أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذا بَحْثٌ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الحَيْضِ، وَهِيَ مِمَّا تَعْتَرِي بَعْضَ النِّسَاءِ مِنَ الجَهْلِ أَوِ النِّسْيَانِ بِمَا اعْتَدْنَهُ مِنْ أَيَّامِ الدَّوْرَةِ، فَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِنَّ حُكْمُ مَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ. وَالمَقْصُودُ بَيَانُ الحُكْمِ عَلَى وَفْقِ قَوَاعِدِ مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، مَعَ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ المَذْهَبِ وَتَخْرِيجِهِمْ لِلنَّوَازِلِ عَلَى أُصُولِهِمْ.
فَقَدْ بَنَى فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ أَحْكَامَ الْمُعْتَادَةِ عَلَى إِمْكَانِ الرُّجُوعِ إِلَى عَادَةٍ مَعْلُومَةٍ، كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ: «تَرْجِعُ إِلَى عَادَتِهَا»، و«تَسْتَظْهِرُ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا»، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تَدُلُّ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً مُنْضَبِطَةً؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ امْتِثَالُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَعْرِفُ عَادَتَهَا، فَلَمَّا انْتَفَى هَذَا الْوَصْفُ سَقَطَ إِمْكَانُ تَطْبِيقِ هَذِهِ الْفُرُوعِ، فَلَزِمَ الْبَحْثُ عَنْ بَدَلٍ شَرْعِيٍّ. وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ تَعَذُّرِ إِعْمَالِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَيُلْحَقُ بِهِ مَا شَارَكَهُ فِي الْعِلَّةِ، وَهِيَ عَدَمُ إِمْكَانِيَّةِ مَعْرِفَةِ الْعَدَدِ، وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، وَالْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ مِنْ طَرِيقَةِ بِنَاءِ الْحُكْمِ.
بَعْدَ اسْتِقْرَاءِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (الْخَرَشِيِّ، وَالْمَوَاهِبِ، وَالتَّاجِ وَالْإِكْلِيلِ، وَالذَّخِيرَةِ، وَالتَّمْهِيدِ)، وَبَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي مَسَالِكِ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِعْمَالِ النُّصُوصِ، نُقَرِّرُ الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَةِ "النَّاسِيَةِ وَالْجَاهِلَةِ بِعَدَدِ أَيَّامِ الْعَادَةِ" عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
تَحْرِيرُ الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ لِلنَّاسِيَةِ وَالْجَاهِلَةِ
أَوَّلًا: فِي تَبْيِينِ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّاسِيَةِ وَالْمُبْتَدَأَةِ
لَا يَجُوزُ إِدْرَاجُ النَّاسِيَةِ (أَوِ الْجَاهِلَةِ) فِي حُكْمِ الْمُبْتَدَأَةِ، فَإِنَّ الْمُبْتَدَأَةَ سَبَقَهَا "عَدَمٌ مَحْضٌ" لِعِلْمِ الْحَيْضِ فِيهَا، فَهِيَ حِينَ تَرَى الدَّمَ تُعَامَلُ كَمَنْ لَا مَرْجِعَ لَهَا، فَيُصَارُ إِلَى أَقْصَى الْحَيْضِ. أَمَّا النَّاسِيَةُ فَوُجُودُ الْحَيْضِ فِي حَقِّهَا "مُتَحَقِّقٌ" لِأَنَّ لَهَا عَادَةً سَابِقَةً، فَاتِّصَافُهَا بِالْحَيْضِ لَيْسَ ابْتِدَاءً، بَلْ هُوَ "تَأْصِيلٌ قَائِمٌ" حَالَّتِ الْغَفْلَةُ دُونَ اسْتِحضَارِ مِقْدَارِهِ. وَهَذَا الْفَرْقُ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ؛ إِذِ الْعِلْمُ بِالْعَادَةِ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ مَاهِيَّةً، بَلْ يَنْقَلِبُ إِلَى "ظَنٍّ مُسْتَفَادٍ" عِنْدَ التَّحَرِّي.
