خليل نفسه بيّن مراده في مقدمة المختصر بقوله:
«وبالتردد لتردد المتأخرين في النقل أو لعدم نص المتقدمين.»
وهذه العبارة أصبحت أصلًا في تفسير اصطلاح التردد عند شراح المختصر.
أولًا: تفسير الحطاب
قال الحطاب في مواهب الجليل:
يعني أنه يشير بالتردد لأمرين:
1. تردد المتأخرين في النقل عن المتقدمين.
2. تردد المتأخرين لعدم نص المتقدمين.
ثم فسرهما فقال:
تردد في النقل: أي اختلاف أصحاب الطرق في كيفية نقل المذهب عن المتقدمين، وهو ما يسمى اختلاف الطرق.
تردد لعدم نص المتقدمين: أي لم يجد المتأخرون نصًا صريحًا عن أئمة المذهب في الواقعة، فاجتهدوا فيها، فاختلف اجتهادهم.
ونبّه الحطاب إلى أن خليل لم يضع علامة تميز بين النوعين، إلا أن الثاني أقل وقوعًا في المختصر.
ثانيًا: تنبيه الحطاب
استدرك الحطاب على عبارة خليل، فقال إن بعض المواضع التي قال فيها خليل: «تردد» لا تنطبق على هذين القسمين، مثل:
وفي تمكين الدعوى لغائب بلا وكالة تردد.
وفي الاكتفاء بالتزكية الأولى تردد.
وقال إن التردد هنا ليس لاختلاف النقل ولا لعدم النص، وإنما لكثرة الخلاف في المسألة نفسها.
وهذا استدراك مهم؛ لأنه يدل على أن استعمال خليل في التطبيق أوسع قليلًا من التعريف الذي ذكره في المقدمة.
ثالثًا: الدردير
الدردير في الشرح الكبير جرى على تفسير الحطاب، فجعل التردد دالًا على اختلاف المتأخرين:
إما في نقل المذهب،
وإما في تخريجه عند عدم النص،
ثم يسعى غالبًا إلى ترجيح أحد الوجهين إذا ظهر له وجه الترجيح. ولذلك ظهرت دراسات بعنوان ترجيحات الدردير في ترددات المختصر
رابعًا: خلاصة اصطلاح "التردد"
يمكن تلخيص اصطلاح خليل في ثلاث مراتب:
1. المعنى الذي نص عليه في المقدمة:
تردد المتأخرين في النقل.
أو ترددهم لعدم نص المتقدمين.
2. المعنى التطبيقي عند الحطاب:
يشمل أيضًا بعض المواضع التي كثرت فيها الأقوال ولم يترجح عند خليل واحد منها.
3. منهج الشراح:
ينظرون في كل موضع: هل هو اختلاف طرق، أو اختلاف تخريج، أو مجرد تكافؤ أقوال، ثم يبينون منشأ التردد ويرجحون عند الإمكان.
وهذا مهم جدًا في دراسة مصطلح التردد؛ لأن تعريف خليل في المقدمة ليس جامعًا لجميع تطبيقاته في المختصر، وهو ما تنبه إليه الحطاب صراحة.
أمثلة من كتاب الصلاة :
هذه أبرز المسائل التي صرح فيها الشيخ خليل بالتردد في كتاب الصلاة، مع بيان وجه الخلاف والتردد بين أصحابنا باقتضاب:
1. التردد في صحة صلاة من صلى خلف من اقتصر على مسح بعض رأسه في الوضوء
توصيف الشيخ خليل: "وفي صحة صلاة المقتدي بمن اقتصر على مسح بعض رأسه: تردد".
وجه التردد: تردد المتأخرين بين القول ببطلان صلاة المأموم بناء على أن مسح جميع الرأس فرض عين عند مالك فالإمام غير متوضئ عنده، وبين القول بالصحة بناء على الخلاف في مراعاة الخلاف ومذهب السادة الحنفية والشافعية في إجزاء مسح بعض الرأس.
2. التردد في إعادة من صلى في المكان المغصوب
توصيف الشيخ خليل: "وفي إعادة الصلاة في المغصوب في الوقت: تردد".
وجه التردد: هل النهي عن الغصب يعود إلى الصلاة ذاتها فيبطلها فتجب الإعادة أبدا، أم أن النهي لأمر خارج عن الصلاة فتصح مع الإثم وتستحب الإعادة في الوقت مراعاة للنهي.
3. التردد في استحباب الأذان للفذ في الصلاة المقضية
توصيف الشيخ خليل: "وفي استحبابه للفذ في الخاصة والمقضية: تردد".
وجه التردد: هل الأذان سنة شرعت للإعلام بالوقت والجماعة فقط فلا يستحب للفذ والقضاء، أم أنه سنة تشرع للصلاة في نفسها لإظهار شعيرة الذكر فيستحب مطلقاً.
4. التردد في إعادة من صلى بالنجاسة نسياناً أو عجزاً
توصيف الشيخ خليل: "وفي إعادة ناسيها أو عاجز عنها في الوقت: تردد".
وجه التردد: ينبني على الخلاف في شرطية طهارة الخبث لصحة الصلاة؛ هل هي شرط وجوب مع الذكر والقدرة فتستحب الإعادة في الوقت فقط، أم شرط صحة مطلقاً فتجب الإعادة أبداً، أم هي سنة.
5. التردد في قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين لمن فاتته السورة مع الإمام
توصيف الشيخ خليل: "وفي قراءة السورة للمسبوق فيما يقضيه: تردد".
وجه التردد: هل المسبوق يقضي القول ويبني في الفعل، أم يبني فيهما مطلقاً؛ فإن قيل يبتدئ بالقضاء اقترن القضاء بسورة، وإن قيل يبني اقتصر على الفاتحة.
6. التردد في سجود السهو لمن شك هل سجد سجدة أم سجدتين
توصيف الشيخ خليل: "وفي بناء من شك في سجدة وأتت ثانية: تردد".
وجه التردد: التردد بين اعتبار الشك كالتحقق فيلغى السهو ويبني على اليقين ويسجد بعد السلام، وبين مراعاة أصل بقاء الصلاة وعدم زيادة فعل سهواً فتفسد الركعة إن لم يتداركها.
👁️ الـمشاهدون:
0