بَحْثِ "فِقْهِ الزَّيْتُونِ" عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، اعْتِمَاداً عَلَى مَا حَرَّرَهُ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَعَ حَاشِيَةِ الْإِمَامِ الدَّسُوقِيِّ؛ حَيْثُ نَسْتَخْرِجُ الْمَسَائِلَ النَّازِلَةَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ وَنُبَيِّنُ الْحُكْمَ الْقَضَائِيَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهَا :
1. بَابُ الطَّهَارَةِ (مَنَاطُ قَبُولِ التَّطْهِيرِ لِلْأَعْيَانِ)
الْمَسْأَلَةُ (حُكْمُ تَطْهِيرِ الزَّيْتُونِ الْمُمَلَّحِ إِذَا تَنَجَّسَ):
بَحَثَ الدَّرْدِيرُ فِي نَظَافَةِ الْأَعْيَانِ الَّتِي خَالَطَتْهَا النَّجَاسَةُ، وَقَرَّرَ أَنَّ (زَيْتُوناً مُلِحَ) بِنَجِسٍ، أَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ حَالَ تَمْلِيحِهِ، لَا يَطْهُرُ أَبَداً وَلَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ غَسْلاً؛ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْعِلَّةِ هُنَا هُوَ أَنَّ الْمِلْحَ تَتَشَرَّبُهُ أَجْزَاءُ الزَّيْتُونِ الدَّاخِلِيَّةُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى عُمْقِ لَحْمِ الْحَبَّةِ، فَتَدْخُلُ النَّجَاسَةُ مَعَهُ إِلَى الْبَاطِنِ، فَيَتَعَذَّرُ وُصُولُ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ إِلَى الْجَوْفِ، فَيَبْقَى نَجِساً بِالْأَصَالَةِ وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ.
~~*~~
2. بَابُ السِّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (مَادَّةُ آلَةِ السِّوَاكِ)
الْمَسْأَلَةُ (اسْتِعْمَالُ خَشَبِ الزَّيْتُونِ فِي الِاسْتِيَاكِ):
عِنْدَ تَفْصِيلِ آلَةِ السِّوَاكِ الْمَنْدُوبِ، حَرَّرَ الدَّسُوقِيُّ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اسْتِعْمَالُ عُودِ الْأَرَاكِ، فَإِنْ عُدِمَ، جَازَ الِاسْتِيَاكُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ خُشُونَةٌ تُذْهِبُ الصُّفْرَةَ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ خَشَبَ الزَّيْتُونِ مَكْرُوهٌ لِلِاسْتِيَاكِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْأُكْلَةَ (وَهِيَ مَرَضٌ يَنْخَرُ الْأَسْنَانَ وَيَكْسِرُهَا)، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْجَرِيدُ وَالتُّوتُ وَالْجُمَّيْزُ وَطَرَفُ الثَّوْبِ خَشْيَةَ الضَّرَرِ الصِّحِّيِّ.
