جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

صوم الست من شوال

أشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ رحمه الله إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) يَعْنِي: أَنَّ نَدْبَ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ رَمَضَانَ 
تَسْمِيَةُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا بِـ (السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ) أَوْ (السِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ) مَسْأَلَةٌ لُغَوِيَّةٌ نَحْوِيَّةٌ يَبْتَنِي الْقَوْلُ فِيهَا عَلَى قَوَاعِدِ الْعَدَدِ وَالْمَعْدُودِ، وَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْبَلَاغَةِ وَاسْتِعْمَالُ لِسَانِ الْعَرَبِ.
الْقَوْلَانِ صَحِيحَانِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ اللُّغَةِ، لَكِنَّ (السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ) بِالتَّذْكِيرِ هُوَ الأَصَحُّ وَالأَفْصَحُ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الصَّرِيحَةِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ («أَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ»)، وَلِمُطَابَقَتِهِ سَنَنَ الْعَرَبِ فِي التَّأْرِيخِ بِاللَّيَالِي.
 أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ النَّحْوِيُّ
الْقَاعِدَةُ النَّحْوِيَّةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الأَعْدَادِ (مِنْ 3 إِلَى 10) أَنَّهَا تُخَالِفُ الْمَعْدُودَ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ:
 تُؤَنَّثُ مَعَ الْمُذَكَّرِ (فَيُقَالُ: سِتَّةُ أَيَّامٍ).
 تُذَكَّرُ مَعَ الْمُؤَنَّثِ (فَيُقَالُ: سِتُّ لَيَالٍ).
وَعِنْدَ حَذْفِ الْمَعْدُودِ وَالإِتْيَانِ بِـ (مِنْ) الْبَيَانِيَّةِ أَوْ التَّبْعِيضِيَّةِ، يَنْشَأُ الْوَجْهَانِ:
1. الْوَجْهُ الأَوَّلُ: (السِّتُّ مِنْ شَوَّالٍ) — بِالتَّذْكِيرِ (وَهُوَ الأَفْصَحُ وَالأَشْهَرُ):
 التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ: مَرْجِعُ التَّذْكِيرِ هُنَا هُوَ إِرَادَةُ الْمَعْدُودِ الْمُؤَنَّثِ الْمُقَدَّرِ، وَهُوَ (اللَّيَالِي). فَالْتَقْدِيرُ: (صِيَامُ اللَّيَالِي السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ)، ثُمَّ حُذِفَ الْمَوْصُوفُ (اللَّيَالِي) وَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ (السِّتُّ) مَقَامَهُ.
 مُوَافَقَةُ النَّصِّ النَّبَوِيِّ: هَذَا الوَجْهُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الصَّحِيحِ؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ × أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّـا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». فَجَاءَ اللَّفْظُ (سِتّاً) بِالتَّذْكِيرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ الأَفْصَحَ إِثْبَاتُ التَّذْكِيرِ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ.
2. الْوَجْهُ الثَّانِي: (السِّتَّةُ مِنْ شَوَّالٍ) — بِالتَّأْنِيثِ (وَهُوَ جَائِزٌ):
 التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ: مَرْجِعُ التَّأْنِيثِ هُنَا هُوَ إِرَادَةُ الْمَعْدُودِ الْمُذَكَّرِ الْمُقَدَّرِ، وَهُوَ (الأَيَّامُ). فَالْتَقْدِيرُ: (صِيَامُ الأَيَّامِ السِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ)، فَلَمَّا حُذِفَ الْمَعْدُودُ (الأَيَّامُ)، أُنِّثَ العَدَدُ لِيُطَابِقَ أَقْيِسَةَ تَعْدَادِ الْمُذَكَّرِ.
