلة لتحصيل عوض أو منفعة للمقرض خرج عن مقصوده الأصلي.
ومن هنا يقال: إن الصورة وإن خلت من الزيادة المالية الظاهرة، إلا أن المنفعة ليست محصورة في الزيادة النقدية، بل من أعظم المنافع حصول المقرض على قرض مماثل أو التزام الآخرين بإقراضه عند حلول دوره. ولذلك قرر الفقهاء أن المنفعة الممنوعة أعم من أن تكون زيادة مالية مباشرة.
كما أن دعوى عدم وجود صورة "أقرضني أقرضك" غير مسلمة؛ لأن العبرة في العقود للمعاني والمقاصد لا للألفاظ والصيغ. فكل واحد من المشتركين إنما دخل على أساس التزام الجماعة بأن تعطيه مثل ما أعطاها، فكأن لسان الحال يقول: أقرضكم اليوم على أن تقرضوني غدًا، أو أقرضوني اليوم على أن أقرضكم بعد ذلك. وهذا هو المعنى الذي من أجله شدد الفقهاء في اجتماع القرض مع ما يعود نفعه إلى المقرض.
ويُزاد على ذلك أن اشتراك جميع الأعضاء قائم على الترابط بين الالتزامين؛ إذ لو علم أحدهم أنه سيدفع المال دون أن يستحق الأخذ مستقبلًا لما دخل في الجمعية أصلًا، فدل ذلك على أن التزامه بالإقراض ليس مستقلًا، بل هو مرتبط بحصوله على حق الأخذ من الآخرين، وهذا وجه شبه قوي بالعقود التي تجمع بين التزامين متقابلين لا يقصد أحدهما دون الآخر.
ومن جهة أخرى فإن الاستدلال ببعض نصوص الشافعية أو غيرهم لا يكفي في إثبات الجواز على أصول المالكية؛ لأن الخلاف هنا مبني على التكييف الفقهي قبل أن يكون مبنيًّا على النصوص الجزئية. فإذا كيفت الجمعية على أنها تبرع وتعاون محض اتجه الجواز، وإذا كيفت على أنها أسلاف متبادلة مشروطة اتجه المنع، والنزاع إنما هو في هذا التكييف.
كما يمكن الاعتراض بأن المشترك المتقدم في القبض يحصل على منفعة الزمن؛ إذ ينتفع برأس المال كاملًا في أول المدة، بينما يتحمل غيره الانتظار إلى آخر الأدوار. وهذه المنفعة الزمنية ليست أمرًا عارضًا، بل هي المقصود الرئيس لكثير من الداخلين في هذه الجمعيات، إذ لولا الحاجة إلى التعجيل أو التأجيل لما احتيج إليها أصلًا.
ويزاد أيضًا أن القاعدة المشهورة "كل قرض جر منفعة فهو ربا" وإن كان الفقهاء لا يجرونها على ظاهرها في كل منفعة، إلا أنهم متفقون على منع المنفعة المشروطة أو المقصودة التي من أجلها وقع القرض. وفي الجمعيات يمكن أن يقال إن المنفعة مقصودة ابتداءً، لأن كل عضو لا يلتزم بالدفع إلا طمعًا في حصوله على حق الأخذ عند دوره.
وعليه فإن تصوير المسألة على أنها خارجة قطعًا عن باب القرض، أو أن الجواز فيها أمر متفق عليه، تصوير غير دقيق؛ بل هي مسألة اجتهادية مبنية على اختلاف التكييف الفقهي. فمن رأى أن حقيقتها التعاون والتكافل أجازها، ومن رأى أنها قروض متبادلة مشروطة يجر بعضها منفعة إلى بعض منعها، وهذا التخريج الأخير له وجه معتبر على أصول المذهب المالكي، ولا يصح إغفاله أو إسقاطه بدعوى أن الجمعية ليست قرضًا أصلًا.
ومما يقوّي جانب الاعتراض عند المالكية أيضًا الاستناد إلى أصلين مشهورين في المذهب:
1. أن القرض الحسن موضوع للإرفاق المحض، فلا يُجعل وسيلة لاكتساب المنافع.
2. سد الذرائع؛ فإن العقود التي ظاهرها الجواز إذا آلت إلى معنى المعاوضة في القرض أو إلى تحصيل المنافع به، فإن المالكية يتشددون فيها أكثر من غيرهم.