~~*~~
3. بَابُ الْمُعَاوَضَاتِ النَّقْدِيَّةِ (مَنَعُ التَّرْكِيبِ الْمِعْيَارِيِّ فِِي الصَّرْفِ)
الْمَسْأَلَةُ (دَفْعُ الزَّيْتُونِ مَعَ أُجْرَتِهِ لِلْمُعْصِرِ لِأَخْذِ زَيْتٍ عَاجِلٍ):
حَرَّرَ الدَّرْدِيرُ صُورَةً يَقَعُ فِيهَا النَّاسُ؛ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَيْتُوناً لِلْمُعْصِرِ وَيَدْفَعَ لَهُ أُجْرَةَ الْعَصْرِ نَقْداً، وَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَهُ "زَيْتاً حَاضِراً عِنْدَ الْجَزَّارِ أَوْ الْمُعْصِرِ" بِالتَّحَرِّي وَالتَّخْمِينِ. وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْمَنْعُ وَالْفَسَادُ لِلْعَقْدِ مُطْلَقاً، لِأَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ فِيهَا شَكٌّ فِي تَمَاثُلِ الزَّيْتِ (رِبَا الْجِنْسِ)؛ إِذِ الشَّكُّ فِِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الْجَائِزَةُ نِظَاماً فَهِيَ أَنْ يَعْصِرَ لَهُ زَيْتُونَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْتِبْدَالٍ، أَوْ يَخْلِطَ الزَّيْتُونَ مَعَ زَيْتُونِ غَيْرِهِ ثُمَّ يَقْسِمَا الزَّيْتَ النَّاتِجَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَسَبَ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
~~*~~
4. بَابُ الرِّبَا وَالْأَقْوَاتِ (اتِّحَادُ الصِّنْفِ وَالْجِنْسِ)
الْمَسْأَلَةُ 1 (الزَّيْتُونُ وَالزُّيُوتُ كَأَجْنَاسٍ رِبَوِيَّةٍ):
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً أَنَّ الزَّيْتُونَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (ذَوَاتِ الزَّيْتِ) الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ مَنَعِ النَّسِيئَةِ وَالْتَّفَاضُلِ، وَالزُّيُوتُ الْخَارِجَةُ مِنْهَا تُعْتَبَرُ أَصْنَافاً وَأَجْنَاساً مُخْتَلِفَةً تَبَعاً لِأُصُولِهَا (فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ السِّمْسِمِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ الْفُجْلِ جِنْسٌ)؛ وَبِنَاءً عَلَيْهِ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهَا مُنَاجَزَةً يَداً بِيَدٍ (كَلِتْرِ زَيْتِ زَيْتُونٍ بِلِتْرَيْنِ مِنْ زَيْتِ السِّمْسِمِ) لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَيُمْنَعُ التَّأْخِيرُ.
الْمَسْأَلَةُ 2 (مُعَاوَضَةُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ رَطْباً أَوْ يَابِساً):
أَلْحَقَ الدَّسُوقِيُّ حُكْمَ الزَّيْتُونِ بِبَابِ اللَّحْمِ؛ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ جِنْساً بِجِنْسِهِ بِشَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ إِذَا كَانَا مَعاً رَطْبَيْنِ أَوْ يَابِسَيْنِ، وَيُمْنَعُ مَنعاً بَاتّاً بَيْعُ رَطْبِهِمَا بِبَابِسِهِمَا؛ لِأَنَّ جَفَافَ أَحَدِهِمَا يُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِي الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْقَاعِدَةُ تَمْنَعُهُ.
~~*~~
5. بَابُ الرُّخَصِ وَالْعَرَايَا (اسْتِثْنَاءُ الثِّمَارِ الَّتِي تَيْبَسُ)
الْمَسْأَلَةُ (جَوَازُ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الزَّيْتُونِ خَارِجَ مِصْرَ):
بَحَثَ الدَّرْدِيرُ شُرُوطَ رُخْصَةِ (الْعَرِيَّةِ) وَهِيَ شِرَاءُ الثَّمَرَةِ الْوَاهِبَةِ بِخَرْصِهَا تَمْراً لِلْحَاجَةِ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الثَّمَرَةِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَا يَقَعَ الرِّبَا. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ زَيْتُونَ غَيْرِ مِصْرَ (كَزَيْتُونِ الشَّامِ وَالْمَغْرِبِ الَّذِي يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ) تَجُوزُ فِيهِ رُخْصَةُ الْعَرِيَّةِ بِالشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ، بَيْنَمَا زَيْتُونُ مِصْرَ لَا تَجُوزُ فِيهِ الْعَرِيَّةُ؛ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ فِِي تِلْكَ الْبِيئَةِ لَا تَيْبَسُ بَلْ يُؤْكَلُ رَطْباً أَوْ يَفْسَدُ، فَمَا لَا يَيْبَسُ تَسْقُطُ عَنْهُ رُخْصَةُ الِاسْتِثْنَاءِ الْقَضَائِيِّ.