 حُكْمُهُ: صَحِيحٌ نَحْوِيّاً لِأَنَّ الصَّوْمَ يَقَعُ بِالنَّهَارِ (فِي الأَيَّامِ)، لَكِنَّهُ دُونَ الْوَجْهِ الأَوَّلِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالاتِّبَاعِ
 ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ الْبَلَاغِيُّ
مِنْ نَاحِيَةِ الْبَلَاغَةِ وَسَنَنِ الْعَرَبِ فِي الْخِطَابِ:
1. الْمُغَالَبَةُ بِاللَّيَالِي وَالتَّأْرِيخِ بِهَا:
 الْعَرَبُ تُؤَرِّخُ بِاللَّيَالِي لا بِالأَيَّامِ، لِأَنَّ اللَّيْلَةَ تَسْبِقُ النَّهَارَ، وَالشَّهْرُ يَبْدَأُ بِهِلَالِ اللَّيْلَةِ الأُولَى. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيَالِي هِيَ أَصْلَ التَّأْرِيخِ، كَانَ التَّقْدِيرُ عَلَى أساسِهَا أَبْلَغَ وَأَعْرَقَ فِي لِسَانِ العَرَبِ.
2. الإِيجَازُ وَإِلْمَاحُ الْمَصْدَرِ:
 التَّعْبِيرُ بِـ (السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ) فِيهِ إِيجَازٌ بِحَذْفِ الْمَوْصُوفِ، وَتَقْدِيمُ الشَّرِيعَةِ لِلَّيْلِ فِي حِسابِ الأَهِلَّةِ يُعْطِي بَلَاغَةً إِضَافِيَّةً لِتَغْلِيبِ لَفْظِ اللَّيَالِي تَقْدِيراً، مَعَ أَنَّ المَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ لِلصِّيَامِ يَقَعُ فِي أَيَّامِهَا نَهَاراً.
دُخُولُ (أَلْ) عَلَى «سِتٍّ» فَيُقَالُ: «صُمْتُ السِّتَّ مِنْ شَوَّالٍ» أَوْ «صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ» صَحِيحٌ فَصِيحٌ لا غُبَارَ عَلَيْهِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ وَالاسْتِعْمَالِ كَالتَّالِي:
أَوَّلاً: التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ لِدُخُولِ (أَلْ)
الْعَدَدُ غَيْرُ الْمُضَافِ يَقْبَلُ (أَلْ) مُبَاشَرَةً:
الأَعْدَادُ إِذَا كَانَتْ مُضَافَةً (مِثْلَ: سِتَّةُ أَيَّامٍ)؛ فَالأَفْصَحُ دُخُولُ (أَلْ) عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ (فَيُقَالُ: سِتَّةُ الأَيَّامِ).
أَمَّا إِذَا قُطِعَ الْعَدَدُ عَنِ الإِضَافَةِ وَجِيءَ بَعْدَهُ بِـ (مِنْ) الْبَيَانِيَّةِ أَوْ التَّبْعِيضِيَّةِ (مِثْلَ: سِتٌّ مِنْ شَوَّالٍ)، فَإِنَّ الْعَدَدَ هُنَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الأَسْمَاءِ الْصَرِيحَةِ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ (أَلْ) التَّعْرِيفِيَّةُ لِتَعْرِيفِهِ، فَيُقَالُ: «السِّتُّ مِنْ شَوَّالٍ».
(أَلْ) هُنَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَوْ لِتَنْزِيلِ الصِّفَةِ مَنَزِلَةَ الاسْمِ:
إِمَّا أَنْ تَكُونَ (أَلْ) لِلْعَهْدِ؛ أَيِ: السِّتُّ المَعْهُودَةُ المَشْهُورَةُ المَطْلُوبُ صِيَامُهَا فِي الشَّرْعِ.
أَوْ أَنْ تَكُونَ أَقَامَتِ الصِّفَةَ (السِّتَّ) مَقَامَ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ (الأَيَّامِ أَوْ اللَّيَالِي)، فَتَعَرَّفَتْ بِـ (أَلْ) كَمَا يَتَعَرَّفُ المَوْصُوفُ.
ثَانِياً: اسْتِعْمَالُ الفُقَهَاءِ وَالْلُغَوِيِّينَ
جَرَى اسْتِعْمَالُ المَثْنِيَّاتِ وَالمَجْمُوعَاتِ وَالأَعْدَادِ الْمُقْتَطَعَةِ بِـ (أَلْ) فِي كَلامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ كَثِيراً؛ فَيَقُولُونَ:
«صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ».
«صَوْمُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ» (وَالمَقْصُودُ الأَيَّامُ التِّسْعَةُ مَعَ لَيَالِيهَا أَوْ العَشْرُ الأَوَّلُ).
«صِيَامُ الْبِيضِ» (أَيِ الأَيَّامِ الْبِيضِ).
فقهياً : 
وهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ دَقِيقٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ فَالْمَشْهُورُ هُوَ السَّعَةُ فِيهَا دُونَ تَقْيِيدِهَا بِشَهْرِ شَوَّالٍ فَقَطْ، بَلْ يُسْتَحَبُّ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهَا طِيلَةَ السَّنَةِ، وَأَفْضَلُ زَمَانٍ لَهَا هُوَ "تِسْعُ ذِي الْحِجَّةِ"؛ رِعَايَةً لِخِلَافِ مَنْ مَنَعَهَا وَخَوْفاً مِنْ إِلْحَاقِ مَا لَيْسَ مِنَ الْفَرْضِ بِالْفَرْضِ.
وَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ وَالْمَنْهَجِيُّ: تَقُومُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى "أَصْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"؛ فَالْإِمَامُ مَالِكٌ رَأَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَوَاتِرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ كَانَ عَلَى تَرْكِ صِيَامِهَا فِي شَوَّالٍ خَشْيَةَ الْبِدْعَةِ وَإِلْحَاقِ الْجَاهِلِ لَهَا بِرَمَضَانَ. وَهَذَا يُبْرِزُ التَّمَايُزَ الْمَنْهَجِيَّ؛ فَالشَّافِعِيَّةُ يَعْتَمِدُونَ "السَّنَدَ" لِتَصْحِيحِ "الْمَتْنِ" ثُمَّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، بَيْنَمَا الْمَالِكِيَّةُ يَعْتَمِدُونَ "الْعَمَلَ" مِعْيَاراً لِصِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمَتْنِ؛ فَإِذَا أَثْبَتَ الْعَمَلُ الْعَكْسَ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ قُوَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالنَّصِّ مَهْمَا صَحَّ سَنَدُهُ.
مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: (مَفْهُومُ الظَّرْفِ  مِنْ شَوَّالٍ) وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ حَرْفَ (مِنْ) فِي حَدِيثِ «أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ» هُوَ لِلِابْتِدَاءِ (أَيْ ابْتِدَاءً مِنْ شَوَّالٍ) وَلَيْسَ لِلتَّبْعِيضِ (أَيْ فِي شَوَّالٍ فَقَطْ)؛ فَمُقْتَضَى الْمَفْهُومِ أَنَّ تَعْيِينَ شَوَّالٍ فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّيْسِيرِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، لَا مَخْرَجَ الْحَصْرِ الزَّمَانِيِّ.
وَالقَضِيَّةُ فِيهَا: هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ (مَانِعَةُ خُلُوٍّ)؛
مَوْضُوعُهَا: صِيَامُ السِّتِّ بَعْدَ الْفِطْرِ.
مَحْمُولُهَا: إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَبَعاً لِرَمَضَانَ (صِفَةُ التَّبَعِيَّةِ) أَوْ أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً مُسْتَقِلَّةً (صِفَةُ النَّفْلِيَّةِ)
وَرَابِطَتُهَا: أَدَاةُ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ.
وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ: تَحْرِيرُ "الْعِلَّةِ"؛ فَعِلْمُ الْمَنْطِقِ هُنَا يُفَكِّكُ النَّزَاعَ: فَإِنْ غَلَبَتْ عِلَّةُ "التَّبَعِيَّةِ" مُنِعَ التَّدَاخُلُ (عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)، وَإِنْ غَلَبَتْ عِلَّةُ "النَّفْلِيَّةِ" جَازَ التَّدَاخُلُ (عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ)
~

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ: كِرَاءٍ، وَلَمْ يُقْبَلْ، أَوْ أَفْطَرَ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ أَوْ لِحَيْضٍ ثُمَّ حَصَلَ، أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ غِيبَةٍ، وَلَزِمَ مَعَهَا الْقَضَاءُ. إنْ كَانَتْ لَهُ، وَالْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا) يَعْنِي أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهِ الْمُكَلَّفُ إِلَى مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ مَقْبُولٍ أَوْ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى أَمْرٍ مَوْهُومٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حُكْمُ الْكَفَّارَةِ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الِانْتِهَاكِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ.
النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ
يَقُومُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى مَنَاطَاتٍ مَقَاصِدِيَّةٍ وَهِيَ
1 مَنَاطُ الْعِيَانِ وَمُعَارَضَةِ الْحُكْمِ
يَنْظُرُ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ رَأَى الْهِلَالَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ الَّذِي لَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّ الْحَاكِمِ لِشَهَادَتِهِ، فَإِفْطَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يُعَدُّ تَأْوِيلاً بَعِيداً لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إِلَى أَمْرٍ مَعْدُومٍ (وَهُوَ ظَنُّ أَنَّ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ) مَعَ عِلْمِهِ بِيَقِينِ الرُّؤْيَةِ، فَالْجُرْأَةُ هُنَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مَشْهُوراً.
2 مَنَاطُ الِاسْتِنَادِ لِلْمَوْهُومِ قَبْلَ وُقُوعِهِ
يَنْظُرُ الْمَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ لِعَادَةٍ فِي الْمَرَضِ أَوْ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ الْعُذْرُ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ هَتَكَ حُرْمَةَ الزَّمَانِ بِالْوَهْمِ، فَإِذَا أَفْطَرَ عَمْداً لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ وَقَعَ الْعُذْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الِانْتِهَاكِ.
3 مَنَاطُ التَّلَاعُبِ بِالنُّصُوصِ وَالْمَعَاصِي
يَنْظُرُ الْفِقْهُ إِلَى أَنَّ الْغِيبَةَ مَعْصِيَةٌ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ حِسّاً، فَمَنْ ظَنَّ إِبَاحَةَ الْفِطْرِ بِسَبَبِهَا فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ فِي التَّأْوِيلِ، فَلَزِمَهُ الزَّجْرُ. وَكَذَلِكَ الْحِجَامَةُ فِي قَوْلٍ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ لِوُجُودِ شُبْهَةِ حَدِيثِ (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ).
4 مَنَاطُ طَرْدِ الْقَاعِدَةِ فِي النَّفْلِ
يَنْظُرُ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي الْفَرْضِ (وَهُوَ الْعَمْدُ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ فِي النَّفْلِ، لِأَنَّ الْعَمْدَ الْحَرَامَ يَقْطَعُ عَهْدَ التَّطَوُّعِ وَيُوجِبُ جَبْرَهُ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَدُورُ مَعَ "قُوَّةِ الِانْتِهَاكِ".
أَدِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ
أَوَّلًا مِنَ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ
قَوْلُهُ تَعَالَى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الشَّاهِدَ لِلْهِلَالِ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ عَيْناً، فَمُخَالَفَتُهُ لِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ بَعْدَ الْعِيَانِ هِيَ انْتِهَاكٌ مَحْضٌ لَا يَعْذُرُهُ فِيهِ تَأْوِيلٌ.
ثَانِيًا مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
حَدِيثُ (لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ عَمْداً بِلَا عُذْرٍ حَاضِرٍ هُوَ إِبْطَالٌ لِلْعَمَلِ، وَمَا كَانَ إِبْطَالاً مُحَرَّماً فِي الْفَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، وَمَا كَانَ فِي النَّفْلِ اسْتَوْجَبَ الْقَضَاءَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَطَوِّعَيْنِ (اقْضِيَا يَوْماً مَكَانَهُ).
ثَالِثًا مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ
1 قَاعِدَةُ (الْمَعْدُومُ شَرْعاً كَالْمَعْدُومِ حِسّاً)؛ فَالْتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ لِمَوْجُودٍ هُوَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَلَا يَدْرَأُ الْعُقُوبَةَ.
2 قَاعِدَةُ (الْعِبْرَةُ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ)؛ فَلَمَّا ظَنَّ الْإِبَاحَةَ بِمَا لَا يُبِيحُ، عُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
رَابِعًا مِنَ الْقِيَاسِ
قِيَاسُ مَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ لِعَادَةِ الْحَيْضِ عَلَى مَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ لِعَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ ثُمَّ لَمْ يُسَافِرْ؛ فَكِلَاهُمَا أَفْطَرَ قَبْلَ رُخْصَةِ الزَّمَانِ، فَاشْتَرَكَا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِلتَّهَاوُنِ.
حُكْمُ مَسَائِلِ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ وَمُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ

👁️ الـمشاهدون:
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.