ولهذا فالمناقشة المالكية لا تتوقف عند وجود زيادة مالية من عدمها، بل تنظر أولًا إلى: *هل هذه القروض المتبادلة مقصودة لذاتها على سبيل الإرفاق، أم أنها وسيلة منظمة لتحصيل منفعة متبادلة بين المقرضين؟* فإذا ثبت الثاني أمكن تخريج المنع على أصول المذهب تخريجًا قويًّا.
~~**~~
فإن قيل: إن تخريج الجمعية على صورة «أقرضني أقرضك» غير مستقيم؛ لأن العقود مبناها على الألفاظ والصيغ الظاهرة، لا على المقاصد والنيات الخفية، ولم يوجد في الجمعية عقد قرض مشروط بقرض، ولا تلفظ أحد من المشتركين للآخر بقوله: أقرضني على أن أقرضك، وإنما هي التزامات مالية دورية رضائية، فإلحاقها بصورة السلف الذي جر منفعة تحكم لا يشهد له ظاهر العقد.
فالجواب: أن المانعين لا يركنون في منعهم إلى مجرد النيات الباطنة أو المقاصد المجردة، وإنما يعتمدون على حقيقة المعاملة وتركيبها العملي؛ إذ العبرة في العقود ليست للألفاظ المجردة وحدها، ولا للنيات المجردة وحدها، بل لما تدل عليه الألفاظ والقرائن والأحوال مجتمعة. والجمعية في حقيقتها لا تنفك عن قروض متبادلة مترابطة، إذ لا يلتزم أحد المشتركين بالدفع إلا في مقابل التزام الباقين بالدفع له عند حلول دوره، فصار التزام كل واحد بالإقراض مرتبطًا بحصوله على الإقراض من غيره، وإن لم يصرح بذلك في اللفظ. وهذا الارتباط هو الذي حمل المانعين على إلحاقها بمعنى «أسلفني أسلفك»؛ لأن المدار عندهم ليس على وجود هذه العبارة بعينها، وإنما على تحقق معناها ومقتضاها في الواقع. ولذلك قالوا: إن القرض المشروع مبناه على الإرفاق المحض، أما إذا دخل المقرض فيه لتحصيل منفعة مقصودة عائدة إليه، وهي التزام الآخرين بإقراضه مستقبلًا، فقد خرج عن كمال معنى الإرفاق، وصار محل نظر واجتهاد، بل وجهًا للمنع عند من يرى أن المنافع المتبادلة المقصودة بين المقرضين ملحقة بالقرض الذي جر منفعة.
غير أن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن هذا الجواب يمثل وجه المانعين وتخريجهم على أصول المالكية، وليس نصًّا منصوصًا في المذهب على هذه الصورة المعاصرة؛ ولذلك يبقى للمجيزين مجال قوي في المناقشة، خصوصًا إذا قرروا أن المنفعة الحاصلة ليست منفعة زائدة على مقتضى العقد، وأن الجمعية أقرب إلى التعاون على تحصيل السيولة منها إلى المعاوضة على القروض. ولهذا فمحل الخلاف الحقيقي هو التكييف الفقهي لا مجرد تطبيق قاعدة "كل قرض جر منفعة".
غير أن هذه الصياغة تمثل أقصى ما يمكن أن يقرره المانع على أصول المالكية، ويبقى للمجيز أن ينازع في أصل التكييف، فيقول: إن التزام الأعضاء ليس ناشئًا عن عقود قروض مستقلة متقابلة، بل عن نظام اشتراك جماعي يثبت لكل عضو حقه من أول دخوله، فلا يكون ما يناله لاحقًا قرضًا في مقابلة قرض، بل استيفاءً لحق نشأ بالعقد الجماعي نفسه. وهذه هي النقطة الدقيقة التي يدور عليها الخلاف.