~~*~~
6. بَابُ السَّلَمِ وَصِيَاغَةِ الشُّرُوطِ
الْمَسْأَلَةُ (تَعْيِينُ نَوْعِ الزَّيْتِ بِأَصْلِهِ وَآلَتِهِ فِي السَّلَمِ):
عِنْدَ كِتَابَةِ عُقُودِ السَّلَمِ فِِي الزُّيُوتِ، قَرَّرَ الدَّرْدِيرُ أَنَّ لَفْظَ "الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ" يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ الْبَلَدِ، لَكِنْ يَجِبُ فِِي صِيغَةِ الْعَقْدِ بَيَانُ النَّوْعِ الْمُعْصَرِ مِنْهُ كَوْنِهِ زَيْتُوناً (لِتَمْيِيزِهِ عَنِ السِّمْسِمِ وَالْكَتَّانِ)، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَرْطُ ذِكْرِ الْآلَةِ الَّتِي عُصِرَ بِهَا (مَعْصَرَةً كَانَتْ أَوْ مَاءً) لِأَنَّ النَّوْعَ الْغَالِبَ أَوْ الْوَسَطَ يَقُومُ مَقَامَ التَّفْصِيلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قَضَاءً عَنِ الْمَازِرِيِّ.
~~*~~
7. بَابُ الْقِسْمَةِ وَالنِّظَامِ الْقَضَائِيِّ
الْمَسْأَلَةُ (حُكْمُ قِسْمَةِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ الْمُشْتَرَكَةِ):
نَقَلَ الدَّرْدِيرُ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ إِذَا مَلَكُوا أَصْلَ شَجَرٍ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءً قِسْمَةُ (زَيْتُونَةٍ وَنَخْلَةٍ) مُشْتَرَكَتَيْنِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ جُزَافاً بِتَعْيِينِ الْأَعْيَانِ، بِشَرْطِ اعْتِدَالِ الْقِيمَةِ الْمَالِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَتَرَاضِي الشَّرِيكَيْنِ؛ بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ وَالْآخَرُ النَّخْلَةَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ هِيَ قِسْمَةُ قُرْعَةٍ وَتَبْيِيضٍ تَرْفَعُ الضَّرَرَ وَالِاشْتِرَاكَ .
~~*~~
8. بَابُ الْمُسَاقَاةِ (شُرُوطُ اِتِّحَادِ الْجُزْءِ فِي الْحَائِطِ)
الْمَسْأَلَةُ 1 (مَنَعُ تَبْعِيضِ النِّسَبِ بَيْنَ الثِّمَارِ):
يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْعَامِلِ مُسْتَوِياً فِي كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَزْرَعَةِ؛ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ فِي التَّمْرِ النِّصْفُ وَفِِي الزَّيْتُونِ الرُّبُعُ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ وَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ تَفَاوُتَ النِّسَبِ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَةِ وَتَرْكِيزِ الْعَامِلِ عَلَى الشَّجَرِ ذِي الْحِصَّةِ الْأَكْبَرِ، فَيَخْتَلُّ مَقْصِدُ الْعَقْدِ.
الْمَسْأَلَةُ 2 (اشْتِرَاطُ عَصْرِ الزَّيْتُونِ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ):
الْمُعْتَمَدُ فِِي عَقْدِ مُسَاقَاةِ الزَّيْتُونِ أَنَّ النِّهَايَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْعَمَلِ تَكُونُ بِالْجُذَاذِ وَالْلَّقْطِ حَبّاً، لَكِنْ يَجُوزُ نِظَاماً اشْتِرَاطُ (عَصْرِ الزَّيْتُونِ) عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ، وَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ فِي السُّوقِ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عُرْفٌ، كَانَتْ أُجْرَةُ الْعَصْرِ وَعَمَلِهِ عَلَيْهِمَا مَعاً بِحَسَبِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ فِِي الزَّيْتِ.
