لكن لو أدى نوع من البيوع إلى إبطال مقصد حفظ المال وإشاعة الظلم والغرر الفاحش بين الناس، فإن هذا النوع لا يكون داخلاً في المراد الشرعي من إباحة البيع، ولذلك يمنع.
ومن أمثلتها عند المالكية
المالكية كثيراً ما يستعملون هذا المعنى في باب سد الذرائع؛ فالأمر المباح في نفسه قد يمنع إذا آل غالباً إلى مفسدة تهدم أصلاً كلياً.
ومثلاً: بيع السلاح جائز في الأصل.
لكن بيعه لمن يستعين به على العدوان أو الفتنة يمنع؛ لأن إباحة هذا الجزئي تؤدي إلى إبطال مقاصد كلية تتعلق بحفظ النفوس والأمن.
علاقتها بالمقاصد
هذه القاعدة مبنية على أن:
الكليات الشرعية مقدمة على الجزئيات عند التعارض.
وأن الشريعة لا يمكن أن تقصد بجزئيٍ ما يفضي إلى نقض ما قررته من أصول عامة ومقاصد كلية.
ولهذا قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي بمعانٍ متقاربة: إن الجزئيات تُفهم في ضوء الكليات، ولا يجوز حمل النصوص الجزئية على وجهٍ يهدم المقاصد الكلية للشريعة.
لكن ينبغي التنبه إلى أن هذه القاعدة لا تطبق بمجرد توهم المفسدة، بل عند تحقق الإفضاء أو غلبة الظن به على وجه معتبر شرعاً، وإلا لأدى ذلك إلى تعطيل كثير من الأحكام المشروعة.
هذه القاعدة قد لا ترد بهذا اللفظ عند الأصوليين، وإنما تندرج تحت عدة عناوين وقواعد مقاصدية متقاربة، منها:
- تقديم الكلي على الجزئي عند التعارض.
- الجزئيات لا تُعارض الكليات.
- الجزئي إذا ناقض المقصد الكلي لم يُعتبر.
- اعتبار مآلات الأفعال.
- سد الذرائع (في كثير من تطبيقاتها).
- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح إذا كان العمل بالجزئي يؤدي إلى مفسدة كلية أو راجحة.
- الشريعة لا تهدم أصولها بفروعها.
- الكليات الشرعية قطعية والجزئيات تُفهم في ضوئها.
- ما أفضى إلى نقض مقصود الشارع فليس بمقصود له.
وعند الإمام يكثر التعبير عن هذا المعنى بعبارات مثل:
- "الجزئيات متى خرجت عن مقتضى كلياتها لم يُعتد بها."
- "الجزئي لا يكون مشروعاً إذا أدى إلى إبطال أصله الكلي."
- "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً."
ولعل أقرب اسم مشهور لهذه القاعدة في كتب المقاصد هو: قاعدة اعتبار المآل أو قاعدة تقديم المقاصد والكليات على مقتضى بعض الجزئيات عند التعارض الظاهر. وهي من المعاني المركزية في كتاب الموافقات للشاطبي.