ويُجاب عن ذلك بأن مجرد تسمية الجمعية عقدًا جماعيًّا مستقلًّا لا يرفع عنها حقيقة القرض إذا كانت آثارها ومقتضياتها راجعة إليه؛ إذ الحقوق لا تنشأ بالأسماء المجردة، وإنما تنشأ بالأسباب الشرعية المعتبرة. وحق العضو في قبض المبلغ عند حلول دوره لم ينشأ من فراغ، وإنما نشأ من التزام بقية الأعضاء بدفع أموالهم له، وهذا هو عين معنى الاقتراض منهم. فدعوى أن ما يقبضه استيفاء لحق ناشئ بالعقد الجماعي لا تحل الإشكال، بل تنقل النزاع إلى مصدر ذلك الحق وكيفية نشوئه. والمانع يقول: إن هذا الحق لم يتولد إلا من أسلاف متبادلة بين الأعضاء، فلا يصح جعله وصفًا مستقلًا يقطع صلته بأصله. وعليه فالتكييف الجماعي لا يغير الحقيقة الفقهية ما دام المعنى الذي قام به الحق هو انتفاع بعض المشتركين بأموال بعض على وجه الرد والاستيفاء، وهو المعنى الذي يدور عليه وصف القرض.
إلا أن هذا الجواب ليس قاطعًا؛ لأن المجيز قد يعود فيقول: كما أن الشركة والوقف والعاقلة عقود جماعية تولد حقوقًا لا تختزل في العلاقات الثنائية بين الأفراد، فكذلك الجمعية. ولذلك يبقى النزاع في النهاية نزاعًا في صحة هذا التكييف الجماعي من عدمه. لكن على أصول المالكية، كلما أمكن رد المعاملة إلى عقد معروف ذي أحكام مقررة كان ذلك أولى من إحداث وصف عقدي جديد لا نظير له في أبواب المعاملات.
.
والله تعالى أجل وأعلم
حررها في عمان - المملكة الاردنية الهاشمية
زياد حبُّوب أبو رجائي
الأشعري المالكي
📢 جَدِيدُنَا:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه استعين، ، والحمد لله رب العالمين ، لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نفسه
أَهْلًا وَسَهْلًا بِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْأَثَرِ، وَمَرْحَبًا بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى دِرَاسَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ الْمَعْمُورِ بِأَنْوَارِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، حَيْثُ نَسْعَى فِي هَذَا الْمَوْقِعِ إِلَى تَقْرِيبِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَتَحْرِيرِ أَدِلَّتِهَا النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، مُعْتَمِدِينَ فِي مَنْهَجِنَا تَتَبُّعَ أَقْوَالِ الْمُتُونِ الْمُعْتَمَدَةِ وَشُرُوحِهَا الْمُعْتَبَرَةِ دُونَ تَحَيُّزٍ، مَعَ الْعِنَايَةِ التَّامَّةِ بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِيةِ وَتَوْجِيهِ الْأَقْيِسَةِ الْفِقْهِيَّةِ كَقِيَاسِ الطَّرْدِ وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ عَلَى مَشْهُورِ مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ، لِيَجِدَ الْبَاحِثُ بُغْيَتَهُ وَالْمُتَفَقِّهُ طَرِيقَهُ الصَّحِيحَ فِي دَرْكِ مَآخِذِ الْأَحْكَامِ وَتَنْقِيحِهَا. ، اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي
وبه استعين، ، والحمد لله رب العالمين ، لا احصي ثناء عليه هو كما اثنى على نفسه
أَهْلًا وَسَهْلًا بِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْأَثَرِ، وَمَرْحَبًا بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى دِرَاسَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ الْمَعْمُورِ بِأَنْوَارِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، حَيْثُ نَسْعَى فِي هَذَا الْمَوْقِعِ إِلَى تَقْرِيبِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَتَحْرِيرِ أَدِلَّتِهَا النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، مُعْتَمِدِينَ فِي مَنْهَجِنَا تَتَبُّعَ أَقْوَالِ الْمُتُونِ الْمُعْتَمَدَةِ وَشُرُوحِهَا الْمُعْتَبَرَةِ دُونَ تَحَيُّزٍ، مَعَ الْعِنَايَةِ التَّامَّةِ بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِيةِ وَتَوْجِيهِ الْأَقْيِسَةِ الْفِقْهِيَّةِ كَقِيَاسِ الطَّرْدِ وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ عَلَى مَشْهُورِ مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ، لِيَجِدَ الْبَاحِثُ بُغْيَتَهُ وَالْمُتَفَقِّهُ طَرِيقَهُ الصَّحِيحَ فِي دَرْكِ مَآخِذِ الْأَحْكَامِ وَتَنْقِيحِهَا. ، اللهم امين
الشيخ د. زياد حبوب أبو رجائي
الجمعيات بين الناس وأحكام القرض؟ قراءة مالكية نقدية
👁️ الـمشاهدين:
0