~~*~~
9. بَابُ الْإِجَارَةِ (مَنَعُ الصَّفَقَاتِ الْمُرَكَّبَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْفَسَادِ)
الْمَسْأَلَةُ (شِرَاءُ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ عَصْرِهِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ):
حَرَّرَ الدَّرْدِيرُ فَرْقاً دَقِيقاً بَيْنَ جَوَازِ جَمْعِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ (كَشِرَاءِ جِلْدٍ عَلَى أَنْ يَخْرُزَهُ الْبَائِعُ نَعْلاً) لِإِمْكَانِ إِعَادَتِهِ عِنْدَ الْخَطَأِ، وَبَيْنَ تَمْنِيعِهِ فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي تَتَحَوَّلُ صِفَتُهَا كُلِّيّاً. وَالْمُعْتَمَدُ فَسَادُ وَبُطْلَانُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ عَلَى أَنْ يَعْصِرَهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ فَقْدَ شَرْطِ إِمْكَانِ الْإِعَادَةِ يَجْعَلُ الصَّفْقَةَ وَارِدَةً عَلَى مَخْرُجٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ فِِي عَيْنِهِ، فَيَسْرِي فَسَادُ جَهَالَةِ الْإِجَارَةِ إِلَى أَصْلِ عَقْدِ الْبَيْعِ.
~~*~~
10. بَابُ الْأُجُورِ وَالْجِعَالَةِ (أُجْرَةُ الْعَامِلِ مِنَ الْمَحْصُولِ نَفْسِهِ)
الْمَسْأَلَةُ 1 (أُجْرَةُ الْمُعْصِرِ صَاعاً مِنَ الزَّيْتِ النَّاتِجِ):
قَرَّرَ الدَّرْدِيرُ رُخْصَةً عُرْفِيَّةً لِلْمُزَارِعِينَ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الزَّيْتُونِ صَاعاً أَوِ رِطْلاً مِنَ "الزَّيْتِ" لِلْعَامِلِ فِي نَظِيرِ أُجْرَةِ عَصْرِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الزَّيْتُونُ مَعْرُوفاً عِنْدَ النَّاسِ لَا يَخْتَلِفُ خُرُوجُهُ؛ فَإِنْ كَانَ يُشَكُّ فِِي خُرُوجِ زَيْتِهِ (كَالْقَدِيمِ أَوِ الْمُصَابِ بِعَاهَةٍ) مُنِعَ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ، لِأَنَّ الْأَجِيرَ قَدْ يَعْمَلُ وَلَا يَخْرُجُ زَيْتٌ فَيَكُونُ غَرَراً.
الْمَسْأَلَةُ 2 (الْجِعَالَةُ عَلَى لَقْطِ الزَّيْتُونِ بِنِصْفِ مَا يُجْمَعُ):
حَرَّرَ الدَّسُوقِيُّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ فِي الْمَزَارِعِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ نِظَاماً أَنْ يَقُولَ لِلْعَامِلِ: "الْقُطْ زَيْتُونِي هَذَا، وَمَا لَقَطْتَهُ فَلَكَ نِصْفُهُ"؛ وَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ جِعَالَةٌ اسْتُخِفَّتْ لِلْحَاجَةِ، وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ بِمَحْضِ اللَّقْطِ لَا بِالْعَقْدِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَنَعُ تَعْيِينِ الزَّمَنِ (فَلَا يَقُولُ الْقُطْ الْيَوْمَ) لِأَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَنِ مَعَ جَهَالَةِ النَّاتِجِ يُحَوِّلُهَا إِلَى إِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا يُمْنَعُ فِيهِ شَرْطُ قِسْمَتِهِ حُزَماً أَوْ قَتّاً بَلْ يَجِبُ تَعْيِينُ قِسْمَتِهِ حَبّاً بَعْدَ الْجَمْعِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْعَامِلِ.
