جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

نقد دعوى حسن السقاف حول النابلسي والفاطميين

 ذكر حسن السقاف مقالا  طويلا وفيه عدة دعاوى تاريخية تحتاج إلى التفريق بين ما ثبت تاريخياً وما هو محل جدل مذهبي.

أولاً: هل قصة قتل أبي بكر النابلسي مختلقة؟

القول بأنها "كذبة لا أصل لها" فيه مبالغة شديدة؛ لأن القصة لم ينفرد بها الذهبي أو ابن كثير، بل ذكرها قبلهما مؤرخون متعددون، منهم و وغيرهما.

بل إن ابن الأثير - وهو ليس تلميذاً لابن تيمية ولا من المدرسة السلفية المتأخرة - ذكر أن النابلسي أُخذ إلى مصر وسُئل عن مقولته في المغاربة، ثم عوقب عقوبة شديدة انتهت بسلخه. فوجود أصل القصة في المصادر التاريخية القديمة أمر يصعب إنكاره.

لكن يبقى سؤال آخر:

هل أسانيد القصة صحيحة على طريقة المحدثين؟

الجواب: أكثر الأخبار التاريخية في هذا الباب ليست بأسانيد قوية كأحاديث الأحكام، ولذلك يناقش الباحثون درجة ثبوت التفاصيل، كمسألة من باشر السلخ، أو بعض الحوارات المنقولة، أو العبارات المنسوبة للنابلسي.

أما نفي أصل الحادثة من أساسها فليس هو الرأي الغالب عند المؤرخين.


ثانياً: هل كان أبو بكر النابلسي قرمطياً؟

هذه الدعوى تحتاج إلى دليل واضح.

المصادر المشهورة التي ترجمت له تصفه بالزهد والعبادة والإنكار على الدولة الفاطمية، ولا تصفه بأنه من زعماء القرامطة أو من المشاركين في اقتلاع الحجر الأسود.

نعم، ورد في بعض الأخبار أنه تقرّب من بعض خصوم الفاطميين أو تحرك في مناطق كان فيها نفوذ قرمطي، لكن هذا لا يكفي للحكم عليه بأنه "قرمطي" بالمعنى العقدي والتنظيمي المعروف.

لذلك فالجزم بأنه كان من أتباع القرامطة الذين اقتلعوا الحجر الأسود يحتاج إلى برهان تاريخي أقوى مما ورد في النص.


ثالثاً: هل الفاطميون هم الذين أجبروا القرامطة على إعادة الحجر الأسود؟

المسألة محل نقاش بين المؤرخين.

بعض المصادر تذكر أن الخليفة الفاطمي أنكر على القرامطة فعلتهم وهددهم، وأن ذلك كان من أسباب إعادة الحجر.

لكن هناك خلافاً بين المؤرخين في مقدار تأثير هذا التهديد، وفي الأسباب السياسية والعسكرية الأخرى التي دفعت القرامطة إلى الإرجاع.

لذلك فقول: "الفاطميون هم الذين أرغموا القرامطة قطعاً" أقوى من المقدار الذي تسمح به المصادر التاريخية.


رابعاً: هل مدح بعض المؤرخين المعز لدين الله؟

نعم.

كثير من المؤرخين أثنوا على ذكائه وسياسته وكرمه وحسن تدبيره، ومنهم و و.

لكن هؤلاء أنفسهم انتقدوا عقائد الدولة الفاطمية أو بعض سياساتها.

ولهذا فمنهج المؤرخين غالباً لم يكن: "إما ملاك أو شيطان"، بل كانوا يجمعون بين الثناء على بعض الصفات والنقد في مواضع أخرى.


خامساً: هل الطعن في نسب الفاطميين بدأ بسبب القادر بالله فقط؟

لا.

صحيح أن أصدر محاضر رسمية للطعن في نسب الفاطميين، وأن للصراع السياسي دوراً واضحاً في ذلك.

لكن النزاع حول نسب الفاطميين أقدم وأوسع من مجرد قرار سياسي واحد؛ فقد ناقش النسب عدد من العلماء والمؤرخين من اتجاهات مختلفة، فمنهم من أثبته ومنهم من أنكره.

ولهذا لا يمكن إرجاع القضية كلها إلى دعاية عباسية فحسب.



  • كما أن تقييم الدولة الفاطمية لا ينبغي أن يكون مبنياً على كتابات السلفيين وحدهم ولا على كتابات المدافعين عنها وحدهم، بل على جمع الروايات وتمحيصها وفق المنهج التاريخي النقدي.

ومن الناحية الأكاديمية البحتة، فإن أقوى اعتراض على النص ليس دفاعه عن الفاطميين، وإنما الجزم بأمور متنازع فيها تاريخياً دون تقديم أدلة كافية عليها، مثل نفي قصة النابلسي مطلقاً، أو الجزم بقرمطيته، أو ردّ كل النقد للفاطميين إلى دعاية سياسية عباسية فقط.

👁️ الـمشاهدين: