[1] إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ اسْتِدْرَاكِ
الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي خَرَجَ وَقْتُهَا
١. أَشَارَ الشَّيْخُ
خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ
الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ إِذَا فَاتَتِ الْمُكَلَّفَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا
فَوْراً، وَشَمَلَ لَفْظُ مُطْلَقاً جَمِيعَ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ
الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْعَمْدِ،
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَائِتِ أَوْ كَثِيرِهَا، لِأَنَّ
حَقَّ الشَّارِعِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ.
٢. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَذَكُّرِهَا،
وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ
صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ
فَوْرَ الذِّكْرِ لِيُحَقِّقَ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ.
٣. الدَّلِيلُ مِنَ
السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا،
لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
التَّصْرِيحُ النَّبَوِيُّ بِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لَا عِوَضَ لَهُ
عَنْهَا وَلَا بَرَاءَةَ لِذِمَّتِهِ إِلَّا بِفِعْلِهَا، وَقَدْ رَتَّبَ
الْفِعْلَ عَلَى حَالِ الذِّكْرِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ
لَيْسَ مُسْقِطاً لِلْفَرِيضَةِ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ.
٤. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-
١. قَاعِدَةُ: مَا ثَبَتَ
بِالْيَقِينِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْيَقِينِ؛ فَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ
فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ يَقِيناً بِدُخُولِ وَقْتِهَا، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ
هَذَا الْوُجُوبِ بِيَقِينٍ إِلَّا بَعْدَ فِعْلِهَا، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ
رَافِعاً لِلْوُجُوبِ الثَّابِتِ.
٢. قَاعِدَةُ: الذِّمَّةُ
إِذَا عُمِرَتْ بِفِعْلٍ لَا تَبْرَأُ إِلَّا بِأَدَائِهِ؛ فَكُلُّ صَلَاةٍ
خَاطَبَ الشَّارِعُ بِهَا الْعَبْدَ صَارَتْ دَيْناً عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ لَا
يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ بَرَاءَةً
لِلْعُهْدَةِ.
٥. الدَّلِيلُ مِنَ
النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-
١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي:
نَقِيسُ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ؛ بِجَامِعِ أَنَّ
كِلَيْهِمَا حَقٌّ وَاجِبٌ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، فَكَمَا أَنَّ دَيْنَ الْبَشَرِ
لَا يَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَيَجِبُ وَفَاؤُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ،
فَإِنَّ حَقَّ الْخَالِقِ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِالْقَضَاءِ تَعْظِيماً لَهُ.
٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
لِعِلَّةِ التَّعَبُّدِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا بِزَمَانِهَا فَقَطْ؛ نَقِيسُ
الْفَائِتَةَ عَمْداً عَلَى الْفَائِتَةِ نِسْيَاناً؛ فَمَا دَامَ الشَّارِعُ قَدْ
أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَوُجُوبُهُ عَلَى الْمُفَرِّطِ آكَدُ
لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ وَالْمُطَالَبَةِ بِتَبِعَةِ
فِعْلِهِ.
[2] إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ
الصَّلَوَاتِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ
١. أَشَارَ الشَّيْخُ
خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً؛
وَالْمَعْنَى أَنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاتَيْنِ الْحَاضِرَتَيْنِ
الْمُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ
مَعَ الْعِشَاءِ يُعَدُّ شَرْطاً فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا
صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بَطَلَتِ
الْعَصْرُ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ حَالَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ
الشَّارِعَ رَتَّبَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَرْتِيباً زَمَانِيّاً يَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ.
٢. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتاً مَحْدُوداً وَمَرْتَبَةً
زَمَانِيَّةً مُعَيَّنَةً، وَالتَّوْقِيتُ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَيْنَ
الْمَوَاقِيتِ، فَمَنْ قَدَّمَ صَلَاةً عَلَى صَلَاةٍ مَعَ إِمْكَانِ التَّرْتِيبِ
فَقَدْ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَضْعِهَا الشَّرْعِيِّ الَّذِي رَسَمَهُ
الْقُرْآنُ.
٣. الدَّلِيلُ مِنَ
السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ
الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ
ﷺ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقَامَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ
وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ
صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَقْدِيمِ الْعَصْرِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْمَغْرِبِ
الْحَاضِرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ مَقْصُودٌ شَرْعاً،
وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْفَعُ التَّرْتِيبَ مِنْ مَرْتَبَةِ النَّدْبِ
إِلَى مَرْتَبَةِ الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِطَاعَةِ.