~~*~~
11. بَابُ الرُّخَصِ وَالْعَرَايَا (شَرْطُ لَفْظِ الْعَقْدِ لِلِاسْتِثْنَاءِ)
الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ إِجْرَاءِ عَقْدِ الْعَرِيَّةِ فِي زَيْتُونِ غَيْرِ مِصْرَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوِ الْعَطِيَّةِ.
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رُخْصَةَ الْعَرِيَّةِ فِي الزَّيْتُونِ (الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ) مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَلْفِظَ الْمُعْرِي حِينَ الْإِعْطَاءِ بِلَفْظِ (الْعَرِيَّةِ) كَأَعْرَيْتُكَ، فَلَوْ لَفَظَ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الْمِنْحَةِ لَمْ تَصِحَّ الرُّخْصَةُ وَسَقَطَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ الِاسْتِثْنَائِيَّةَ الَّتِي تُخَالِفُ الْقِيَاسَ (لِوُقُوعِ الرِّبَا فِيهَا خَرْصاً) يَجِبُ فِيهَا الِالْتِزَامُ بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ سُنَّةً وَتَضِيقُ عَنِ التَّوَسُّعِ اللَّفْظِيِّ قَضَاءً.
~~*~~
12. بَابُ السَّلَمِ وَصِيَاغَةِ الشُّرُوطِ (حُكْمُ الْإِطْلَاقِ عِنْدَ غِيَابِ التَّفْصِيلِ)
الْمَسْأَلَةُ: كَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ فِِي عَقْدِ السَّلَمِ إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ "الْجَيِّدِ" أَوْ "الرَّدِيءِ" فِي زَيْتِ الزَّيْتُونِ دُونَ تَحْدِيدٍ.
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَفْسَدُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ، بَلْ يُحْمَلُ فِِي الْقَضَاءِ عَلَى النَّوْعِ الْغَالِبِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ غَالِبٌ يُعْرَفُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَلَدِ غَالِبٌ وَاسْتَوَتِ الْأَنْوَاعُ، قَضَى الْحَاكِمُ بِالْوَسَطِ (أَيِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ)؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ نَزَاهَةُ الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ غِيَابِ الشَّرْطِ التَّفْصِيلِيِّ مَنْعاً لِلْمُنَازَعَةِ.
~~*~~
13. بَابُ الْأُجُورِ وَالْجِعَالَةِ (مَنَعُ تَعْيِينِ الزَّمَنِ مَعَ جَهَالَةِ النَّاتِجِ)
الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ قَوْلِ رَبِّ الْحَقْلِ لِلْعَامِلِ: "الْقُطْ زَيْتُونِي (الْيَوْمَ) وَمَا اجْتَمَعَ فَلَكَ نِصْفُهُ".
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: فِِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَةَ فَاسِدَةٌ وَلَا خَيْرَ فِيهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ إِدْخَالَ تَعْيِينِ الزَّمَنِ (كَالْيَوْمِ) يُخْرِجُ الصَّفْقَةَ عَنْ بَابِ الْجِعَالَةِ الْمُوَسَّعَةِ وَيُدْخِلُهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِجَارَةُ لَا تَجُوزُ إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً فِِي نَفْسِهَا (إِذْ لَا يُدْرَى كَمْ سَيَجْمَعُ فِي الْيَوْمِ فِعْلًا)، فَلَمَّا تَرَاكَبَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ لَزِمَ الْفَسْخُ وَضَعاً.
~~*~~
14. بَابُ الْإِجَارَةِ وَالْخُصُومَاتِ (مَنَاطُ الْقَوْلِ فِي قَبْضِ الْأُجْرَةِ)
الْمَسْأَلَةُ: تَنَازُعُ صَاحِبِ الزَّيْتُونِ مَعَ صَاحِبِ الدَّابَّةِ الَّتِي نَقَلَتْ مَحْصُولَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي دَعْوَى قَبْضِ الْأُجْرَةِ.
الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبِيّاً: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَمَّالِ (أَجِيرِ النَّقْلِ) بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبَضْ أُجْرَتَهُ، وَلَوْ بَلَغَا الْغَايَةَ الْمَكَانِيَّةَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأُجْرَةِ فِي الذِّمَّةِ، إِلَّا إِذَا وُجِدَ عُرْفٌ بِبَلَدِ النَّقْلِ يَقْضِي بِتَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ فِِي الزَّيْتُونِ، أَوْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفاً بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَحْمَالِ لِرَبِّهَا (بِمَا زَادَ عَلَى الْيَوْمَيْنِ)، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الْقَوْلُ لِلْمُكْتَرِي بِيَمِينِهِ تَبَعاً لِلِاسْتِقْرَارِ الْعُرْفِيِّ.
تَنْبيهاتٌ مُهِمَّةٌ :
تَحْدِيدِ مَوَاضِعِ الْمُخَالَفَةِ وَالدِّقَّةِ الْأُصُولِيَّةِ فِي خُصُوصِ الْمَسَائلِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ الَّتِي حَرَّرْنَاهَا أَنْفاً فِي فِقْهِ الزَّيْتُونِ، حَيْثُ نَفْرِزُهَا مَنَاطِيّاً إِلَى قِسْمَيْنِ
أَوَّلًا: الْمَسَائِلُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الدَّرْدِيرُ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ
مَسْأَلَةُ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ لِدَارِ الضَّرْبِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي السِّيَاقِ السَّابِقِ):
عِنْدَ ذِكْرِ صُورَةِ الْمُسَافِرِ الَّذِي يَدْفَعُ ذَهَباً غَيْرَ مَسْكُوكٍ (تِبْراً) مَعَ أُجْرَةِ الصَّكِّ لِيَأْخُذَ مَسْكُوكاً حَاضِراً يَداً بِيَدٍ؛ جَزَمَ الدَّرْدِيرُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَشْرُوطٌ بِـ "اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ"، وَأَنَّ جَوَازَهُ مَعَ مُجَرَّدِ الْحَاجَةِ دُونَ اشْتِدَادٍ هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ.
وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ وَابْنِ غَازِي هُوَ جَوَازُ هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْمُسَافِرِ "وَإِنْ لَمْ تَشْتَدَّ الْحَاجَةُ" لِمُجَرَّدِ خَوْفِ فَوَاتِ الرُّفْقَةِ أَوِ الرَّحِيلِ، فَتَقْيِيدُ الدَّرْدِيرِ بِالِاشْتِدَادِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَمَدِ الْمَنْصُوصِ قَضَاءً.
مَسْأَلَةُ مِلْكِ الْأَجِيرِ لِحِصَّتِهِ فِي جِعَالَةِ اللَّقْطِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ - وَالَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الْعَاشِرَةِ):
مَشَى الدَّرْدِيرُ عَلَى طَرِيقَةِ عَبْدِ الْبَاقِي (عَبَقٍ) فِِي أَنَّ الْأَجِيرَ أَوِ الْجَاعِلَ لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْمَلْقُوطِ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَغِ مِنَ الْعَمَلِ كُلِّيّاً (بِاللَّقْطِ الْفِعْلِيِّ).
وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ: حَقَّقَ الدَّسُوقِيُّ نَقْلاً عَنِ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ وَبْنٍ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَجِيرَ "يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالْعَقْدِ لَا بِالْحَصَادِ وَاللَّقْطِ"، وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِِي أَنَّ مَا هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ اللَّقْطِ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا مَعاً لَا مِنْ رَبِّ الْحَقْلِ وَحْدَهُ.