ثَانِيًا: فِي وَجْهِ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ بِجَامِعِ "تَعَذُّرِ الْإِمْكَانِ"
مَعَ التَّفْرِيقِ السَّابِقِ، يَتَحَقَّقُ الْإِلْحَاقُ بَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ وَالنَّاسِيَةِ بِجَامِعِ (تَعَذُّرِ إِعْمَالِ الْعَادَةِ الْمَعْلُومَةِ لِعَدَمِ الْوُجُودِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، وَلِعَدَمِ الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ فِي النَّاسِيَةِ)؛ فَلَمَّا انْقَطَعَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِالْقَدْرِ الْمُعْتَادِ فِي الْحَالَتَيْنِ، تَعَيَّنَ عَلَى الْمُفْتِي إِيجَادُ بَدِيلٍ يَضْبِطُ حَالَهَا، لَا لِأَنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ حَقِيقَةً، بَلْ لِكَوْنِهَا "مُتَعَذِّرَةَ الْعِلْمِ" كَالْمُبْتَدَأَةِ، فَيُصَارُ إِلَى الرُّجُوعِ لِعَادَةِ لِدَاتِهَا كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ «الذَّخِيرَةُ».
ثَالِثًا: فِي وَجْهِ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَمَلِ بِالتَّمْيِيزِ
الْعَمَلُ بِالتَّمْيِيزِ (صِفَاتُ الدَّمِ) مَشْرُوطٌ بِـ(الرَّيْبَةِ فِي جِنْسِ الدَّمِ)، أَيْ: هَلْ هُوَ حَيْضٌ أَمْ لَا؟ وَالنَّاسِيَةُ لِلْعَدَدِ قَدْ تَيَقَّنَتْ أَنَّهُ حَيْضٌ، فَلَا مَحَلَّ لِإِعْمَالِ التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ صِفَاتِ الدَّمِ تَدُلُّ عَلَى "الْجَوْهَرِ" لَا عَلَى "الْمِقْدَارِ". فَالْعَدُولُ إِلَى التَّمْيِيزِ مَعَ وُجُودِ الْيَقِينِ بِالْحَيْضِ هُوَ تَجَاوُزٌ لِمَنْطُوقِ الْمَذْهَبِ، وَإِقْحَامٌ لِحُكْمِ "الْمُرْتَابَةِ" عَلَى "النَّاسِيَةِ".
رَابِعًا: تَحْصِيلُ الْفَتْوَى وَالنُّدْرَةُ
إِنَّ مَسْلَكَ الْمُفْتِي فِي حَقِّ النَّاسِيَةِ أَوْ الْجَاهِلَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِـ (التَّحَرِّي)، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالرُّجُوعُ إِلَى (عَادَةِ نِسَاءِ أَهْلِهَا)، فَإِنْ فُقِدَ فَالرُّجُوعُ إِلَى (غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ)؛ وَهَذَا لَيْسَ لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، بَلْ لِتَعَذُّرِ إِعْمَالِ النَّصِّ الْمُعْتَادِ فِي الْمَذْهَبِ لِفَقْدِ مَعْلُومِهِ.
وَمِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ (نِسْيَانُ الْعَادَةِ) حَالَةٌ نَادِرَةٌ فِي الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُسْتَقِرَّ فِي النِّسَاءِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ بِعَادَاتِهِنَّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ يَقِينِيَّةً فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ الَّذِي يُعَدُّ فِي حُكْمِ الْيَقِينِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَا يَنْبَغِي التَّسَرُّعُ فِي تَصْنِيفِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسْيَانِ حَتَّى يُسْتَفْرَغَ الْوُسْعُ فِي التَّحَرِّي.
تَحْصِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِلنَّاسِيَةِ وَالْجَاهِلَةِ بِالْعَدَدِ
إِذَا نَسِيَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ عَدَدَ أَيَّامِ عَادَتِهَا، أَوِ ابْتُدِئَتْ بِالْجَهْلِ فِيهَا، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ -تَعَذُّرًا لِإِعْمَالِ نُصُوصِ الْمُعْتَادَةِ لِفَقْدِ مَعْلُومِهَا- يُرَتِّبُ حُكْمَهَا عَلَى مَرَاتِبَ ثَلَاثَةٍ، لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ صِفَاتِ الدَّمِ؛ إِذِ التَّمْيِيزُ مَحَلُّهُ الرِّيَبةُ فِي جِنْسِ الدَّمِ، لَا فِي مِقْدَارِهِ:
أَوَّلًا: مَرْتَبَةُ التَّحَرِّي وَالظَّنِّ الْغَالِبِ فِي نَفْسِها أَوّلاً
يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْذُلَ وُسْعَهَا فِي اسْتِحْضَارِ ذَاكِرَتِهَا؛ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا عَدَدٌ مَعْلُومٌ -كَأَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهَا تَحِيضُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ- فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعْتَادَةِ، فَتَعْمَلُ بِعَادَتِهَا تِلْكَ، وَتَسْتَظْهِرُ بَعْدَهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَتْ مُسْتَحَاضَةً، فَتَغْتَسِلُ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، كَمَا قَرَّرَهُ الدَّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ وَعَلَيْهِ جَرَى التَّقْرِيرُ فِي «مِنَحِ الْجَلِيلِ».
ثَانِيًا: الرُّجُوعُ إِلَى عَادَةِ الْعَشِيرَةِ وَالْأَقَارِبِ
إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا التَّحَرِّي وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ، نُظِرَ إِلَى عَادَةِ مَنْ يُشْبِهُهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالْبِنْيَةِ كَالْأُمِّ وَالْأُخْتِ وَبِنْتِ الْخَالَةِ؛ لِاشْتِرَاكِهِنَّ فِي الطِّبَاعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا نُقِلَ فِي «التَّاجِ وَالْإِكْلِيلِ» مِنْ أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى عَادَةِ مَنْ هِيَ بِمَنْزِلَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ.
ثَالِثًا: الرُّجُوعُ إِلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ
فَإِنْ فُقِدَ الْأَقَارِبُ أَوِ اخْتَلَفْنَ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى عَادَتِهِنَّ، فَإِنَّهَا تَعْمَلُ بِمُقْتَضَى "غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ" (سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ)، وَتُعَامَلُ فِي ذَلِكَ مُعَامَلَةَ الْمُعْتَادَةِ. وَيُسْتَنَدُ فِي هَذَا إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي «الطِّرَازِ» إِلَى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ نَاسِيَةً لِعِدَّتِهَا، فَأَفْتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَبَقَ؛ فَهَذِهِ الْحَالَةُ قَدْ وَرَدَ فِيهَا الْأَصْلُ.
مُلَاحَظَةٌ خِتَامِيَّةٌ:
يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَالَاتِ نَادِرَةٌ فِي الْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ؛ إِذِ الْأَصْلُ أَنَّ النِّسَاءَ يَعْرِفْنَ عَدَدَ أَيَّامِ عَادَاتِهِنَّ، وَلَوْ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، فَلَا يَنْبَغِي التَّسَرُّعُ فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ إِلَّا بَعْدَ الْيَقِينِ بِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ. وَتَفْرِيقُنَا بَيْنَ "الْمُبْتَدَأَةِ" وَ"النَّاسِيَةِ" لَهُ مَحَلُّهُ؛ إِذِ الْمُبْتَدَأَةُ حَالُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى "الْعَدَمِ السَّابِقِ"، بَيْنَمَا النَّاسِيَةُ حَالُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى "الْوُجُودِ الْمَفْقُودِ" الَّذِي نُسِيَ مِقْدَارُهُ، وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمَحَطُّ لِهَذَا التَّحْرِيرِ.
عمان - المملكة الأردنية الهاشمية
👁️ الـمشاهدون:
0