٤. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-
١. قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ
فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَوَاتُ مَوْقُوفَةً عَلَى
صِفَةِ التَّرْتِيبِ كَمَا نُقِلَتْ عَنِ الشَّارِعِ، صَارَ التَّرْتِيبُ جُزْءاً
مِنْ مَاهِيَّةِ الْأَدَاءِ الصَّحِيحِ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ مَعَ
الْعِلْمِ بَطَلَ عَمَلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْهَيْئَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا.
٢. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ
لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالْعَصْرُ تَابِعَةٌ لِلظُّهْرِ فِي
التَّرْتِيبِ الْيَوْمِيِّ، وَالْعِشَاءُ تَابِعَةٌ لِلْمَغْرِبِ، فَتَقْدِيمُ
التَّابِعِ عَلَى مَتْبُوعِهِ مَعَ ذِكْرِ السَّبَقِ يُفْسِدُ نِظَامَ
الْعِبَادَةِ، مِمَّا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُقَدَّمِ تَقْدِيماً لِحَقِّ
التَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ.
٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ
وَالْقِيَاسِ :-
١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي:
نَقِيسُ تَرْتِيبَ الصَّلَوَاتِ فِيمَا بَيْنَهَا عَلَى تَرْتِيبِ الرَّكَعَاتِ
دَاخِلَ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ
السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ عَمْداً وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ
لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى لِاشْتِرَاكِهِمَا
فِي عِلَّةِ النَّظْمِ التَّعَبُّدِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ.
٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
لِعِلَّةِ التَّسَلْسُلِ الزَّمَانِيِّ لِلْعِبَادَةِ؛ نَقِيسُ تَرْتِيبَ
الْحَاضِرَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ
شَرْطاً؛ فَكَمَا أَنَّ الْبَدْءَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَاجِبٌ فِي
الطَّهَارَةِ لِصِحَّتِهَا، فَكَذَلِكَ الْبَدْءُ بِمَا رَتَّبَهُ الشَّارِعُ مِنَ
الصَّلَوَاتِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ أَوِ
الْغَفْلَةِ.
[3] إِقَامَةُ الدَّلِيلِ
لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ فِي نَفْسِهَا وَمَعَ الْحَاضِرَةِ
الْيَسِيرَةِ
١. أَشَارَ الشَّيْخُ
خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ
وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا؛ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْتِيبُ
الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ بِحَسَبِ سَبْقِهَا فِي الزَّمَانِ، فَيُقَدِّمُ
الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْيَسِيرِ مِنَ
الْفَوَائِتِ (وَهُوَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَقَلُّ) عَلَى الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ،
وَلَوْ أَدَّى هَذَا التَّقْدِيمُ إِلَى خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ
الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ، تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ فِي الذِّمَّةِ.
٢. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ."
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الصَّلَوَاتِ فِي الذِّكْرِ تَبَعاً
لِتَرْتِيبِهَا فِي الزَّمَانِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِقَامَةِ وِفْقَ هَذَا التَّرْتِيبِ
يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ سَوَاءٌ كَانَتِ
الصَّلَوَاتُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا
كَانَ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ.
٣. الدَّلِيلُ مِنَ
السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ
الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
فِعْلُ النَّبِيِّ × فِي قَضَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً كَمَا وَجَبَتْ
أَوَّلاً دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَنْفُسِهَا، وَتَقْدِيمُهُ
لَهَا عَلَى الْعِشَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ أَصْلٌ فِي تَقْدِيمِ
الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا.
٤. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-
١. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ
لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالصَّلَاةُ اللَّاحِقَةُ تَبَعٌ
لِلسَّابِقَةِ فِي شَرْعِيَّةِ التَّرْتِيبِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ
زَمَاناً عَلَى مَتْبُوعِهِ لِأَنَّ هَذَا النَّظْمَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ
لِتَمْيِيزِ الْأَوْقَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.
٢. قَاعِدَةُ: الْقَلِيلُ
يُلْحَقُ بِالْعَدَمِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا
يُغْتَفَرُ فِي الْكَثِيرِ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْفَوَائِتُ يَسِيرَةً (خَمْساً)
أُلْزِمَ الْمُصَلِّي بِتَقْدِيمِهَا لِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مُحْتَمَلَةٌ،
بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُخْشَى مَعَهُ فَوَاتُ الْحَاضِرَةِ بِلَا جَدْوَى.
٥. الدَّلِيلُ مِنَ
النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-
١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
لِعِلَّةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِحَسَبِ سَبْقِ الِانْشِغَالِ؛ نَقِيسُ قَضَاءَ
الصَّلَوَاتِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ الْمَالِيَّةِ، فَكَمَا
أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْأَسْبَقِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ عِنْدَ التَّزَاحُمِ،
فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الْأَسْبَقُ وُجُوباً هِيَ أَوْلَى بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ.
٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ:
نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ
الْوُضُوءِ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ
أَجْزَاءٍ تَعَبُّدِيَّةٍ، فَكَمَا لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ
عَلَى الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَدَّمُ الْعَصْرُ عَلَى الظُّهْرِ حِفْظاً
لِهَيْئَةِ الْعِبَادَةِ كَمَا وَرَدَتْ.
[4] إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ ضَابِطِ الْيَسِيرِ
مِنَ الْفَوَائِتِ هَلْ هُوَ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ
١. أَشَارَ الشَّيْخُ
خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلاف؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ
الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْعَدَدِ الَّذِي يَنْحَصِرُ بِهِ وَصْفُ
الْيَسِيرِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ الَّتِي يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى
الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا؛ فَقِيلَ إِنَّ حَدَّ الْيَسِيرِ أَرْبَعُ
صَلَوَاتٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَثِيرٌ يَسْقُطُ مَعَهُ وُجُوبُ
التَّرْتِيبِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ؛ وَقِيلَ بَلِ الْيَسِيرُ خَمْسُ
صَلَوَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَامِلَةٍ،
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اعْتِبَارُ الْخَمْسِ يَسِيراً.
٢. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
أَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مَعَ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ
مَنُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَمَنِ
اعْتَبَرَ الْخَمْسَ يَسِيراً رَأَى أَنَّ قَضَاءَ يَوْمٍ كَامِلٍ لَا يَخْرُجُ
عَنِ الْوُسْعِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُتَحَمَّلُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْحَاضِرَةِ؛ بَيْنَمَا
رَأَى مَنِ اعْتَبَرَ الْأَرْبَعَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ
الْكَثِيرِ الَّذِي يَجْلِبُ الْحَرَجَ.
٣. الدَّلِيلُ مِنَ
السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × صَلَّى يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ
فَائِتَةٍ هِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَعْدَمَا
غَرَبَتِ الشَّمْسُ مُرَتَّبَةً.
· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ:
فِعْلُهُ × فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ هُوَ الْقَدْرُ
الْمُتَيَقَّنُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِانْشِغَالُ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ
الِانْتِقَالِ لِغَيْرِهَا؛ فَمَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا
النَّصِّ الْفِعْلِيِّ؛ وَمَنْ قَالَ بِالخَمْسِ أَلْحَقَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَا
طَرْداً لِلْبَابِ لِتَكْمُلَ صَلَوَاتُ الْيَوْمِ التَّامِّ.
٤. الدَّلِيلُ مِنَ
الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-
١. قَاعِدَةُ: مَا قَارَبَ
الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْخَمْسُ صَلَوَاتٍ تُقَارِبُ
الْأَرْبَعَ فِي خِفَّةِ الْقَضَاءِ وَقِلَّةِ الزَّمَانِ، أُعْطِيَتْ حُكْمَ
الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ التَّرْتِيبِ تَقْدِيماً لِحَقِّ
السَّبْقِ.
٢. قَاعِدَةُ: الْيَقِينُ
لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَالْأَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَقِينٌ فِي كَوْنِهَا يَسِيراً
لِوُرُودِ الْفِعْلِ النَّبَوِيِّ بِهَا، وَالْخَامِسَةُ مَحَلُّ شَكٍّ؛ فَمَنِ
احْتَاطَ لِلْعِبَادَةِ أَلْحَقَ الْخَامِسَةَ لِيَسْتَبْرِئَ لِذِمَّتِهِ
بِيَقِينِ الْوَفَاءِ لِصَلَوَاتِ يَوْمٍ كَامِلٍ.
٥. الدَّلِيلُ مِنَ
النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-
١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
لِعِلَّةِ الِاسْتِيعَابِ لِلْوِحْدَةِ الزَّمَانِيَّةِ الصُّغْرَى؛ نَقِيسُ
عَدَدَ الْيَسِيرِ عَلَى عَدَدِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ فَكَمَا أَنَّ
الصَّلَاةَ تَدُورُ مَعَ الْيَوْمِ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْيَسِيرِ يَجِبُ أَنْ
يَسْتَوْعِبَ هَذَا الْيَوْمَ (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) لِيَكُونَ التَّقْدِيمُ شَامِلاً
لِكُلِّ مَا وَجَبَ فِيهِ.
٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ:
نَقِيسُ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ
خَمْسٍ لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ؛ فَكَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْخَمْسِ
لِيَحْصُلَ لَهُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَكَذَلِكَ جُعِلَتِ الْخَمْسُ حَدَّ الْيَسِيرِ
لِيَحْصُلَ بِهَا بَرَاءَةُ التَّرْتِيبِ لِمَا فَاتَ فِيهِ.