~~*~~
ثَانِيًا: الْمَسَائِلُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الدَّرْدِيرُ نَصَّ خَلِيلٍ أَوْ ظَاهِرَهُ
مَسْأَلَةُ بَيْعِ الزَّيْتِ قَبْلَ عَصْرِهِ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ):
نَصُّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي الْمَتْنِ هُوَ: (وَزَيْتِ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ؛ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا أَنْ يُخَيَّرَ)، حَيْثُ أَطْلَقَ خَلِيلٌ جَوَازَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْخِيَارِ دُونَ تَقْيِيدٍ لِلْنَّقْدِ. لَكِنَّ الدَّرْدِيرَ زَادَ قَيْداً صَارِماً فِي الشَّرْحِ وَهُوَ: "وَأَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ".
وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: هَذَا تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ لَمْ يَنُصَّ هُنَا عَلَى حَظْرِ النَّقْدِ، وَإِنَّمَا زَادَهُ الدَّرْدِيرُ إِصْلَاحاً لِلْمَتْنِ لِكَيْ لَا يُظَنَّ جَوَازُ تَعْجِيلِ الثَّمَنِ مَعَ الْخِيَارِ فِِي الْمَجْهُولِ، لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ تَمْنَعُ تَرَدُّدَ الْمَالِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ، فَصَنِيعُ الدَّرْدِيرِ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ الْخَلِيلِيِّ لِتَقْوِيمِ الْمَنَاطِ.
مَسْأَلَةُ قَسْمِ الزَّرْعِ قَتّاً (تَابِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ):
جَزَمَ الدَّرْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: "وَيُمْنَعُ قَسْمُهُ قَتّاً وَإِنَّمَا يُقْسَمُ حَبّاً" تَقْيِيداً لِصُوَرِ اللَّقْطِ وَالْحَصَادِ.
وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: هَذَا الْجَزْمُ خَالَفَ فِيهِ ظَاهِرَ نَصِّ خَلِيلٍ فِِي أَبْوَابٍ أُخْرَى تُجِيزُ قَسْمَ الْأَعْيَانِ وَالزَّرْعِ قَائِماً إِذَا يَبِسَ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ، وَالدَّرْدِيرُ بَنَى مَنَعَهُ هُنَا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَقْضِي بِمَنَعِ قَسْمِ الزَّرْعِ قَائِماً، وَحَقَّقَ الدَّسُوقِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ خَلِيلٍ الْجَوَازُ، وَأَنَّ اشْتِرَاطَ قَسْمِهِ حَبّاً هُوَ الَّذِي يُمْنَعُ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى الْأَجِيرِ.
مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ الْعَصْرِ (الْمَسْأَلَةُ الْإِحْدَى عَشْرَةَ فِي السِّيَاقِ):
وَضَعَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِِي بَابِ الْإِجَارَةِ لِتَبْيِينِ فَسَادِ "تَرَاكُبِ الْعُقُودِ" (اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ مَعَ الْجُعْلِ فِِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ). لَكِنَّ الدَّرْدِيرَ عَلَّلَ الْفَسَادَ بِـ "جَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَصَالَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ".
وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَتْنِ: الدَّرْدِيرُ هُنَا خَالَفَ ظَاهِرَ تَبْوِيبِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَتَرْتِيبِ مَسَائِلِهِ هَنْدَسِيّاً؛ لِأَنَّ صَنِيعَ خَلِيلٍ يُوهِمُ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَحْضُ الِاجْتِمَاعِ التَّنَافُرِيِّ بَيْنِ الْعُقُودِ، بَيْنَمَا نَقَلَ الدَّرْدِيرُ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ قَضَاءً هِيَ (جَهَالَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الزَّيْتِ)، فَهَدَّ ظَاهِرَ تَرْتِيبِ الْمَتْنِ لِيَنْتَصِرَ لِلْأَصْلِ الْمَذْهَبِيِّ الصَّحِيحِ رَدّاً عَلَى شُبْهَةِ ابْنِ عَاشِرٍ.
~~*~~
فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِلافُ بَيْنَ لَفْظِ الْمَتْنِ وَتَوْجِيهِ شَرْحِ الدَّرْدِيرِ، وَبَيَانُ مَنْ مِنْهُمَا الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ :
1. مَسْأَلَةُ بَيْعِ الزَّيْتِ قَبْلَ عَصْرِهِ (مَنْ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ: الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ)
تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: لَفْظُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي إِطْلَاقِ جَوَازِ الْخِيَارِ دُونَ ذِكْرِ مَنَعِ النَّقْدِ هُوَ ظَاهِرٌ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ فَسَادُ الْعَقْدِ إِذَا نُقِدَ الثَّمَنُ بِشَرْطٍ مَعَ قِيَامِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِي الْمَجْهُولِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الدَّرْدِيرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ وَأَصْلَحَ الْمَتْنَ بِقَيْدِهِ الزَّائِدِ (وَأَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ) نَفْياً لِعِلَّةِ تَرَدُّدِ النَّقْدِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالثَّمَنِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ خَلِيلٌ كَانَ مَحَلَّ اعْتِرَاضِ الشُّرَّاحِ لِإِيهَامِهِ الْجَوَازَ مُطْلَقاً.
~~*~~
2. مَسْأَلَةُ قَسْمِ الزَّرْعِ قَتّاً (مَنْ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ: الشَّيْخُ خَلِيلٌ)
تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: جَزَمَ الدَّرْدِيرُ بِمَنَعِ الْقِسْمَةِ قَتّاً لِلْزَّرْعِ بِنَاءً عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَمْنَعُ قَسْمَ الزَّرْعِ قَائِماً خَشْيَةَ الْغَرَرِ. لَكِنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ الدَّسُوقِيِّ وَالْمَشْهُورِ فِي نُصُوصِ الْمَذْهَبِ هُوَ جَوَازُ قَسْمِ الْأَعْيَانِ وَالزَّرْعِ قَائِماً مَحْصُوداً إِذَا يَبِسَ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ خَلِيلٍ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ. إِذَنْ، الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي ظَاهِرِهِ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ ، بَيْنَمَا ضَيَّقَ الدَّرْدِيرُ فِِي شَرْحِهِ بِنَاءً عَلَى فَرْعٍ مَرْجُوحٍ، فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْقَسْمِ حَبّاً هُوَ الْمَمْنُوعُ قَضَاءً لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى الْأَجِيرِ.
~~*~~
3. مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الزَّيْتُونِ بِشَرْطِ الْعَصْرِ (الْوِفَاقُ مَنَاطِيٌّ: الْمَتْنُ فِي الْحُكْمِ وَالشَّرْحُ فِي الْعِلَّةِ)
تَحْرِيرُ الْمَنَاطِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ؛ فَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ الْقَضَائِيُّ لِلْمَنْعِ كِلَاهُمَا وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ (فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ اتِّفَاقاً عَنِ الْمُدَوَّنَةِ). لَكِنْ مِنْ حَيْثُ تَحْرِيرِ الْعِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الدَّرْدِيرَ هُوَ الَّذِي وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ تَمَاماً؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ هِيَ (جَهَالَةُ الْمَبِيعِ أَصَالَةً لِأَنَّهُ مَخْرُجٌ مَجْهُولٌ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ) كَمَا عَلَّلَ الدَّرْدِيرُ، أَمَّا تَرْتِيبُ خَلِيلٍ لِلْمَسْأَلَةِ فِِي أَبْوَابِ التَّرَاكُبِ الْعَقْدِيِّ (بَيْعٌ وَجُعْلٌ) فَقَدْ جَرَّ خَلَافاً نَظَرِيّاً لَمْ يَرْتَضِهِ الشُّرَّاحُ وَتَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ عَاشِرٍ خَطَأً، فَالْمُعْتَمَدُ تَعْلِيلُ الشَّرْحِ لَا هَنْدَسَةُ الْمَتْنِ.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من كتابي :
إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل
👁️ الـمشاهدون:
0